Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مؤلفات المركز، 2018، ص.99-109، ردمك: 2-15-598-9931-978 | نص كامل


 

 

 

جازية فرقاني 

 

 

لطالما اعتبر المسرح جنسا أدبيا خارقا للأجناس، و التصنيف الأجناسي الذي تجاوز التحديد الصارم للمعلم الأول "أرسطو"، جعل منه بؤرة تلتحم فيها مختلف الأشكال الفنية. لقد كُتِبَ المسرح ليلقى حياة أخرى على خشبة العرض، و عندما يخضع لفعل الترجمة لا يمكن الفصل بين النص و بين العرض على اعتبار أن العرض متضمنا في النص و مُشَكِلُ لأحد مكوناته، فلا تترجم الكلمة بوصفها لفظا، وإنما يُنْظَرُ إليها باعتبارها فعلا، الكلمة في حالة الفعل.

إن ترجمة المسرح ليست ترجمة إبداع أدبي من أصناف الإبداعات الأخرى، وإنما هو تعامل مع نص ذي خصوصيات في بنيته و تشكيلته، فهل يُنْظَرُ إليه بوصفه جنسا أدبيا كُتِبَ ليقرأ و يصف في رفوف المكتبات كما دعا إلى ذلك "سنيكا" في العصر الروماني أم باعتباره نصا يحوي عرضا يتسلل من بين ثنايا ريشة الكاتب المبدع، ويزداد الأمر صعوبة عندما يتعلق بمسرح عبد القادر علولة ؛ الكاتب والممثل و المخرج، فهل كتب متصورا الإخراج و أداء الممثل و قاعة العرض ؟ ثم كيف تعامل المترجمون مع إبداعاته ؟ هل تبنوا استراتيجيات وتوسلوا بآليات لمقاربة هذا الشكل الفني ذي الخصوصيات الكثيرة ؟ هل كانت اللغة في مستوى من مستوياتها عائقا حال دون المحافظة على عنصر الأمانة في الترجمة ؟ ثم هل يمكن النظر إلى الانتقال من المكتوب إلى الشفوي في النص المسرحي ترجمة ؟ وبكلمة أخرى، هل التفاعل بين المكتوب و الشفوي في نص الانطلاق يستطيع المترجم عكسه في لغة الوصول ؟

لقد عالجت أعمال علولة المسرحية قضايا الوطن و نبش صاحب "الأجواد" في حفريات الحياة اليومية ليغذي رصيده محققا تراكما ينم عن غزارة التجربة، وأصالة البحث عن الشكل الذي يحقق هذه المتون و هذه المضامين، تجربة كانت محور أعماله و قلق بصم إبداعاته بوضوح فهل يستطيع مترجم أعماله أن يدرك هذا القلق الذي غذى نتاجه وجعل كل مسرحية من مسرحياته مختبر تجارب فلا يمكن فصل النص وترجمته بمعزل عن العرض، وفي الحقيقة « يجب أن يعامل هذا النص معاملة خاصة بوصفه نصا ناقصا »[1] ولن يصبح كاملا إلا بعملية الإخراج التي تضيف إلى النص المكتوب ما كان ينقصه.

إن وعي المترجم بهذه المسألة يجعله يقف حائرا أمام خيارات عدة، فهل يتعامل معه بوصفه نصا أدبيا بحتا أم ينظر إليه على اعتبار أنه نص خاص ذو وظيفة لغوية خاصة، أم يجب الوقوف أمامه بوصفه جزءا من نظام متشابك ومتكامل ؟ فاللغة أو العنصر اللغوي هو وحدة واحدة من مجموعة أنظمة متداخلة تشكل في شموليتها المشهد المسرحي.

تُعَرَفُ الترجمة عادة بأنها « عملية تحويل النتاج الكلامي في إحدى اللغات إلى نتاج كلامي في لغة أخرى مع المحافظة على جانب المضمون »[2]، وبشكل أدق منظومة المعاني المعبر عنها في النص الأصلي، و الترجمة عملية أداتها اللغة وهي تنقل رسالة ما بين طرفين هما المرسل و المرسَل إليه (المتلقي)، الهدف منها إقامة حوار بين حضارتين وثقافتين مختلفتين ؛ حوار لا يلغي الاختلاف و إنما يؤكده أن النص « لا يصبح جاهزا للترجمة إلا إذا أخذ يكشف إلى حد ما عن رغبته في الاختلاف و عشقه له و حنينه إلى أن يسكن لغة أخرى و يرحل عن ذاته و يخرج عن موطنه »[3]، فالتطلع نحو الآخر هو سمة النص الحي الذي يبحث عن التجدد و عن الحياة.

لقد ظل النص يمثل مركز الثقل في العملية المسرحية و كان المؤلف يسمى دراماتورج ؛ لكن اللافت للنظر أن التأليف لم يكن يُعْنَى بالكتابة فحسب و إنما الإلمام الشامل و الصلة الوثيقة بفنون العرض بعامة، وتطور المفهوم بعد ذلك على يد "ليسينج" LESSING  الذي كان منطلقه الرغبة في الخلاص من النموذج الكلاسيكي الألماني، وإعطاء الإمكانية للحديث عن الخصوصية المحلية، فربط العمل المسرحي بالجمهور المتلقي للعرض المسرحي و سمة الآنية في هذا التلقي، ثم بعد ذلك يليه "بيسكاتور"PISCATOR  و "بريخت"  BRECHTو تجاربهما لتحويل مسار العمل المسرحي عن الأطر النظرية للمعلم الأول[4]، أي أرسطو.

إلى جانب ذلك لابد من الوقوف عند فعل المسرحة، ذلك المفهوم الذي تبلور نظريا مع محاولة تحديد خصوصية ما يشكل ماهية المسرح من الناحية الفلسفية ضمن ما يسمى بنظرية المسرح، و من الناحية النقدية فيما أطلق عليه مصطلح علم المسرح مع ضرورة إبراز الخصوصية على مستوى الكتابة و العرض. وقد وقف "رولان بارت (Roland BARTHES) على هذه الظاهرة و عرفها على أنها المسرح بدون نص[5]، أي بدون الجانب الأدبي في النص المسرحي، أو مجموع العلامات التي تتشكل على خشبة المسرح انطلاقا من مخطط الحدث المكتوب مع كل ما يحمله من تأثير على المتلقي بوصفه عنصرا فاعلا في عملية الإنتاج و توجيه مسار النتاج النهائي.

ترى "أن أوبرسفيلد" (Anne UBERSFELD) أن للنص المسرحي وجودين، وجود سابق للعرض ووجود مرافق له[6]، و لا يمكن النظر إلى النص المسرحي بمعزل عن ظاهرة التمسرح التي تستدعي التمثل الذهني لما سيعرض على الخشبة ؛ طبيعة هذه الخشبة، ممثلوها و أزياءهم، وحركية هذا العرض بين الثابت و المتحول، كما تستدعي أيضا التمثل الذهني لسيرورة المكتوب و المنجز حبرا على ورق و مآله في شكل أُناس يفعلون و حكاية تروى، خلافا لما دعا إليه المعلم الأول "أرسطو".

ولهذا فخصوصية ترجمة النص المسرحي تتمحور على الشكل الفني الذي يقولب فيه هذا المضمون الحامل للرؤى الفكرية ثم نقل الكلمات المتراصة و العبارات الحوارية والإرشادات الإخراجية إلى عرض مسرحي حي، وقد تآلفت فيه السينوغرافيا والكوريغرافيا و التعبير الجسدي و الإيمائي إلى جانب النص المكتوب في توليفة يطلق عليها مصطلح العرض المسرحي، حيث يخلق الكاتب المسرحي من الكلمات صورة يهبها الحياة كل من الممثل و المسرح بكل مكوناته، فالممثل هو الذي سيكشف عن جوانب غير مرتقبة في الحوار المسرحي"[7].

إن المسرح هو تزاوج الأدب بالفن و ليس إحياء لأحدهما على حساب الآخر، فالنص المسرحي ينبغي أن يكون كاملا في الإطار الذي يسمح به النوع الأدبي، و الكمال هو تكامل بين طرفين و ليس إتمام لنواقص أحدهما من طرف الآخر. فالنص هو إيجاز و تركيز على حد تعبير توفيق الحكيم، هو مختصر ومركز في أسلوب حواري تتخلله إشارات تبين أنه نص غير مكتمل تنقصه عناصر لن تكتمل إلا بوجود عرض يعطيه تمايزه "فالمسرح يختلف عن بقية الفنون من ناحية أساسية و هي مواجهته المباشرة و المؤثرة في الجمهور"[8].

تحمل الترجمة الأدبية إلى جانب المضمون، شحنة جمالية تقف عائقا في وجه المترجم الذي يتوجب عليه الإتيان "بنص مقابل يتوفر إلى جانب الأمانة في النقل ما يبرز النص الأصلي و لا يضعف أثرة و لا ينقص من جماله"[9]، لأن الترجمة الأدبية (و الترجمة المسرحية ضمنها) تعاون عاطفي يتجاوز معرفة اللغة إلى الثقافة الموسوعية على حد تعبير الجاحظ، والثقافة المسرحية عندما تعلق الأمر بترجمة الخطاب المسرحي. فلا يمكن النظر إلى النص بوصفه وحدة مستقلة و معزولة عن باقي الوحدات، و لا يمكن التغاضي عن الجينو نص المرمز *[10].

إن النص المسرحي نص قابل للاختراق بواسطة الفتحات و الفجوات أو الثغرات الموجودة في بنيته، و هي التي تتيح إمكانية سدها بالمعالجة الإخراجية أو قراءة المخرج المسرحي الذي يقترح إمكانات لسد هذه الفجوات وهنا يلتقي المخرج مع المترجم الذي يسمح له بالتعددية؛ نص واحد و ترجمات عدة، وعرض واحد و رؤى إخراجية متباينة بل متعارضة.

يقول أحد المترجمين : « إنه يكتب النص المسرحي ثم يقرأه بصوت عالي لكي يصل إلى نوع من الإيقاع يساعد الممثل على النطق بكلمات دوره. لهذا يبدو مترجم النص المسرحي كاتبا مسرحيا بشكل ما. فالمترجم في هذه الحال يتوحد مع الشخصيات لدرجة أن يصبح نصه صورة من النص الأصلي »[11]، يتوهم القارئ أمامه أنه أمام النص الأصلي لا الترجمة ؛ إذ يعكس فيه المؤلف / المترجم بصدق ثقافة المجتمع و هي قضية أولاها كل من حاتم و مايسون اهتمامهما عندما اعتبرا أن مهمة المترجمين تكمن في تحديد الإستراتيجية المتبعة من قبل منتج النص  في تنظيم نصه مع احترام مبدأ تحليل النص المصدر القائم على هرم منظم للعناصر التأسيسية ولتسلسل مكوناته. ولن يتأتى ذلك إلا بوجود قرائن في النص نفسه تفصح عن سياق الحالة و السياق الثقافي الأكبر مما يسمح بإدراك الغرض الكامن وراء النص و بالتالي فهو إدراك لقصدية الكاتب الأول ؛ إذ ينبغي الحفاظ على الهدف التواصلي لمنتج النص و الأغراض البلاغية الكامنة وراء نص المصدر .

يكمن دور المترجم في بناء نموذج من المعنى المقصود في نص المصدر، مخمنا نوع التأثير المحتمل على المتلقين في لغة أخرى؛ فهو منتج لكن إنتاجه يخضع لشروط أخرى وهنا تكمن الخطورة فهو يعمل « على إعادة تفسير معنى النص بأسلوب يحقق الأثر المتوخى على قراء النص المترجم »[12].

و على هذا الأساس تتطلب ترجمة النص المسرحي منهجا خاصا ووسائل خاصة، كما يطرح العرض المسرحي الكثير من القضايا منطلقها تعامل المخرج مع النص المكتوب، هل هو مخرج مفسر له، أم مخرج منفذ أم مخرج مبدع يتعدى حدود النص ؟ و إذا كان الأمر كذلك فهل يترجم النص للقراءة أم يترجم للعرض على الرّكح (خشبة المسرح) ؟ يقول "موريس غرافييه" (M. GRAVIER) : « يقع نقل الدراما من لغة إلى لغة أخرى (من سياق حضاري إلى آخر متباين كل التباين) في وسط الطريق بين الترجمة بمعنى الكلمة و الترجمة الفورية في المؤتمرات الدولية »[13]، و يقصد "غرافييه" بهذا أن الكلمة المكتوبة في الخطاب المسرحي تحمل ضمنيا وجودا منطوقا فلا يترجم المترجم إلا و قد وضع في عين الاعتبار الممثل و هو ينطق الكلمة في سياق الخطاب أمام النظارة الذين جاؤوا إلى المسرح لعقد صلة وصل مباشرة و آنية مع الجمهور، فالعلاقة الأهم لأي عمل مسرحي تكمن بين النص المسرحي ومتلقيه « فالغاية التي ينشدها هذا العمل هي الربط بين الكلمة والحركة في بعديهما الزمني والفضائي و بين متلقيهما في كل أبعاده السياسية والاقتصادية و الثقافية و خاصة التوصيلية أي الولوج إلى ذهن المتفرج و قلبه من خلال اللغة التي يتواصل بها يوميا »[14]، و تتمثل عملية الولوج هذه في التأثير الذي يحدثه العمل المسرحي المترجم.

يقودنا هذا الطرح إلى الوقوف على إشكالية هامة عرفها المسرح العربي وهي قضية تأرجحه بين الفصحى و العامية، ثم كيف تعامل المترجمون مع نصوص علولة ذات المستوى اللغوي القريب من اللغة الثالثة التي دعا إليها توفيق الحكيم ووضع لها بيانا  في ملحق مسرحية الصفقة. لقد دعا البعض إلى الكتابة باللغة العربية الفصحى لحماية العمل المسرحي من المحلية الضيقة، أما البعض الآخر فقد دعا إلى استعمال اللهجات المحلية للحفاظ على قوة تأثير العمل المسرحي، لكن يبدو لنا أن اللغة أداة ووسيلة تعبير لابد من تكون حاملة لمضمون النص معبرة عن ذوق المتلقي لأن « معيار التعبير المسرحي هو معيار جمالي وأخلاقي يمتاز بكونه سهلا ممتنعا لا سهلا سطحيا »[15].

أما قضية التأثير التي توعز إلى "يوجين نايدا" (E. NIDA) الذي تحدث عن التكافؤ الشكلي و التكافؤ الديناميكي أو (الدينامي) و ما يهمنا في هذا المقام هو هذا النوع الثاني الذي يرتبط بالتأثير خاصة في المسرح الذي يقوم على الأداء الجماعي و التلقي الجماعي، إذ يستند هذا النوع من الترجمة على مبدأ التأثير المكافئ أو الاستجابة المكافئة، فلا يصب الاهتمام بعلاقة نص الوصول بنص الانطلاق من حيث الرسالة، وإنما من حيث القدرة على التأثير و« تحقيق أقرب مكافئ طبيعي لرسالة لغة المصدر و تقوم هذه الطريقة المتكيفة مع المتلقي على ضرورة إجراء تعديلات في النحو و المفردات و الدلالات الثقافية كشرط لتحقيق الطبيعية »[16]. فهو يرى أن التقابل في المعنى يجب أن تكون له الأولوية على التقابل في الأسلوب، و قد أدرك خليل مطران هذا الأمر عندما ترجم مسرحية هاملت لشكسبير كي تعرض على الخشبة فاضطر إلى التصرف مبررا ذلك بالمتلقي.

لقد أطلق عبد القادر علولة و "بيسكاتور" و "بريخت" قبله مصطلح التوليفة الموسيقية التي تتآزر فيها الكلمات و الألوان الصوتية و النبرات و الحركات والإيقاع لتحقيق هذا المونتاج الحامل للفعل المسرحي. و لهذا تتحول الترجمة من مجرد نقل نص من لغة إلى لغة أخرى لتصبح فعلا ديناميكيا إبداعيا يربط لغة المصدر بلغة الوصول، وقد أقام علائق بين الماضي و الحاضر في عملية أحذ وعطاء محققا المسار التأويلي للترجمة و سيرورتها التناصية التي تجمع بين عالم الخطاب بعناصره و بين لغة نص المصدر و لغة الوصول، بين المترجم و بين متلقي النص و المتفاعل معه.

يتأسس الخطاب المسرحي على أثر التحويل التوليدي المصاحب لعملية انتقال الخطاب اللساني، خطاب النص إلى خطاب مشهدي؛ خطاب العرض حيث يلعب العنصر التقني دورا فاعلا في تعميق المستويات الدلالية و الجمالية لاسيما عندما تسهم الوسائل التكنولوجية في توصيل الدلالة و إجلاء المعنى، فتوظيف الحاشية السينمائية في مسرح علولة دليل على تأثره بكبار المسرحيين العالميين وبخاصة مسرح "بيسكاتور" السياسي ومسرح "بريخت" الثوري الملحمي.

لقد قام "جان دو ليل" (J DELISLE) بتهميش الترجمة الأدبية و الترجمة المسرحية ضمنها، وركز عمله التصنيفي على الترجمة التقنية[17]، و دعت "أومبارو أورتادو ألبير" (Amparo HURTADO ALBIR) إلى تبني تصنيف يضم ترجمة النص المسرحي واقترحت عناصر خمسة يجب مراعاتها في الترجمة بعامة [18]، ووضحت ذلك في جدول يسهم في تقديم حركية الفعل الترجمة ودور الفاعلين فيه و القواعد التي تتحكم في العملية الترجمية بسبب تعاضد العناصر المشكلة للخطاب المسرحي على الرغم من هجانتها.

ألف عبد القادر علولة مسرحية "اللثام" سنة 1987 و عُرِضَت على خشبة مسرح وهران عام 1989 من إخراج المؤلف نفسه. و قد تُرْجِمَتْ سنة 1995 من طرف مسعود بن يوسف تحت عنوان (Le voile) و اقتبست مرة ثانية من طرف فرقة "الأجواد" وهو عمل جماعي ارتكز على الترجمة الأولى السابقة عليه وقُدِمَت في نسخة مزدوجة.

وقفة على عتبة العنوان

يعد العنوان مؤشرا تعريفيا و تحديديا، ينقذ النص من الغفلية لأنه الحد الفاصل بين العدم والوجود، هو مفتاح لباب النص الموصد، والعنوان في الخطاب المسرحي هو علامة للتواصل ودليل يقود المتلقي إلى تضاريس النص / العرض، ويتمتع العنوان بموقع مكاني استراتيجي خاص « وهذه الخصوصية الموقعية تهبه قوة نصية لأداء أدوار ووظائف فريدة في سيميوطيقا الاتصال الأدبي »[19].

إن العنوان بوصفه نصا لغويا يخضع لكل الإمكانات التي تتيحها البنية النحوية للغة، فقد يكون كلمة مثل : اللثام، و قد يكون مركبا، جملة فعلية أو اسمية، وقد يكون أكثر من جملة. وإن الطبيعة التركيبية و المعجمية و البلاغية للعنوان توظف في مجملها لإنتاجه وتسهم في إبراز الكيفيات المختلفة لحضوره في النص ومن ثم انتشاره وامتداده، إما عبر مرادفاته أو من خلال استخدام صور تعمل على رسم حركة ارتداد النص نحو العنوان.

تنتمي العنونة إلى فضاء النصية المرافقة أو الموازية على حسب بويتيقا "جيرار جينيت" (G. GENETTE) و المقصود بها النص الرئيس و النصين المحيطي و الخارجي بوصفهما تكملة و إضافة لهذا العنوان الرئيس الذي يعلن صراحة بوجود فجوة أو نقص ويعطي بذلك مشروعية لوجودهما « إذ تفترض الزيادة المضافة إلى الشيء إكماله و إتمامه لكنها تكشف في الأوان ذاته عن نقص فيه و هوة تأتي هي لتردمها »[20]. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المجال هل من العنوان إلى النص أم من النص إلى العنوان ؟ وبكلمة أخرى هل العلاقة امتدادية أي أن العنوان هو الذرة الأولى التي أدت إلى تشكل النص ؟ أم العلاقة ارتدادية تنم عن تقلص النص و انضغاط مادته و طاقته الدلالية في بنية هي العنوان ؟

هل كتب علولة النص ثم وضع العنوان ؟ أم أن العنوان هو تقلص لكل الفضاء والمادة في شكل مفردة. ثم هل اكتفى المترجم بإيراد المقابل اللغوي دون البحث عن بروتوكول العلاقات بين العنونة و النص.

إن اقتراح لفظ  (Le voile)لترجمة اللثام جاء متسرعا ؛ لأن العنوان علامة تضطلع بدور الدليل لنص يظل مجهولا إلى أن يُعْلَنَ عنه العنوان، لكنه أيضا الحد الفاصل بين الداخل و الخارج، و هو العتبة النصية الأولى التي تشهد المفاوضات بين القارئ و النص لولوجه، و كلمة (Le voile) تثير في ذهن المتلقي مباشرة ذلك الرداء الذي تضعه المرأة في الجزائر و الذي يوحي بالحشمة و الوقار وقد غابت الشحنة الدلالية للفظ اللثام الدال على الحصار والتحرر، الإخفاء والإظهار، الحضور و الغياب، و اقتراض اللفظ يبدو لي أفضل مادام هذا الأسلوب يبقي على ما تحمله اللفظة من دلالات قوية تصل حد التناقض.

أما عن الشرح الذي من المفروض أن يساير الكلمات المقترضة، فقد كان بإمكان المترجم وضعه في هامش النص المكتوب و الاستعانة بخلفية الخشبة لتوضيحه علما أن "مارسيل بوا" (Marcel BOIS) عندما ترجم أعمال الروائي "الطاهر وطار" استخدم هذه التقنية و إن لمسنا في ترجماته توجيها للقارئ الجزائري الذي لا يعرف اللغة العربية.

إشكال آخر كان لابد من الوقوف عنده و دراسته دراسة مستفيضة و هو ترجمة العامية الجزائرية إلى اللغة الفرنسية وما يترتب عليها من انعكاس للجوانب الثقافية والاجتماعية التي ولدت في إطارها هذه الكلمات و التعابير الاصطلاحية التي لا يبحث فيها المترجم عن المقابل و إنما عن المكافئ، الأمر نفسه بالنسبة لأسماء الأعلام المركبة "برهوم الخجول" و "أيوب الأصرم" الأسماء ؛ التي نقلها مسعود بن يوسف نقلا حرفيا افتقدت فيه هذه الأسماء المركبة التي لم يطلقها علولة اعتباطا، دلالات تُرجع المتلقي إلى الخلفية التي منها انبثقت هذه الأسماء فأيوب الأصرم هو النقابي العنيد الذي لا يعرف تزحزحا في أفكاره و لا تراجعا في مبادئه و بالتالي وصفه بالأصرم له مبرراته و دلالاته، وكان لابد من الوقوف عند طبيعة هذه الشخصية و كيفية رسمها لتقديم مكافئ اسمي لها يحيل عند سماعه على ما تحمله هذه الشخصية من خصائص و مميزات تاريخية و اجتماعية.

ترجمة المكون الثقافي، عتبة أخرى نقف عندها في هذا الإطار ونبدي ملاحظة فحواها أن الاعتماد على الترجمة الحرفية أو الاقتراض في نقل المدلول الثقافي يؤدي إلى غموض الترجمة في كثير من الأحيان . فالمكون الثقافي لا يقتضي من المترجم معرفة اللغة، وإنما معرفة ما يحيط باللغة ليتمكن من إيجاد المكافئ الذي يصبو إلى تحقيق الأثر نفسه والانطباع ذاته في متلقي النص / العرض المترجم. فالهوية الثقافية تبصم النص ببصماتها، والمترجم يتبع استراتيجية ضمن مجموعة من الاستراتيجيات تمكنه من الحفاظ على المدلول الثقافي في نظام لغة الوصول. ويبدو لنا أن نظرية النظام المتعدد  لـ "إيفينزوهار" و "جدعون توري"(Even ZOHAR) و (Gideon TOURY) يمكن لها أن تملأ النقص الذي نلحظه في هذا الجانب [21].

و خلاصة القول، إن الترجمة تمثل مسعى تأويليا، فهي عملية ذهنية إدراكية تتطلب ثقافة و ممارسة و مترجم النص المسرحي يواجه إلى جانب النص المكتوب العرض الحي الذي يزخر بالحركة و هو مطالب بإتقان نسيج النص الجديد الذي هو بصدد إنتاجه آخذا في عين الاعتبار الاختلاف الزمني و المكاني و الفكري حتى ينجح في إحداث أثر في جمهوره.

لقد أدرك علولة هذه المعطيات و تمثّل في ذهنه أعماله قبل تحقيقها كتابيا، لقد كانت ظاهرة التمسرح منطلق إبداعاته و بالتالي على مترجم أعماله أن ينطلق من هذا المعطى ليحقق مقبولية لدى الجمهور في بيئة أخرى و بلغة مغايرة.

البيبليوغرافيا

بنعبد العالي، عبد السلام (2001)، في الترجمة، ط.1، بيروت، دار الطليعة.

بيوض، إنعام (2003)، الترجمة الأدبية مشاكل وحلول، بيروت، دار الفرابي.

الجذر النصي المرمز أو الجينو نص المرمز : تقصد به أوبرسفيلد، آن. كل ما يسبق النص و العرض معا، هو تمثل ذهني يدور في ذهن المبدع قبل كتابة النص و تصور الإخراج ومن ثم العرض، ينظر : Ubersfield, A. (1996), école du spectateur, éd. Belin.

جيرمي، مندي (2010)، مدخل إلى دراسات الترجمة، نظريات وتطبيقات، ترجمة علي جواد، هشام، ط. 1، الإمارات، هيئة أبو ظبي للثقافة و التراث.

حسين حسين، خالد )2007)، في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، دمشق، التكوين للتأليف و الترجمة و النشر.

الخوري، شحاذة (1992)، دراسات في الترجمة و المصطلح و التعريب، ط. 2، سوريا، دار طلاس للدراسات و الترجمة و النشر.

دريدا، جاك (1998)، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم، جهاد، تونس، دار الجنوب للنشر.

غلوم، عبد الله (1995)، "الواقع في صيغة المستقبل، نظرة في تجربة المسرح في الخليج"، مجلة المستقبل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

بثينة، عثامنية (2004)، ترجمة النص المسرحي بين الحرفية و التصرف من الإنجليزية إلى العربية، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر.

لمعلومات أكثر ينظر : ماري، إلياس. حنان، قصاب. المعجم المسرحي.

مظفر الدين الحكيم، أسعد (1989)، علم الترجمة النظري، ط .1، سوريا، دار طلاس للدراسات والترجمة و النشر.

ينظر : فردب، ميليت. و جيرالديس، بنتلي. فن المسرحية.

Basil, H. and Mason, I. (1990), Discourse and the translator, Longman, UK.

Bassnett - McGuire, S. (1980), Scientific problems of literary translation, translation studies, London, Mhethuen.

Flamond, J. (1983), Ecrire et traduire, sur la voix de la création, Ottawa-Canada, éd. Vermillon.

Gravier, M. (1973), La traduction des textes dramatiques, étude linguistique appliquée, Paris, éd. Didier Érudition.

Ubersfeild, A. (1996), Lire le théâtre 1, éd. Belin.

Ubersfeild, A. L’école du spectateur, éd. Belin.

Ladouceur, L. (1995), Normes, fonctions et traduction théâtrale, Méta XI, n°1.

Barthes, R. (1985), L’aventure sémiologique, Paris, Seuil.

Delisle, J. (1992), « Les manuels de traduction, Essai de classification », TTR (traduction, terminologie, rédaction), vol. 05, n°1.

Hurtado Albir, A. (1996), La traduction et classification d’analyse, Meta, vol. 41, n° 3.

 


الهوامش

[1] Moguire, S-B. (1980), Scientific problems of literary translation, translation studies, London, éd. Mhethuen, p. 120.

[2] أسعد، مظفر الدين الحكيم )1989(، علم الترجمة النظري، ط. 1، سوريا، دار طلاس للدراسات والترجمة و النشر، ص. 75.

[3] بنعبد العالي، عبد السلام (2001)، في الترجمة، ط. 1، بيروت، دار الطليعة، ص. 61[3]

[4] لمعلومات أكثر، ينظر : ماري، إلياس. قصاب، حنان، المعجم المسرحي.[4]

[5] Voir Barthes, R. (1985), L’aventure sémiologique, Paris, Seuil.

[6] Ubersfeld, A. (1996), Lire le théâtre 1, Paris, éd. Belin, p. 16.

[7] ينظر : فرد ب، ميليت. و جيرالديس، بنتلي، فن المسرحية، ص. 20-22. [7]

[8] غلوم، عبد الله (1995)، "الواقع في صيغة المستقبل، نظرة في تجربة المسرح في الخليج"، مجلة المستقبل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ص. 138.

[9] الخوري، شحاذة (1992)، دراسات في الترجمة و المصطلح و التعريب، ط. 2، سوريا، دار طلاس للدراسات و الترجمة و النشر، ص. 57.

*الجذر النصي المرمز أو الجينو نص المرمز : تقصد به آن، أوبرسفيلد. كل ما يسبق النص و العرض معا، هو تمثل ذهني يدور في ذهن المبدع قبل كتابة النص و تصور الإخراج ومن ثم العرض .ينظر

[10] Ubersfield, A. (1996), L’école du spectateur, éd. Belin, p. 16.

[11] Flamond, J. (1983), Ecrire et traduire, sur la voix de la création, Ottawa-Canada, éd. Vermillon, p. 123.

[12] Basil, H. and Mason, I. (1990), Discourse and the translator, Longman, UK. p. 92.

[13] Voir Gravier, M. (1973), La traduction des textes dramatiques, étude linguistique appliquée, Paris, éd. Didier Érudition.

[14] بيوض، إنعام (2003)، الترجمة الأدبية مشاكل وحلول، بيروت، دار الفارابي، ص. 122.[14]

[15] عثامنية، بثينة (2004)، ترجمة النص المسرحي بين الحرفية و التصرف من الإنجليزية إلى العربية، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، ص. 35.

[16]جيرمي، مندي (2010)، مدخل إلى دراسات الترجمة، نظريات وتطبيقات، علي جواد، هشام. الطبعة الاولى، الإمارات، هيئة أبو ظبي للثقافة و التراث، ص. 66.

[17] Voir Delisle, J. (1992), « Les manuels de traduction, Essai de classification » TTR (traduction ; terminologie ; rédaction), vol. 05, n° 1, p. 41.

[18] Voir Hurtado Albir, A. (1996), La traduction et classification d’analyse, Meta vol 41, n°3.

[19] خالد، حسين (2007)، في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، دمشق، التكوين للتأليف و الترجمة و النشر، ص. 421.

[20] دريدا، جاكٍ (1998)، صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم، جهاد، تونس، دار الجنوب للنشر، ص. 9.

[21] Voir Ladouceur, L. (1995), Normes, fonctions et traduction théâtrale, Méta XI, n° 1, p. 32.