Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مؤلفات المركز، 2018، ص.67-77، ردمك: 2-15-598-9931-978 | نص كامل


 

 

أنوال طامر

 

 

إن الإبداع فعل ذاتي نابع من مفارقات عدة تسهم في تقييم هذا الفعل وفهم موقع "الأنا" من حيث عطاؤها الكلي وانصهارها في الأثر، يستبعد وضعها منفردة ومنعزلة عن معطيات سوسيوفكرية نفسانية محيطة بها، إلا أن استقراء الأثر المسرحي فَسَحَ المجال ووسع من دائرة – الأنا – ليعطيها وجودا متميزا قائما بحد ذاته من حيث هي وجود مادي محقق (جسد) يتفاعل في فضاء النص/العرض من خلال علاقة متشابكة ما بين : جسد/ممثل، جسد/شخصية، مسائلا الذاكرة، الآخر، بحثا عن التواجد داخل/خارج الحد.

الجسد هندسة لمعمار العرض

"المسرح هو جسد" (le théâtre est corps) عبارة محددة حسمت بها "آن ايبرسفيلد" (Anne UBERSFELD) الجدل[1]. لقد كان الجسد و تعبيراته ولغاته دوما قضية أساسية بالنسبة لجماليات العرض، ليصبح الجسد حسب الباحث المسرحي باتريس بافيس (Patrice PAVIS) "جسدا ناقلا"، فالجسد بالنسبة له "مادة ليست تعبيرا عن الفكرة أو عن النفسية. هي حركة أصيلة، مبدعة ونتاج مشاعر. حركية هذا الجسد لا تعمل فقط على إبراز وتكرار الكلام"[2].

و يتأرجح استعمال الجسد وفق منظور جمالي سيميائي لبناء معمار العرض المسرحي، وهذا التأرجح يتم ما بين مفهومين :

- اعتبار الجسد دعما وسندا للإبداع المسرحي، ومن ثم تجسيدا للوساطة ما بين الفعل والكلام.

- يكون الجسد على الرّكح "موضوعا" مستقلا بذاته، ذا مرجعية خاصة به، لا يحيل إلى خلفيات بسيكولوجية أو ما شابه، إذ أن الجسد باعتباره علامة ايقونية، يساهم في نقل عوالم خيالية على الرّكح، وهو أحد مكونات المحاكاة.

و إذا اتفقنا مبدئيا على تصنيف " ونودرام حمق سليم"[3] للكاتب الدرامي علولة عبد القادر في خانة الدراما السيكولوجية، فإن التركيز في الأداء لن يكون إلا على الوجه وتحديدا العينان (حركتهما، جحوظهما... )، إلى جانب اليدين والذراعين في حين تعطي الأشكال الفرجوية الشعبية الأخرى التي اعتمدها علولة في مسرحياته (الأجواد، الڨوال..) أهمية أكبر لحركية الجسد في شموليته.

من أجل جسد لا متناهٍ، جسد ضاج بالحياة يستلهم طروحاته من قضايا عصره ويبلورها في فرجة مبتكرة، يبرز بجلاء مسرح يلغي الثرثرة، يستنطق الدلالات والرموز والأجساد الحية المتحررة." إنّ النص أحد الفضاءات التوليدية والتحويلية للجسد حيث لا يكون موضوعا مباشرا له. فالنص مسكن تخييلي للجسد، فيه يتجسد وجوده المتخيل. إنه مركب من الدلالات الحية وليس فقط نظاما من الألفاظ المتغيرة. وتبعا لهذه العلاقة الحيوية يستعير النص من الجسد حساسيتة وخصوصيته الإيمائية والرمزية ويتخذ منه نموذجا لتناغمه الداخلي وانسجامه الدلالي والفني"[4].

بحثا عن السيميوز اللامحدد للون والإيقاع، في دوائر حركية و تموجات جسدية يرسم جسد "سليم" المتحرك المحتشم آفاق العرض من أساس "الفراغ" أو "الصفر"، مجردا الفضاء من ثقافة "الممتلئ" فيقف الجسد مؤثثا لفراغ الخشبة.

إنّ التجربة الإنسانية في بعض من أعمق تجلياتها يمكن أن تكشف عن نفسها من خلال أصوات، وحركات الجسد الإنساني، وذلك بشكل يتلامس مع أوتار نفس أي مشاهد مهما كانت تركيبته الثقافية و العرقية.. "[5]، ومن ثم تعامل المسرح المعاصر مع "الجسد" كإستراتيجية توليد المعنى حيث وضع "بروك" الممثل في قلب الحدث، باعتباره الوحيد القادر على إحياء خطاب أمسى عتيقا ومتجاوزا، وقد وجد "بروك" ضالته
في مسرح "النو". كما ابتدع" آرتو" (Antoine ARTAUD) [6]، لغة جسدية تحرر الإنسان من قيود ثقافة بائدة آلية للزوال، مرتكزا على قوة النفي التي زحزحت ذاك الإيمان الراسخ بمفهوم "الممتلئ"، "إني أتساءل من يكون أنا، ليس أنا وسط الجسم، لأني أعرف أني أنا من أكون في هذا الجسم وليس آخر وأنه لا يوجد أنا آخر إلا الجسم، ليس في جسمي، بل فيما يمكن أن يشكل هذه الأنا التي تحس بما يمكن تسميته كائن، أن أكون كائنا لأني أمتلك جسما "[7] وصولا إلى مرجعية الطقوس الأولية.

كل ذلك بحثا عن كينونة الفرد الضائعة بين أشلاء حضارة مادية. كما تمنح الخشبة الانجليزية المعاصرة، لوحة مزخرفة للهول مبنية على نماذج من مسرح " ادوارد بوند "، أو"هوارد باركر"، مزكية الاعتراض الذي يمنح للجسد المعذب صوتا ونصا. ومن ثم لم يعد العرض انعكاسا للنص وتجسيدا له وإنما مساحة واسعة للارتجاجات والطاقات الكثيفة لجسد الممثل، في مسرحية "نهاية اللعبة" لبيكيت، (BECKETT) نجد مفهوم الحركية، والتخفي في آن واحد، فالشخصية الرئيسية قابعة على الكرسي، معوق وكفيف، وكل حركاته محددة بهذا الكرسي الذي يقوده خادمه.

تمنح المقاربة الفسيولوجية بالتأكيد فرصَ الخروج من الدائرة الضيقة التي تحاصر اللفظ وتحوله إلى سجن ما هو عرقي وثقافي، إنها فرصة إعادة بناء الوحدات القارة وتحويلها إلى المستوى البدائي الأولي. فالبنى التي يحملها الفعل الدرامي والحوار لا تعكس فقط ذهنية معينة أو أيديولوجية محددة، إنها تسعى إلى قلب أولويات التواصل المعتاد عليها المتلقي، حيث فترجح كفة الإيماءة و الحركة على حساب اللفظة أو الكلمة. ومن ثم فإن أولوية الحركة على الكلمة هو الإيمان بالدلالة الميتافيزيقية اللامتناهية للجسد، باعتباره لغة عالمية لا يحتاج إلى ترجمة الكلمات، في إطار تواصل إنساني دون حواجز. فإذا كانت هذه اللغة الفضفاضة والشاعرية تسمح لنا بملامسة بعض الحقائق الروحانية ، فإنها تفضح قصور اللغة اللفظية وتدفعها إلى إعادة النظر وتغيير وضعيتها، ليمنح أخيرا فضاء للإبداع الخلاق من خلال مسرحة الجسد.

إن النص/العرض في "حمق سليم"، ترنيمة لحركية الجسد لانحناءاته وتموجاته في قالب تحده صيغتين :

- التطبيع الاجتماعي، وهو نمط الترسيخ لسلوكيات مقبولة من خلال أداء متفق عليه، متوازن.

- محطة "الهدر"، وهنا ينزع صمام الأمان (لننحدر من التحرر إلى السقوط).

تتحول الأيقونات على مستوى الجسد إلى صور، متحررة، متموضعة لتكون
في صدارة الرمز والإيحاء. الكودة هنا مجردة غير مرهقة بالتاريخي ولا بالسياسي، إنها حركات لجسد تتوحد من خلال كوريقرافية دلالية، تسعى إلى اكتشاف لغة فاعلة مؤثرة، ترفع العرض إلى مستوى استعادة كنهه، إلى أن يجدد كينونته من خلال استرجاع طاقة طقوس الفرجة.

إن الفضاء والزمن والتشكيل الحركي... آليات تحركها قوة الكودة، يحاورها المبدع من خلال جملة من العلاقات المتقاطعة (المدير، الكاتب العام، الحارس.. .) حيث تشكل "الأنا" محور هذا التقاطع، من خلال شخصية "سليم" الساردة وفق ما يسمى "التبئير الداخلي"، بمعنى الحكاية مسرودة من وجهة نظر واحدة. وهي شخصية في قلب الأحداث، هذه الأحداث التي تتماشى وفق نموذج سداسي الأبعاد (Le schéma quinaire) ل"بول لاريفايل" (Paul LARIVAILLE) [8]،وهو نموذج سردي لهندسة الحكي مستلهما أسسه من مورفولوجية الحكاية لبروب  (PROPP):

- المحطة الأولى : بداية---حالة ابتدائية----- توازن (وفي هذه المرحلة يوضع الديكور، يحدد المكان، تدخل الشخصيات وتعرف).

- المحطة الثانية : تحريض/إثارة/ تهييج..... مفجر/صاعق-----مسبب/مطلق (مرحلة التعقيد (perturbation de la situation initiale

- المحطة الثالثة : فعل (وسيلة لفك وطأة التعقيد)

- المحطة الرابعة : عقوبة-----نتيجة (الحل)

- المحطة الخامسة : بعد----حالة نهائية----توازن نهائي[9]

على مستوى النص قسمت اللوحات من 3 أكتوبر - 4أكتوبر... إلى غاية... (نقاط مفتوحة) من المملكة البيروقراطية 30 فيفري /25... 25... 25،... بين شهرين،... بمعنى الزمن أيضا مرادفا للوعي به، وحينما ينحدر هذا الوعي أو يتخلخل، يتلاشى الزمن و تهتز الأطر والأرضية والفضاء.

ألم يقل ״شيلنغ״  (SHELLING) إن اللغة هي ميثولوجيا محرومة من حيويتها، ميثولوجيا منزوفة״[10]،حيث يترجم الجسد كل هذه النزيف، على مستوى التطبيع
و التدجين، وهو محتشم ،جسد اجتماعي راضخ، حالم ( لاحظ وضعية الجسد المتأرجح على كرسي المدير) :

"لو كان عندي كرسي مثل هذا في المكتب لوراني ساكن في الإدارة"[11].

العينان مستكشفة، مبهورة أحيانا، مندهشة، يتسارع إيقاع الرمش.. في حين حينما يجسد المدير، تبدو النظرة حازمة، مثبتة آمرة، عاكسة الخلفية القيادية للرجل.

لا زلنا في التطبيع مع تقليد سلوكيات الكاتب العام وعلاقته بالحارس (العساس) يؤدي المقطع كله في وضعية جلوس وهو يمسح حذاءه (دلالة على المحاباة).

ما هو اجتماعي و ما هو نمطي وهو الوجه السلبي للترويض، لا يمكن أن يبقى بعيدا عن الوجه الآخر المكمل له وهو الترغيب المتجسد في "رجاء". "وفي الواقع فان المرء حين يرغب، يفهم ما الذي يمكن أن يعنيه انتظار جواب الغير وأن يعيش في جسمه شعورا بالفقد والعجز، لكن أيضا عبر رغبته، يصطدم المرء بالميل لتملك الآخر ولتحويله إلى موضوع للسيطرة"[12].

إذ يتجسد "موضوع اللذة" (L’objet du désir) المجسد في "رجاء"، الذي تقف أمامه معطيات عدة، مثل عامل الاختلال الطبقي أو التباعد الطبقي، موقع البطل
في السلم الإداري، الاجتماعي.. تؤدي المساحة الفاصلة بينهما إلى خلخلة الرغبة، إعاقة ومنعا، مما يحيل مباشرة إلى إعاقة نزوات الحياة (pulsion de vie)، فيتعذر استيعاب كامل لسجل العلاقات والارتباطات والصلات والبناء والانجاز، ومن ثم يهتز جدار حفظ الذات.

يختزل "سليم" هذا الايروس، ويوجهه إلى الداخل فيؤدي إلى تدمير ذاتي، عوض التوجه نحو الخارج (نزوة العدوان)، فينتج الانفصام والتفكك والتدمير الذي يتوالد بدون حدود.

يطأ "سليم" العالم المتعالي البرجوازي للمدير، حيث يأتي الوصف للرخام ،للخزانة، للزرابي ولسعة المكان مشكلا باليدين" التأطير "(L’encadrement)، عاكسا بذلك العلو والنظام. إنها أشكال هندسية، تضع الكل في مكانه، بحجمه لا إضافة أو نقصان. ثم إن علاقتنا بالفضاء المسكون علاقة بناء للهوية، علاقة حية تفعل وتتفاعل أساسها فاعل يتمحور داخل الفضاء كجزء منه.

يفتح من هنا سجل النقص الإنساني، نقص الكيان ونقص الاعتراف والقيمة، وبالمقابل تتحرك نزوة السطوة عند "سليم" التي توفر له مجالا لامتلاء البديل للنقصان وصولا إلى طابع التدمير الصادي.

قناتان توجهان طاقة الممثل، الأولى : فيزيولوجية، والثانية نفسانية، تسمحان له بتركيز إبداعه وحضوره على شد انتباه المتلقي، كما أن حضوره الكلي يعكس غيابه من خلال "جسد في الحياة" (Corps-en-vie) الذي يمنح الممثل إمكانية الانبساط تحت نظر المتلقي[13]، مما يفسر الخط المتجه نحو الانحدار، ومن ثم نحو الاكتئاب والوحدة والعزلة، وذلك حينما يتغير عمق النظرة من عوالم الدهشة والاكتشاف إلى الشرود والخواء والشك والخوف. وهنا بانزلاق الجسد نحو عوالم الهذيان، ينزلق المتلقي إلى اللامعنى و اللاتحديد.

"الجسم في حالة حياة يمدد حضور الممثل وإدراك المشاهد. إنه لا يعني وجود شخص حاضر أمامنا ولكن تغييراً مستمراً وتفتحاً يتم تحت أبصارنا. إنه جسم في حالة حياة . لقد تم تحوير الطاقة المتدفقة أثناء سلوكنا الاعتيادي لتصبح مرئية بصورة غير متوقعة"[14].

بعد واقعية التفاوت الطبقي نلج عوالم "عتيق" وحزمة رسائل "لوبانة" التي يتوسدها الكلب الرومانتيكي. وهنا يهوي الخطاب ويتلاعب بالمتلقي، من رتبة العتمة إلى سواد الهزل. أليست "السخرية هي القدرة على اللعب أن تطير في الأجواء، أن تتداول المضامين إما لإنكارها أو لإعادة بعثها ؟ "[15].

"قل لسي لزرق لخضر، الخوخي سي لحمر سي القرفي... نرجع نهار آخر... "[16]

اختلطت الأسماء، تماهت المفردات،... لم يعد شيء واضح، إذ يستحيل مع الجملة السخرية التقيد بمنطق الوضوح مما يضفي على أجزاء الخطاب الكثير من البلبلة واللاوضوح العام.

إلى أن نصل إلى : "مع البروتوكول كولكول... "[17]، إن السخرية تعيد صياغة المعطى بكل ميكانيزمات القلب والصور المجازية المتاحة، إنها تفرض قراءة مغايرة لما هو مرتقب. "ومن ثم السخرية تحطم الغلاف الخارجي للمؤسسات، تعودنا على احترام الأهم، إنها تبسط، تعري وتسكب امتحانا مطهرا لأجل مطلق لم يدرك أبدا، تتظاهر السخرية حتى تحطم الأشباه. إنها قوة ملزمة تجبرنا على تجريب كل أشكال اللاحترام، أن ننطق بكل الوقاحات أن نجتاز خط الشتائم أن نركز دوما على أهمية الجوهر و روحانية الفكر"[18].

يتواصل الصدى لدى "سليم" حاملا المعطف الأسود باليمنى واليد اليسرى موجهة إلى الأسفل، ويرتدى المعطف بالمقلوب. فإن كان الإنسان في حد ذاته هو مادة للعلامة وحاملها، فإنه متمّه في الدال والمدلول، ومن ثم هو مساحة لانصهار التواصل، إلا أنه كلما تضخمت العصبية زاد ميلها لابتلاع الحيز المكاني والآخرين على حد سواء.

يكاد يصبح إلغاء الآخر إمكانية بديهية لا تردد إزاءها...

يلغى الجميع إلا صوت وصورة "الأم"، النقطة الوحيدة الجاذبة نحو "الحقيقي"، ما عدا ذلك، تتهاوى مملكة الرجل. وفي هذا السقوط، وفي هذا الجنون، يثبت الجسد (le corps s’affirme) بثقة التعالي، حركات حازمة، إلا أمام جملة :

"أمي تندب،تندب من الفرحة... " [19] يضيف لها الممثل حركة تمديد للمعاناة.

تهيئة الكودة، و موضعة هذه الكودة جسديا

يجري في كل الثقافات وفي كل المحطات التاريخية، تطبيع الجسد وفق معايير السلوك الاجتماعي المتفق عليه، و يثمن هذا التطبيع انتماء لنسق ثقافي يبدو عفويا، يتعاطى مع الآخر وفق كودات محددة سلفا، "إن التجربة الإنسانية في بعض من أعمق تجلياتها يمكن أن تكشف عن نفسها من خلال أصوات، وحركات الجسد الإنساني، وذلك بشكل يتلامس مع أوتار نفس أي مشاهد مهما كانت تركيبته الثقافية و العرقية. .."[20]

ولكن ماذا عن إمكانية تحرر الجسد المتزمت اجتماعيا متجاوزا جواز القبول لدى الجماعة، حينما يعلن تمرده على الشفرة المحددة لسلوكه، للغته، لحضوره، كأن يضع "سليم" التاج على الرجل، أن يلاعبه ويدحرجه ويتسلق العمود،... يسقط التدجين ويسقط الاجتماعي، نحن أمام : سليم الأول، ملك البيروقراطية.

هنا يصبح الجسد كلي الحضور، هذا الحضور، المكثف بشكل حالة "غمر إدراكي" بمعنى الإغراق في التوكيد على الذات، ونصل معه إلى وضعية "نرسيس" الذي افتتن بصورة ذاته على صفحة الماء لحد الغرق فيها في النهاية.

يختفي المعطف ويحل محله البرنوس بالشراشف. .وتكثر الشعارات والأصداء، تتعالى أصوات المنددين، وتنجلي للحظات التزام الرجل بواقعه، بآلام المساكين :

حضور ووصل يقابله انقطاع، وهم، جنون العظمة، وبعد وخز الإبر، يتهاوى الجسد، يجلس منهارا، مستسلما لقبضة الحراس، "ثمة هنا اكتشاف رهيب، اكتشاف الجسد الذي لا يرى مطلقا، قاع الأشياء، قفا السطح، أو الوجه، الجسد بكل قدره،
في أعمق أعماق اللغز، الجسد بوصفه مشوها، وبأن شكله بحد ذاته شيء يثير القلق (...)، نظرة القلق، تحقق القلق، التجلي الأخير لأنت هذا – أنت هذا، الأشد بعدا عنك، الأشد تشوها"[21].

لم يعد شيئاً محتملا تلتصق يداه بالرأس :

"أمي مخي ذاب،المملكة البيروقراطية رابت وعيني تشوف... "[22]

وينتهي "الهدر" بسقطة الجسد.

إن التوازن الديناميكي التي يحيلنا إليها "اوجونيو باربا" (Eugenio BARBA) تعطي للممثل وعيا كثيفا بالفضاء الذي يشغله على الركح، باعتماد تشكلات جسدية تبتعد عن الوضعيات اليومية، ذات رتابة شاقولية (عمودية) معينة مقتصدة للحركة ومن ثم فارغة من المعنى، للوصول إلى تموضع "خارج يومي"extra - quotidien[23] التي تفسح فرص متعددة للاستثمار في تشكيل المعنى ومن ثم يسعى الممثل إلى خلق الإيهام لدى المتلقي، بكون الجسد يظل في حراك بالرغم من سكونه.

يفكك "علولة" الحركة ويجددها، ويعيد التفكير في منحى ومعنى اللغة الجسدية ومعناها، ومن ثم ينأى عن الكليشيهات المتعارف عليها. كما يرتبط هذا التفكيك بفضاء ركحي يتجدد عبر مستويي الملأ والتفريغ السيكولوجي للشخصية، من جهة والواقع الاجتماعي لفضاء التواجد من جهة أخرى. إذ من بداية المسرحية، إلى النهاية يرتبط الفضاء بالحالة الذهنية لسليم، فيتحول الركح إلى فضاء للتساؤل، ويمسي المكان عزلة ووحشة في غياب المعيار، إلا أن بلوغ الذروة لا يوحي بالانفراج، بقدر ما يقلق، فيزداد الفضاء ضيقا، وتزداد المساحة انكسارا.

كما يذوب المكان ويلتف في رداء الصمت، حينما ينتهي جواز التصريح بحركية الجسد، و يثبت بلا حراك منهارا في صمت. والمكان ليس حياديا، إنه تجسيد للمحطات، يرفع خيارات ويتيح للجسد التربع على إمبراطور الهذيان والعبور إلى المسكن الأخير.

يقال هذا الكائن من خلال "مسرحة الجسد" على الركح الذي هو حوصلة هذه المعاني، باعتباره مجسدا للوجود الأصيل الذي يحررنا من دائرة التسلط ومن الشبكة العنكبوتية لمنظومة الاستهلاك ومن النظريات النفسانية والاجتماعية التي تعزل "اللامتكيف" وتضعه تحت خانة العصابي، مما يزيد من إنعاش الاغتراب عن "المتفق" عليه سوسيولوجيا، وترويج نسق من العلاقات المتوترة المُؤرّقة للجسد المنهوك. وصولا إلى الهدف الأسمى، الوعي باستراتيجيات تدجين الإنسان المعاصر.

البيبليوغرافيا

بول، لاريفال (1966-1996)، أستاذ الأدب الايطالي بجامعة باريس، نانتار، ومترجم. من أعماله : الفكر السياسي لمكيفيلي.

انطونين، آرتو  Antoine MARIE- Joseph ARTAUD : (1896-1948)، كاتب وشاعر ورسام ومنظر مسرحي فرنسي، من أم تركية، صاحب مفهوم "مسرح القسوة"، عانى منذ المراهقة من آلام حادة بالرأس ولعل هذا ما كان له أبلغ الأثر على إنتاجه الإبداعي وعلاقاته بالغير ونظرته للوجود .ظل حبيس المصحة العقلية لتسع سنوات يعاني ويتلقى الصعقات الكهربائية كعلاج في ذاك العهد.من أهم مؤلفاته : le théâtre et son double (1938)، وقائع تافهة (1924)،Faits divers ، اليهودي التائه (1926)، érrant Le juif، حب جان، دارك (1927)،La passion de Jean DARC  

انطونينارتو، دفاتررودز (1981)، في المؤلفات الكاملة، ج XVI، باريس، غاليمار.

أوجينيو، باربا وآخرون، طاقة الممثل، وزارة الثقافة، القاهرة، مهرجان القاهرة الدولي، ترجمة، الجمل، سهير.

جاك، لاكان )1978(، المنتدى الثاني، الأنا في نظرية فرويد وفي تقنية التحليل النفسي، باريس، لوسوي.

الزاهي، فريد (2003)، النص والجسد والتأويل، إفريقيا الشرق بيروت - لبنان.

عن مذكرات مجنون، تأليف غوغول، نيكولاي. اقتباسو إخراج : علولة، عبد القادر. ديكور بوحاريز. روقي، موسيقى : حيمور، محمد.

مسرحية حمق سليم، اللوحة 4 أكتوبر.

مسرحية حمق سليم.

ينظر شيلنغ، ف (1945)، مقدمة لفلسفة الميتولوجيا، ترجمه إلى الفرنسية، جنلكليفيتش اوبيه، س. الجزء الأول.

Merleau, M-P. (1945), La phénoménologie de la perception, Paris-Gallimard.

Voir Barba, E.(1989), L’energie de l’acteur, Lectoure, Bouffonneries, n° 15116.

Voir Barba, E. L'énergie qui danse : l'art secret de l'acteur, Traduction Deschamps, E-Pria, Lectoure.

Voir Larivaille, P. (1974), « L'analyse (morpho) logique du récit », Poétique, n° 19.

Bouffonneriesn, Contraste, (1995).

Brook, interview with

Michael, Gibson (1973), ”The Dram” Review-vol n° 17, 3-September.

Jankélévitch, V. (1964), L’ironie, Paris_France éd. Flammarion.

Pavis, P. (2002), Dictionnaire du théâtre, Paris, éd. Armand, Colin.

Voir Anne, Ubersfeld (2001), Lire le théâtre, Paris, Belin, Coll, Lettres SUP.


الهوامش

[1] عن مذكرات مجنون، تأليف غوغول، نيكولاي. اقتباسو إخراج : علولة، عبد القادر. ديكور : بوحاريز، روقي، موسيقى : حيمور، محمد.

[2] Pavis, P. (2002), Dictionnaire du théâtre, Paris, éd. Armand Colin, p. 71.

[3] Ibid, p. 71.

[4] الزاهي، فريد (2003)، النص والجسد والتأويل، بيروت - لبنان، إفريقيا الشرق، ص .25.

[5] Brook, 3 September (1973), Interview with Gibson, M. “The Drama Review”, vol, n° 17, p. 50.

[6] انطونين، آرتو.  Antoin Marie Joseph Artaud:(1896-1948)، كاتب وشاعر ورسام ومنظر مسرحي فرنسي، من أم تركية، صاحب مفهوم "مسرح القسوة"، عانى منذ المراهقة من آلام حادة بالرأس ولعل هذا ما كان له أبلغ الأثر على إنتاجه الإبداعي وعلاقاته بالغير ونظرته للوجود.ظل حبيس المصحة العقلية لتسع سنوات يعاني ويتلقى الصعقات الكهربائية كعلاج في ذاك العهد.من أهم مؤلفاته : théâtre et son double le (1938), وقائع تافهة (1924)،Faits divers ، اليهودي التائه (1926) juif  érrant Le ، حب جان، دارك (1927)،La passion de Jean Darc  

[7] انطونينارتو، دفاتررودز (1981)، في المؤلفات الكاملة، جXVI، باريس، غاليمار، ص. 109.

[8] بول، لاريفايل (1966-1996)، أستاذ الأدب الايطالي بجامعة باريس، نانتار، ومترجم.من أعماله : الفكر السياسي لمكيفيلي.

[9] Voir Larivaille, P. (1974), « L'analyse (morpho) logique du récit », Poétique, n° 19, p. 368-388.

[10] ينظر شيلنغ، ف. (1945)، مقدمة لفلسفة الميتولوجيا، ترجمه إلى الفرنسية جنلكليفيتش اوبيه، س. الجزء الأول، ص. 62.

[11] مسرحية حمق سليم، "اللوحة"، 4 أكتوبر.

[12] Merleau, M-P (1945), La phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, p. 195.

[13] Voir Barba, E. L'énergie qui danse : l'art secret de l'acteur, Trad. Deschamps, E., Pria, Lectoure. Bouffonneries, Contraste, (1995), p. 32-33.

[14] أوجينيو، باربا وآخرون، طاقة الممثل، ترجمة الجمل، سهير وزارة الثقافة، القاهرة، مهرجان القاهرة الدولي، ص. 294 .

[15] Jankélévitch, V. (1964), L’ironie, Paris_France, éd Flammarion, p .17.

[16] مسرحية حمق سليم.

[17] المصدر نفسه.

[18] Ibid, L’ironie, p. 194.

 [19]مسرحية حمق سليم.

[20] Brook, interview with Michael, Gibson (1973),” The Dram” Review-vol n° 17, 3-September, p. 50.

[21] جاك، لاكان )1978)، المنتدى الثاني، الأنا في نظرية فرويد وفي تقنية التحليل النفسي، باريس، لوسوي، ص. 186.

[22] المصدر السابق، مسرحية، حمق سليم "اللوحة" بين شهرين.

[23] Voir Barba, E. (1989), L’energie de l’acteur, Lectoure, Bouffonneries, n° 15116, p. 170.