Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مؤلفات المركز، 2018، ص.39-50، ردمك: 2-15-598-9931-978 | نص كامل


 

 

 

إدريس قرقوة

 

 

هذه الورقة هي خلاصة نتائج بحث استغرقت عدة سنوات، بدأت مع فكرة التأصيل للمسرح الجزائري واستمرت مع الأدوات الإجرائية لآلية توظيف واستلهامه التراث الشعبي في المسرح العربي عامة، والجزائري خاصة و استوى ذلك مع الدراسة الميدانية والمعاشة المستمرة لأعمال الڨوال (المداح) الشعبي (الحلايقي) بعدة ولايات في الغرب الجزائري على وجه الخصوص، و منها سيدي بلعباس وهران وسعيدة وتيارت وتلمسان وتيسمسيلت ومعسكر وعين الدفلى والبيض وغيرها. 

نريد من خلال هذه المحاضرة تقديم قراءة متأنية لإحدى التجارب المسرحية، التي اتخذت من الحكاية و الڨوال الشعبي أداة لتحقيق رؤاها الإبداعية و التواصل مع جمهور المتلقين، وبالتالي عبد القادر علولة جعل من الحكاية الشعبية حاجة ضرورية لبناء العمل المسرحي في ثلاثيته الإبداعية الأجواد، اللثام، الأقوال.. ، يضيق بها الفضاء المكاني و الزماني للركح و للعلبة الإيطالية و تتسع أكثر في مخيال المتلقي، والسؤال هنا هل حقق علولة تواصلا دائما مع جمهور المتلقين ؟

سعى عبد القادر علولة إلى توظيف الحكاية الشعبية في مسرحياته (الثلاثية) لا على اعتبار أن لنا تراثا قصصيا يمكن تشكيله مسرحيا ؛ وإنما القضية هي أن لدينا تراثا قصصيا ذا طبيعة مسرحية، يصدر عن خيال مسرحي، وفهم متميز لمطالب المشهد، والموقف والشخصية، وسائر عناصر البناء المسرحي، غير أنه كتب بأسلوب الحكاية (وليس الحوار) لأن الحكي (كان الأسلوب المستقر والمسكن) ولأن الأذن العربية هي الطريق المدربة لالتقاط الجمال (وليس العين)[1].

لذلك وجدنا تركيز عبد القادر علولة على الحكاية الشعبية في مسرحية "الأقوال" مثلا وجعلها قسمة بين القوالين في لوحاتها الثلاث ممثلة في الجوقة وإدخال نوعا من الغنائية على النص والعرض معا، على اعتبار أنها إحدى المنبهات الهامة التي لجأ إليها الڨوال أو القاصي الشعبي عندنا في الجزائر بالساحات العامة.

استهوى عبدالقادر علولة القوال الشعبي أو الحلايقي (القاعي الشعبي)، وسعى جاهدا لإدخاله إلى عالم آخر غير الساحة العامة، غير الأسواق الشعبية، إدخاله العلبة الإيطالية، وجعله يمتطي (خشبتها) ويواجه جمهورها، لكن هذا الڨوال لم يكن هو الڨوال الذي لا يعرف المسرح أو الڨوال الذي لا يعرف عوام الناس في الساحة و في السوق الڨوال، هذه المرة هو فنان مسرحي (ممثل تلقى تكوينه الأكاديمي المسرحي) وقرأ النص، حفظ معناه، وامتثل لتعليمات المخرج وأطاع توجيهاته.

الحكاية الشعبية بمداحها أو ڨوالها في مسرحية الأقوال هي استعارة من الحلقة الشعبية إلى المسرحية، هي انبهار عبد القادر علولة وإعجابه بالحكاية الشعبية وساردها، ومحاولة توظيفها فنيا، ووصولا إلى تجاوزها هذا التراث إبداعيا وفنيا.

فالحكاية في مسرحية الأقوال تأخذ شكل العماد الرئيس باعتبارها عماد الكتابة الشعبية نفسها، وهي أسلوب الحوار القائم على الكلام وعلى أسلوب تجميح الحكاية عيانيا من خلال سرد أحداثها... و الراوي في كل ذلك هو التيمة المطلقة التي تشد جمهوره طوال العرض الفرجوي، جامعا بين الإيماءة والفعل اللفظي، فالرواية أو الحكاية بناء مرن قابل للتعديل سواء في محتواه أو في شكله، إنه بناء يكون فيه للصمت والتوقف قيمة.

فالراوي هو القائم بأعباء السرد المسرحي ومحدد لحدود العالم الذي ستقوم فيه الحكاية، وشد انتباه المتلقي إلى وقائع الحكاية، والاستحواذ على انتباهه بخلق وضع درامي مهم في حد ذاته، يشير فيه توقع أوضاع قد تتطور عنه. وإذا كانت المسرحية بوصفها فضاء مكانيا و زمانيا أقل اتساعا من الواقع، فإن إقحام الحكاية في العملية المسرحية وإلباسها ثوب المسرحية، جعل الرواة في مسرحية الأقوال أكثر حرية
في تجسيد الظاهر والخفي من الحكاية الشعبية، الممكن والمحال لشخوصها وأحداثها وتحقيق الفرجة المسرحية المنشودة وقد يسميها البعض الاحتفاء أو الاحتفال بالجمهور.

فالحلول الفنية لمسرح الحكواتي باهرة، تقوم على استمداد تقاليد المسرح في تقاليد الشعب... تبسط الممارسة المسرحية إلى مستوى حياة البسطاء"[2].

توظيف الجوقة في مسرحية "الأقوال" لعبد القادر علولة

وظف عبد القادر علولة التراث والموروث الشعبي من حكايات شعبية وأسطورة ونكتة وأمثال شعبية، واستخدم الحلقة والرواية في أغلب مسرحياته[3]، فلم يقف عند المحلية في استلهامه للتراث وعناصره، وإنما استعار أشكالا تراثية عالمية وإنسانية ومنها "الجوقة"، "الكورس" كتقنية مسرحية وهي ذات أصول إغريقية.

مفهوم الجوقة وتاريخها

لقد ورد مصطلح الجوقة في المعجم المسرحي لماري إلياس على أنها ((تسمية معروفة في عالم الموسيقى والمسرح معا وتدل على مجموعة من المنشدين يمكن أن تؤدي بعض الرقصات أثناء الإنشاد وقد عرفت الشعوب القديمة في غالبيتها الجوقة ؛ لأنّ الغناء الجماعي والرقص كانا جزءاً من العبادة في كثير من الديانات... ))[4]. أما الدكتور إبراهيم حمادة فيعرفها في معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية كالآتي : ((الجوقة- أو الجوق - هي الجماعة من الناس والجمع أجواق، ويقال جوق القوم أي ارتفعت أصواتهم... وقد استخدمت كلمة ((الخورس)) في بداية تعرف العالم العربي على المسرح الأوروبي، ثم أطلقت لفظة الجوقة- أو الجوق- على الفرق التمثيلية، أما الجوقة مسرحيا، فتعني مجموعة المغنين، أو الراقصين وتشترك في التمثيل بمجاورة الممثلين أو التعليق على الحوادث، أو بصمتها المعبر))[5].

أما م. مجدي وهبة في معجم مصطلحات الأدب  فيرى أن الجوق ((فرقة من الممثلين (الكورس) تقوم بوظيفة التعليق على الحادثة في المسرحية))[6].

وقد استخدمت الجوقة في المسرح اليوناني القديم، حيث كانت عنصراً مهما
في طقوس عبادة الإله "ديونيزوس"، وفي هذه الطقوس الدينية كانت مجموعة من الكهنة تضع أقنعة حيوانية لتمثل رفاق الإله ديونيزوس، وقد اقتصر التمثيل حين ذاك على الجوقة وممثل واحد ثم اثنين عند أيسخيلوسESCHYLEUS [7]
(456ق.م، 525ق.م) وأصبحوا عند سوفوكليس SOPHOCLE ثلاثة ممثلين[8]. وقد تحدد دور الجوقة في الحدث بشكل واضح

(منذ القرن الخامس قبل الميلاد فقد صار عدد أفرادها في التراجيديا خمسة عشر وفي الكوميديا أربعة وعشرين يقدمون ضمن المسرحية اليونانية نشيد الجوقة الذي يدخل ضمن نسيج الدراما)[9].

انتقل استعمال الجوقة إلى المسرح الروماني، ثم مسرح القرون الوسطى وخاصة المسرح الديني (الكنسي)، حيث كانت مجموعتان تتجاوران في العروض داخل الكنسية ((ثم صارت هناك جوقة يديرها مدير اللعبة Meneur de jeu ودورها هو التعليق والربط بين الأحداث))[10].

فالجوقة التي تطور استخدامها مع المسرح الأوروبي خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر، واستلهمها الكثير من الكتاب والمخرجين العالمين في فترات سابقة ولاحقة، كان ذلك لأنها وبشكل عام تلعب دوراً درامياً خاصاً، يخفف من توتر الحدث ويكسر الإيهام المسرحي.

ملامح وسمات الجوقة في مسرحية "الأقوال"

"الأقوال" هي مسرحية اجتماعية من ثلاث لوحات تتناول في مضمونها قضية العمال وهمومهم و نضالهم من أجل تحقيق حقوقهم المشروعة ومحاربة الطفيليين من الانتهازيين، الذين سعوا لتحطيم آمالهم وأحلامهم في النظام الاشتراكي وحفظه لكرامة العامل -المغبون- وأيضا في النضال المشترك لأجل الوطن، وأن يبقى شامخاً بين بقية الأوطان، تلعب الجوقة المسرحية الدور المهم في ربط الأحداث وتقديم الشخصيات والتعليق على ما يجري في المسرحية من صراعات ومواقف درامية.

- اللوحة الأولى : تتناول شخصية قدور السواق، هذا العامل الذي ظل يزاول نشاطه كسائق عند مدير الشركة (المؤسسة) منذ خمس عشرة سنة ويدافع عنه لدى العمال إذا اتهموه بالاختلاس والسرقة والتلاعب بحقوق العمال، يفيق قدور السواق من غفوته ويدرك حقيقة مدير المؤسسة (سي ناصر) ويصحو ضميره، فيسرع لتقديم استقالته، وينضم إلى فئة العمال يدافع عن حقوقهم وأحلامهم، ينكشف أمر المدير (سي ناصر) فيطرد من الشركة بسبب النضال العمالي.

- أما اللوحة الثانية : فتتناول شخصية عمالية أخرى "غشام" الذي أفنى عمره
في المصنع منذ الاحتلال الفرنسي ثم بالمنجم حيث الغازات وروائح الفحم الكريهة والذي أصيب بمرض عضال أقعده الفراش، ويحمل الأب المريض مسؤولية العائلة لابنه الأكبر مسعود، وحب الوطن والذود عنه.

- وفي اللوحة الثالثة : تروي هذه اللوحة قصة فتاة عمرها اثنتا عشرة سنة، أصيبت بمرض القلب "زينوبة" بنت بوزيان العساس، ينصحها الأطباء بالسفر إلى مكان آخر يكون هواءه وجوّه الاجتماعي أفضل من حالة أسرتها البائسة الفقيرة، فتسافر إلى خالها عبر القطار، خالها "الجيلالي" الذي كانت تزوره في صغرها، حيث الحياة الجميلة والمسكن الواسع، خالها "الجيلالي" الذي ينفق الكثير من المال على سعادة عائلته وسعادة "زينوبة"، لكنها تصطدم بالواقع الاجتماعي لخالها وحالته المزرية، وهو ينتظرها بالمحطة، فلا السيارة الجميلة التي كان يمتلكها، ولا الملابس المبهرة غير سروال قديم وحذاء مثقوب تظهر منه جواربه، اكتشفت زينوبة، حقيقة الوضع من خالها الذي طرده مدير المصنع من العمل مع مجموعة من العمال، لأنهم طالبوا بحقوقهم وحاولوا كشف تلاعب المدير واختلاسه، لم تتحمل زينوبة صدمة ما رأت وسمعت، لأنّ قلبها ضعيف وهي رهيفة الحسّ، فتألمت لذلك وماتت المسكينة وقلبها يتقطع ألمًا وحسرة.

استخدم عبد القادر علولة الجوقة في مسرحية الأڨوال لمعرفته بأنها تعطي لمسرحيته عمقها وفاعليتها في الجمهور، أي بتحقيق التفاعل البناء مع الجمهور.

تبدأ مسرحية "الأقوال" باستهلال أو حديث أولي للجوقة عن قيمة "القول" وأهميته في حياة الإنسان، قوتها التأثيرية في الحياة وفي المسار العام للإنسان وذلك من خلال :

((الكورس : الأقوال يا السامع لي، فيها أنواع كثيرة، اللي سريعة، عظلم ترعد غواشي هادئة، كالزلزال تجعل القوم مفجوعة، عجلانة، تغفي الخواطر تهيج تحوزك للفتنة... تفيض على الخلق وتفرض المحنة.

لأقوال يا السامع لي، فيها أنواع كثيرة، فيها اللي مرة دفلة، سم تكمش كالغفلة... فيها لي حلوة تروي، تحمس كالرقاقة تملي القلوب ثيقة بالرزانة، تنجي من الحنقة... توري جهار الفخات المدرقة))[11].

تستمر الجوقة في التعظيم من أهمية الأقوال والأخبار، وظائفها في المجتمع من خلال تقسيمها إلى أقوال نافعة وأقوال ضارة ومهلكة كما أنها تشتمل على أحاديث الناس غنيهم و فقيرهم، ضعيفهم وقويهم، وذلك في استمرارية أداء الجوقة وتعليقاتها :

الكورس أو الجوقة :

((الأقوال يا السامع لي فيها أنواع كثيرة اللي في صالح الغني الطاغي المستغل، ولي في صالح الكادح البسيط والعامل.

قوالنا اليوم يا السامع على قدور السواق وصديقه

قوالنا اليوم على غشام ولد دواد وابنه

قوالنا اليوم على زينوبة بنت بوزيان العساس

نبداو بقدور السواق ونخلوه يقول))[12].

تمضي مشاهد من اللوحة واستقالة قدور السواق من مهنته ولقائه مع (سي الناصر) مدير المؤسسة. وإغراءات المدير بأن يفكر قدور في ضياع الأقدمية، ورفع الأجر لكن قدور السواق يجيبه. ((ألا باغي نتخلص من المحبة الي ذلتني وجعلتني ناخذ أطريق الشينة في حماك... ألي تسميها أنت أقدمية أنا نسميها منكر وعواج))[13].

يتدخل الكورس ليوضح وجهاً أخراً من مسألة استقالة قدور السواق وخلفياتها وحقيقة المدير (سي الناصر)، وهو تعبير عن البورجوازية الجزائرية الجديدة- التي ابتنت عند بعضها بفعل الاختلاس والاحتيال.

الكورس (الجوقة) : قدور اليوم تحاسب مع نفسه وعول، قدور اليوم قرر بعدما حلل ودرس شحال ومن هنا قدور بقى يتحاور ويتصارح مع المدير، وجها لوجه، على كل عمل منكر قام به هذا المدير (سي الناصر) كل العمليات لي قام بيها.

بقى يفكره ما فعل في الطاليان والآلات المشرية من هناك، المخازن لي فيها الماشين المديين والمقيوسين في المخازن، الخيانة نتاع العمال، الشعب والدولة، الرشوة والبيروقراطية.

قدور السواق لام وعاتب "سي الناصر" علاه يوقف ضد الشعب الخدام، ضد مكاسب العمال وكيفاه يعرقل طريق الاشتراكية)) فالجوقة في مسرحية "الأڨوال" لم تكن تشارك في سير الأحداث أو تطورها، لم تتدخل في الصراع فتحسمه لصالح فئة على الأخرى أو لشخصية على الشخصية المضادة، فقد اكتفت بسرد الأحداث والتعليق على ما سوف يجري ويحصل من بعد ذلك.

((الكورس : قدور السائق سعيد اليوم.. قدور السائق صاحب المدير سابقاً.. فرحان اليوم قدور اليوم كأنه قطع بحور وجبال ووديان.. قدور اليوم رجعت له كرامته وصرف من البلاء)) [14].

كان الكورس في المسرحية هو حامل لأفكار الكاتب المسرحي عبد القادر علولة ونظرته إلى المجتمع وإلى قضايا عديدة، أهمها التسيب والاغتناء بطرق غير مشروعة وعلى حساب الفئات الكادحة من العمال، وصحوة ضمير قدور السواق إلا موقف الكاتب من المواضيع السابقة ومن القيم والمثل، وما الكورس إلا ذلك الضمير الجمعي، الذي ينكر تلك الأعمال ويمقتها، جاء به المؤلف ليدعم به مواقفه. ((إن الفكرة أو الموضوع هي أساس العمل المسرحي وأن ما يربط بين السطور من معان. أهم من السطور ذاتها، إنها الرباط بين الأجزاء المختلفة للمسرحية، ووسيلة خلق الوحدة بين العناصر المكونة للموضوع))[15]، تلك الإيضاحات التي تقدمها الجوقة لكسر الإطار المسرحي وتقديم النصح والإرشاد في القضايا المطروحة واستخلاص العبر :

الجوقة : الأقوال يا السامع لي فيها أنواع كثيرة.

قالوا ما قالو على قدور وما صراله

اللي رفد قشه واهجر وبعد ما اترك شغله.

واللي قالوا شدوه العمال بعدما سمحوا له.

طلبوا منه يبقى يعطيك يغير أفعاله

الشركة ما تضيع سواق جراب مثله

أدخل معاهم في الصف هنا واتحسنت أحواله

لقوال يا السامع لي فيها أنواع كثيرة ))[16].

يشعر المتفرج بالقرب أكثر مما يعرض له في مسرحية الأقوال، لارتباط الجوقة
في ذهن المتلقي، بقضايا التراث والأصالة، فهو يحس بأنه أضحى أكثر قربا مما يشاهد ويسمع من أحداث وأحكام من الكورس أو الجوقة والتي تشبه عنده إلى حد كبير الڨوال أو المداح وإن كان العمل يقدم إليه جماعيا( لثلاثة أو أربعة ممثلين) هذا إضافة إلى دور القول في الحياة الشعبية في العبارات المعروفة بالعامية :

- قالك قالو.

- قالو العرب.

- قالو ناس بكري.

- أسمع واش قالو.

- قالوه الناس اللولين.

- قالك واحد انهار.... الخ.

كلها صيغ كلامية وجمل مترددة في الأسماع، ظل عبد القادر علولة يركز على كلمة القول و"لڨوال" عند ما ينتقل إلى اللوحة الثانية حول الغشام و ابنه مسعود نراه على لسان الجوقة :  (( لقوال يا السامع لي فيها أنواع كثيرة

نسمعوا الغشام مع ابنه المسعود كيف يومي

بعد ما خدم  طويل قبل الأجل ما دامه حامي

لڨوال يا السامع لي فيها أنواع كثيرة... ))[17].

ثم في موطن حديث الجوقة عن طرد الغشام من العمل، تتحدث الجوقة بلسان الطبيبة المهنية وهي تروي حكاية الغشام

(( الجوقة : خرج مطرود، مهدد بالموت، لا أجر ولا ضمان اجتماعي، خسروا عليه كلمة وحدة قالتها الطبيبة:(( درسنا القضية وقررنا باش تتوقف على العمل نهائيا، خصك أتداوي روحك. بحيث المرض لي فيك  خطير جدا، الرية أنتاعك مضروبة، عايم عليها المرض ))[18].

تقدم الجوقة إيضاحات وتفسيرا لحقيقة فصل الغشام من المصنع، بعدما كان قد أفنى حياته خدمة للوطن، كما يقال المثل : ( أكلوه لحما ورموه عظما ) كل ذلك حتى يندمج المشاهد أكثر مع العرض ويستنبط العبرة مما يحدث، فيبدو للمتفرج شخص "غشام" المواطن (المغبون) مسلوب الحق، وهو رمز للشعب الطبقات الكادحة المهان والمعرض لطرد و الإذلال من أناس لا يحملون لهذا الوطن أي حب أو مودة ولا بناءه أية شفقة، (( والمسرح في حقيقة أمره رؤية تنويرية إنسانية تدعو الطبقات الاجتماعية إلى تحمل المسؤولية كاملة باختلاف الأشكال والصور ))[19]، وترسم للجوقة مشهدا آخر من معاناة المواطن البسيط، حكاية الفتاة زينوبة في اللوحة ثالثة :

((الجوقة : زينوبة بنت بوزيان العساس في عمرها تناعش سنة قاصفة فالقامة تقول مولات تمن سنين وقليل في الصحة، درعيها ورجليها أرقاق وإرهاف وجهها ظريف طابعينه عينيها كبار.

لونهم قرفي حين يزغدو ايتنسكجو حينما تغضب ويتبسموا حين ما تضحك... قالوا ما قالوا على زينوبة بنت بوزيان العساس... قالوا ما قالوا على البنت مولات القلب الحساس... ))[20].

واستمرت الجوقة في سرد الأحداث والظروف المحيطة بزينوبة خصالها الفاضلة، تفوقها في الدراسة، مرض القلب الذي لازمها وسيؤدي بحياتها، لأنها فتاة حساسة أكثر من بقية الناس. إذًا حاولت الجوقة كشف الأبعاد الاجتماعية والنفسية لزينوبة رمز الدفء والبراءة في عالم لا يرحم، يقتل حتي الابتسامة البريئة ويقوم بوأد الأحلام
في مهدها، هذا التصاعد في سرد أحداث حكاية "زينوبة" مع الحياة وأن الانتهازيين الذين طردوا خالها "الجيلالي" من المهنة كانوا السبب في موتها كما يروي الكورس قصتها وتحمل الجوقة مأساتها للجمهور، وسواء كان هناك صراع أم لا. ((فإن الحدث
في الدراما لا بد من أن يبنى بترتيب تصاعدي بحيث يتصاعد اهتمام المتفرج مع توالي المشاهد ويتحقق ذلك من خلال الكشف عن جوانب جديدة من الشخصيات والأفكار التي تطرحها المسرحية، أو زيـــــادة  جرعة التـشويــــق بحيث يشعر المتفرج أن اللّحظة الحاسـمة تقترب أكثر فأكثر أو بزيادة  الشحنة الشعورية أو الفكرية))[21].

وظائف الجوقة في مسرحية" الأقوال" لعبد القادر علولة

جاء استخدام الجوقة في مسرحية "الأقوال" كاستمرارية لتوظيفها سواء في المسرح الجزائري أو على المستوى العربي والعالمي لكسر الإيهام لدى المتلقي واعتبار النص - الممثل والمتلقي (الجمهور) - كل متكامل ضمن عرض الأڨوال بالمعادلة التالية :

- نص + ممثل (مشخص+جوقة)+ جمهور = عرض الأقوال

و عموما قدمت الجوقة في مسرحية الڨوال وظائف عدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر.

- إحياء التراث الشعبي الشفهي القائم على القول المسجوع والحكمة الشعبية.

- التمهيد للمسرحية.

-.تقديم الشخصيات.

-.الإخبار عن ما مضى من حقائق و أحداث.

-.المشاركة في الحوادث بصفة غير مباشرة والتعليق عليها.

- إصدار أحكام معيارية على الأحداث.

- تلخيص أحداث المسرحية ((فالمؤلف يستنبط المبررات لجميع أبطال مسرحيته في مكان واحد وأمكنة محددة... وإلى غربلة الأحداث وتكثيفها، بحيث تحسم على المسرح في ساعة أو ساعتين صراعات إنسانية كبيرة معقدة، يتطلب حسمها في الحياة الواقعية فترة طويلة من الزمن))[22].

-.توضيح الحقائق غير المعروفة للمشاهد (الجمهور) و محاولة التقرب منه، تحقيقا للتوحد وكسر الإيهام المسرحي.

-.تقديم النصح والإرشاد، منعاً لتكرار الأخطاء ووضع الأمور في نصابها الحقيقي ((فحرية الكتابة لا تتحقق إلا إذا كان الأديب ملتزماً بمشروع المجتمع التزاما مبيناً على اقتناع وحرية قسر لا جبر))[23].

-.تلقين مبادئ الاشتراكية والوطنية والروح الجماعية.

فالكورس أو الجوقة مهدت لدخول الشخصيات وعلقت على المشاهد ووظفت لنا الشخصية وعلقت على أعمالها واستخلصت العبر مما حدث ويحدث، لذلك رأيناها طوال المسار السردي للمسرحية تأخذ - أي الجوقة- مجالات متعددة فتصدر أحكامها وتنقل مواقف الكاتب ورؤاه حينا آخر، وتحث على التغيير، فهي تقوم بدور "النهي عن المنكر والأمر بالمعروف" من المنظور الشعبي، تهدم المعوج وتعيد البناء صحيحا نظيفا، وتتوجه باللائمة على السلوكيات السلبية المبنية على الأنانية وإلغاء الآخر والتسلط والاستبعاد والإذلال.

وهذا النوع من التوظيف للجوقة أعطى للمسرحية "الأقوال" قيمتها الفنية وبعدها التراثي ودلالتها الإنسانية و الشعبية.

البيبليوغرافيا

إلياس ماري، وحسن، حنان قصاب (1997)، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان، ناشرون.

أو هيف، عبد (2002)، المسرح العربي المعاصر، دمشق، منشورات إتحاد الكتاب العرب.

برتولد، بريشت (1973)، نظرية المسرح الملحمي، ترجمة جميل نصيف، وزارة الإعلام بغداد، الطبعة الأولى.

بلوحي، محمد (2002)، الخطاب النقدي من السياق إلى النسق، وهران، دار الغرب للنشر والتوزيع.

حسن عبد الله، محمد (2000)، المسرح المحكي، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.

حمادة، إبراهيم (1994)، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، الطبعة الثالثة، مصر، مكتبة الأنجلو مصرية.

سرحان، سمير، مبادئ الدراما، الشارقة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، بدون تاريخ.

شكري، عبد الوهاب (2001)، النص المسرحي، الطبعة الثانية، الإسكندرية-مصر، مؤسسة حورس الدولية.

علولة، عبد القادر، مسرحية الأجواد.

علولة، عبد القادر، مسرحية الأقوال.

مسرحي أغريقي، (1998)، من أهم أعماله المسرحية، أنتيقون. للاستزادة ينظر قاموس المسرح لفاسزر، جونو، إدوارد. كون ترجمة مؤنس الرزاز، الطبعة الثانية، عمان-الأردن، المؤسسة العامة للدراسات والنشر.

وهبة، مجدي (1974)، معجم مصطلحات الأدب، بيروت، مكتبة لبنان.

ياسين، رشيد (2000)، المؤلف والمسرح، دمشق-سوريا، منشورات اتحاد الكتاب العرب.


الهوامش

[1] حسن عبد الله، محمد، (2000)، المسرح المحكي، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ص. 92.

[2] أو هيف، عبد (2002)، المسرح العربي المعاصر، دمشق، منشورات إتحاد الكتاب العرب، ص.357.

[3] أنظر الباب الثاني، الفصل الثالث حول مسرح علولة والتراث الشعبي من رسالة الدكتوراه بجامعة سيدي بلعباس.

[4] إلياس ماري، وحسن، حنان قصاب (1997)، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان، ناشرون، ص. 163.

[5] حمادة، إبراهيم (1994)، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، الطبعة الثالثة، مصر، مكتبة الأنجلو مصرية، ص. 91.

[6] وهبة، مجدي (1974)، معجم مصطلحات الأدب، بيروت، مكتبة لبنان، ص. 67.

[7] يعتبره الكثير من النقاد أب التراجيديا الإغريقية، كان مسرحي إغريقي مرموق من أبناء طبقة النبلاء الأتينية- في العهد القديم. أنظر قاموس المسرح.

[8] مسرحي أغريقي (1998)، من أهم أعماله المسرحية، أنتيقون. للاستزادة ينظر قاموس المسرح لفاسزر، جونو إدوارد. كون ترجمة مؤنس الرزاز، الطبعة الثانية، عمان - الأردن، المؤسسة العامة للدراسات والنشر، ص. 114.

[9] إلياس، ماري و حنان، قصاب، المرجع السابق، ص. 164.

[10] المرجع نفسه.

[11]علولة، عبد القادر، مسرحية الأڨوال، ص. 20.

[12] المرجع نفسه، ص. 23.

[13] المرجع نفسه، ص. 24.

[14] المرجع نفسه.

[15] شكري، عبد الوهاب (2001)، النص المسرحي، الإسكندرية-مصر، مؤسسة حورس الدولية، الطبعة الثانية، ص. 35.

[16] علولة، عبد القادر، المرجع السابق، ص. 26.

[17] المرجع نفسه، ص. 39.

[18] علولة، عبد القادر، مسرحية الأجواد، ص. 40.

[19] برتولد، بريشت. (1973) نظرية المسرح الملحمي، ترجمة، جميل نصيف، وزارة الإعلام بغداد، الطبعة الأولى، ص. 21.

[20] المرجع نفسه، ص. 56-57.

[21] سرحان، سمير، مبادئ الدراما، الشارقة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، بدون تاريخ، ص. 51.

[22] ياسين، رشيد (2000)، المؤلف والمسرح، دمشق-سوريا، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ص. 138.

[23] بلوحي، محمد (2002)، الخطاب النقدي من السياق إلى النسق، وهران، دار الغرب للنشر والتوزيع، ص. 54.