Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

Ouvrage du CRASC, 2015, p. 51-83, ISBN : 978-9931-598-07-7 | Texte intégral


 

 

 

محمد القورصو

 

الجوانب المنهجية للموضوع

أ. التساؤلات

شكّل موضوع التواصل بين مستعمرة الجزائر الاستيطانية وباقي الفعاليات الحضارية في البلدان العربية الاسلامية، مغربيـا ومشرقيـا، هاجسا حقيقيّا بالنسبة للسلطات الاستعمارية التي سعت منذ الساعات الأولى من احتلالها للجزائر، إلى عزلها عن مربطها الثقافي والروحي الذي مثّلته بلدان المشرق العربي، وتغيير وجهتها الثقافية الفكرية بإقامة مجموعة من الآليات تمثلت في محاربة اللّغة العربية ونشر اللّغة الفرنسية بين فئة جدّ قليلة من الجزائريين، رافقها سنّ قوانين تكرّس الرقابة عن كل نشاط ذي صلة بالفكر التنويري تسرّبه الكتب أو الصّحف العربية الصادرة في المشرق.

ونظرا للمتطلبات الاستراتيجية للمحتلّ المرتكزة على محاربة قيّم الجزائريين وأخلاقهم تمهيدا لتثبيت القيّم الفرنسية وترسيخها، طوّرت السلطات الكولونيالية المدنية الشبكة القانونية الردعية التي وضع جيش الاحتلال أسسها مطلع القرن التاسع عشر. فأنشأت عدّة هيئات ومؤسسات مختصّة (إدارية وأمنية وثقافية وسياسية) مهمتها التصدي للمطبوعات العربية من كتب وجرائـد، ودوريات، ومطبوعات الخ.، جنّدت لها إمكانات مادية معتبرة وطاقات بشرية متعدّدة التخصصات من مسئولين سياسيين وإداريين و مثقفين وخبراء ومصالح الأمن المدني والعسكري. باختصار كل المعنيين بالشأن الثقافي والفكري والديني. شملت الرقابة المشدّدة :

- أولا : الرجال: فكانت جميع حركات وسكنات الجزائريين من رجال الدّين والمثقّفين والتجّار والجزائريين البسطاء تحت المجهر الاستعماري؛

- ثانيا: الشعائر والمواسم الدينيّة: خضعت الأعياد الدينيّة،  وأداء فريضة الحجّ الخ، إلى ترخيص مسبق؛

- ثالثا : الفعاليات الثقافية والرياضية والترفيهية : العروض المسرحية، الفرق الموسيقية (التونسية والمصرية على وجه الخصوص)، الفرق الرياضية، الكشافة الإسلامية الجزائرية وغيرها، خضعت هي الأخرى لترخيص مسبق وكانت نشاطاتها محلّ متابعة من طرف المخبرين ؛

- رابعا : المطبوعات الواردات من المشرق (الكتب، المجلات، الدوريات، الرسائل التي كان يبعثها المجندون الجزائريون في الشام [1]إلى ذويهم، الخ.) كانت محطّ أنظار مصالح المراقبة .

إنّه الحصار الفكري بجميع مواصفاته.

اختصت مصالح الرقابة في الترصّد لكل الصّحف الصادرة باللّغة العربية في تونس والمغرب الأقصى وبلدان المشرق العربي، لمنع دخولها وانتشارها بين القراء الجزائريين خشية عدوى التغيير التي سميت تارة بالإصلاح  وتارة أخرى (وهو الشائع) بالنهضة التي عرفها العالمين العربي والإسلامي مطلع القرن العشرين والتي وصل صداها إلى الجزائر.

يطرح حجم المحفوظات من تقارير وقوائم بأسماء المشتركين في الصّحف الصادرة في البلدان العربية وكذا ملخّصات مترجمة [2] لعدد من عناوينها المصنفة في محفوظات آكس آن بروفانس (Aix en Provence) بفرنسا، والجزائر العاصمة (بئر خادم ومحفوظات الولاية) ومحفوظــات وهران وقسنطينة عدة تساؤلات نوجزها في الانشغالين التاليين :

- الغاية من اهتمام السلطات المركزية في باريس والحكومة العامة في الجزائر، بالحركة الصحفية بين بلدان المغرب العربي من جهة والجزائر وبلدان المشرق العربي من جهة أخرى؟

- مدى تكيّف الجزائريين على اختلاف مستوياتهم الثقافية والسياسية وانتماءاتهم الاجتماعية، مع التشريعات الكولونيالية المنظمة للحركة الصحفية بين الجزائر ومحيطها العربي الاسلامي. 

ب. المحفوظات المعتمد عليها في إعداد هـذه الورقة

من الواجب التنبيه أنّ الوثائق الموظفة في إعداد هذه الورقة تعتبر غير كافية بالنظر لسعة وتشعّب التساؤلات التي يوحي بها الموضوع. لقد اعتمدنا على النزر القليل ممّا جمعناه - رغم حجمه - في مناسبات بحثية مختلفة من دور محفوظات آكس آن بروفانس (1980) ووهران (1986 و 1988).

تتطلّب دراسة مستوفية للموضوع، استكشافا جديدا للوثائق الأرشيفية وجردا شاملا لما يوجد بمختلف دور المحفوظات السابق ذكرها، لاسيما بفرنسا. لذا تكتسي هذه المقاربة طابعا محليا مونوغرافيا لاعتمادها بالدرجة الأولى على ما جمعناه من معطيـات تاريخيـة، خاصـة من رصيـد محفوظـات ولايـة وهــران.

يتكوّن الرصيد الوثائقي الذي تبنيناه، من مجموعة واسعة من المحفوظات نذكر منها:

  • التقارير اليومية والأسبوعيّة والنصف شهريّة والشهريّة والنصف سنويّة

والسنويّة التي كانت ترفع من مختلف الهيئات والمصالح الإدارية والاستخباراتية ولاية "(بريفكتور "(préfecture، مصالح الشؤون الأهلية (Affaires indigènes)، شرطة، جندرمة  (gendarmerie)، جيـش،قيّـاد، بـاشاغـوات الخ. كل التقـاريـر المعدّة كانت توجّه بعـد التـدقيـق فيـها وتلخيـصها،إلى الحكومة العامة بالجزائر(le Gouvernement général d’Algérie-G.G.A.-) ومن ثمة إلى الوزارات المعنية بباريس ؛

  • مجموعة من التحقيقات كانت تقوم بها بشكل دوري السلطات المدنية ومصالح

الشرطة عبر مختلف مدن المستعمرة بطلب من وزارتي الداخلية والحربية بباريس أو بطلب من الحاكم العام بالجزائر مباشـرة أو حتى "البريفي (préfet)" الوالي. ومن حسن حظ دارسي هذه التحقيقات من مؤرخين وباحثين، أنّها جمعت في ملفات خاصة مبوّبة، ومصنّفة حسب أماكن صدورها وكذا مـواضيـعها.

  • ثمّ هناك صنف نادر وطريف من الأرشيفات يتمثل في التقارير الصادرة عن مصالح البريد التي كانت تعثر من حين لآخر في سلّة المهملات على جرائد أو دوريـات أو كتب أصحابها مجهولون (destinataires inconnus). هذه التقارير جدّ مهمة لأنها تتضمن مجموعة من المعلومات الثمينة من الوجهة التاريخية كاسم وعنوان المرسل إليه مع وصف دقيق لما عثر عليه، وعدد النسخ المرسلة، ودور النشر، وعناوين الناشرين، والبلدان التي منها أرسل البريد المهمل. غالبا ما كان هذا الوصف الخارجي، مصحوبا بوصف موجز للمضمون الفكري ممّا يدلّ على أنّ مصالح البريد الكولونيالي كانت طرفا فاعلا في مراقبة الحركة الفكرية بين الجزائريين وأشقائهم العرب والمسلمين.
  • اعتمدنا أيضا على صنف آخر من الوثائق، تمثلت في قوائم المجلات والدوريات

الصادرة في تونس، والمغرب وباقي البلدان العربية التي كانت ترسل من باب التبادل لبعض عنـاويـن الصّحف الصادرة في المستعمرة، كمجلة "الشهاب"  وجريدة "البصائر" و"صوت الأهالي" (La Voix des Indigènes) و"النجاح" وما أرسل لبعض الشخصيات البارزة كما سيأتي ذكره.

أصناف مصالح الرقابة الصحفية

تعدّدت أصناف مصالح الرقابة وتنوعت أشكالها تباعا لتعدّد طبيعة الصحيفة وقنوات دخولها للمستعمرة. فليس التعامل  مع الصّحيفة الرسمية وشبه الرسمية التي كانت تصدرها الممثليات الدبلوماسية الفرنسية في الخارج مثل التعامل مع الصّحف المصنفة في خانة الصّحف الحرّة أو صحف المعارضة سواء كانت سياسية أو ثقافية أو دينية أو فنية وأدبية وترفيهية. فطبيعي أن تتطابق الأصناف وتنسجم. نكتفي هنا بعرض موجز لأهمّ أصناف الرقابة الصحفية :

أ. الرقابة المحلية

كانت من صلاحيات الحاكم العام، ويمارسها عن طريق مصلحة الاتصالات للشمال الإفريقي (Service des liaisons nord africaines) اختصارا (S.L.N.A.) المتفرّعة إلى عدّة مصالح، من بينها مركز الإعلام والدراسات Centre d’information et d’études اختصارا (C.I.E)، الذي كانت توكل إليه جميع القضايا المتعلّقة بــالشؤون الأهلية الموزعة عبر المقاطعات الثلاثة في الشرق وفي الوسط وفي الغرب. هناك أيضا، مصلحة الرقابة الصّحفية بمختلف فروعها : الفرع المختصّ بالصّحافة الصادرة باللّغة الفرنسية، وآخر بالصّحافة الصادرة باللّغة العربية، وآخر باللّغات الأجنبية من بينها اللّغة الإيطالية واللّغة الإسبانية الخ. كانت المقالات الصادرة باللّغات الأجنبية، منها اللّغة العربية، تترجم إلى اللّغة الفرنسية لمعرفة محتواها قبل الفصل في مآلها إما بتسريحها للبيع أو إصدار أمر بتعطيلها أو بحجز الأعداد المطروحة للبيع وتلك المرسلة عن طريق البريد.

ب. الرقابة الدبلوماسية

كانت من اختصاص السفارات والقنصليات الفرنسية ببلدان المشرق العربي وخارجه. اكتست هذه الرقابة شكلا وقائيا إذ كانت المصالح الدبلوماسية تصدر توصياتها لوزارة الخارجية، يبرق بها مباشرة إلى باريس التي تصدر أوامرها بمنع دخول العناوين التي كانت تنتقد السياسة الفرنسية في أي بلد كان. إنّ مثل هذه الحالات كثيرة والمراسلات التي اطلعنا عليها في هذا الشأن تثبت فعالية الرقابة الدبلوماسية الاستباقية ونجاعة التعاون الكامل والفعّال بين جميع مصالح الرقابة بفضل تضافر جهود مسؤوليها بغية فرض حصار صارم وشامل على الرأي العام الجزائري. "كليـلة"، هو عنوان صحيفة مكيـّة، منعها الحاكم العام بالجزائر بتاريخ 9 سبتمبر 1920 بعد تلقيه برقية من رئيس مجلس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية ميلـران[3](Millerand) . نصّ البرقية ناطق بنفسه ولا يحتاج إلى تعليق : "أطلعني قنصل فرنسا بجدّة أن عددي 404 و405 من جريدة كليـلة ]الصادرة[ بمكّة يتضمنان مقالات من شأنها أن تحثّ الجزائريين على التمـرّد. إنتهى. فلا يسعني إلا أن أطلب منكم منع دخولها. انتهى" (التوقيع ميلــران).

ت. الحجـز الكليّ والمنـع الجزئيّ

وممّا ينبغي ملاحظته في هذا الصدد، أنّ الحجز الإعلامي اكتسـى مظهرين يمكن أن يوصف الأول بالكلي في حق المجلات والجرائد التي عرفت بدوام معاداتها للاستعمار الفرنسي، ليس فقط في حقل السياسة المنتهجة من طرف فرنسا في الجزائر ولكن عبر كامل مستعمراتها. أمّا المنع الجزئي فلم يترتب عنه حظر للمجلة أو الجريدة من الدخول للمستعمرة وإنّما مصادرة الأعداد التي نشرت فيها مقالات تتضارب مع المصالح الفرنسية في الجزائر.

رغم الطوق المفروض على الحركة الفكريّة في الجزائر، غضّت السلطات الاستعمارية الطرف في بعض الحالات عن بعض العناوين، فسمحت لعدد من الصّحف المغاربية والمشرقية من الدخول للجزائر، وأحسن دليل على ذلك ما نشرته مجلة الشهاب لصاحبها الشيخ عبد الحميد بن باديس من مقالات مقتبسة من جرائد ومجلات ودوريات مغاربية ومشرقية، نـدّد أصحابها بالسياسة الاستعمارية في المشرق. كيف تفسّر هذه الحالات؟ هل لاعتبار الساحة المشرقية بعيدة جغرافيا عن الجزائريين، وأن هؤلاء لا يعرفون عنها الكثير وبالتالي تأثيرها الفكري محصور في شريحة جـدّ ضيقة من القرّاء الذين يجيدون اللّغة العربيـة، أم مرجعـه تهـاون مصالح الرقابة؟ لا شكّ أنّ هناك نوع من المخادعة المقصـودة، وهذا نوع من الممارسة السياسة. فعندما نتمعّن في المسألة،  نلاحظ أنه لمّا كان الأمـر يتعلّـق ببلـد مغاربـي أو عندما كان المخـاطب مواطن مغـاربي، فسرعـان ما كـانت الإدارة الاستعمـارية تبـادر بمنع أو مصادرة الصّحيفة في حال عـرضها للبيع. يبقى أن تتبّع إشعاع الفكر المشرقي ، مغربيا، كان من أولويات عدد من الدوريات المختصة مثل نشرية لجنة افريقا الفرنسية (Bulletin du Comité de l’Afrique Française)  التي تميزت بعض أقلامها مثل ديسبارمي وموهمندس وغيرهما بما كانوا ينشرونه بانتظام حول القومية العربية والإسلام ومفكريها أمثال شكيب أرسلان ورشيد رضا ومحمد عبده ومحمد اقبال الخ.

قنوات دخول الصّحافة للمستعمرة

فهـل بعد هذا العرض الموجز للأجهـزة القمعية من فجـوات تتسـرّب من خلالها الصّحافة المغربية والمشرقيـة لقـرائها في المستعمرة الجزائـرية ؟

أ. البريد

كان البـريد، القنـاة الأكثـر استعمـالا في إيصال الدوريات والصّحف الممنوعة وغير الممنوعة لقرائها في الجزائر. ولتفـادي المصادرة البريـدية للعناوين الممنوعة أو التي تتضمن مقـالات لا يسمح بدخولها للمستعمرة، عمـد المـرسلون إلى عدّة حيّل من بينها إدراج الصّحف الممنـوعة وسـط كـمّ من الصّحف المـرخّص لها بالدخـول، كمـا تـمّ تمويـه عناوينـها الأصليـة بغـلاف غيـر غـلافها الأصلـي حتـى لا تلفـت الانتبـاه عنـد تفقّـد المـراسلات من طرف مصلحـة الرقـابة البـريدية. لقد أثبتـت العديـد من الشهـادات الشفـويّة التي جمعنـاها، نجـاعة هذا الأسلـوب، ممـا ترتّـب عنـه تسـرّب العـديد من العنـاوين الممنـوعة داخـل المستعمـرة بعـد اختـراقها طـوق المراقبـة. طبعا، انعكس  ذلك على الجانب الكميّ ، فكان عدد نسخ نفس المجلة أو الدورية محـدودا، سيّما وأنّ عمليات التفتيـش الفـجائية، مكـنت مصـالح الرقـابة من رصـد أسماء وعنـاوين القـراء الذيـن أرسـلت إليهـم الصّحف الممنـوعة، فكـانوا جـراء ذلك محـلّ مـراقبة مستمـرة ومتابعات إدارية.

ب. التجّارة

 كـانت التجّارة، القنـاة الثـانية التي تسـرّبت عبـرها الصّحف الممنـوعة أو المشتبـه في محتـواها وكـذا الكتـب التعليـمية وغيـر التعليـمية التي كـانت تـدرج ضمـن السـلع المسـتوردة بطـريقة شـرعية من طـرف التجـار الجـزائريين من تـونس والمغـرب الأقصى ومصـر وسـوريا عـلى وجـه الخصـوص. غـالبا ما كـان تجّـار المـواد الاستهـلاكية يخفـون الدوريـات والكتـب في صناديق الـشاي أو التـوابل، وأمّا تجـّار الأقمشـة فكـانوا يخفـونها وسـط لفـّات الحـرير المستـورد من سـورية أو غيـره من الأقمشـة الثخيـنة.

ت. البعـثــات الطـــلابيـّة والفرق الفنيّة العربيـّة

لعبـت البعـثات الطـلابية عنـد زيـارة ذويهـم أثنـاء العطل المـدرسيـة أو بعـد انتهـاء فتـرة إقامتهـم العلمية في المغـرب أو تـونس  أو مصـر أو سـوريا أو حتـى في فـرنسا، دور الوسيـط الثقافـي والفكـري والسيـاسي بيـن النخـب الفكـريـة والسيـاسية والمثقفـيـن في الجـزائر ونظـرائهم في الخـارج عبر ما كـانوا يجلبـونه معهـم من مطبـوعات مـن هـذه البلـدان. ونـظرا لطبيـعة هـذه البعـثات وللمستـوى العلـمي الـذي تميّـزت بـه، نستنتـج أنّ مـا كـانوا يـدخلـونه للمستعمرة، كـان يـوجـه لتحسيـن تكـوين المـدرسيـن ورفـع مستـوى المتعلميـن، وبالتـالي فـي رفـع المستـوى العـامّ للفئـات المهتـمة بالشــأن الوطـني ثقـافيا وسيـاسيا.

ج. موسم الحجّ

قدسية البقاع المقدسة، لم تنته بعودة الحجاج إلى أوطانهم. كانت تغذيها لسنين مروياتهم حول المزارات الاسلامية وبطولات الفاتحين وبسالتهم في الجهاد لنصرة الاسلام. فكان مفعول هذه المرويات في الأوساط الشعبية الشغوفة بأداء خامس ركن من أركان الاسلام، عميقا. وأما النخبة المثقفة فكانت فيما يخصّها، متأثرة برمزية المكان وفرص احتكاكهم بعلماء الاسلام وإطلاعهم على التيارات الفكرية والدينية المتداولة في المشرق العربي. لهذه الأسباب تخـوفت سلطات الاحتـلال أيّما تخوّف من موسم الحجّ وفرضت مراقبة صارمة على كل مراحله، بدئا بفرز قوائم الحجاج. فلم تمنـح رخـص تأديـة هـذه الشعيـرة الإسـلاميـة -عـلى العمــوم- إلا لمـن أعلـن /أو عــرف بولائه للمحتـل (مثـل القيـّاد) ثمّ لكبـار التجـار الذيـن كـان نشـاطهـم مرهـونا بابتعـادهم عـن السيـاسة وكـل ما حـام حولهـا. كما كان تأطير السفر ذهابا وإيابا، من صلاحية مصالح معينة، ومن أدى فـريضة الحـج دون ترخيص ، يتعـرّض بعـد عـودته لغرامة مالية عالية وأحيانا لعقـوبة السجـن.

وبالعودة إلى موضوعنا، لم يتبيّـن لنا من خـلال مطـالعتنـا للنشريـات المعـدّة في هـذا البـاب مـن طـرف مختلـف الهيئـات والمصالـح الاستخبراتية والإداريـة، أنّ الحـجّاج استغلوا هذه الفـرصة لإدخـال المجـلات والدوريات والكتـب المحظـورة أو غيـر المحظـورة إلى المستعمرة. لكن بالمقابل ركّزت هـذه التقـارير على الروايـات الشفهيـة للحجاج التـي كـانت تجـد آذانـا صـاغية في المقـاهي التي تحولت بالمنسبة إلى مصدر خبراتي للبوليس وأعوانه.

ه. الفـرق الفنـيّة العـربيّة

أمّا فيـما يخـصّ الفـرق الفنـية العـربيّة وبالتحـديد الفـرق المسـرحيّة والمـوسيقيـّة التي كـانت تحـل بالجـزائر مـدعـوة مـن طـرف الفـرق الجـزائرية، فــإنّها حملـت ضمـن أمتعتـها وآلاتـها المـوسيـقية، الجـرائد والدوريـات والكتـب وكـلّ مـا كـان يسـاهم في تـقـريب وتوطـيد العـلاقات بيـن الطـرفين. جـريدةLa Jeune Tunisie  (تـونس الفتـاة) مثـلا، لم تكـن معـروفة في المقـاطعة الغربيـة وخـاصة في تلمسـان ومعسـكر قبـل 5 جانفي 1949. أكـتشف أمرها عـلى إثـر مـرور الفرقـة التونسيـة التـي قـادتها السيّـدة زكيـّة بنـت الحـاج محمـد مـراكدة[4]. إنّ مثـل هـذه الحـالات ليسـت نـادرة وكثيـرا ما كـان يـرافق استعـراض الفـرق الفنيـة توزيـع شبـه منظّـم وفي الكتـمان -حتـى لا نقـول في سريّـة لعـدم وقـوفنا على وثائـق تأكّد أو تنفـي ذلك- لصحـف وكتـب بـل وحتـى أسطـوانات[5] البـلد الضيـف كـما حـدث مـع بعـض الفـرق المـوسيقيّـة العـصرية التي زارت الجـزائر والمـقاطعة الوهـرانية في النصـف الثـاني مـن الثـلاثينات.

و. مبعوثو الصّحف التونسيّة وحفلات تكريمهم

يضـاف إلى ما سبـق ذكـره، عـامل الإشهـار الصّحفـي[6]. فكثيـرا ما كانت دور الصّحف التـونسيّة، نظـرا لعلاقـة الجـوار والمصـاهرة والحـدود المشتـركة بيـن تـونس والجـزائر، تـرسل مبعـوثين[7] عنـها في جـولات استطـلاعيـة وإشهـارية عبـر مختلـف المـدن الجـزائرية للتعـريف بالجـريدة و الدوريـة بغية توسيـع شبكـة قـرّائها. لقـد حـدث في بعض الحـالات أنّ المبعـوثين الصّحفيـين أدخلوا معهم جـرائد تـونسية ومصـرية محظورة وزعوها خفيـة ضمـن صنـف القـراء المعـروفين باهتمـاماتهم الفكـريّة والسيـاسيّـة.

وممّـا يـؤكـد شغـف وتعطـش القـراء الجـزائريين- على الرغم من قلـة عـددهم واستفحـال الأميّـة وتخـوّفهـم مـن القمـع الاستعمـاري - للأخبـار العـالمية بصفـة عـامة والعربيـّة الإسـلاميـّة على وجـه الخصـوص، رغبتـهم في ربـط عـلاقات تـواصل مع أشقائهم الصّحفيين عبر بوابة الاستضافة والتكـريم. فقـد نظـّم مجلـس إدارة نادي السعـادة بوهـران في 20 جـويلية [8]1949 حفـل تكريم على شـرف محمـد عيـساوي الجمّنـي، محـرّر جـريدة الأسـبوع السابق ذكرها والمحظـورة في الجـزائر منـذ1947 . فكـانت هـذه السانحة بالنسبـة للمشاركيـن، فرصـة للتعـارف وربـط عـلاقات ثقـافية وفكـرية من جهـة وتجـديد الاشتـراكات (السـرية) من جهـة أخرى.مـن الوجـوه المتـميزة التي شـاركت فـي هذا التكـريم، المحـامي بلبـقرة عضـو في حـركة انتصـار الحـريات الديـمقراطـية والحكيـم بـومديـن بن اسمـاعيل من نفـس التشكيـلة السيـاسية[9].من سـوء الحـظ لم تحتفـظ ذاكـرة المحفـوظات التـي استقينـا منهـا هذه المعطيـات، بفحوى النقاش الذي دار بيـن الحضـور، خـاصة بيـن مبعـوث الجـريدة والوطنييـن أعضاء حركـة انتصـار الحريـات الديمقـراطية.   

وفي السيـاق نفـسه ولكـن في شهـر جـوان من سنـة1954، عاد مبعـوث  نفس الجـريدة (الأسبـوع) محمـد عيـساوي الجمّنـي ليشارك في حفـل تـدشيـن المـدرسـة الحرّة التابعة لجمعية العلمـاء المسلمين الجـزائريين بنـدرومة. تدوين حضوره من طرف المصالح الأمنية الاستعمارية مرتين على الأقل في الجزائر، سنة 1947 ثم 1954، يجعلنـا نعتقـد أولا، أنـّه كـان مـداوما على زيارة الجـزائر والتنقـل عبـر مختلـف مـدنها للتعريـف بجريـدته، ثانيا، أنـّه كـان على اطـلاع بأحـوال الجـزائرييـن ومـا حملتـه نخبهـم مـن انشغـالات ومطالب لفـكّ الحصار المفـروض عليهـم ؛ ثالثا، حضـور شخصيـات سيـاسية جـزائرية مـعـروفة باتجـاهها الاستقـلالي الوطنـي حفـل تكـريم هذا الصّحفـي وحضـور هـذا الأخيـر حفـل تدشيـن مدرسـة تابعـة لجمعيـة معـروفة بـدودها عـن اللّغة العـربيـة والديـن الإسـلامي في محيـط معـاد لكـل ما لـه صلـة بالشخصيـة الجـزائرية، يحمـل عـدّة دلالات أهمها أنـّه كـان مـرحبا به في التنظيميـن الوطنييـن، وأنّه شـاطر مسؤولي الحزب الاستقلالي وجمعية العلماء همـومهم وبالتالي مطـالبهم السياسية والثقافية والدينية، وأخيرا ، يرمز حضوره إلى وجود روابط متينة، أو على الأقل متواصلة بين البلدين تمثلت في البعـثات العلميـة الطلّابيّـة والصـلات المتعـدّدة الأشكـال التي وجـدت بين حـزبي الاستقـلال في الجـزائر وتـونس وبيـن العلمـاء المصلحيـن الجـزائريين وعلمـاء الزيتـونة.

ز. البحـر والبحّـارة

معروف أن للبحر أسرار وللبحّارة اطلاع على أحوال الأمم والبلدان التي يحطون بها الرحال. فعـن طريق البحر تسـربت الجـرائد والدوريـات والكتـب والمطبـوعات التي كـان البحّـارة يطـالعـونها أثناء رحـلاتهم الطـويلة. اختـلف طبيعة وانتمـاء المطـبوعات، كما تعـدّدت لغتـها من عـربية وفرنسيـة وانجليزية وألمـانية وروسية وايطـالية واسبـانية... ومعـروف أنّ الموانـئ، مـدن عالميـة قبـل العولمـة وفضـاء لاحتكاك والاتصال والتعـارف. فكان رسـوّ السفن بمثـابة فـكّ العـزلة التي لازمـت البحـارة طيلـة سفـرهم ومناسبـة للتعـرّف على المـدن السـاحلية وشعـوبها وثقـافاتهـا، كما أنّها فرصة لعمـّال المـوانئ لربـط اتصـالات مـع أصحـاب البـزاة البيضـاء أو الزرقـاء وتبـادل أطـراف الحديـث معهم لعـدة أيام بل لأسابيـع. فعـن طريقهـم نقلت أخبـار البلـدان والقارات التي عبـروها سواء كانت هذه الأخبار سيـاسية أو غيـر سيـاسية منقـولة بالمشافهة أو مكتـوبة أو مطبـوعة. لقـد لعبـت مـوانئ الغـزوات (Nemours) ومستغـانم ووهـران بالنسبـة للمقاطعة الغربيـة من الوطـن دورا لا يقـلّ أهميّة عـن الممـرّات البـريّة. فمـيناء مستغـانم مثـلا، كـان ملتقـى للأخبـار الدوليـة لاسيما عـن طريق التجّـار الألمـان والإنجليز الذيـن كانت تربطهـم بالزاويـة العليـوية للشيخ ابن عليـوة، روابـط ثقافية بل روحيـة متيـنة، ومعلـوم أنّ عـددا من مريـدي هـذه الزاويـة من البحـّارة الألمـان والإنجليز[10].

التجار والصّحيفة

لعب تجّار الأقمشة على وجه الخصوص، دورا فعـّالا في إدخال وترويج الصّحيفة العربيـة والإسلاميـة في المستعمـرة وبخاصة في مدينتي تلمسان ومعسكر. بناء على القوائم الاسمية التي جمعناها والتي تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، المدعّمة بشهود عيان استجوبناهم في سبعينيات وثمانينيات القرن المذكور، أنّ الذين ساهموا في الحراك الفكري والثقافي  كانوا من المثقّفين باللّغتين العربية والفرنسية وأيضا من التجّار وعدد من الكتبييـن. لقد احتلّ تجّار الأقمشة - وهي الشوارع الأكثر نشاطا وإقبالا من طرف الرجال والنساء على حدّ سواء - الصدارة. كان سوق الأقمشة بالقيسارية في تلمسـان، وحي بابا علي في معسكر، وتيجدية في مستغانم والطحطاحة في وهران فضاءات تداولت فيها مختلف السلع وفرصة ليتبادل عامة الناس أطراف الحـديث عن معاناتهم اليوميـة وليطّلعوا عن الشـؤون العـامة للبـلاد وأحيـانا العالم. من خـلال هـذه البـوابة المفتـوحة علـى عـالمـي التجّارة والسيـاسة (تكتسي هنا كلمة السيـاسة معنى واسعا)، كانت تثار بيـن الأطـراف الأكثـر وعيـا، مسـألة تـداول الصّحف والدوريات والكتب الصادرة في الجزائر وخارجها. هل من لغز يختفي وراء تلك الحركيّة التي حوّلت بعض الفضاءات الاجتماعية-الاقتصادية المحضة، إلى بطحاء لترويج الفكر النهضوي بما يحمله من أبعاد سياسية وحضارية؟

كانت الأحياء والأزقة التي عرفت بكثافة تجّارها الجزائريين واليهود، نقاطا محورية في حياة المدينة وسكانها لاستقطابها صنفا معيّنا من شرائح سكان المدينة، صنفتها المصالح الاستعمارية والباحثون الاجتماعيون في خانة الطبقة البورجوازية. كما أنها شكلت مربطا للوافدين من خارج المدينة والمستعمرة. فعلى سبيل المثال، أستقبل الأمير خالد الذي حطّ الرحال بمدينة أبي مدين مطلع العشرينيات من طرف وجهاء القيسارية. لا ننسى أنّ هؤلاء التجّار وآخرون، هم الذين كانوا في طليعة من استقبل الشيخ عبد الحميد بن باديس أثناء زيارته الاستطلاعية قبيل تأسيـسه جمعيّة العلماء المسلميـن الجـزائرييـن ثم بعـد التأسيـس سنة 1931 و1932و عند تدشين دار الحديث سنة 1937 الخ. الوجـوه نفسها، استقبلـت واحتضنـت الشيـخ البشير الإبراهيمي الذي بقي في عـاصمة الزيانييـن من 1932 إلى أن أصبح رئيسا للجمعية غداة وفاة رئيسها الأول الشيخ عبد الحميد بن باديس. كانت الصّحف الوطنية الصادرة عن نجم شمال إفريقيا ثمّ حزب الشعب، وتلك الصادرة عن ج.ع.م.ج. ثمّ في الأربعينيات صحف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري لفرحات عباس، تقرأ وتتـداول من قارئ إلى آخر بالموازاة مع قراءة" الأهرام" و"الرابطة العربية" و"الشورى" و"مجلة الإخوان المسلمين" الصادرة في مصر، و"كليلة" المكية و"القبس" و"مجلة الطليعة" و"لسان الأحرار" الصادرة في سورية و"الزهرة التونسية" و"أخبار العالم المغربية" وغيرها من الصّحف والدوريات الأخرى. عرف سوق الكلام[11] نشاطا حثيثا واكب الحركة الثقافية والسياسية. نذكر  في هذا السياق، أن تشييد و تدشين دار الحديث بتلمسان في سبتمبر 1937، كان بفضل تجار القيسارية، وأنه من أعماق الأزقة الضيقة والفقيرة لحي بابا علي بمدينة معسكر ، خرجت مسيرة مؤيدة للمؤتمر الإسلامي الجزائري في 1936. في نفس هذا الحي شيدت مدرسة حرّة تابعة لج.ع.م.ج. ، وانطلقت سنة 1943 مظاهرة صاخبة مؤيّدة لأحباب البيان والحريّة قبل أن تتبع بمسيرات ومظاهرات أخرى إلى غاية 1962. هكذا واكـب، بـل امتزج النشاط التجاري بالحراك السياسي الوطني بصنفيه الإصلاحي النهضوي والسياسي الاستقلالي. فلـم تكن بالتالي عملية اقتناء الصّحافة المغربيّة أو المشرقيّة من طرف القرّاء الجزائريين المـداومين على الحصول عليها، مجـرّد نشاط تثقيفي أو تـرفيهي، وإنّما صـبّت في سياق الحراك الذي عرفه العالم العربي الإسـلامي بشكل عام، والمستعمرة الجزائرية بشكل خاص.

الانتشــار الجغرافي للصّحيفة العــربيـة في الغرب الجزائري

بلـغ عـدد عنـاوين الصّحف المغـاربيّة والمشرقيّة الوارد ذكرها في مختلـف تقارير الشرطة الفرنسية التي أمكننا الاطلاع عليها ، 67 عنوانا للفترة الممتدة ما بين 1920 و1954.

يبدو للوهلة الأولى، أن هذا العدد معتبر للغاية، وأنّ الصّحافة الصادرة باللّغة العربيـة في المغرب والمشرق العربيين كثيرة الانتشـار والرواج في المستعمـرة الجزائريـة. الحقيـقة عكـس ما يُتصوّر. فإذا ما حـاولنا توزيـع مجمـوع العنـاوين التي رصـدناها على لـوح زمنـي تكـون الصـورة على النحـو التالي[12] :

 

سنة دخول الصحيفة

عدد الصّحف المرصودة

1

1920

04

2

1921

01

3

1924

01

4

1929

02

5

1930

08

6

1932

02

7

1934

01

9

1936

11

10

1939

29

11

1947

06

12

1949

01

13

1950

01

14

1954

03

 

المجموع

67

تستخلص مجموعة من الملاحظات منها ما يتعلّق بالجدول ا لزمني في حدّ ذاته وما يتعلّق بالصحف التي رصدت  :

-أولا : وجود عدة فجوات زمنية ما بين بين 1920 و1954. الوثائق الأرشيفية  الممنوحة للقراء ونوعيتها، هي التي تحدّد حجم المادة التاريخية والكمّ المعرفي المستخلص منها. كلّ الذين يبحثون في دور الأرشيف يعانون من هذه المعضلة التي تنعكس على نتائج بحوثهم. هل مردّ الفجوات الزمنية، المراقبة الصحفية التي لم تكن مستمرة؟ الأرجح أن السبب الرئيسي هو تبعثر التقارير عبر مختلف مصالح الرقابة و/أو حفظها في علبة غير العلبة المخصص لها.

- ثانيا : بلغ عدد الصحف التي رصدت سنة1936 ،11  صحيفة، السبب هو الانفتاح الذي رافق انتصار الجبهة الشعبية في فرنسا المتبوع بانعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري بعاصمة الجزائر .تميزت هذه السنة بنشاط صحفي وحراك سياسي  لم تعرفه المستعمرة من قبل، بادرت خلالها الأحزاب والمنظمات الجزائرية بطرح مسألة الحريّات التي تضمنها مشروع بلوم فيوليت الذي عارضته إدارة الاحتلال بشدة لأنها رأت فيه تهديدا لهيمنتها السياسية وخطر على كيانها. تنفسـت "الجـزائر المسلمـة" –حسب العبارة المتداولة آنذاك - الصعداء وكانت سنة 1936 ، سنة اشراقة سياسية وتطلعات واعدة لكافة المستعمرات الفرنسيّة خاصة بالنسبة لبلدان المغرب العربي، فانعكس ذلك بشكل ملحوظ على  دخول الصحف المشرقية المستعمرة.

ثالثا : أمّا فيما يخصّ سنة 1939 بعناوينـها الـ26 التي تمثّـل ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي لانتشار الصّحافة العربية في المستعمرة، فمردّه أجواء الحرب العالمية الثانية التي أدخلت المستعمرة في ارتباك وفوضى استغلتها الصّحف الجزائرية الصادرة في الجزائر في تكثيف مبادلاتها مع شقيقاتها العربية المغربية والمشرقية.

- رابعا: إنّ القيمة المعرفية التي يتضمنها اللوح السابق، استدلالية فقط لأنّ المعطيات العددية جـزئية غير مستوفية للواقع التاريخي، لعدم تمكننـا من القيام بجرد كامل وشـامل لمختلف العناوين في مختلف أرصدة ودور الأرشيف من جهـة، ولوجـود  عدة ثغرات في العلبة الواحدة ،ناهيك عن أسباب تنظيمية أخرى من صلاحية المصلحة أو الهيئة المشرفة على تصنيف هذه الوثائق ، يمكن حصرها في سببيـن اثنين هما :

السبب الأول: لقد لاحظنا في كثير من المرات  أخطاء في عملية تصنيف التقارير ، هكذا وعلى سبيل المثال عثرنا على ملخصات لجريدة الأمـة لمصالي الحاج ضمن علبة مخصصة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. هذا التبعثر، ينعكس سلبا على علمية جمع المعطيات التاريخية وبالتالي على نتائج الدراسة.

وأمّا السبب الثاني، فيخصّ الوثائق الحسّاسة أو التي لم تستوف المدّة الزمنية المحدّدة قانونا للإطلاع عليها. في هذه الحالة تسحب تلقائيا من العلبـة من طرف مصلحة المطالعة للمحفوظات.

هذه الملاحظات المنهجيّة تزكيها شهـادة مصطفى باغلـي، صاحب المكتبة التلمسانية الذي أبلغنا بأنه كان يعرض على قراء مدينة تلمسان والغرب الجزائري، 37 عنوانا سنـة[13]1936، أتته كلّهـا من الأقطار العربيـة، المغربيـة والمشرقيـة. في السياق  ذاته وفي الفترة نفسها نشرت أسبوعيّـة (La Défense) الدفاع، نداء يبحث فيه صاحب المكتبة المصريّة، rue la Lyre 42 (شارع لاليـر) بالجزائر العاصمة، الذي تحصّل على رخصة استيراد مجموعـة من الصّحف العربيـة والكتب المـدرسية، عـن وكـلاء لتسويقها داخـل القطـر الجزائري[14]. عثـرنا من جهة أخرى على وثيقـة رسميـة تنـصّ على أنّ الإدارة الاستعمـارية سمحـت سنـة 1953 لعمـار شنيفـي، كتبـي في 39 شـارع لاليـر، دائما بالجزائر العاصـمة، باستيـراد 44 عنـوانا من مصـر، مـا قيمته نقــــــــــدا 500 313 1 فرنك فرنسي[15] .

فمـا قيمـة الجرد الوارد أعلاه وهل يعتمد عليه بشكل مطلق لتوصيف حركية الصحافة بين الجزائر وباقي البلدان العربية و الاسلامية؟ سبق وأن أشرنا أنّ الأعـداد المعتبـرة للصحـف والدوريـات التي كانت تعرض في المكتبـات إلى جانب الكتـب باللّغة العربيـة (37 عنـوانا في تلمسـان و44 في الجزائر العاصمة عند كتبي واحد)، لم تكن بالكمّية المطلوبة وأن الرقابة وقفت سدّا مانعا في وجه المبادلات الفكرية والثقافية بين البلدان العربية والاسلامية. حقيـقة، كان مصطفـى باغلي يبيـع الـزهرة والرسـالة والأهـرام وغيـرها من العنـاوين الملتـزمة فكـريا ودينيـا وسيـاسيا، ولكن ما لم تـذكره تقاريـر الشـرطة التي اطلعنا عليهـا، أنّ هـذه العنـاوين كانت تأتيـه في أغلب الحالات في ثـلاث نسـخ أو نسختيـن بل حتى نسخـة واحـدة كما كان الحـال بالنسبـة للأهـرام المصريـة[16].

إذا أضفنا إلى هـذا كله الآثار السلبية للأمـية التي حالت دون انتشار وتطـوير الحـركة الصّحفية، يـأخـذ مـدلول الحصـار الثقـافي والفكـري المفروض على الجزائرييـن، كل معـانيه. فالأميّة في هذا الحال، هي أنجع وأكثر وقاية من الرقابة الإدارية والأمنية لأنّ حاملها لا يصغى لما يكتب ويدور في فلكـه، اللهـمّ إلّا إذا كان له حسّ وطني متميّز يحمله على تنمية قدراته الفكرية رغم محدوديتها.

المسموح والمحظور من الصّحف العربية

ما هي الصّحف المغاربيّة والمشرقيّة التي سمحـت الإدارة الاستعمارية بدخولها وما هي العناوين المحظورة؟

أ. يتوزع صنف الصحف المسموح إدخالها للمستعمرة إلى صنفين

- صحف تهتم بالجوانب العلميّة والأدبيّة والمعرفيّة، وأخرى سياسية اندماجية أو على أقل تقدير غير معارضة للسياسة الاستعمارية في البلاد العربية غربا وشرقا. جريدتا العمران[17] والعالم الأدبـي[18] التونسيتيـن، أرسلتا مجانا وعـن طريق البريد إلى أعيان مـدن تلمسـان ووهـران والجـزائر العاصمة ما بين سنة 1921 وسنة 1933. وجدت بعض أعداد العمران فيClinchant (المطمر حاليا، بولاية مستغانم) وأعدادا من العالم الأدبي في عيـن تموشنت[19].

أمّا الصّحافة السياسية ذات الاتجاه الاندماجي فمثلتهـا دوريـة إفريقيـا الشمـالية[20] في عهـدها الثاني تحـت إشـراف المكـي بـن كمـال بن عـزوز الذي زار الجزائر سنة 1950 في مهمـة استطـلاعية، الغاية منها التعرّف على "وضعيّـة الأحـزاب السيـاسية في شمال إفريقـيا..." . يفهم من خلال الدورية نفسها أنّ هـذه المهـمة كانت تندرج ضمن مخطط استعماري محض يرمـي إلى ضرب "العنـاصر الوطنية المتطرّفة".

 لم تذكر التقارير التي أعدّت على إثر هذه الزيارة إذا كانت الدورية منتشـرة عبـر كامل أرجـاء القطـر أم لا. للعلـم عثـر على نسـخ منها في تيارت وغليزان. أمّا جـريدة
 (Le Phare de Tunis et d’Alger[21] فنار تونس والجزائر) التي كان اتجاهها على شاكلة سابقتها، فكانت معروفة في الجزائر العاصمة وتيارت وغليزان ومعسكـر ومستغـانم ويدعى المكلّف بتوزيعها على مستوى القطر الجزائري ، ألبير بوخيـرة، يهودي الأصل من مواليـد تونـس استقـر ( لا نـدري متـى ) بمـدينة الجزائر[22]. هـذا بالنسبـة للصّحف الصادرة في تونس.

أمّا فيـما يخـصّ العناوين المشرقيـة، فمنهـا المصريـة والسـورية، والعراقيـة واللبنانيـة الخ. إنّ رواج الصّحف والدوريات الصادرة في هـذه البلدان، كان متفاوتا من مقاطعـة جزائرية إلى أخرى، فبالنسبـة لبعـض العنـاوين الأدبيـة والهـزلية الصادرة في مصـر كــكـل شـيء، والفكاهـة، والمكشـوف، والعـرفان(1936-1939) [23]، فإنّنا لم نجد لها آثارا في المقاطعة الغربية رغم توفرها في الجزائر العاصمة[24]، فيما لم تذكر التقارير المطلع عليها إذا كانت العناوين الصادرة في سوريا والعراق ولبنان (بيروت)، منتشرة أم لا. كلّما وقفنا عليه، هي قوائم العناوين الصحفية المرسلة من باب التبادل إلى شقيقاتها بالجزائر مثل الشهاب والبصائر[25] والنجاح. العناوين التالية، دخلت المستعمرة عن طريق التبادل : الإسلام والهداية الإسلامية والمكشوف والعرفان الصادرة في مصر؛ ثم القبس والأحداث والطليعة والجزيرة ولسان الأحرار ونشرة المكتب العربي وأحداث فلسطين الصادرة في سوريا. أمّا من العراق، فسجلنا الدفاع القومي والسجال(Assadjal). تأتي بعدها العناوين البيروتيّة كـصوت الشعب والأهالي ومنارة الشرق. أمّا فيما يتعلّق بالصّحافة المغربية فوجدت نسخ من أخبار العالم في مدينة تلمسان وبالضاحية المجاورة لها الحناية وأيضا في ندرومة ومستغانم. نشرت الشهاب سنة 1939 مقالات مقتبسة من الوحدة المغربية و[26]Le Cri Marocain (الصرخة المغربية) ، البصائر وصلتها في نفس السنة الحرية والسعادة والمغرب.

ب. العناوين التي حالت إدارة الاحتلال دون وصولها للقراء الجزائريين

أمّا العناوين التي اعترضت الادارة الاستعمارية دخولها ، فبعضها سياسي وبعضها إعلامي. فعلى أساس هذا التصنيف، اتخذت مصالح الرقابة موقفين متكاملين مانعة منعا باتا الصّحف السياسية ومعطلة بشكل انتقائي الصّحف الإعلامية كلّما تعرضت عناوينها لمواضيع سياسية مناوئة لمصالح الاستعمار في الشمال الإفريقي.

وادي النيل [27]والفلاح [28]والفتح[29] والشورى[30] من الصّحف المصرية ؛ سورية الجديدة[31] الصادرة بدمشق، كليلة[32] المكية، الإرادة[33] والهلال[34] التونسيتين و عناوين  أخرى، منعت إمّا جزئيا وإمّا بشكل مطلق من الدخول للمستعمرة. ميزة المنع الجزئي، أنه كان من صلاحيات الحاكم العام، يفرضه كلما خرجت الصحيفة عن خطها الافتتاحي ويرفعه فور كفها عن انتقاد النظام الكولونيالي. أمّا قرارات المنع الباتّ، فكانت من اختصاص وزارة الداخلية بباريس، وكانت أحكامه تطبّق بشكل صارم على الصّحف التي عرفت بمناهضتها لسياسة فرنسا في شمال إفريقيا.

كانت الصّحافة التونسية أكثر الصّحف العربية عرضة للمصادرة ، إذ شكل تعدّد عناوينها وانتشارها الواسع بين جمهور القراء الجزائريين خطرا على الاستقرار العام في المستعمرة. نذكر منها، الأسبوع، الزهرة والزهو، وجميعها عناوين لصحف تونسية عامة. تشير تقارير مصالح الرقابة أنّ البوليس حجز بتاريخ ماي 1942 في تلمسان عند التاجر عليلي 10 نسخ من جريدة الأسبوع بعد أن باع منها 64 نسخة. ولمّا وصل إلى علم بابا أحمد ؛ تاجر آخر يبيع في نفس الوقت الصحف؛ خبر حجز هذا العنوان، باعفي ظرف قيّاسي ستين (60) نسخة بيعا مباشرا، أي من يد إلى يد.

أمّا في مدينة مستغانم، فكانت حصيلة الحجز الإداري[35] كالتالي : 15 نسخة من صحيفة الأسبوع و14 نسخة من الزهرة، و 3 نسخ من الزهو وجدت  جميعها بدكان محمد زحاف، المعروف بانتمائه لحزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية[36] اللتين تزعمهما الحاج مصالي.

محتويات بعض العناوين الصّحفية

كان بودّنا القيام بدراسة محتوى الصّحف الممنوعة والمصادرة لمعرفة نوعية المقالات المنشورة وما إذا تطرقت للوضع العام في المستعمرة الجزائرية.استعصى علينا هذا الأمر لعدم وقوفنا على العناوين الممنوعة والمصادرة، لكن تمكّنا من الاطلاع على ملخصات مترجمة وأحيانا قصاصات صحفية ألحقت بالتقارير التي كانت ترفعها مصالح الرقابة للهيئات التابعة لها.

أ. الفتح المصرية تتعرّض لأحداث قسنطينة

صدر بتوقيع محيي الدين نجيب في جريدة الفتح[37] المصرية بتاريخ 6 جمادي الأولى سنة 1953 مقال بعنوان العبرة من حوادث قسنطينة. تشير التقارير أنّ العنوان كتب بأحرف جدّ بارزة وأنّ المقال كان جدّ طويل حيث نشر على الصفحتين الأولى والثانية. نستخلص من هذه الملاحظات، أنّ الصّحيفة أولت اهتماما بالغا للحدث كما أنّها سعت إلى الترويج لما يجري في المستعمرة الجزائرية ليس على مستوى الرأي العام المصري ولكن كذلك على مستوى الرأي العام العربي والإسلامي. فكون هذا الموضوع احتل الصدارة في مجلة مصرية، يعني أنّ للجزائر مكانة في الضمير العربي والإسلامي وأنّها كانت هي من صنع الحدث مما يتوجّب التجاوب معها ولو إعلاميا والتعاطف معها عربيا وإسلاميا. هذا بالنسبة للمظهر الخارجي للمقال. على الرغم من أنّ موقع المقال، محيي الدين نجيب، لم يتعرّض بالتفصيل لما جرى في قسنطينة شهر أوت 1934 إلا أنّه ركز على المسبّب : جناية ذلك اليهودي الأثيم الذي اعتدى على قدسية المسجد الجامع في قسنطينة، وما تبع ذلك من ردود الأفعال من طرف الجزائريين وتدخّل الجالية اليهودية لمناصرة اليهودي الظالم وذهاب الجزائريين ضحية بعض المستفزين الذين تزيّوا بزيّ المسلمين وانخرطوا في صفوفهم وقاموا بتحريضهم على قتال اليهود.

بعد هذا، تساءل الصّحفي عن الأسباب التي أدت إلى ما حدث. فميّز بين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في غضب وسخط ضحايا الربّا الفاحش من الفلاحين والتجّار المستوردين الذين خرّبت بيوتهم بأيدي صغار المرابين اليهود، وبين الأسباب النفسيّة، إذ بدأ اليهود في نظره يمرنون أنفسهم على مقاومة كل ما لا يوافق هواهم ومعاداة كل من تختلف مصلحته ومصلحتهم. أمّا عن الأسباب الأيديولوجية، فتكمن حسب صاحب المقال في رغبة اليهود في تأسيس ملك في بيت غيرهم.

فعلى الرغم من أنّ هذه المقالة تنقصها الكثير من المعطيات التاريخية ( عدد الضحايا، وقوف شرطة المحتل إلى جانب اليهود، دور النائب العام ابن جلول والشيخ عبد الحميد بن باديس في تهدئة الوضع إلخ) إلّا أنّ خطورتها لم تخف على مصالح الرقابة التي صادرت الجريدة حتى لا يستغل محتواها في إعادة إشعال فتيل الاحتجاجات التي يمكن اختزالها في تهميش الجزائريين واحتقارهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ثم لأنّ ظاهرة الربّا نمت بشكل مطّرد مع وطأة الضرائب ومختلف الغرامات الاستعمارية التي مست كلّ الجزائريين دون استثناء بما فيهم ما سمي آنذاك بالأسر الكبيرة التي عرفت بثرائها وجاهها ومكانتها الاجتماعية.

 إنّ عقوبة السجن وما تشكـّله من إهانة لكل من عجز عن تسديد ضرائبه أو لمن سدّدها بعد فوات وقتها المحدّد، هي التي  ألقت بالعديد من الجزائريين بما فيهم العائلات الكبرى المعروفة بجاهها، في أحضان المرابين اليهود الذين أثبتوا مدى ذكائهم في هذا المجال. فالعلاقة بين السياسة الضرائبية التعسفية واستفحال ظاهرة الربّا علاقة جدلية، استفاد منها اليهود واستغلتها الادارة. فاليهود، تمكنوا من تنمية ثرواتهم وتوسيع نفوذهم المعنوي على حساب الجزائريين الذين لجئوا مكرهين إلى خدماتهم فوقعوا بذلك في فخّ الاستدانة .أما الإدارة الاستعمارية، استغلت هذا الوضع وحوّلت الضرائب إلى سلاح لإجهاض ما تبقى للجزائريين من أمل في النهوض وحمل مطالبهم أمام الرأي العام الجزائري.

ب- جريدة الأسبوع التونسية

أما جريدة الأسبوع التونسية الصادرة بتاريخ 12 ماي 1948 ، كانت محلّ مصادرة لنشرها عدة مقالات تندّد فيها بالوجود الفرنسي في تونس، مبشّرة في الوقت ذاته باقتراب اليوم الذي تتحرّر فيه من قبضة فرنسا. الذكرى السوداء لفاجعة  1881، هو العنوان الرئيسي للصحيفة وكان متبوعا بعنوان فرعي من سطرين كاملين جاء فيهما الشعب التونسي يعلن حداده في هذا اليوم على اتنهاك حرمته وسلب قوّته واستقلاله بتآمر الدول الأوروبية عليه. أرفق هذا العنوان بآخر متفرّع عن العنوان الفرعي السابق، من سطرين كاملين جاء فيهما : وهو [الشعب التونسي] وطيد الإيمان بأنّ كفاحه لنيل مجده سيكلّل بالظفر وأنّ تكتله سيجبر الطغيان على التسليم بأهدافه[38]. تربعت هذه العناوين على ثلث الصفحة الأولى من جريدة الأسبوع مما يضفي على المقال أهمية سياسية بالغة ، زادته الافتتاحية قوة والتزاما بخطّها الوطني  : يوم الاستقلال آت لا ريب فيه. أمّا في الصفحة الثانية فنقرأ فيها : كلّ شخص مستعبد هو أخي، وبلاد احتلها أجنبي هي وطني . تطلعنا ملاحظة وردت أسفل الصفحة الثانية أنّ المقال مقتبس من مجلة الإخوان المسلمين الغراء. هذا لا ينقص من التّوجّه الوطني لجريدة الأسبوع ويجعلنا نعتقد أنها قريبة من هذا التيار.

من جهة أخرى، تعلمنا تقارير الشرطة المكلّفة بمراقبة الحركة الصّحفية في الجزائر، أنّ مصالحها عثرت ببريد مدينتي معسكر وسيق[39] على أعداد من الأسبوع بتاريخ 22 أوت 1949 وردت فيها أربع مقالات حول الجزائر. تمّ في المقالة الأولى التعريف بالمسجد الذي تمت فيه البيعة (بيعة الأمير عبد القادر أميرا على قبائل الحشم في 21 نوفمبر 1832 بمسجد سيدي حسان بمعسكر)، المقالة الثانية وردت فيها مقتطفات شعرية للأمير عبد القادر. خصصت المقالة الثالثة للتعريف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتمجيد رسالتها التربوية والتعليمية المجسدة فيما أقامته من مدارس ومساجد وجمعيات ونوادي الخ. أمّا المقالة الرابعة فبُجّل فيها رجال الجمعية أمثال الشيوخ البشير الإبراهيمي والعربي التبسي ومحمد خير الدين.

من جهة ثانية استنكرت الجريدة، السياسة الانجليزية في سورية وأعمال فرنسا في الهند الصينية ومن جملة ما جاء فيها، أنّ فرنسا تعد ولم تف بوعودها، فقد وعدت بتحسين أوضاع المسلمين في الشمال الإفريقي ولكن لم يتحقق شيئا من هذه الوعود لأنّها تقدم حسب ما جاء في الأسبوع، مصلحتها الخاصة ومصلحة مستوطنيها على مصلحة السكان الأصليين[40].

إن هذه المقالات وتلك التي لم نطّلع عليها، ساهمت بشكل أو بآخر، في خلق ذهنية نهضوية واحدة موحّدة، معادية للاستعمار، ترتكز أساسا على القواسم اللغويّة والثقافيّة والدينيّة والحضاريّة التي تشترك فيها البلدان العربية الاسلامية. هذا ما أفزع على الدوام السلطات الاستعمارية. إنّ جلّ التقارير الإدارية والمقالات التي نشرت في الدوريات الاستعمارية كنشرية إفريقيا الفرنسية وبخاصة المقالات التي كان يمضيها Joseph Desparmet  (جوزيف دسبرمي)، حذرت، بل وندّدت بنماء الوازعين اللغوي والديني[41]، وما تلك الجملة التي خطها محيي الدين نجيب في جريدة الفتح بمناسبة أحداث قسنطينة : إن الشعوب الإسلامية مهما تساهلت في حقوقها القومية، فإنها لا تتساهل أبدا في كرامتها الدينية، ما هي إلا صرخة تحذيرية نابعة من أعماق الضمير التاريخي لهذه الشعوب وتأكيد للمخاوف الاستعمارية.

الخاتمة

ورغم الدلالة المعرفية للجرد الذي قمنا به ونسبية الأخطاء التي نكون قد ارتكبناها جرّاء محدودية أدوات العمل المستخدمة من تقارير إدارية وأمنية
(rapports administratifs et de police) فإنّ الاستنتاجات التي توصلنا إليها تبقى في نظرنا صالحة ونوجزها في النقاط التالية :

  • يرى الصّحفي محيي الدين نجيب فيما كتبه في صحيفة الفتح المصرية، أن العجز الذي تعاني منه الشعوب العربية الاسلامية ، هو بالدرجة الأساس ،في آليات التواصل الإعلامي :

ومن العبر في حوادث قسنطينة خلو أيدي المسلمين من وسائل النشر ونقل الأخبار. فمصر والجزائر بقعتان من شمال إفريقيا متقاربتان وكلاهما ينتسبان إلى دين واحد وإلى لغة واحدة وإلى قارة واحدة بل إلى جانب واحد من القارة الواحدة، ومع ذلك فإنّ هذه الجرائد اليومية الكبرى التي تصدر في مصر في 12 صفحة كبيرة بالحروف الدقيقة، لم تستطع أن تعرف شيئا عن حوادث قسنطينة والجزائر إلا عن طريق باريس وصحف باريس. فنحن إلى الآن لم نسمع عن إخواننا مسلمي الجزائر إلا ما أرادت مطبوعات فرنسا أن نسمعه وحتى جرائد اليهود الضعيفة في فلسطين والتي ليس لها من القراء ربع ما لجرائدنا الكبرى، استطاعت أن تأخذ من نفس الجزائر أو من مصادر يهودية محضة أخبارا عن هذه الحوادث. بينما جرائدنا لا تتصل بتلك البلاد عن طريق أهلها ولا تستطيع أن تنقل لنا حكم الشعب المغربي نفسه على ما وقع بين ظهرانيه"[42].  

  • يدلّ الانتشار الرمزي، وبالتالي الضعيف، للعناوين الصّحفية المغاربية

والمشرقية في المستعمرة، أن القطيعة التي خططت لها مصالح الاحتلال لم  تكن بالقدر الذي تصوّرته ؛

  • وأنّ الحيلولة دون انتشار عدوى النهضة التي حملت لواءها بعض الأسماء

المؤثرة أمثال جمال الدين الأفغاني (1838-1897) في أفغانستان، مصطفى كامل باشا (1874-1908) ومحمد عبده (1849-1905) في مصر، الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) في لبنان، أبو القاسم الشابي (1909-1934) في تونس، الخ ، لم تنجح هي الأخرى حيث امتدت تعاليم  وأفكار هؤلاء العلماء إلى أنحاء مختلفة من الوطن ووجدت صداها في شتى المجالات الثقافية الاجتماعية والسياسية ؛

  • بفضل الذكاء النابع من الروح الوطنية لبعض الجزائريين، تمكنت بعض الصّحف المحظورة من اختراق السياج  الكولونيالي رغم سمكه،
  • تكيّفت أساليب وطرق المطالعة التي تحوّلت من مطالعة فردية نخبوية إلى مطالعة جماعية، احتضنتها الأماكن الخلفية لدكاكين الحرفيين والتجار( لاسيما تجار الأقمشة بالقيسارية في تلمسان ) والنوادي الثقافية وبعض المقاهي التي تحوّلت بدورها إلى مصادر لتنشئة قراء مناضلين يروّجون للأفكار المحظورة.
  • الملفت للانتباه أنّ الحصار والمنع والمتابعات الادارية والقضائية ،تولّدت

عنها وروح التحدي، الركيزة الأولى للروح الوطنية المناهضة للاستعمار.

  • وأخيرا هل كانت الصحافة الناطقة باللغة العربية معروفة في البلدان

العربية؟ نعم، إذا أخذنا بمبدأ التبادل الذي ميّز بعض دور الصّحف المشرقية ومثيلاتها في الجزائر كــالشهاب والبصائر على سبيل المثال. يطلعنا الدليل العام للدوريات العربية المحفوظة بــــدار الكتاب بتونس[43] على تداول القراء التونسيين  45 عنوانا من عناوين الصّحافة الصادرة في الجزائر ما بين 1915 و1954 على اختلاف انتماءاتها واتجاهاتها ولغتيها. هذا دليل قاطع على وجود حركية صحفية بين  طرفي البلاد العربية الاسلامية رغم جدار المراقبة المتماسك والمتصدّع في آن واحد. فمحاولات القطيعة التي خططت لها إدارة الاحتلال، حتى وإن نجحت إلى حدّ كبير، إلّا أنّها لم تكن شاملة ولانهائية ولم تمنع الأفكار النهضوية و القومية من أن تنتقل من بلد إلى آخر ومن ضفة إلى أخرى.


الملاحق

ملحق 1

جدول جامع لانتشار الصّحافة المغاربية والمشرقية بالجزائر ما بين 1920 و1954

(حسب جرد جزئي في أرشيف ولاية وهران - الجزائر- وما وراء البحر- فرنسا)

 


ملحق 2

جدول مفصل بعناوين الصّحف والدوريات المغاربية والمشرقية المنتشرة في المستعمرة الجزائرية ما بين 1920 و1954

 

 

 

 



المراجع

Archives de la Wilaya d’Oran, boites 1422, 4473, 4482, 6985.

Bulletin du Comité de l’Afrique Française 1929-1939.

Bulletin Mensuel d’Information 1933-1940.

Archives d’Outre-Mer, Aix en Provence, France, boites 9h17, 9h46.

جريدة الشهاب (1929 - 1930).

جريدة البصائر (1937 - 1939).

Journal La Défense (1934-1939).      

وزارة الشؤون الثقافية التونسية (1985)، الدليل العام للدوريات العربية، تونس، دار الكتب الوطنية.

وزارة الشؤون الثقافية التونسية (1975)، البيبليوغرافية القومية التونسية. الدوريات العربية 1860-1975، تونس، مصلحة التوثيق.

سيف الاسلام، الزبير (1982)، تاريخ الصّحافة في الجزائر، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

ناصر، محمد (1978)، المقالة الصّحفية الجزائرية : نشأتها، تطوّرها، أعلامها من 1903 إلى 1931، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

 

Ageron, Ch.-R. (1962), Les Musulmans Algériens et la France 1871-1919, Paris, P.U.F., t. 2.

Albert, P. (1979), La presse, Paris, P.U.F., Que sais-je ?

Archambault, F. et Lemoine, J.-F. (1977), Histoire de la presse de 1945 à nos jours ou quatre milliards de journaux : La presse de province, Paris, éd. Alain Moreau.

Betty, T. et Henry, R. (1973), La presse et l’information, Paris, éd. Fillipachi.

El-Korso, M. (1988), Politique et religion en Algérie. L’Islah : ses structures et ses hommes ; le cas de l’Association des ‘Ulama’ Musulmans Algériens en Oranie 1931-1945, thèse unique, Paris, Jussieu, 1988 (Equivalence en thèse de doctorat d’État en Sciences Politiques, Alger, 1995).

_______ (1988), « Structures islahistes et dynamique culturelle dans le mouvement national algérien 1931-1954 », collectif, Lettrés, intellectuels et militants en Algérie 1880-1950, Alger, O.P.U.

El-Korso, M. (1984), La Guerre d’Algérie à travers cinq journaux catholiques métropolitains (1954-1958), thèse de troisième cycle, Paris, école des hautes études.

Faucher, J.-A. et Jacquemart, N. (1968), Le quatrième pouvoir : la presse française de 1830 à 1960, Paris, l’Echo de la Presse et de la Publicité, sans édition.

Ihaddaden, Z. (1983), Histoire de la presse indigène en Algérie des origines jusqu’en 1930, Alger, E.N.A.L.

Kayzer, J. (1963), « Le quotidien français », Cahier de la fondation Nationale des Sciences Politiques, Paris, A. Colin, 170 p.

Merad, A. (1967), Le Réformisme Musulman en Algérie de 1925 à 1940. Essai d’histoire religieuse et sociale, Paris ; La Haye, Mouton.

________ (1964), La formation de la presse musulmane algérienne 1919-1939, Tunis, éd. Institut des Belles Lettres Arabes (IBLA).

Sauvy, A. (1971), L’opinion publique, Paris, P.U.F., Que sais-je ?

 


الهوامش

[1] Archives de la Wilaya d’Oran, carton 4473, Alger, 29.12.1920.

[2] Archives de la Wilaya d’Oran, Bulletin Mensuel dInformation 1933-1940, carton 4473, Archives d’Outre-Mer, France, carton 9h46.

[3] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 1422, Alger, 18.08.1920.

[4] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 1422, Tlemcen le 24.6.1949, Mascara le 3.4.1949.

[5] Archives de la Wilaya d’Oran, Bulletin Mensuel dInformation 1933-1940.

[6] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 6985, Rabat, le 3.10.1924.

[7] أرسلت جريدة الأسبوع إلى وهران وتلمسان، كل من الطيب بن أحمد بن عبد القادر وعبد الخالق عبد الله المزورغي للتعريف بالجريدة والترويج لها. أرشيف ولاية وهران، تقرير مصالح الأمن من تلمسان بتاريخ 1950.8.11 وأمّا مكي بن كمال بن عزوز ، فنزل بالمدينتين المذكورتين بصفته مديرا لصحيفة إفريقيا الشمالية ؛ نفسه؛ تونس 1950.2.27. كما أنّ الطالب محمد بن محمد العيساوي بن محمد العقاد، زار عددا من مدن الغرب الجزائري منها وهران وتلمسان، ممثلا لجريدة النهضة التونسية؛ نفس المرجع؛ تقرير أمني من وهران بتاريخ 1954.5.21 وأخيرا صدوق بن محمد بن أحمد بسباس، هو الآخر طالب تونسي أوفدته جريدتي الندوة والزيتونة، ورد اسمه في تقرير مؤرخ من تيارت في 1954.3.18 …إلخ.

[8] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 4473, Oran, le 29.8.1949.

[9] المرجع نفسه.

[10] Archives de la Wilaya d’Oran, Bulletin Mensuel d’Information 1937, Archives d’Outre-Mer, France, boite 9h46.

[11] نقصد بهذه العبارة الأخبار المنقولة عن الصحف بعد مطالعتها وطريقة تداول الخبر الصحفي بين عامة الناس خاصة بين من لم يطلع عليها.

[12] راجع الجدول في الملحق 1.

[13] مقابلة مع المغفور له الحاج مصطفى باغلي، تلمسان، أكتوبر 1979.

[14] عن جريدة La Défense (الدفاع) العدد 130، بتاريخ 1936.12.15 من بين هذه الجرائد: الرابطة العربية، الزيتونة، الجهاد، البلاغ...إلخ.

[15] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 4473, Oran, le 4.12.1953.

[16] مقابلة مع الحاج باغلي، أكتوبر 1979.

[17] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 4473, Oran, le 20.6.1921.

[18] Idem, Oran, le 12.12.1936.

[19] Idem, Ain Témouchent, le 20.30.1933.

[20] Idem, Tunis, le 7.2.1950.

[21] Idem, Tiaret, le 26.5.1954.

[22] المرجع السابق.

[23] Archives de la Wilaya d’Oran, Archives d’Outre-Mer, France, boite 9H17, Rapport mensuel, 1936.

[24] المرجع نفسه.

[25] Archives de la Wilaya d’Oran, Archives d’Outre-Mer, France, boite 9H17, Constantine, le 3.5.1939.

[26] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 4482.

منعت الصحيفة بقرار وزاري بتاريخ 192.5.3.

[27] Archives de la Wilaya d’Oran, Archives d’Outre-Mer, France, boite 9H17

منعت بقرار وزاري بتاريخ 1930.2.20. المنشور الذي يشير إلى المنع، صادر في قسنطينة بتاريخ 1939.5.6.

[28] Archives de la Wilaya d’Oran, Archives d’Outre-Mer, France, boite 4482 ;

منعت بقرار وزاري بتاريخ 1930.2.20، المنشور الذي يشير إلى المنع، صادر في الجزائر بتاريخ 1930.3.11.

[29] المرجع نفسه، باريس، 1930.2.20.

[30] المرجع السابق، باريس، 1920.5.3.

[31] المرجع نفسه، منعت بقرار وزاري، بتاريخ 1920.8.31.

[32] المرجع نفسه، منعت بمرسوم اتخذه الحاكم العام للجزائر بتاريخ 1939.7.24. أرخت الوثيقة حاملة هذه المعلومة بالجزائر في 1939.7.25

[33] المرجع نفسه، علقت بقرار وزاري بتاريخ 1939.3.22. أرخت الوثيقة حاملة هذه المعلومة بالجزائر في 1939.5.5.

[34] المرجع نفسه، تلمسان، 1947.5.17.

[35] المرجع نفسه، مستغانم، 1947.5.20.

[36] المرجع نفسه.

[37] مجلة الفتح، العدد 408، تاريخ الصدور في 6 جمادي الأولى 1953.

[38] Archives de la Wilaya d’Oran, boite 6985.

[39]Archives de la Wilaya d’Oran, boite 4473, Sig, le 5.9.1949.

[40] المرجع نفسه.

[41] راجع Bulletin du Comité de l’Afrique Française 1931-1939 من بين المقالات التي وقعها (جوزيف دسبرمي)

[42] الفتح، العدد 440، 6 جمادي الأولى 1953.

[43] وزارة الشؤون الثقافية (1985)، الدليل العام للدوريات العربية المحفوظة بدار الكتب الوطنية، تونس، دائرة الدوريات التونسية، ص. 191 ؛ البيبليوغرافية القومية التونسية، الدوريات العربية 1860-1975، تونس، مصلحة التوثيق، 1975-1984