Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2002، ص.13-17، ردمك 7-05-813-9961 | نص كامل


 

 

 

فوزي عادل

 

 

 

لم تستطع الأنثروبولوجيا أن تحقق أي قدر من الشرعية بعد نهاية الاستعمار. بالفعل لقد تاهت مع النظام الإستعماري مؤدية دور المستطلع من اجل اختراق عالم الأهالي و التغلغل فيه. و لكن هل بإمكاننا إلقاء اللائمة عليها؟ أليس في ذلك نوع من عدم النزاهة لأننا نرمي الرضيع مع ماء الحمام؟ لا شك أنه لا يمكننا تجاهل حقيقة ضلوع نظرتها مع السلطة، لكن تلك النظرة مهما كانت محتقرة فإنها نظرة الآخر،و من هذا المنطلق تكتسب أهميتها بالنسبة لنا. حقيقة هنالك دوما شيء من التمركز العرقي في طريقة اكتشاف الآخر و إدراكه و تعيينه. و يكتسب هذا التمركز العرقي قوة إضافية بفعل صدوره عن حضارة مهيمنة يعميها الشعور بالقوة عن إدراك فضائل الآخرين.

إذا كانت الأنثروبولوجيا قد اهتمت في بداياتها بما هو بعيد، بدائي و غرائبي فذلك يعود لكون الذين كانوا وراء ترقيتها اعتقدوا، تحت تأثير ذلك التمركز العرقي، أنهم وجدوا في المجتمعات التي درسوها شيئا من طفولة مجتمعاتهم الأصلية. في الحقيقة كان تعقيد المؤسسات التي اهتموا بوصفها و تحليلها مصدرا لكثير من الدروس فيما يتعلق بتطور المجتمعات الغربية ذاتها. لا شك أن المغامرة الأنثروبولوجية لم تكن دون مخاطر (حيث جرت زعزعة وجهة النظر المتمركزة عرقيا)، و لكنها ليست دون مزايا كذلك ما دامت تسمح بالتمعن في الذات بدرجة أقل من النرجسية و مستوى أعلى من الوضوح تاريخيا.

و بذلك فإن المعرفة المتراكمة حول الشعوب البعيدة تستخدم في دراسة شعوب الباحثين أنفسهم، كما تسمح بفتح آفاق جديدة لا تـتوانى التيارات الحديثة في الأنثروبولوجيا عن استغلالها. و مع أن حقل الأنثروبولوجيا التقليدية ينكمش باستمرار (بسبب توسع الحضارة) فإن السؤال التقليدي: من هو الآخر يحتفظ بأهميته و راهنيته بإلقائه على مجتمعنا، و في المقام الأول على الذين يبرزون اختلافهم بصيغة أو بأخرى. و بذلك تصبح مهمة الأنثروبولوجيا إعلان حدادها على الغرائبية و تنمية "الشعور بالآخرين" بالمعنى الذي يشير إليه م. أوجي M. Augé بمعنى مساءلة الاواليات الاجتماعية التي تنتج في كل مجتمع (بما في ذلك الأكثر حداثة) الهوية و التغاير.

هل بإمكاننا حقا أن نصبح فاعلين في حقل الأنثروبولوجيا بعد ما كنا موضوعا غرائبيا لمدة من الزمن؟ و بأي ثمن؟ و ماذا نفعل بالإرث المتراكم؟ هل نرسل "الأعمال الكافرة" إلى محاكم التفتيش و بعدها إلى المحرقة، أو استخلاص الدروس  و الاستفادة منهجيا من جميع التحقيقات التي جرت حتى الآن قائلين أنه لا يمكننا اليوم طرح نفس الأسئلة التي طرحها من سبقونا؟

لا بد من الاعتراف أنه بعد تجاوز عمليات توجيه اللغة بسهولة و الشتم الكسول سنجد أعمالا ضخمة أنارت لوقت طويل طريق أجيــال من الدارســـين مـــثــل : ج. سارفيي J. Servier، تيـون G.Tillion، أ. مسكــيـراي E. Masgueray، لاوســت E. Laoust، بـيرك J. Berque، بورديـو P. Bourdieu. لا أحد يستطيع إنكار أن ج. سارفيي أوجد من خلال أعماله امتدادات عالـمية للحضارة الزراعـية في المغرب (les portes de l'année) و لا إنكار أن ج. تيون G.Tillion استطاعت كشف ما هو أكثر ديمومة في بناء العائلة و القبيلة، و المقصود هنا الـزواج الداخـلي؛(Le harem et les cousins). و لا إنكار أن بورديو P. Bourdieu استطاع أن يضيء إواليات العنف الرمزي من خلال معالجة قضية الشرف (esquisse d'une théorie de la pratique). بإمكاننا الرد دوما بأنهم ملاحظون غرباء و لكننا نعرف جيدا الخدعة التي تخفيها مثل هذه العبارة. إذ من خلال التهمة القاتلة جرى تقديم مثقفينا إلى الانتقام الشعبي. كل ذلك لنقول أن الحدود لم تبق على ما كانت عليه، و لا بد من الاعتراف أن الغريب قريب جدا منا و يكفي التخلي عن الموقف النرجسي لاكتشافه.

إن الوجه الآخر للتمركز العرقي هو النرجسية و الرضا عن الذات الذي يماثله المفكّر وادي بوزار بمرحلة المرآة. من المعروف أن الطفولة بحاجة إلى المرآة لمواجهة العالم الخارجي، العالم الحقيقي. تلك هي المرحلة التي ينبغي أن نتخطاها: أن نرى أنفسنا في نظرة الآخر. لاشك أن هذه العملية مؤلمة و أحيانا نافية للهوية الخاصة و بالذات عندما يكون الآخر مستعمرا (اليوم الغرب)، لكن ضمن هذه المواجهة يتم بناء هوية متجذرة في الحاضر. و يعبر قدر كبير من الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية عن هذه المعركة الممزقة.

لنرجع لسؤالنا الأول : ماذا نفعل بالإرث؟ كيف نستغله ضمن مقاربة جديدة؟ كيف ننتقل من وضعية الموضوع إلى وضعية الفاعل؟ لابد من الإشارة قبل كل شيء أنه و برغم الاستعمال السهل للكلمة فإن الأنثروبولوجيا لا تعلم في الجامعة، و ربما لم تعرف ذلك بصفة منتظمة إطلاقا حتى في الأوقات الأكثر تحررا (عدا شهادة في علم الأجناس كجزء اختياري من الدراسة للحصول على الليسانس في الآداب والعلوم)، وقد حان الوقت لتوفير تعليم في مستوى هذا التخصص من شأنه أن يقدم لنا الرأسمال المعرفي المتراكم على المستوى العالمي و ينمي النظرة النقدية تجاه أعمال البحث التي جرت في الجزائر. لم يعد ممكنا إبقاء هذا التخصص حبيسا في معاهد الثقافة الشعبية أين يدرس اليوم (إذا كان يدرس فعلا) كما لو أنه قطعة أثرية قديمة مثل الموضوع الذي تدعى دراسته. إن قيمة الأنثروبولوجيا تكمن في تميزها بواسطة موضوعها ومنهجها عن علم الاجتماع دون أن تفترق عنه تماما. بإمكان الأنثروبولوجيا أن تساعدنا على بناء أنموذج جديد Paradigme يسمح بمقاربة أوضاع خصوصية ومحددة التي غذت كثيرا من الخطابات حول الأصالة. بديهي أن علم الاجتماع قد أخفق، لقد أساء استعمال المخططات التصنيفية و المقولات الثنائية (تقليد / حداثة، متخلف / نامي، ريفي / حضري، بروليتاريا / بورجوازية…) مما أدى إلى إعادة إنتاج نظرة المركز على المحيط. لقد حان الوقت هنا أيضا لاعتماد الشك اتجاه علم اجتماع لا ينظر إلى مجتمعاتنا سوى باعتبارها استنساخا للماضي. إنه بإمكاننا اعتمادا على علم اجتماع أنثروبولوجي ممارسة نظرة مضاعفة تعيد بناء وحدة الموضوع المدروس و تبرز المحددات المادية و المنظومات الرمزية في آن.

ينبغي تطبيق ميزات الأنثروبولوجيا تجاه عالمنا الخاص : ملاحظة، تأويل، وفهم الظواهر و المؤسسات بمسافة و ألفة كافيتين في آن حتى نخبر عن سيرورة التغاير (صنع الغير) الذي يشكل الأساس لتأكيد الهوية. من خلال ممارساتها، خطاباتها، قيمها، تستطيع مختلف التجمعات الإنسانية - جماعة أو نخبة، عرق، هيئة تضامنية، منطقة أو حتى فريق كرة القدم - تحديد علاقاتها مع الآخرين و إنتاج ثقافة خاصة تعينها.

إن حالة الأزمة التي يوجد فيها مجتمعنا لها الفضل في إبراز القضايا المتعلقة بمسألة الهوية بحدة أكبر. لقد عرفنا خلال هذه العشرية " تسارع السيرورات المنتجة للتغاير". لقد جعلنا تجذرنا بصيغة خاطئة في معلم هوية مثلته حرب التحرير الوطني نقوم و بشكل متسرع بصناعة وجوه متنوعة للآخر: إسلاموي، شيوعي، ديمقراطي، ملحد، مثقف، شغيل، امرأة… عدد هائل من البطاقات هدفها تعيين العدو و في ذات الوقت رسم الدائرة الخاصة بإنتماء المعنى بالأمر. إن منطق التمايز هذا ليس من صنع الشيطان (يد الأجنبي)، بل نتيجة التغيرات في ظروف الوجود و كذلك التحولات العميقة في بنيات الانتماء.

من العائلة، إلى العشيرة، إلى القرية، إلى الزاوية تعتبر عوالم التنشئة والإدماج مختلفة عن تلك التي تشترطها المدينة، الحي السكني، المدرسة، و المنشأة. هذا الانتقال الذي يقع بالنسبة لنا في زمن قصير جدا (أقل من نصف قرن) لا ينبغي أن يمنعنا من أن نلاحظ بدقة ما هو مستديم (لا يتعلق الأمر هنا بالثوابت الشهيرة ذات الإيحاء الأيديولوجي). في نهاية التحليل، ألا تعتبر الرسالة الرئيسية للأنثروبولوجيا هي القول أن الخلفية المشتركة تعني وجود خصائص متماثلة تجعلنا نشابه بقية الإنسانية، و أخرى مخالفة تميزنا.

إن الموضوع المتميز للأنثروبولوجيا في الجزائر يقع ضمن هذه المجموعة من الأسئلة. في مواجهة محاولات التوحيد الصادرة عن الحضارة العالمية ينبغي أن نضع في المقدمة الإجابات المحددة التي صاغها مجتمعنا. لقد اعتقد علم الاجتماع أنه وجد الإجابات عن تلك الأسئلة بإطلاقه أوصافا متسرعة من شاكلة (التنمية، التطور، التقدم، الحداثة…) التي تبدو اليوم مهجورة. بانطلاقها في  البحث عن " إجراءات صياغة المعنى ". فإن الأنثروبولوجيا تعيد الاعتبار بنفس الوقت للدور الذي يلعبه الأفراد والجماعات في بناء العلاقات الاجتماعية و تقوض هكذا الفكرة القائلة أن المعنى متعال (أو خارجي) عنهم.

من الناحية التنظيمية يمكننا القول أن أعمال الملتقى سوف تتضمن ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول يتمحور حول أربع نقاط هي :

  1. تاريخ الأنثروبولوجيا.
  2. التيارات التقليدية في الأنثروبولوجيا.

3. التيارات الجديدة في الأنثروبولوجيا.

4. مشكلات المنهج في الأنثروبولوجيا.

  • القسم الثاني يقدم خلاصة نقدية للدراسات الأنثروبولوجية في الجزائر (بلاد المغرب) خلال  فترة الإستعمار :

  1. أعمال حول القرابة الشرعية و الزواج
  2. أعمال حول التقاليد و المعتقدات الشعبية (الأولياء الصالحين، السحر)
  3. أعمال حول بنيات القوة
  • القسم الثالث يعرض الأعمال الحالية المتعلقة بأربع حقول تبدو ذات أهمية:

1. القرابة : تعتبر موضوعا متميزا للأنثروبولوجيا التقليدية باعتبارها تمثل المجال الأول للانتماء. لاشك أن رابطة الدم لم تعد اساس الرابطة الاجتماعية والتنظيم في المجتمعات المحلية (المتحدات)، و لكنه من الأهمية التساؤل عن جدوى رابطة القرابة اليوم، و بخاصة عن الظروف التي يعاد فيها تنشيط القرابة. كيف يشكل التضامن الذي تقدمه كنموذج قوة موازية للشروط الجديدة في الحياة العصرية؟

2. المدينة : دون المبالغة في القول بأنه لا يوجد فلاحون يمكننا تأكيد أن المجتمع الريفي قد تحضر بسرعة و بشكل واسع سواء بالانتقال للسكن في المدن، أو باعتماد نمط الحياة الحضرية. و السؤال المطروح هو معرفة ما إذا نجحت المدينة فـي خلق تعايش بين أنماط حياة مختلفة في إقليم وظيفته بالأساس أن يكون متسترا بينما كل الثقافة الأصلية للسكان المقيمين حديثا تبقى متحدية communautaire.

3. هوية وطنية، هوية محلية : لم تستطع المعالم الجديدة المحددة للهوية الجماعية (حرب التحرير الوطني بصفة أساسية) أن تمحو نهائيا تأثير المحددات المحلية (القبيلة، العائلة، العرش) كما أن المناسبات التي تسمح للأفراد والجماعات بالتعبير عن الانتماء المحلي ليست بالقليلة (نشاطات سياسية، ثقافية، رياضية). وبهذا الصدد ينبغي التساؤل عما إذا كانت الهوية الوطنية، و هي في طور التكوين، تتغذى من المواطنة الحقيقة أم أنها تعتمد على انتماءات ما تزال تحمل الصبغة الخصوصية (المحلية).

4. الحقل الديني : هنالك إجماع على القول أن منظومة المعتقدات تمر بأزمة حادة أدت إلى اضطراب كبير في الأفكار و المؤسسات الدينية التقليدية و ظهور تيارات جديدة تشكك في مصداقيتها و شرعيتها. و قد أبدت الأجيال الجديدة استعدادا للتأثر السريع و القوي بمختلف الأفكار الوافدة التي حملتها رياح التجديد الديني. نفس الأزمة مست شرعية السلطة و الحكم بحيث لم يعد يكفي تثمين الأصول الشريفة، بل أصبح الأمر يقتضي استعمال وسائط سياسية في سبيل الوصول إلى بسط السلطة إلى الأموال و الأرواح. من أجل معرفة أن الأمر يتعلق بمنظومة رمزية في طور التكوين ينبغي مساءلة الممارسات الدينية و تحليل شروط تنشئة الأجيال الجديدة من المتدينين (دور المدرسة، المسجد، المدينة)، و كذلك التوقعات التي أطلقت لها العنان عملية التحرر من قيود الانتماء إلى البنى الاجتماعية القديمة.