Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

Ouvrage du CRASC, 2015, p. 09-18, ISBN : 978-9931-598-07-7 | Texte intégral


 

 

محمد القورصو

لماذا الأن ؟

قرّر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (كراسك)، وريث وحدة البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (أوراسك)[1] لجامعة وهران - السانية، إعادة طبع ونشر الكرّاس الثالث الموسوم : الصّحيفة وآثارها في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين، الصادر في نوفمبر 1992 عن مخبر التاريخ والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (لاأسك).

لم يكن اختيار الصّحيفة (بالمفرد، أو الصّحافة بالجمع كما هو متداول عليه) من طرف فريق البحث، اعتباطا ذلك أنّها وسيلة من وسائل التبليغ والتعبير، كما يمكن أن تتحوّل إلى سلاح في متناول أصحاب الفكر والقلم، والسياسيين والنقابيين والوعاظ. هي أيضا المعبّر الذي يتخطى الموانع والحواجز ويخترق الحدود الجغرافية، ليقرب البلدان والشعوب التي جمعها مصير واحد رغم بعد المسافات وقلّة وصعوبة المواصلات. هي في جميع الحالات، الطبيعية وغير الطبيعية، همزة وصل بين حاملي المشاريع الفكرية والثقافية والدّينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؛ وبين عامة الناس أينما وجدوا. ومن ثمّة شكّلت الصّحيفة طيلة الفترة الكولونيالية، وبخاصة في النصف الأول من القرن العشرين، إلى جانب الحراك الثقافي والنقابي والجمعوي والسياسي، ما يمكن تسميته بعصب الأمة الجزائرية الناشئة.

إنّ مختلف المطالب المرفوعة والمظاهرات والمسيرات الشعبية والاضرابات العمّالية وغيرها من الأنشطة التي قابلتها الإدارة الكولونيالية بالمنع والعنف، وجدت صدى في الصّحفية الجزائرية. لكن، ليس كل ما سوّق من أخبار (وما ينقل لنا اليوم) يؤخذ على محمل الجدّ أو يتّصف بالمصداقية. فبقدر ما ساهم الخبر الصحفي في بناء الوعي الوطني وتنوير الرأي العام الأجنبي (الفرنسي على وجه الخصوص)، بقدر ما وُظّف أيضا كسلاح نفسي غير منفصل عن السلاح التقليدي في محاربة الثائرين (مكتبي الاستعلامات الثاني والخامس للجيش الفرنسي أثناء الثورة التحريرية الجزائرية). تكمن أهمية ما تنقله لنا الصّحيفة، في الخبر في حدّ ذاته (بعد التأكّد من مصداقيته) وأهم من هذا، في تفاعل الصّحيفة مع جمهور قرائها - الدّائمين و الظرفيين - ثم تفاعل الاثنين معا، مع فحوى الخبر الاعلامي ومضمون الخطاب المطلبي أو النضالي.

نظرا للتراكمات التاريخية والسياسة المنتهجة من طرف المحتل، لم يكن من السهل استيعاب هذا الخطاب من طرف جماهير عريضة من المجتمع ركنت إلى الاستسلام لقضاء وقدر عصا الاستعمار، ولكن دون أن يعني ذلك أنّها فقدت الأمل في الغد الذي لم يأت. على العموم، هذه هي الاشكالية التي تتجلى من خلال مجموع المقالات.

أ. مـن إحياء الذاكرة العلمية. ..

ينبغي التنويه أنّ هذا الكراس وجلّ الأعمال المنجزة آنذاك من قبل مختلف المخابر التابعة لوحدة البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (أوراسك) وعددها ثمانية، يشكلون الذّاكرة العلمية الحيّة والأرضيّة التي ارتكز عليها مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (كراسك).

 إنّ ما يؤهل المركز لنشر هذا التراث، بالإضافة إلى المكانة البحثية العلمية التي اكتسبها وطنيا وعالميا، هي الإمكانيات البشرية والتقنية والمالية التي كانت تعوز وحدة البحث ممّا جعل مديرها الأسبق ندير معروف، يلجأ إلى طبع ما جادت به المادة الرمادية للباحثين على الورق الحريري (الستانسيل). وبالتالي فالنسخ المسحوبة (وليس المطبوعة) لم ترق إلى مستوى ما كان ينتظر منها، خاصة وأنّ دور النشر العمومية الوحيدة في الميدان آنذاك عجزت عن نشر كل ما عرض عليها من طرف الدارسين والباحثين الجامعيين الجزائريين. فما من شك أنّ الحلّة الجديدة التي ستكتسيها الطبعة المبرمجة، ستضفي على محتواها قيمة معرفية ومنهجية إضافية لاسيما بالنسبة لطلاّب أقسام التاريخ الذين أهملوا حقل دراسة الصّحافة المسماة من طرف المدرسة الاستعمارية بـ"الأهلية".

 لفريق البحث عدة اسهامات أبرزها "القراء، المثقفون والمناضلون في الجزائر ما بين 1880 و1950"[2]. يكتسي إخراج المساهمات الخاصة بـ : "الصّحيفة وآثارها في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين" من الأدراج أكثر من دلالة، أهمها تثمين الأعمال المنجزة رغم مرور قرابة ربع قرن من الزمن على انجازها، من جهة، ومن جهة أخرى ضرورة العناية، في جميع أطوار التكوين الجامعي خاصة في أقسام التاريخ، بالصّحافة الجزائرية على اختلاف أزمنتها، ولغاتها، واتجاهاتها، بما فيها الصّحافة الكولونيالية وتلك الصادرة في "المتروبول" (فرنسا).

ب. إلى التنقيب عن آليات التعبير والتواصل...

 لماذا انصّب اهتمام أعضاء المخبر على الصّحيفة ؟ في واقع الأمر جاء ذلك مواصلة لموضوع آخر سبقت معالجته، ألا وهو دور الثقافة الشفوية في الجزائر مطلع القرن العشرين. يفهم من هذا أنّ فريق البحث كان مهتما بالتنقيب عن مختلف قنوات وآليات توصيل وتواصل المعرفة بمختلف أشكالها و مضامينها ومستوياتها، بغية تتبّع نشأة ونمو مسار الثقافة الرافضة للوضع الكولونيالي سواء من خلال الأغاني الشعبية أو المدائح الدينية أو الحكايات أو المرويات البطولية في الأسواق الشعبية الأسبوعية أو حتى تلك القصص التي كانت تقصّها الأمّ على صبيتها وهي تداعبهم قبل نومهم. ضف إلى ذلك، اكتشاف جلّ أعضاء فريق البحث بصفتهم معيدين في الجامعة، كمّا هائلا من العناوين الصّحفية في مخازن الأرشيف الثلاثة بالجزائر، وهران وقسنطينة أو في المكتبة الوطنية بباريس، أو مكتبات الصحف نفسها. وُظّف هذا الرصيد حسب متطلبات الدراسة التي كان يعدها الزملاء (دبلوم الدراسات المعمقة، دكتوراه الدور الثالث ودكتوراه دولة)، فتأكّدت للجميع أهّمية الصّحافة بوصفها مصدرا من مصادر المعرفة والبحث في مختلف تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية وبخاصة في الدراسات التاريخية.

ج. ... إلى الأسباب العلمية والمنهجية لهذا المؤلف

لماذا هذا المؤلف ؟ طبعا، تحمل الأوراق المقدمة بصمة زمنها ؛ زمن باحثيها الشباب (على العموم) وزمن جامعتها الناشئة. ففي الوقت الذي كانت فيه الجامعة الجزائرية في سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي بجامعاتها الثلاثة، الجزائر، وهران وقسنطينة تخطو خطواتها الأولى في البحث العلمي بما توفّر لديها من طاقات بشرية لم يضاهيها سوى رغبتهم الشديدة في تكوين أنفسهم[3] ؛ دخلت الجامعة الفرنسية ( بحكم قدمها وموروثها العلمي والمعرفي والمنهجي، وعدد أساتذتها الجامعيين وباحثيها وشبكة مكتباتها ودور أرشيفها وتفتحها على العالم) مرحلة الغوص في أدغال تاريخ المستعمرات وشعوبها وثقافاتهم. تجسّدت هذه العناية بفتح تخصّصات عليا حول "تاريخ المغرب"[4] أسندت لأساتذة كرسي.

عادت المقاربات المنهجية والنقدية التي تمرّس عليها الطلبة الجزائريين الذين تخرجوا من الجامعات الفرنسية (السوربون، جوسيو، فانسان وغيرها من الجامعات الفرنسية) بالمنفعة على المدرسة الجزائرية، فانصبّت عنايتهم، بعد عودتهم لأرض الوطن، على دراسة مواضيع غير تلك السائدة آنذاك في الجامعة الجزائرية. ومن المفارقات أنّ الاهتمام بما يسمى بالدراسات المونوغرافية أو الدراسات المحلية اعتبر يومها، من طرف بعض الأساتذة الجامعيين، طعنا في الوحدة الوطنية بدعوى أن مثل هذه المقاربات تمهّد للجهوية.

لكن، رغم المضايقات النفسية، أثريّ الحقل البحثي بمواضيع جديدة كدور بعض الآليات سواء شخّصتها زعامات معينة (رؤساء أحزاب وجمعيات، شيوخ الزوايا...) أو شخصيات مغمورة (مناضلون بسطاء، نقابيون في مزارع الكولون، مدرّسون في المدارس الرسمية أو الحرّة...) لعبت دورا مميّزا على الصعيد المحلي، أو دور المدنية (الجزائر العاصمة، قسنطينة، تلمسان، وهران) في صناعة التاريخ المحلي والوطني، أو تأثير الحيّ (القصبة، بلكور (بلوزداد) في الجزائر العاصمة، القصبة وقهوة الرمانية في تلمسان، الطحطاحة في وهران. ..) على محيطه البشري والثقافي والديني والسياسي، أو دور بعض الآليات التوعوية والنهضوية كالنادي ( نادي الترقي في الجزائر، جمعية التربية والتعليم الاسلامية في قسنطينة وغيرهما من المدن) والمسجد والمدرسة (المسجد الاخضر ومعهد ابن باديس في قسنطينة ودار الحديث في تلمسان...) والشعبة وخلية الحزب والكتاب والصّحيفة، مثلما هو الحال هنا. تبعا لهذا، تطلّب الأمر معالجة منهجية جديدة للمواضيع المطروحة تقوم أوّلا على اعتبار الحدث التاريخي جزءًا من الكلّ وليس الكلّ في الكلّ. ثانيا، الجمع بين المنهج التاريخي التقليدي (في التعاطي مع الحدث التاريخي) والمنهج الشمولي لربط مختلف الشرايين التي تغذي ويتغذى منها الموضوع. وبهذا خرجت الدراسات التاريخية (خاصة المنجزة باللغة الوطنية قبل تعريب العلوم الانسانية والاجتماعية) رويدا رويدا من قوقعة الدراسات التقليدية، وتخلّصت من أحادية الموضوع والطرح.

في الأخير، ما الفائدة من هذا الإصدار ؟ أولا، جلب انتباه الطبلة والباحثين الجزائريين إلى وجود صحفيين جزائريين عصاميين برزوا بصفتهم فاعلين تاريخيين على الساحة الثقافية والفكرية والدينية والسياسية. ثانيا أنّ الصّحيفة الجزائرية، باللسانين الفرنسي والعربي، كانت لسان حال المجتمع الجزائري بمختلف أطيافه وحساسياته. ثالثا، مزاحمة الصّحيفة الجزائرية ؛ باللغتين الفرنسية والعربية ؛ نظيرتها الأوربية لاسيما صحيفة اللوبي الكولونيالي الذي امتد نفوذه إلى أعلى هرم السلطة في باريس. رابعا، صمود الصّحيفة الجزائرية رغم انعدام الامكانات، ومضايقات إدارة الاحتلال لمسيريها وأقلامها، خاصة العناوين الناطقة باللغة العربية التي أعلنت لغة أجنبية [5]. خامسا، لعبت الصّحيفة الجزائرية، لاسيما الوطنية منها وصحيفة العلماء المسلمين، دور الموقظ للضمير الوطني والحارس اليقظ للقيم التي جسدها بعد ذلك بيان أول نوفمبر. وهنا لا يجب إغفال دور بعض العناوين الصّحفية الأوروبية بشكل عام، والفرنسية بشكل خاص، التي ساندت الثورة التحريرية منذ لحظاتها الأولى. فقد تعرّض محرّروها وصحافيوها وموزّعوها وقراؤها للتعنيف من طرف شريحة من الفرنسيين كما كانوا موضوعًا للمتابعات من طرف الشرطة الفرنسية، ولكن رغم كلّ ذلك، بقيت صامدة إلى النهاية، أي إلى الإعلان عن استعادة الجزائر سيادتها السياسية.

وعليه مهما كان الأمر، تبقى الصّحيفة الجزائرية في العهد الكولونيالي، باختلاف أديولوجيتها ("الأهلية" - أي الحكومية - و"الأنديجينوفيل"، والاندماجية، والإدارية والإصلاحية - بالمفهوم السياسي - وصحافة السلك الديني الرسمي وصحافة جمعية العلماء المسلمين وصحف الزوايا والصّحيفة الوطنية والشيوعية، الخ.) جزءًا من التراث الوطني.

إشكالية دراسة الصّحيفة الجزائرية الصادرة في المستعمرة

إنَّ ما نسميه بالصّحيفة الجزائرية، هو ما سمّته المدرسة الكولونيالية ومن بعدها عدد من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين، بالصّحيفة الأهلية ("أنديجان") ؛ سواء صدرت باللغة الفرنسية أو باللغة العربية، سواء أنشأتها مصلحة الشؤون الأهلية التابعة مباشرة لإدارة الحكومة العامة للجزائر أو ضمّ طاقمها عناصر أوروبية أو جزائرية تابعة لها ؛ سواء اصطفّت وراء الخطاب الاندماجي، أو تبنّت مطالب مساواتية، أو إصلاحية، أو نهضوية أو استقلالية.

أ. نشأة الصّحيفة الجزائرية : من صحيفة للجيش وللحكومة الاستعمارية...

ليس هذا هو مقام التأريخ لنشأة، وتطوّر، ورواج، ودور الصّحيفة الجزائرية في العهد الاستعماري. ما نودّ التنويه به في هذا التقديم المقتضب، هو اكتشاف الجزائريين على اختلاف حساسياتهم للصّحيفة بوصفها وسيلة تعبير وتكوين واتصال وتجنيد واحتجاج ودفاع عن الحقوق السياسية من منظور عباس فرحات، وبوصفها من "مقومات الشخصية السياسية والوطنية" بمفهوم العلماء، و"الشخصية الوطنية" عند الاستقلاليين بمفهوم الحزب الوطني.

لقد ارتبط ظهورها ثم انتشارها بالظاهرة الكولونيالية التي كان ينظر إليها من طرف الذين أدخلوها للجزائر، على أنّها واحدة من الآليات الرئيسة لضمان نجاح جيش الاحتلال، بدليل أنّ إحدى السفن الحربية التي قادها بورمون، كانت تحمل على متنها، إلى جانب الترسانة الحربية والمعدات المسخرة لتأمين نجاح الحملة من ضّباط وجنود وقساوسة وخيول، مطبعة سمّيت بــالمطبعة الإفريقية التي طبعت صحيفة الإسطافيت الصادرة في 26 يونيو 1830، هذا في الوقت الذي لم يزل فيه الجيش الفرنسي معسكرا في شاطئ سيدي فرج. نعتقد أنّ القساوسة الذين كانوا على متن السفن الحربية والذين كانوا يحلمون بالثأر لرجال الدّين المسيحيين الذين أعدموا في العهد العثماني بالجزائر (الأب لوفاشي القرن 17) ويحلمون بنشر الدين المسيحي منذ فشل حملة (شارلكان) على الجزائر (1541)، هم الذين أطلقوا هذه التسمية على المطبعة، تفاؤلا وتبرّكا.

ب. ...إلى الصّحيفة الجزائرية والشبه الوطنية والوطنية

 كانت ولادة الصّحيفة في الجزائر، التي تعود إلى مطلع القرن ما قبل الماضي، عسيرة للغاية لأسباب عديدة. منها أولا، خلوّ الساحة من هذه الوسيلة الاعلامية والثقافية والسياسية. ثانيا، عدم إطلاع الجزائريين على فنون هذا النشاط الذي بقي محصورا لمدة طويلة في الدوائر الرسمية. ثالثا، حينما بدأت الأقلام الجزائرية تخوض غمار هذه التجربة، شرعت الإدارة الكولونيالية في نسج شبكة قانونية لمنع المغردين خارج السرب من التغريد. رابعا، ظهور حليف متستر، عشّش في كل زاوية، هو الأمية التي بلغت حوالي 85 % عند الرجال سنة 1939. ففي سنة 1948، 5.9 % من الرجال و1.6 % للنساء، فقط، كانوا يحسنون القراءة والكتابة باللغة الفرنسية. هذه النسب كانت أضعف عندما يتعلق الأمر باللغة العربية[6]. هكذا، أصبحت الأمية الحليف الطبيعي للنظام الكولونيالي. فأعاقت وعرقلت، نشأة وانتشار الصّحيفة التي زادها الفقر المدقع للجزائريين ضعفا على ضعف جراء نقص، بل انعدام التمويل. كلّ هذا وغيره، تسبب في اختفاء العديد من العناوين – خاصة بين الحربين العالميتين - التي كانت تصدر بنسخ محدودة ونفس الشيء بالنسبة لعدد صفحاتها.

 إنّ التحوّلات الجذرية التي طرأت على العالم ما بين الحربين العالميتين، غيّرت شيئا ما من هذا المشهد القاتم، فقد قفز عدد العناوين الصادرة بين 1907 و1913 من اثنى عشر عنوانا إلى ما بين خمسين وستين عنوانا حسب بعض الدراسات المتخصصة ما بين 1919 و 1939. لكن لم يدلّ هذا الكمّ المعتبر، على أنّ الساحة كانت تعجّ بالإصدارات الصّحفية. بل بالعكس. يخفي هذا العدد ما تعرضت له الصّحيفة الجزائرية من قمع ممّا جعل أصحابها يلجؤون إلى تغيير عناوين صحفهم المصادرة بعناوين أخرى[7].

صحفيون عصاميون

لم يكن الفعل الصحفي، فعلا صحفيا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأنّ الذين تصدّروا للكتابة الصّحفية لم تكن لهم، أصلا، هذه الصفة حتى وإن اكتسبوها من باب التجربة التي فرضتها عليهم الرسالة التي حملوها. لم يكن أحمد بن بريهمات صحفي بالتكوين والمهنة، ولا عمر بن قدور، ولا عمر راسم، ولا العقبي ولا سعيد الزاهري، ولا لمين العمودي، ولا الحاج مصالي، ولا فرحات عباس[8] ولا الشيخ ابن باديس ولا حتى الشيخ البشير الابراهيمي. جميع الذين دخلوا عالم الصحافة الجزائرية، دخلوه من باب السياسة، سواء كأقلام رسمية أو شبه رسمية، أو لمطالبة إدارة الاحتلال بالمساواة مع الأوروبيين، أو لمنحهم الحقوق التي وعدتهم بها فرنسا عشية وأثناء الحربين العالميتين، أو للنهوض بالشعب الجزائري فكريا وروحيا، أو للمطالبة بالحقوق السياسية المكفولة لشعوب المعمورة. ولكن كل هذا لم يمنع الصّحيفة - كآلية – أن تكون المنبر الذي تداولت عليه أصوات مختلفة الألحان، روّجت لأفكارها وبرامجها وطرحت انشغالات ومطالب بني جلدتها على اختلاف أصنافها، كل واحدة حسب تصورها للنضال الذي خاضته في المستعمرة أو في "المتروبول".

وختاما

من هذا المنظور، كان الخبر الصحفي، رسما للحظة تاريخية دقيقة، تولّدت عنها حركية متشعّبة[9] وتصاعدية[10]، تغذّت من اهتمامات ومآسي وتضحيات وتطلعات وآمال، من كانوا يبحثون عن حلول للمعضلة التي أحدثها النظام الكولونيالي في الجزائر. منهم من سعى وراء حلول سلمية، ومنهم من اعتبر أن منشأ النظام القائم في الجزائر يتنافى مع هذا المسعى. وهنا يأتي دور المؤرخ لينقب عن هذه اللحظات المفصلية، فيحصيها ويعدّها ويصنّفها، قبل أن يخضعها للمساءلة، ليدرجها بعد ذلك في سياقها الصحيح والديناميكي لتاريخ الشعوب المستعمرة الذي شخّصته العلاقة التصارعية بين اللاوجود وبين الحق في الحياة [11].

محمد القورصو

مراجع

سعد الله، أبو القاسم (2011)، تاريخ الجزائر الثقافي، الجزء 5، الجزائر، طبعة عالم المعرفة، أنظر الفصل الثاني : الصّحافة، ص. 211-273.

إحدادن، زهير (1986)، بيليوغرافيا الصّحافة الجزائرية -1- الصّحافة الاسلامية الجزائرية من بدايتها إلى سنة 1930، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب.

Ageron, C.-R. (2005), « Regards sur la presse politique musulmane dans l’Algérie "française" », Genèse de l’Algérie algérienne, Paris, éd. Bouchène, p. 325-353.

Ihaddaden, Z. (1983), Histoire de la presse indigène en Algérie. Des origines jusqu’en 1930, Alger, Enal.

Merad, A. (1967), Le Réformisme musulman en Algérie de 1925 à 1940. Essai d’histoire religieuse et sociale, Paris, La Haye, Mouton & Co.

________ (1964), « La formation de la presse algérienne », IBLA, 1er trimestre, p. 9-27.

 


الهوامش

[1]  التاريخ الموافق لتواجد وحدة البحث قبل تحولها إلى مركز بحث هو 1 أفريل 1985 إلى 23 ماي 1992.

[2] صدر المؤلف باللغة الفرنسية تحت عنوان : Lettrés, intellectuels et militants en Algérie de 1880 à 1950, O.P.U. 1988. كان يقصد بـكلمة Lettrés التي ترجمت بـ "القراء"، كل من كان يحسن القراءة بإحدى اللغتين العربية أو الفرنسية أو بهما معا. لقد لعبت هذه الفئة من المجتمع الجزائري دورا بارزا في نشر ما تناقلته الصحيفة من أخبار، لاسيما الوطنية بالمفهوم الواسع، في نشر الخطاب المناهض للاستعمار .أهم ما اتصف به "القراء" أنّهم كانوا همزة وصل فاعلة بين "المثقفين والمناضلين" وبقية المجتمع، من هنا كانوا محلّ عناية من طرف المساهمين في الدراسة المشار إليها أعلاه. 

[3] تشكلت نواة وحدة البحث الأنثروبولوجي (أوراسك) من عدد جدّ محدّد من الباحثين، أساسا من جامعة السانية وهران، قبل أن تتحوّل وحدة البحث إلى قبلة مفتوحة للراغبين في عرض نتائج بحوثهم. فكانت عن حقّ مخبرا للأفكار الناشئة زادها تغيير وضعيتها القانونية من وحدة إلى مركز للبحث (كراسك) رواجا وإشعاعا.

[4]  تأسيس "معهد مغرب- أوروبا" بجامعة باريس 8 فانسان ؛ فتح شعبة "معرفة العالم الثالث" Connaissance Tiers-monde بجامعة باريس 8 جوسيو ؛ فتح حلقة بحث (سيمينار) في "الثقافة المهيمنة والثقافات المهيمن عليها في المغرب" أشرف عليها البروفيسور (غران غييوم) Culture dominante et cultures dominées au Maghreb.

[5] نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى حملة غلق المدارس الحرّة التابعة لجمعية العلماء واعتقال مدرسييها ومصادرة صحفها سنة 1934 بعد صدور مرسوم وزير الداخلية الفرنسي (رييني).

[6] Ageron, C.-R. (2005), « Regards sur la presse politique musulmane dans l’Algérie "française"  », Genèse de l’Algérie algérienne, Paris, éd. Bouchène, p. 325-353.

[7] أحسن مثال على ذلك هي سلسلة العناوين الصحفية التي أصدرتها جمعية العلماء لاستخلاف العناوين المصادرة من طرف الإدارة : السنة، الشريعة، الصراط ؛ أنظر الشهاب، عددي أفريل 1933 و1934 ص. 260 وص. 218.

[8] ابن منصور لطيفة، فرحات عباس الصحفي. يوحي عنوان الكتاب أن عباس فرحات كان صحفيا، هذا صحيح نسبيا، إذا أخدنا بالاعتبار عينه مداومته على نشر مقالات صحفية منذ سنة 1922 (أنظر "الشاب الجزائري")، ولكنه كان في الأساس سياسيا، وظّف الصحافة للترويج لأفكاره وعرض مطالب حركته السياسية. وهذا ينطبق على كلّ الفاعلين الوطنيين، من تاريخ نشأة الصحافة إلى اندلاع الثورة التحريرية.

[9] شملت مختلف مظاهر الحياة اليومية : المطالبة بإلغاء قانون الأهلي والقوانين العنصرية، وفصل الدين عن الدولة وحرية تدريس اللغة العربية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، 1944)، وإنشاء مجلس تأسيسي جزائري (عباس فرحات، 1943)، والمطالبة باستقلال الجزائر (الحاج مصالي، 1937)، والدفاع عن حقوق الشغيلة الجزائرية (الحزب الشيوعي الجزائري والكونفدرالية العامة للشغل (سي.جي.تي)، 1936.) الخ.

[10] إذا استثنينا المطلب الاستقلالي الذي رفعه الحزب الوطني منذ تأسيس نجم شمال إفريقيا سنة 1926 في باريس، نلاحظ أن تكوين الفكر السياسي الوطني في الجزائر، مرّ بعدة مراحل قبل أن يتبلور رغم / وبفضل الجدل السياسي والأيديولوجي الذي لم يخل حينها من المزايدات التي طفت على السطح من داخل وخارج مختلف التنظيمات والحساسيات. يمكن أن نلمس هذا التدرّج في طرح المسألة الوطنية من خلال المحطات التالية التي تداخلت فيما بينها قبل أن تنصهر في بوتقة واحدة : من المطالبة بالاندماج إلى المطالبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية، إلى المساواة بين الجزائريين والأوروبيين، إلى المطالبة بالمجلس التأسيسي الجزائري إلى جبهة التحرير الوطني (التاريخية).

[11] القورصو، محمد (2011)، "التاريخ، الذاكرة والسياسة : سطو فرنسا على التاريخ. حالة الجزائر (1830-2009)"، مجلة أفكار وآفاق، مارس، العدد 01، جامعة الجزائر 2، ص.77-91.