Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

باسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله

و صحبه و سلم

 حمدا لمن له كل المحامد على الحقيقة*المزيّن للأجياد بما كونه من الدّرّة العقيقة*ذي التفضيل و الإحسان* الموصوف بالأسماء الحسنى و الصفات الحسان*الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان*نحمده تعالى و نستغفره و نستنصره و نشكره بالقلب و القالب و اللسان*ملقح الذهن العقيم و منقح الفهم السقيم حتى أذعنت له العويصات و انقادت في أرسان*و الصلاة و السلام على صفوته من خلقه المثنى على خُلُقه و خَلقه المبعوث إلى الأنس و الجان*و على آله بدور الغوادي و أصحابه نجوم الدآدي أولي اللطف و العطف و المنان* صلاة واطئ اللسان فيها الجنان*و سلاما نستفتح به أبواب الجنان*المحصّب بالزمرد الزبرجد و المرجان* و على من اقتفاهم من الأمة و شرفاء أعيانها الأئمة بإحسان* من العلماء المنصفين* من دوّن الدواوين*من المصنفين الأعيان* المتردّين بأردية المحامد*و المتصفين بشيم الإكرام الأمجاد*ما بكى قطر و ابتسم زهر و غرد طير بأفنان.

 أما بعد فيقول أفقر الخلائق*و أسير العلائق*المذنب القاصر*محمد أبو رأس بن النّاصر*يسّر الله عليه أسباب الاكتساب*و قصّر في اليوم الأطول عليه الحساب*و واصل صيانته*و أدلى على الخير إعانته*إن الشعر ميزان الأدب*الذي خبّ في طلبه كل ما جد و دبّ*و زينة الألباب*و مودع الحكمة و فصل الخطاب*و سبيل مسلوك *و له موقع عند الخلفاء و الملوك*و مدحه في السنة شهير*و به محيت ذنوب كعب بن زهير*مع إعطائه البردة الغراء*المتداولة الآن عند الأمراء*و قد قرع عبد الملك الحجاج على عدم مراعاته الشعراء*و أعطى عمر بن عبد العزيز*جريرا مائة من الإبريز*في كتاب المبتدأ لأبي حذيفة[1] عن أبي إسحاق بسند له عنه ÷ أنه قال "الشعر ديوان العرب ﻫ"*و لذا دوّن فيه غير ما ديوان*و أجلّوه على منصّة ذلك الإيوان*و شرحوه أفاضل أخيار* و وشّحوه بلطائف و أخبار*مما يصلح أن يكون لتخليد سره تاريخا*و يطلع في سماء التنويه به مشتريا و مرّيخا* و نشروا له من الفخر أعلاما*تنويها به و إعلاما*أجزل الله ثوابهم*و طهر من دنس المعاصي أثوابهم*و لله در القائل[2]:

فإن جهلت مكان الشعر من شرف* فأي مكرمة[3] أبقيت للعرب

لا سيما ما كان منه في مدح خير البشر*فإنه أسنا المسرات و البشر*و كان ممن أشاد تلك المحاسن*و ورد من زلالها ماء غير آسن*و نشر تلك المآثر و السنن* على أهدى سنن* العلاّمة الرّبّاني* سيدي سعيد بن عبد الله التلمساني* قدس الله سره و حماه*و منحه الرضوان و حرس حماه* فلقد قلد جيد الحضرة النبوية فخرا و أمداحا* و أدار على المسامع كؤوسا و أقداحا*مما يطرب الأطباع و يذهب بها كل مذهب*و يستوجب أن يكتب بذوب الذهب *لقد أبدع في ترتيب قوانينها أول و ثاني و ثالث*فجاءت أشهى و ألذ من نغمات المثاني و المثالث*و هي و إن كانت من الشعر الملحون*فقد احتوت على غرائب و عجائب من اللغة و البلاغة و اللحون*حتى انقادت تمائم القصائد إلى سحرها*و صارت واسطة عقد نحرها*و ما في الملحون من بأس*فإنه في هذا العصر لسان[4] الكثير من الناس*و قد عاب ابن خلدون على كثير من مؤرخي إفريقية المستعجمة*حيث تركوا راوية أشعارهم لما دخلها من اللحن و العجمة*فكان من ذلك تضييع أنسابهم و أيّامهم*و طمس أخبارهم و أعلامهم.

هذا و قد سألني من استولت محاسنها على لبّه*و أخذت بشراشر قلبه*أن أجعل عليها شرحا يفصح عن تلك المقاصد و اللغات*و يذلل ما فيها من الأبيات الأبيّات*و أن يكون باختصار* لداعية الضرورة إلى الاقتصار*و تنشيطا للإطلاع*و انتهازا لفرصة الانتفاع*فاستبعدت ذلك مني*و قلت إليكم عني*إن هذا الشيء حارت له الأئمة الكبار*و أعيى الطبيب الحاذق فيه رمي المسبار*و كيف و أنا من جملة العوام*الذين هم مثل الهوام*فاطلبوا لهذا الأمر غيري*و اقبلوا عذري*فلجّوا في الإلحاح*لنيل الإمتياح* لظنهم أنهم استمطروا سحابا هامرا*و اتخذوا لتلك المهامه خرّيتا ماهرا*و ما علموا أنهم استسمنوا ذا ورم*و نفخوا في غير ضرم*إلا إني أجبتهم*على ما بي من قصور*عن رضا تلك المعاقل و القصور*و على الله ببركاته ÷ أن يمنحني النباهة*و ينشطني من عقال الفهامة*فتصير ظلمة ذهني كشمس ضحى*و أن لا أجوع في الدارين و لا أعرى و لا أظمئ ولا أضحى*فإن الإنسان مثاب بنيته*و مجازي بحسن طويته*و لابس رداء سريرته.

لقد قال كعب في النبي قصيدة * و قلنا عسى في فضله نتشارك *

فإن شملتنا في الجوائز رحمة * كرحمة كعب فهو كعب مبارك

فحركت تلك الدواعي كامن القريحة*و أتعبت الفكرة المستريحة*و أعطيت النظر حقه*و أمطيت اليراع رِقّه* مما سمح به الفكر الفاتر*و الفهم القاصر*و لولا المدد الإلهي و التيسير*ما أمكن الخطو فيه فضلا على المسير* فكم من بالغ في الذكاء الحد*و التنقير و الجد*و التحصيل و الكد*و الكتب التي لم يحصيها العد*لم يهتد إلى فهمها سبيلا*و لا وجد على حلها دليلا* بل أعيت معانيها من يعانيها*و قد قال الناظم فيما يأتي  "حد ما يعرف لُه مسلك منين ياويه"*و الله أسأل*و بنبيه الوجيه عنده أتوسل*أن يلهمنا مباحث شريفة*و نكت لطيفة*و تحقيقات غريبة*و تدقيقات عجيبة*و دلائل أنيقة*و مسائل دقيقة*و أن يدركني من النور النبوي لمعة*و يوقد في ظهري من سبحات القدس شمعة*حتى يتم شرحها بهذا المنوال*البعيد المنال*و نوفق لتنجيزه بهذا الطراز*الذي فيه مسحة من الإعجاز*حتى يحل تراكيبها المشكلة*و يفتح وصائدها المقفلة*طالبا من الألمع النبيل*الأودع الجليل*أن ينظره بعين الرضا*فطالما أصلى الفكر فيه جمر الغضا*و أتضرع إلى الله أن يجعله في ميزان القبول*و أن يبلغ له المسئول و المأمول*إنه بالإجابة  جدير*و بما تكنه الضمائر خبير*و أن يجعل تسويد هذه الصحائف يبيض غدا أسود تلك الصحائف*فيكون غرس التمني قد أثمر عوده*و وفت وعوده*و لاح نجم شهوده*في طالع سعوده *و انتهاء صعوده*إنه المستعان*و ليس إلا عليه التكلان *و سميته "الدرّة الأنيقة في شرح العقيقة"*و هذا أوان الشروع في المقصود*و اقتناص المصيد المرصود. 

قال الناظم رحمه الله:

 كِيفْ يَنْسَى قَلْبِي عْرَبْ الْعْقِيقْ وَ الْبَانْ * وَ الْعْقِيقْ عْيُونِي بَقْلاَيْدُه انْهَلُّو

لِي عْقِيلَة مَنْهُمْ غُرَّا شْقِيقَةْ الْبَانْ * هَلْ لْقَلْبِي مَنْهَا بَعْضْ الْوْصَالْ هَلْ لُه

بَانْ صَبْرِي وَ السَّرْ الْكَاتْمُه الصّْدَرْ بَانْ * كِيفْ يَمْهَلْ دَمْعِي وَ الْوَجْدْ لاَ مْهَلْ لُه

  أعلم أن الشعراء جرت عادتهم قديما و حديثا أن يبدؤوا قصائدهم في المدح و غيره بالتغزل و هو ذكر الأحباب و وصف جمالهم و أيام وصالهم و دروس أطلالهم و الحنين إلى منازلهم و التشوق إلى لقائهم و شكوى ألم فراقهم و غير ذلك مما يتعلق بالمحبة تنشيطا لنفوسهم و تهييجا فتطرب و يسهل عليها نظم الشعر. ألا ترى إلى كعب بن زهير في لاميته المشهورة التي أنشدها بين يدي النبي ÷ و فيها من التشبيب ما يسبي لبّ اللبيب فلم ينكره ÷ بل استحسنها و اهتز عند بعض أبياتها على ما ذكر في السير ثم أن الناظم تابعهم على ذلك فبدأ قصيدته بالتغزل الفائق و التشبيب الرائق و أطال فيه لأنه تكلم فيه من هنا إلى قوله :

 طِيبْ نَفْسْ خْلِيلِي يَسْعَاكْ مَا سْعَانِي * ذَا الْمْقَامْ رْفِيعْ بْلَغْنَا قْلِيلْ عَوْضُه 

مْقَامْ طَهَ الْمَكِّي الخ

ثم قال :

هَذِي هِيَ الدّْيَارْ يَا بَاكِي الاَرْسَامْ * عَرَّتْ يَدْ النّْسِيبْ لَلْمَدْحْ غْطَاهَا

كما يأتي إن شاء الله لأن النسيب هو التغزل و التشبيب و مقصوده بذلك غالبا محبوبه و هو ممدوحه ÷ بدليل إتيانه برهطه و هم العرب و أماكن بلاده ÷ لأن "العقيق" واد على عشرة أميال من المدينة المنورة و هو الذي أراده جرير بقوله :

فهيهات هيهات العقيق و أهله[5] * و هيهات خل بالعقيق نواصله

و به عدة قصور لأبناء الصحابة رضي الله عنهم و به قصر سعيد بن العاصي الأموي و قصر سعد أحد العشرة و به مات سنة سبع و خمسين و حمل على أعناق الرجال و دفن بالبقيع و هو آخرهم موتا و كان إذا فاض من المطر خرج أهل المدينة كلهم له و قد غنّى ابن عائشة به لسيدنا الحسن و من معه مائة صوت كما لأبي الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني. و "البان" موضع بالحجاز أيضا صرح به الشيخ خالد[6] في شرحه على "البردة". و "العقيق" الثاني خرز أحمر يكون باليمن و سواحل بحر رومية فيه خطوط بيض خفية من تختّم به سكنت روعته عند الخصام و انقطع عنه الدم و "البان" الثاني شجر الخولان[7] واحدة بانة زهره أصفر يصنع منه دهن و حبه نافع للبرص و "بان" أول البيت الثالث بمعنى زال و الثاني بمعنى ظهر فهذا كله من الجناس التام و أما "انهلّ" و "هل" و "مهل" فمن غيره و أما البون بفتح فسكون كديتان باليمن أعلى و أسفل و فيها البير[8] المعطلة و القصر المشيد المذكور في القرآن[9].

تنبيه: قال السيوطي في الإتقان[10] "لم يقع الجناس التام في القرآن إلا في موضعين الخ". و قال الخفاجي[11] على الشفاء "لم يذكره أهل اللغة فلفظه مولد و اختلف هل هو بفتح الجيم أو بكسرها ﻫ". و "كيف" أصل معناه الاستفهام الحقيقي لطلب تصور الحال نحو كيف زيدا صحيح أو سقيم و المجازي نحو كيف تكفرون بالله فإنه أخرج مخرج التعجب و منه كيف هنا في الموضعين أي كيف ينسى قلبي عرب العقيق و عيوني منهلّة أي فائضة بدم أحمر كقلادة العقيق في نظمه و تتابعه. قال ابن نباتة[12] :

إذا لم تفض عيني العقيق فلا رأت * منازله بالقرب تبهى و تبهر

و المراد يا عجبا كيف "يمهل" أي يسكن دمعي و الوجد و هو شدة المحبة و العشق و الهيمان "لا مهل له" أي لا سكون له فقد أخرج كيف مخرج التعجب في الموضعين و "القلادة" بكسر القاف العقد المنظم من جواهر أو خرز و نحوه و إن كانت من قرنفل يقال لها "سخاب". و "العقيلة" هي الكريمة على قومها و قد تكون من غير النساء كقول طرفة[13] :

أرى الموت يغنم الكرام و يصطفي * عقيلة مال الفاحش المتلذذ[14]

و "الغرّاء" البيضاء و الأغر الأبيض من كل شيء من الأيام الشديد الحرّ و الغرّة بياض في جبهة الفرس. و "هل" للتمني و "الوصال" الوداد ضد القطع. قال مسلم بن الوليد[15] :

فأعرف منها الوصل في يمن طرفها * و أعرف منها القطع في نظرها الشزر

و "هل" الثانية تأكيد الأولى أي هل لقلبي بعض وصلها هل له. قال ابن ميادة[16] :

ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر * سبيل و أما الصبر عنها فلا صبر

و معنى "و السر الكاتمه الصدر" أي الذي كتمه الصدر "بان" أي ظهر بانهلال دمعي. قال علي ابن الجهم[17] :

ظهر دمعي فلا يكتم شيئا * و استمر اللسان ذا كتمان

كنت مثل الكتاب أخفاه طيه * فاستدلوا عليه بالعنوان

 تنبيهات: الأوّل) قصيدة الناظم هذه تقرأ و تكتب على لحنها فتقول "بَقْلاَيْدُه" و "لِي عْقِيلَة" و نحو ذلك و هذا قصده فيها بدليل ما يأتي من قوله "هَاكْ بَعْضْ اخْبَارْ الْهَجْرَة بْلَفْظْ مَلْحُونْ الخ" لتسهل للعوام كما تسهل للخواص و إلا فهو رحمه الله واسع الباع كثير الإطلاع على كيفية العلوم و قد كان الإمام الشلوبيني[18] لا يراعي الإعراب فقال يوما لتلميذ له "اشتري لي كْرَافَسْ بَعْرُوقُه" و كذا الإمام ابن بري المصري[19] كان لا يراعي ذلك فقال لتلميذه "اشتري لي هندبا بعروقُه" فقال التلميذ "هندبا بعروقِه" فغير عليه كلامه و قال له "لا تأخذه إلا بعروقُه و إن لم يكن بعروقُه فلا" و كانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يتوقف على إعرابها مع أنه كان علامة عصره و نادرة مصره و حافظ وقته له حواشي فائقة على الصحاح دلت على سعة علمه و غزارة مادته و عظم إطلاعه و له حواشي على "درّة الغوّاص"[20] و غير ذلك. و كان القطب محمّد الهواري[21] وضع كتاب "التّنبيه و السّهو" فلمّا وقع في يد عالم وهران الشيخ مقلاش أصلح ما فيه من اللحن و أعلم الشيخ فغضب و قال له "هذا كتاب مقلاش و أما كتاب الفقراء فيبقي على لحنه". و كذا كان ابن شعبان[22] لا يراعي الإعراب و أما قول أبي حنيفة رضي الله عنه "لا قصاص بالمثل و لو بأبا قبيس"[23] فهو لغة لا لحن و من لحن فيه فهو تحامل.

الثاني) المراد "بعرب العقيق" العرب المستعربة و هم ربيعة و مضر و أهل اليمن و أما العاربة كعاد و ثمود و طسم و جرهم و جديس و عبد يالل و السلفات فانقرضوا و قيل بعض أهل اليمن من قحطان و هو من العاربة و أما قول الخفاجي أبوهم قحطان و أمهم جرهم فغير ظاهر.

الثالث) لم تخل بيت من هذه القصيدة من نوع من أنواع الجناس و كذا التزام ما لا يلزم و أما بقية أنواع البديع و الاستعارة و المجاز فتارة و تارة و لو تعرضنا لذلك كله لطال الشرح.

الرّابع) قال شهاب الدّين الخفاجي "الشعر أمر مسنون و معرفته فرض كفاية و المدح به جائز" و قال غيره "و لو شعر المولدين" و الله أعلم.

قال النّاظم :

آهْ عْلَى مَنْ عْشَقْ وُ لاَ نَالْ الْمَطْلُوبْ * قَلْبُه مَمَّا غْلاَظْ حْجَابْ الصَّوْنْ عْلِيهْ

وَ صْبَحْ مَمَّا لْقَى مْنَ الرَّاحَة مَسْلُوبْ * بَحْبَالْ الْوَاهْيَة يَدْ الْحُسْنْ تْدَلِّيهْ

الْغَالَبْ مَا عْرَفْ حْقِيقَة لَلْمَغْلُوبْ * مَا يَعْمَلْ بْدَنْيْتُه بَاشْ يْسَلِّيهْ

يَغْلَقْ بَابْ الرّْضَا وُ يَسْكُتْ وَ يْخَلِّيهْ

ذا الذي يسمّيه عوام عصرنا "العروبي". و "آه" و "آواه" للمتوجع ثم استعملت لما يشبهه و هو التّأسّف و التحزّن و هي أسم فعل و "العشق" إعلام المحبّة و كذا الوجد و في القاموس عجب المحبوب بمحبوبه و إفراط الحب و يكون في عفاف و في دعارة أنظره. و المعنى أتأسّف و أتحزّن على الذي عشق و ما نال المعشوق الذي طلبه و عدم نيله ذلك مما على قلبه من غليظ الحجاب المصون أي المانع لما حجبه و "صبح" أي صار من أجل ما لقي من الحرمان مسلوب الرّاحة أي فاقدها و ارتكب التعب و شدة النّصب فمن تعليلية في الموضعين و "الواهية" الضعيفة و أيد الحسن من مجاز الاستعارة و التدلي ضد الصعود أي تدلّيه في بئر الهجران و القطيعة و الغالب ما عرف حقيقة من غلب لعدم اكتراثه به فلم يعمل له في دنياه ما يسليه به يقال سلاه إذا أذهب حزنه بتطييب خاطره و هذا لا يعمل معه إلا ما يحزنه و يغلق عنه باب العطف و الرضا و يسكت أي يتصامم عنه إذا استغاث به و "يخلّيه" أي يتركه في مهامه الوله و الحزن. قال كثير:

و ما زلت من عزّة لدن أن عرفتها * لكالهائم المقصي بكل مذاد

أي مذهب. قال جرير:

ألا أضحت حبالكم رماما * و أضحت منك شاسعة أماما

لطيفة: كان الرشيد غاضب جاريته مارية فأمر جعفر بن يحيى البرمكي العباس بن الأحنف يعمل في ذلك شيئا فعمل قوله :

راجع أحبتك الذين هجرتهم * إن المتيم قلما يتجنب

إن التجنب إن تطاول منكما * دب السلوّ له فعزّ المطلب

 و أمر إسحاق الموصلي فغنى بهما الرشيد فبادر إلى مارية فترضاها فأخبرت بالسبب فأمرت لكل من العباس و إسحاق بعشرة ألاف درهم.

تتمة: فيمن عشق و لم ينل كان أبو العتاهية عشق عتبة جارية المهدي و لم ينل شيئا و عروة بن حزام و غيرهما.

قال الناظم :

سَاقَتْ اظْعَانْ عْرِيبْ الْمَاسْكَة زْمَامِي * مَنْ جْعَلْهَا الله فِي صَدْرِي الْحْرِيجْ نَبْرَاسْ

مَنْ دْرَى تَرْعَى كِيفْ رْعِيتْهَا ذْمَامِي * وْ لاَ يْنَهْنَهَّا عَنْ وَصْلِي مْلاَمْ حُرَّاسْ

فِي سْبِيلْ مْوَدَّتْهَا نَشْتْهَى حْمَامِي * عْسَى وْ عَلَّ نَبْعَثْ بِهَا مْتَوَّجْ الرَّاسْ

"الاظعان" جمع ظعينة و هي المرأة ما دامت في الهودج و كذا يقال للهودج فيه امرأة أم لا. و الذي في القموس أن جمع الظعينة ظُعن و ظعائن و لعل ما هنا مسموع. قال في النهاية و عريب مصغر عرب هو اسم جنس جمعي واحده عربي سموا به لسكناهم ببلدة تسمى عَرَبَةَ كما قاله الأزهري و نسبه إلى يعرب بن قحطان كما في اللباب[24] و "الماسكة" الأخذة و "الزمام" ما يقاد به أي ساقت العرب أظعان محبوبتي التي مسكت بزمامي بمعنى أنه مطاع لها لا يعصي لها أمرا لأن المحب لمن يحب مطيع. التي جعل الله حبها في قلبي "نبراس" أي مصباح و "الحريج" هو الشديد الضيق و أثبت لها أظعان لأنها عنده كالرئيس عليهن فهن تبع لها بدليل قوله الأتي يوم أن سلفت. و معنى "من درى" أي ليتني تحصل لي دراية و علم بأنها "ترعى" أي تحفظ "ذمامي" أي حقّي و حرمتي كرعي أنا ذلك. قال أبو ذؤيب الهذلي :

فإن تزعميني كنت أجهل فيكم * فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

أي اشتريت الحلم بثمن و هو الجهل. و قوله "و لا ينهنها" أي يزجرها "عن وصلي" أي محبتي لوم الحراس و هم الرقباء الذين لا يتركون الحبيب يتمكن من محبوبه أي لا يصدها عن المحبة لوم الرقباء. قال البوصيري:

إن المحب عن العذال في صمم[25]

و دليل ينهنها بمعنى ما مر. قول جرير:

هل ينهنهك أن قتلن مرقشا * و ما فعلن بعروة بن حزام

و قول ملك بن رفيع :

أما تؤمن دمي و توعدني * و كنت امرء لا ينهنهني الوعيد[26]

و "المودة" من خالص المحبّة و "الحمام"  بكسر الحاء  الموت و "عسى و علّ" للترجي و "نبعث" مبني للمجهول أي نحشر يوم القيامة بها أي بسبب محبتها على رأسي تاج ففيه إيماء للحديث بأن أهل الجنّة في زي الملوك و أول من لبس التاج من ملوك الدنيا نمرود.

تنبيه: تمنى الناظم الجنّة بالمحبة هو صفة بعض الكمال فقد كانوا يرتاحون للعشق مع الاتصاف بغاية العفاف و النزاهة خوفا من الله تعلى كما قال بعضهم:

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني * منه الحياء و خوف الله و الحذر[27]

و لا شكّ أن هذا مما يوجب الكرامة في الدار الآخرة و قد قال الإمام ابن داود رضي الله عنه :

أنزه في روض المحاسن مقلتي * و أمنع نفسي أن تنال المحرم

قال الناظم رحمه الله:

سَالْنِي عَنْهَا يُوْمْ انْ سَلْفَتْ بْالاَظْعَانْ * مَنْ مْنَازَلْ بِئْشَة لَلْمُنْحَنَى وْ تَلُّه

فِي حْدُوجْ كْتَايَبْ تَسْعَى بْقَوْمْ طَعَّانْ * لَلْوْغَى مَن الاَجْفَانْ سْيُوفْهُمْ اسْتَلُّوا

"سلفت"  بمعنى تقدمت و "الاظعان" بالظاء المشالة  مر معناه و إن جمعه العرب ظعن و ظعائن. قال امرؤ القيس:

 تبصر خليلي هل ترى من ظعائن * سوالك نقبا بين حزمي شعبعب

و "بئشة" بالكسر مهموز علم على واد بطريق مكّة إلى اليمامة بأرض بني سلول فيه عدّة معادن و توصف أسوده بالجرأة. قال سحيم بن وثيل[28] :

مررت على وادي السباع و لم أر * كوادي السباع حين يظلم واديا

و "المنحنى" موضع قرب المدينة المنورة و "التل" التراب و الكومة من الرمل و الرآبيب. و "الحدوج" بالحاء المهملة جمع حدج من مراكب النساء و "الكتائب" جمع كتيبة و هي جماعة الخيل إذا غارت من المائة إلى الألف و "تسعى" بمعنى تعدوا بقوم طعان "بالارماح" و "الوغى" الحرب و "الجفن" غمد السيف و أراد هنا جفن العين ففيه من بديع الاستعارة ما لا يخفى لأنه شبه النساء في الحدوج بكتائب الفرسان و شبه أعينهن برماح يطعن بها و بسيوف استلت للضرب و الجامع التأثير لأن الرمح و السيف يؤثر في الجسد و لحظ النساء يؤثر في القلب كما قال الشاعر :

محاسنها سهام المنايا * مريّشة بأنواع الخطوب

يرمي ريب الزمان لها سهاما * تصيب بنصلها مهج القلوب

و كقول الأخر:

جريح بسهم اللحظ من مقلتي هند

و معنى كلامه إن شككت فيها ادعيت فاسألني عن المحبوبة  يوم  تقدمت بالنساء في الحدوج  من منازل  بئشة

و ما معها الخ أخبرك بذلك. قال الناظم:

ڤَفَّاتْ عْرِيبْ نَجْدْ عْقِيلَةْ الاَتْرَابْ * مَنْ بَالسّْلاَمْ الْمَلِيكْ الاَعْظَمْ حَيَّاهَا

رَقْرَقْ دُونْهَا عْلَى الْغَيْطَانْ سْرَابْ * وَ صْبَى ذِيكْ الْفْجُوجْ تَنْشُرْ رَيَّاهَا

بَجْحَافَلْهَا تْسِيرْ وَ تْبَاهِي الاَعْرَابْ * بِينْ تْلُولْ الْحْجَازْ تَرْعَى وَطْيَاهَا

فِي الاَحْلاَكْ الْوْفُودْ تَسْرِي بَضْيَاهَا

معنى "ڤفّات" اقتصت و ذهبت بها و "نجد" اسم إقليم أعلاه تهامة و اليمن و أسفله العراق و الشام و أوله من جهة الحجاز ذات عرق و "عقيلة" كسفينة المرأة الكريمة المخدرة و أعقل كل شيء أكرمه و "الاتراب" جمع ترب من ولد في وقت ولادتك و في التنزيل ﴿ و كواعب أترابا﴾[29] و "المليك الأعظم" الخليفة  أي  أن  هذه  المحبوبة  لتناهيها في  المجد و الكمال حيّاها أمير المؤمنين و التحيّة السلام. و أوّل من لقب بالملك الأعظم من ملوك هذه الأمة السلطان سنجر بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي و أبا العلماء هذا اللقب كمالك الملوك و سلطان السلاطين و قاضي القضاة لأن لا يطلق إلا على الله تعلى و لذا قال بعض هذا في البيت الشريف و تحية الله لها كما يليق به سبحانه. و معنى "رقرق" تحرك و "الغيطان" جمع غوط بفتح الغين و هو ما استوى من الأرض و "السراب" هو الآل الذي يرى كهيئة الماء و مراده وصف بعدهم. لطيفة: ذكر ابن عبد ربّه[30] في كتاب العقد كتب ملك الروم لعله مصحح الأصل إلى معاوية أن يخبره عن الشيء و لا شيء فعرف الشيء و لم يعرف اللاشيء فقال عمرو بن العاصي أبعث برذونا لسوق الكوفة فإذا أتى علي ابن أبي طالب يسوم الخيل فإذا قال لبائعه بكم تبعه فيقول له بلا شيء. فيأتينا بالجواب ففعل فلما وقف عليه علي رضي الله عنه فقال بكم تبعه قال بلا شيء فقال لبائعه ناولنيه و قال لغلامه قنبر أذهب إلى السراب و سلمه له فهو لاشيء. قال تعلى ﴿يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾[31]. و قوله "و صبى" أي الصبا و هي الريح الشرقية و "ذيك" اسم إشارة للمؤنث البعيد و "الفج" الطريق الواسع بين جبلين و "تنشر" تبث و "الري" الرائحة الطيبة و هي صفة غلبت عليها الاسمية و الأصل رائحة ريا أي مملوءة طيبا كما لابن هشام خلافا لابن مالك و ولده من أن ريا اسم و "الجحافل" بتقديم الجيم واحدة جحفل الجيش الكثير. قال عنترة العبسي:

سلي فزارة عن فعلي و قد نفرت * في جحفل حافل كالعارض الهطل

و "تباهى" تفاخر و "الاعراب" سكان البادية و هو في الأصل جمع ثم صار علما لهؤلاء كالأنصار و لذا نسب له بلفظه كما قال الراغب[32] و "التلول" جمع تل و هو التراب كما مر و المراد "بوطياها" أرضها المستوية و "الحالك" ما اشتدّ سواده و "الوفود" جمع وفد و هم القادمون على ملك و نحوه و "تسري" أي تمشي بالليل على ضياء محبوبته. قال القاضي عبد الوهّاب:

و محجوبة في الخدر عن كل ناظر * و لو برزت في الليل ما ضل من يسري[33]

غريبة: جلس المظفر الواعظ ببغداد يذكر فضائل علي رضي الله عنه و رد الشمس له فنشأت سحابة عظيمة غطت الشمس. فأنشد ارتجالا:

لا تغرب يا شمس حتى ينتهي * مدحي لأحمد النبي و  لنجله

و أثني عنانك إن أردت ثناءهم * أنسيت إذا كان الوقوف لأجله

فإذ بالشمس طلعت تحت الغيم فلا يدري ذلك اليوم ما رمي عليه من النقود و الثياب و مثله. إن الشيخ عبد القادر الجيلاني نفعنا الله به جلس للوعظ فأتى مطر غزير فصار الناس يتفرقون فقال "يا مطر أنا نجمع و أنت تفرق" فانقطع من فوره.

قال الناظم:

أَيْنْ سَارَتْ بَالْحُسْنْ الْفَايَقْ الْبْوَازَلْ * وَاشْ مَنْ وَادْ بْأُمّْ الْفَضْلْ خَوّْضَتْ مَاهْ

بَعّْدَتْ يَا وِيحِي الاَعْرَابْ بَالْمْنَازَلْ * تْعَبْ قَلْبِي خَلْفْ عْجَاجْ الْهْجَانْ وَ ظْمَاهْ

بَعْدْ غُصْنْ الْبَانْ الْمِيَّاسْ مَنْ نْغَازَلْ * مَنْ نْلاَطَفْ وَقْتْ الشَّدَّة وْ نَدْخُلْ حْمَاهْ

"أين" اسم استفهام عن المكان و "البوازل" جمع بازل و هو الجمل الذي له سبع سنين ففوق و العود بفتح العين هو الذي جاوز سن البازل كذا في تصريح الشيخ خالد و في القاموس "بزل نابُ البعير بزلا و بزولا طلع و ذلك في تاسع سنينه و ليس بعده سن يسمى به ﻫ" و قوله "واش" بمعنى أيُّ و "الواد" هنا النهر بدليل ذكر الخوض و إلا فالواد هو المفرج بين جبال و تلال أو أكام و المعنى و أي نهر "خوضت" أي خاضت البوازل ماءه بأم الفضل كنية محبوبته و هي ذات الحسن الفائق و "ويح" كلمة ترحم يقولها المتألم المتحزن و تقال له. قال البغدادي "أخرج أبو نعيم أن الويح باب رحمة و الويل باب عذاب". و "المنازل" محل نزول محبوبته و "التعب" ضد الراحة و "خلف" ضد أمام و أمّا وراء فتارة تكون ضد أمام و تارة بمعناه كقوله تعلى ﴿ و كان وراءهم ملك﴾[34] و ﴿من وراءه عذاب غليظ﴾[35]. و "العجاج" بفتح العين الغبار. قال المعتمد بن عبّاد لما اشتدّ القتال في غزوة الزلاّقة و جرح و كان تذكر ابنا له يسمى أبا هاشم :

أبا هاشم هشّمتني الشفار * فلله شوقي لذاك الأوار

ذكرت شخيصك تحت العجاج * فلم يثنني ذكره للفرار[36]

و "الهجان" جمع هجين المهري الأبيض النجيب و في العين[37] "الهيجان من الإبل البيض الكرام يقع على الواحد فما فوقه و على الذكر و الأنثى و من الناس من أبوه خير من أمه و الرجل الحسيب". و منه قول حسّان :

تسائل عن قوم هجان سميدع * لدى البأس مغرار الصباح جسور

و "الظماء" العطش و "البان" مر معناه فشبه محبوبته في رشاقة القد و التمايل و الهيفان و "المياس" المتبختر و "نغازل" نحادث و "نلاطف" نغامز و أراد بـ"وقت الشدّة" شدّة الحبّ و "الحمى" ما يمنع من السوء.

لطيفة: اجتمع نسوة حسان إلى قيس بن الملوح فقلن له ما الذي دعاك إلى هذا الكلف بليلى حتى أهلكت نفسك في هواها و ما هي إلا كسائر النساء فهل لك أن تصرف هواها إلى إحدانا فتواصلك و تعطف عليك. فقال لا أقدر على أن أهوى غيرها. فقلن له ما أعجبك منها فقال كل ما أرى منها حسنا و لقد جهدت أن يقبح شيء منها بين عيني فلم أجد فقلن له صفها لنا فقال:

بيضاء خالصة البياض كأنها * قمر توسط جنح ليل مبرد

موسومة بالحسن ذات حواسد * إن الجبال مظنة للحسّد

فقمن و تركناه لأن من استحوذ حب شيء على قلبه لا يكترث بغيره كما قال الناظم رحمه الله تعلى:

 غَيْرْهَا مَا يَسْحَرْ قَلْبِي جْمَالْ فَتَّانْ * صَوْنْ لَمْحَبَّتْهَا مَنْ ضَمّْنِي نْمَلُّه

 يْبَاتْ مَدْرَارْ الدَّمْعْ مْنَ الْعْيُونْ هَتَّانْ * كُلْ مَا سَالْ الطَّرْفْ مْنَ الْهْوَى كْمَلُّه

"ما يسحر قلبي" أي ما يخدعه جمال كثير الفتنة للقلوب غير جمالها و كل من ضمني إليه و استجلبني بمحبته "نملّه" أي نسأمه صونا لمحبتها و جلبا لمودتها و ما أرى جمالا يعدل جمالها. قال جرير:

إذا سايرت أسماء يوما ظعينة * فأسماء من تلك الظعينة أملح

و كان الإمام الفرّاء كثيرا ما ينشد قول الشاعر:

و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا * ألا يجاورنا إلاك ديار[38]

و ما أحسن قول الصّوفي :

جنوني بكم حكم و غيّي رشد * و حب الورى هزل و حبكم جدّ

رضيت بما ألقاه في السخط و الرضا * و لو كان سمّا فهو من أجلكم شهد

و حقكم ما سرني من سواكم * دنوّ و لا من غيركم ساءني بعد

و لا سمحت بالصبر عنكم حشاشتي * و لا بخلت بالدمع أعيني[39] الرمد

و إني لا هوى الشوق حتى كأنما * على كبدي من حر نيرانكم جمر

و استنشق الأرياح من نحو أرضكم * و أسأل عنكم من يروح و من يغدُ

فحنوا و جودوا و أرحموا و تعطفوا * و كونوا كما شئتم فما منكم بد

و "المدرار" كثير الدر بمعنى السيلان و "الهتان" الهطال و في القاموس "أو هو  فوق  الهطل  أو  الضعيف  الدائم" أنظره.

و "الطرف" بفتح الطاء العين و "سال" بمعنى طلب و "الهوى" ما تحب النفس أي كل ما طلبت عيني من هوى المحبوبة كمل لها و تمّ. قال قيس بن ذريح يخاطب قلبه:

فمت كمدا أو عش حزينا فإنما * تكلفني ما لا أراك تطيق

و قال كثير:

و ما كنت أدري قبل عزة ما الهوى * و لا موجعات القلب حتى تولّت

و بين "فتان" و "هتان" تجنيس التوصيف و معنى "كمل" كمل له.

قال الناظم:

مَنْ يَوْصَلْ غُرْبْتِي إِذَا صَرْمَتْ الاَحْبَالْ * ذَاتْ الطَّرْفْ الْكْحِيلْ وَ الْخَدّْ السَّاهَلْ

بَمْحَبَّتْهَا بْقِيتْ نَصْفَارْ وُ نَذْبَالْ * مَثْلْ الْيَرْقَانْ وَ الْعْقَلْ مَنِّي ذَاهَلْ

مَجْنُونْ الْعَشْقْ  حَدّْ مَا سَامُه بَهْبَالْ * وَانَا مَنُّه رْوِيتْ بَحْفَانِي نَاهَلْ

رَافَعْ حَمْلْ الْهْوَى بْرَاسِي وَ الْكَاهَلْ

"من" اسم استفهام و "الوصل" ضد القطع و المراد بـ"الاحبال" أحبال المودّة و "صرمها" قطعها و به تكون الغربة و "الخد" معروف و "الساهل" بالهاء الحسن المنظر المتوسط اللحم الذي لا جهومة فيه و "الطرف" العين أي إذا قطعت ذات الطرف الكحيل و الخد الناعم الأمرد حبال مودتي و حل بذلك ولهي و غربتي من يصل تلك الغربة و بقيت حينئذ "نصفار" و "نذبال" بإشباع الفتحة مثل الزرع الأخضر الذي أصابه "اليرقان" و هي آفة يتغير منها و "ذاهل" أي ناس بعد التفكر و مجنون العشق معروف عند العرب كمجنون ليلى و غيرها أي أنه سلبه حتى صار كالمجنون و "سَمَاه" بمعنى وصفه و "الهُبال" الحمق و "النهل" الشرب الأول و العال الشرب الثّاني و أصله للإبل و قوله "بحفاني" بالحاء المهملة أي بيديّ معا على أن نهل كل واحدة حُفنة على أن أقل الجمع إثنان و "الكاهل" بوزن فاعل و هو ما يلي العنق من أعلا الظهر كما للخيل و أعلم أن العشاق في كلفة من تحمل الهوى كما قال عروة بن حزام :

تحملت من عفراء ما لا أطيقه * و لا للجبال الراسيات يدان

و قال قيس بن الملوح:

و ادع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيج أشجان الفؤاد و ما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنها * أطار بليلى كامنا كان في صدري

 و كان عشقها و هما صغيران يرعيان صغار الغنم فلما كبرا حجب عنها فقال:

تعلقت ليلى و هي ذات دؤابة * و لم بيد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا * إلى اليوم لم نكبر و لم تكبر البهم

و قال أيضا:

يا ويح من أمسى يخلّس عقله * فأصبح مذهوبا به كل مذهب

فلم أر ليلى بعد موقف ساعة * بخيف منى ترمي جمار المحصب[40]

قال الناظم:

لُو حْمَلْتْ جْبَلْ رَضْوَى خَفّْ مَنْ هْوَاهَا * لُو طْرَحْتْ هْوَاهَا فَى الزَّمْهْرِيرْ يَهْوَى

لاَ عْذَابْ عْلَى قَلْبِي شَدّْ مَنْ نْوَاهَا * إِذَا تْبَاعَدْنِي مَا لِي فَى الْحْيَاةْ شَهْوَة

صْحِيفَةْ الْحُبّْ يْمِينِي دُونْهَا طْوَاهَا * مَا بْقَالِي مَنْ نَعْشَقْ دُونْهَا وْ نَهْوَى

 "رضوى" بفتح الراء مقصور علم على جبل غربي المدينة المنورة على مرحلتين و به كانت ضياع سيدنا محمّد بن الحنفية رضي الله عنه و قبره بالطائف و زعمت الشيعة أنه حي في الجبل المذكور و هو المهدي في زعمهم و عند الإمامية أن المهدي يخرج من السرداب الذي بسرّ من رأى أحد مدن العراق و "الطرح" الإلقاء و "الزمهرير" أراد به هنا الريح العاصف أي إني لو طرحت هواها في الزمهرير الذي عليه الأرض و ما عليها لهون به و ما حمله لثقله و "النوى" الحزن الذي ينشأ عن الفراق و "الصحيفة" معروفة و أضافها للحب لأن المحبة لتأكدها بينهما كأنها كتبت في صحيفة و أنه طوي صحائف الحب بيمينه عن غيرها أي أنه أعرض عن ذلك فلم يبق له من يعشق و يهوى غيرها و أما صحيفتها فهي منشورة لم تطو و محبتها لم تتجدد. قال قيس ابن الملوح في ليلى:

محا حبها حب التي كن قبلها * و حلت مكانا لم يكن حل من قبل

و قال القرفي:

حملنا من الزمان ما لا نطيقه * كما حمل العظم الكسير العصائب[41]

قال الناظم :

أَيْنْ مَرْبَاعْ عْرَبْهَا مَنْ صْرِيمْ عُزْفَانْ * فِيهْ قَبْلْ الْيُومْ بْسَتّْ الْمْلُوكْ حَلُّوا

هَكْذَا يَبْقَى قَلْبِي بَالْفْرَاقْ لَهْفَانْ * كُلْ مَا نَرْبَطْ كُرْهْ يَدّْ النّْوَى تْحَلُّه

"المرباع" هنا مطلق المنزل و "الصريم" القطعة من معظم الرمل كما في القموس و "عُزفان" بضم العين و تبدل السين من الزاي المعجمة موضع على مرحلتين من مكة بطريق المدينة و ماء أباره من أحلى المياه و هو أول موضع صليت فيه صلاة الخوف على هيأتها المخصوصة. و معنى "ست الملوك" أي سيدتهم و قوله "هكذا الخ" أي لا يزال قلبي كما تراه "لهفانا" أي "ظاميا" بسبب الفراق و النوى إلى أن يجتمع الشمل و تمن علي بالوصل و ما من أمر ربطته من محبتها أو شيء عقدته من وصلها إلا حلته يد النوى أي الفراق كرها من غير اختيار مني فلذا دام تلهفي و تحسّري.

 قْضَاتْ اوْطَارْهَا الْبْوَادِي مَنْ الاَمْطَارْ * بَعْدْ الْقْضَا انْتْحَى اللّْوَا بَبْنَاتْ الشَّوْلْ

مَرَّتْ تَرْعَى الْعْفَا وْ مَا تَرْضَى الاَبْصَارْ * حِينْ انْ ضَحْكَتْ مْعَ الرّْكَامْ اثْغَارْ الْحَوْلْ

رَحْلُوا وَجْهْ النّْهَارْ مَا عَرْفُوا مَا صَارْ * بَغْرِيبْ دْيَارْهُمْ وْ مَا لْقَى مَنْ هَوْلْ

مَنْ يَوْمْ فْرَاقْهُمْ خْرَسْ مَا يَفْهَمْ قَوْلْ

"الوطر" الحاجة و "البوادي" سكان البادية ضد الحضري الساكن الأمصار أي المدن و "انتحى" زال و "اللواء" علم أصغر من الراية و قال أبو ذر الخشني "اللواء ما كان مستطيلا و الراية ما كانت مربعة ﻫ". و كيلاهما يحمل في الحرب.

تنبيه: أول من عقد الراية من الخلف الحداد الأصبهاني الذي قام على الضحّاك و أول من عقد اللواء سيدنا إبراهيم الخليل و أول راية عقدت في الإسلام يوم خيبر و ما كانت العرب تعرف إلا الألوية و في الترمذي كانت رايته ÷ سوداء و لواؤه أبيض.

و "الشول" جمع شايلة على غير قياس و هي النوق التي جفّ لبنها و ارتفع ضرعها وأتى عليها من حملها سبعة أشهر و أما الشايل بلا هاء فهي التي تشول بذنبها للقاح و لا لبن لها أصلا و هي مراده و الله أعلم و جمعها شوّل بتشديد الواو كراكع و ركّع و أعلم أن عادة العرب الأعراب وقت عدم الكلأ ملازمة الأمصار للارتفاق و قضاء الأوطار فإذا كثر الكلأ ارتحلوا في طلبه بإبلهم التي عبّر عنها هنا بـ"بنات الشول" و كنى عن رحيلهم بانتحاء لوائهم لأنه من لوازمه و "مرّت" أي ذهبت لرعي الخصب و "العفا" الذي لا تصله عفونة أهل الحاضرة لا ما عفي من الزراعة فليس بمراد أي ترعى ما عفي من أرضهم و ما ترضاه أبصارهم من الرياض و ذلك حين ضحك "ثغور" أي أسنان الحول مع "الركام" أي السحاب المتراكم بعضه فوق بعض الذي يخرج المطر من خلاله و أراد بضحك "الحول" أي العام كثرة خصبه. قال الحسن بن وهب:

تبكي فيضحك زهرها فيا له * ضحك تحصر عن بكائه سحاب

و قال آخر[42] :

و الأرض تضحك من بكاء غمامة * رفعت لسل سيوف برق تلمع

و "وجه النهار" أوله و "الخرس" البكم و قوله ما يفهم قول أي الخطاب لكون عقله كله عند محبوبته. قال جميل:

فإن يك جثماني بأرض سواكم * فإن فؤادي عندك الدهر أجمع

و قال آخر[43]:

جسمي معي غير أن الروح عندكم * تتبع أثركم في غير ما وطن

فليعجب الناس مني أن لي بدنا * لا روح فيه و لي روح بلا بدن

و "غريب الديار" هو الذي بقي فيها وحده مع ما أصابه من الهول و هو الفراق و ما يرى إلا الطلل و "الأرسام" و تتزايد العلل و الأسقام. قال جميل:

ألم تسأل الربع الخلاء فينطق * و هل تخبرنك اليوم بيداء سملق

قال الناظم:

مَنْ نْهَارْ انْ فَرَّقْ مَا بِينْنَا الْمْحَصَّبْ * وَ الْعْيُونْ عْيُونْ بْسَيْلْ الدّْمُوعْ تَجْرِي

نْبَاتْ كِالْمَجْنُونْ بْصَلّْ الْهْوَى مْعَصَّبْ * لاَ هْنَا لاَ رَاحَة حَتَّى يْلُوحْ فَجْرِي

كِيفْ نَهْجَعْ وَ الطَّرْفْ مْنَ الْبْكَا مْوَصَّبْ * مَا انْ لِيلِي حَاجَزْ يَرْجَى وْ لاَ الْهَجْرِي

"المحصّب" بإزاء مكة المشرفة و هو ينزله الحاج عند منصرفه من منى و هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح و بعده طواف الوداع و المحصّب الذي هو موضع رمي الجمار بمنى و عليه قول قيس ابن الملوح " أيا ويح من أمسى ﻫ". و العيون الأولى الباصرة و الثانية عيون الماء و هو من باب التشبيه البليغ أي أعين بدمع البكاء كأعين الماء لمرارة الفراق و هجم الأشواق و لا سيما عند العشاق. قال القطامي:

قفي قبل التفرق يا ضباعا * و لا يك موقف منك الوداعا

وال في المجنون للعهد و المعهود قيس ابن معاذ صاحب ليلى لأن المجانين عند العرب كثيرة كعروة بن حزام و مهدي و قيس ابن الملوح و لكن أشهرهم ابن معاذ المذكور و هو القائل:

و إني على ليلى لزار و إنني * على ذاك فيما بيننا مستديمها

و قال العتبي "المجنون اسم مستعار لا حقيقة له و ليس له في بني عامر أصل و لا نسب". و عن الأصمعي أنه "ثابت و لكن أضيف له من الشعر أكثر مما قاله". و ليس مراد الناظم بـ"المجنون" صاحب الداء المعروف بدليل قوله بصل الهوى و "الصل" بالكسر الحية الرقيقة الصفراء و منها نوع في الهند يقتل بنظره دون لمسه و فيه قال الشاعر:

عقارب الصدغ بين الورد و الزهر * كأنها الليل بين الفجر و القمر

دبّت و ما ضرت العينين ناظرها * كالصل يقتل دون اللمس بالنّظر

غريبة: يحكى أن الملك لاسكندر نزل بأرض الهند على بئر فصار كل من نظر لذلك البئر من جنده يموت من حينه فبعث إلى شيخه أرسطو و هو أول من استخرج علم المنطق يخبره بذلك فبعث له بمرآة صقيلة و قال أوضعها على فم البئر فوضعها ساعة ثم أزالها فصاروا ينظرون إلى البئر و لا يموتون فسئل عن ذلك فقال أن بالبئر حية تقتل من نظرته فلما قابلتها المرآة نظرت لنفسها فماتت.

و قوله "لا هنا الخ" على أنه يجعله ثعبان الهوى عصابة لرأسه فهو يلسعه بوجدان العشق فلذا لا هنا و لا راحة إلى الفجر. و "الهجوع" النوم و "الطرف" العين و معنى "موصّب" ممرض و قوله "ما ان ليلي حاجز الخ" أي أن ليله و هجره مستمر إن لا يوجد حاجز بينها و بين ضدها النهار و رضا من يهواها. قال المخبل:

أ تهجر ليلى بالفراق حبيبها * و ما كان نفسا بالفراق تطيب

و خص الناظم الليل لأن فيه يكثر الوله و الشوق و لذا قال القطب الرفاعي[44] رضي الله عنه:

إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم * أنوح كما ناح الحمام المطوّق

قال امرؤ القيس:

و ليل كموج البحر أرخى سدوله * علي بأنواع الهموم ليبتلي

و "الرجا" ترقّب ما يرجى حصوله و قد يستعمل لمعنى الطمع كقوله تعلى ﴿ و الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾[45] و الحاجز في وصف هول الليل. قوله[46]:

أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطا * تذكرت من حل الأباريق فالسقطا

و كم ليلة قاسيتها نابغية * إلى أن بدت شيبا ذوائبها شمطا

و بت أظن الشهب مثلي لها هوى * و أغبطها في طول ألفتها غبطا

على أنها مثلي عزيزة مطلب * و من ذا الذي ما شاء من دهره يعطى

كأن الثريا كاعب أزمعت نوى * و أمّت بأقصى الغرب منزلة شحطا

كأن نجوم الهقعة الزهرَ هودج * لها عن ذرى الحرف المناخة قد حطّا

و ما أحسن قول القائل:

هَكْذَا مَنْ يْشَبَّبْ بَالْجْمَالْ حَيْرَانْ * دُونْ شَهْدْ وْصَالُه يَلْقَاهْ شُوكْ نَحْلُه

أَمَنْ دْرَى حَيّْ عْرِيبْ انْ خَيّْمُوا بْنَجْرَانْ[47] * يُومْ نَزْلُوا دَارْ الْمَمْسَا مْنِينْ رَحْلُوا

[بياض][48]

يُومْ انْ رَحْلُوا الْعْرَبْ عْلِيَّ يُومْ مْشُومْ * شَكْلْ صْبَاحِي نْحِيسْ وَ سْعَدْ مْسَاهُمْ

شَقُّوا ثَوْبْ السّْرَابْ بَالْقَفْرْ الْمَوْسُومْ * وَاخُرْ مَمَّا ذْرَاتْ الاَخْفَافْ كْسَاهُمْ

تَرْكُوا كَبْدْ الصّْعِيدْ بَالْحَافَرْ مَرْشُومْ * يَحْكِي قَلْبِي مْنِينْ جَرْحُوهْ نْسَاهُمْ

بَسْيُوفْ الْبِينْ كِيفْ زَعْمُوا نَنْسَاهُمْ

قوله "يوم ان رحلوا العرب الخ" يقال ارتحل البعير إذا سار و مضى و القوم عن المكان انتقلوا كترحلوا و "الشكل" الشبه و المثل و يكسر و "النحس" ضد السعد و في هذه المقابلة من البديع ما لا يخفى على الكهل و الرضيع. و باقي البيت فسره الشارح بالسوية كما هو مقرر في محله من الورقة الآتية فاكتفينا بالقضية.

لطيفة: و لمناسبة الأشياء المليحة أردنا أن نفيد هنا بعض رسالة ابن زيدون المشهورة الفصيحة و سبب إنشائها على ما قيل أنه كان بقرطبة أعادها الله دار للإسلام امرأة ظريفة متأدبة من بنات خلفاء العرب المنسوبين إلى عبد الرحمان بن الحكم المعروف بالداخل  في بني عبد الملك بن مروان الأموي تسمى ولاّدة بنت المستكفي بالله ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها و قتله فصارت تجلس للشعراء و الكتاب و تحاضرهم و تطارحهم و كانت ذات جمال بارع و أدب غض و دماثة أخلاق و كان لها ميل إلى الوزير أبي الوليد بن زيدون المخزومي الأندلسي بخلاف غيره من أهل العصر فمما كتبت إليه و هي راضية عنه:

ترقب إذا جنّ الظلام زيارتي * فإني رأيت الليل أكتم للسّر

و بي منك ما لو كان بالبدر لم ينر * و بالليل لم يظلم و بالنجم لم يسر

و "الشق" معروف و "ثوب السراب" من إضافة المشبه به للمشبه أي السراب الذي هو كالثوب. و "القفر" الأرض التي لا ساكن بها و الموسوم أي المرقوم بأرجل الظباء كما هو مشاهد في الصحاري من أثر أظلافها. و قوله "و آخر" أي و ثوب آخر كساهم و هو الغبار الذي ذرته "الاخفاف" أي أخفاف إبلهم و حوافر خيلهم و أراد بـ"كبد الصعيد" هنا ظاهره و "مرشوم" من "الرشم" و هو الآثار أي تركوا وجه الأرض مؤثرا بالخفاف و الحوافر حتى صار مثل قلبي الذي جرحوه نساءكم و قسموه بسيوف البين أي كيف ننساهم على زعمهم. قال يحيى بن طالب الحنفي:

تغربت عنها كارها فتركتها * و كان فراقها أمرّ من الصبر

ثم قال الناظم:

كِيفْ نَنْسَاهَا وَانَا مَنْزْلِي حْمَاهَا * نْبَاتْ نَرْعَاهَا كِمَا رْعَى النّْجُومْ رَاهَبْ

رَاحْتِي تَنْزَلْ مَثْلْ الرَّزْقْ مَنْ سْمَاهَا * مْحَجّْتِي الْبَيْضَا حِينْ تْضِيقْ بِي الْمْذَاهَبْ

مَا الْحْيَا وَ الرَّحْمَة يَجْرِي عْلَى لْمَاهَا * إِذَا اسْتَوْلاَتْ بْرِيحْ وْصَالْهَا الْمْوَاهَبْ

"الحما" الكنف أي  و أنا في  حرمتها  و كنفها و جوارها

و "نرعى" نراقب و "الراهب" عابد النصارى و الضمير في سماها للمحبوبة أي أن راحتي تنزل من سماها أي من جانب عطفها و وصلها و هي طريقي التي أسلكها إذا ضاقت الطرق و ماء الحيوة لعابها و جعله ماء رحمة أيضا لكونه يؤثرها في القلب و يودعها فيه و هي ميل الطبع و رقته و "اللّمى" مثلث اللام[49] سمرة في الشفة و لذلك يستعملون النساء الإستياك بالجوزاء لتحصيل ذلك. و "المواهب" العطايا و في كلامه التسهيم و التسميط في الجناس اللاحق.

قال الناظم:

آهْ يَا حَادِي الْعَيْسْ اذْكُرْ عْرِيبْ تَهْلاَنْ * الْخْيَامْ السُّمْرْ الِّي بَالْحْضِيضْ نَزْلُوا

شَابْ قَرْنْ الْبِيدَا مَنْ زَفْرَةْ أُمّْ غَيْلاَنْ * وَ السّْرَى كَلَّتْ تَحْتْ الْقَاصْرَاتْ بَزْلُه

"آه" هنا كلمة تلهّف كما مرّ و "الحداة" و هو الغناء للإبل لتطرب و تجد السير و "العيس" الإبل البيض تخالطها شقرة و "تهلان" جبل بالحجاز و "السمر" جمع سمراء و هو بياض يميل إلى بعض سواد و "الحضيض" المطمئن من الأرض كما في القاموس و الذي في العين عند قول الشاعر:

تركنا في الحضيض بنات عوج * عواكف قد خضعن للنسور

ما نصه أراد بالحضيض الموضع المطمئن و إن كان هو القرار من الأرض عند منقطع الجبل ﻫ. و أراد الناظم بنزول خيام العرب بالحضيض و فتور عزهم و ذهاب مجدهم و تولية غيرهم الحل و العقد نظير قول الحريري[50] " و منزلي بعد اليفاع الحضيض" أي أنه كان في رفعة و قد صار إلى خفض لأن اليفاع هي الأرض المرتفعة و قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الشرح و "الشيب" بياض الشعر و "القرن" معروف و "البيداء" أصله موضع بالحجاز أطلق على مطلق القفر و أضاف القرن للبيداء على طريق الاستعارة التخيّيلية و "أم غيلان" شجرة بالحجاز معروف و "الزفرة" من الزفير و هو إخراج النفس بقوّة ضد الشهيق و "السري" مشي الليل و المعنى أبيض نبات البيداء من حر أم غيلان الخ و إن المراد بالشيب مقاساتها لزفير أشجار أم غيلان و غطيطها و مقاسات ما يمر بها من الماشين بالليل من الحمولة و الهوادج و الركبان و غير ذلك فعبر عن شدة تحملها ذلك بالشيب و قوله و السُّري بضم السين معطوف على زفرة أم غيلان على كل حال و قوله كلّت على حذف العاطف أي و كلّت تحت النساء القاصرات الطرف على أزواجهن و هي المحصنات الحسان. بزل جمع بازل و هو البعير الذي فطر نابه. و المعنى "شاب قرن البيدا" مما ذكر و كلّت فيها الإبل العتاق و قال جرير رحمه الله:

مشق الهواجر لحمهنّ من السّرى * حتى ذهبن كلاكلا و صدورا

و التقدير أذهب حر الهواجر لحمهن و عطف الصدور على الكلاكل تفسير و في كلام الناظم جناس التصحيف و الاستعارات و المجاز و التعديد .

ثم قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

كَلَّتْ حُمْرْ الذّْرَى مْنَ الْبَيْدَا وَ غْشَاتْ * مَثْلِي تَذْرِي الدّْمُوعْ مَنْ الاَحْذَاقْ السُّودْ

سَافَتْ صَلْصَالْ مَنْ حْمَى تَرْبُه عَشَّاتْ * وَ رْغَى عَوْدْ السّْرَى مْنَ الْقَفْرْ الْمَمْسُودْ

حِينْ انْ لاَحْ الصّْبَاحْ مَثْلْ اللِّيلْ عْشَاتْ * تَطْعَنْ بِهَا الْعْرَبْ مْقَاتَلْ كُلْ حْسُودْ

مَا زَالْ بْعَزّْهَا ذْلِيلْ الْقَوْمْ يْسُودْ

"كلّت" بمعنى أعيت و "الذرى" جمع ذروة السنام و "البيدا" الفلاة و "غشات" غشي عليها من شدّة ذلك و الغشي شيء كالإغماء. و "ذري الدموع" سيلها و قوله "مثلي" أي مثل دموعي في الكثرة و أصل "الحدقة" سواد العين و المراد هنا العين كلها و "سافت" شمّت و "الصلصال" طين يابس له صلصلة أي صوت إذا حرك. "الحماء" طين أسود و هو بفتح الحاء و بالهمزة و "عشّات" أي مكثت فيه عشية و "العود" بفتح العين البعير الذي جاوز سن البازل و "الرغاء" صوته كما أنه يقال لصوت البقر خُوارٌ و الشاة يَعارٌ و يحتمل أن المراد بالعود هنا المضموم العين واحد العيدان القتب. و "السرى" المشي بالليل و "الممسود" هو في الأصل فتل الحبل و استعير للقفر لامتداده و طوله و "لاح" بمعنى ظهر و قوله "مثل الليل" أي أن الصباح صار مثل الليل بما أثرته الإبل من الغبار و قوله "عشات" يقال عشى الإبل و أعشاها إذا أرعاها ليلا و العاشية الإبل و الغنم ترعى ليلا كما في القاموس. واستعمال الناظم له في الصباح لكونه صار مثل الليل بالغبار فلله دره . و قوله "تطعن الخ" أي أن العرب طعنت بالإبل التي هي كالرمح على طريق الاستعارة مقاتل كل حسود فأنفذتها و مات بغيظه و شدة غيرته و من أحسن ما قيل في الحسود قول اليماني[51]:

إني لأرحم حاسديّ لفرط ما * ضمّت صدورهم من الأوغار

نظروا صنيع الله بي فعيونهم * في جنّة و قلوبهم في نار

و الضمير في "بعزّها" يعود على الإبل أي أن الذليل الذي لا يبالي به يسود الناس بالعزّ الذي يكتسبه بكثرة الإبل. قال أحيحة بن الجلاح:

استغن أو مت و لا يغرنك ذو نشب*من ابن عمّ و من عمّ و من خال

كل النداء إذا نديت منخذل*إلا النداء إذا نديت يا مالي

و يقال "إن ضرط الغني شمّت و إن عطس الفقير مقّت". و قال الشاعر[52]:

لولا المشقة ساد الناس كلهم*الجود يفقر و الإقدام قتال

و قال البوصيري في مدح أهل البيت:

سدتم الناس بالتقى و سواكم * سودته البيضاء و الصفراء

و في كلام الناظم من البديع الجناس و التتميم.

 قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

أَشْ رَا مَنْ لاَ رَاهَا رَاتْعَة عْفَاهَا * مْوَرّْسَة بَالْجَرْجِيرْ تْلاَعَبْ الْقْرَاهَبْ

تَرْجَمْ غْيُوبْ الْبِيدَا فَجْ مَا خْفَاهَا * إِذَا اسْتَوْلاَتْ رِيحْ الْجَوْزَا بْصَهْدْ لاَهَبْ

زِينْةْ الدَّنْيَا مَنْ لاَ كَدّْرَتْ صْفَاهَا * مَا اسْعَدْ ايًّامْ انْ تَصْبَحْ فَى الْوْطَا تْنَاهَبْ

"أش" بمعنى أي شيء و قوله "را" بمعنى رأى و هي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد أي أيّ شيء رأى من لا راءاها أي الإبل راتعة في "عفاها" و هو الخصب الذي لم يعف بمشي و لا غبرة يقال "رتع" إذا أكل و شرب ما شاء. قال طرفة:

أعمر بن هند ما ترى رأي صرمة * لها سبب ترعى به الماء و الشجر

و المصدر "المرتاع" و "الورس" نبت صبغة أصفر و "الجرجير" نبت أيضا نوره أصفر من ذوات الزيوت و في القاموس "الجرجر و الجرجير بكسرهما بقلة معروفة" أي أن هذه الإبل لصفرة لونها فكأنها صبغت بزهر الجرجير فقوله "مورّسة" أي مصبوغة و يحتمل أن معنى "مورّسة بالجرجير" أي صفراء بنوره لرعيها فيه حتى كثر تعلّقه بها فكأنّها صبغت به و هذا الأحسن لقوله قبل "حمر الذرى" و "تلاعب" تجاري و "القراهب" ثيران الوحش و في القاموس القُرهب الثور المسن أو الكبير الضخم و "ترجم" أي تبين المواضع الخفية من البيداء و هي الأرض القفراء لكثرة مرورها بها و رعيها فيها و "الفج" الطريق الواسع بين جبلين و أصل ترجم تترجم أخذه من الترجمان المفسر للغات و "استولات" بمعنى توالت و "ريح الجوزاء" أي التي تهب في وقت كون الشمس في برج الجوزاء و هو فصل الصيف لا خصوص التي تهب من جهتها فقط. و "الصهد" شدة الحر و "اللاّهب" المتوقد و قوله "زينة الدنيا" أي هي زينة الدنيا قال تعلى ﴿ من الحرث و الأنعام ﴾[53]. و قوله "من لا كدّرت صفاها" أي أنها لم تبدل صفاها بالكدر حتى تكون كلا عليك بل هي مرغوب فيها معينة لك في كل وقت و ما في قوله "ما اسعد" تعجيبية و "الوطى" ما انبسط من الأرض و "تناهب" أي بأرجلها عند سرعة مشيها و ركضها. قال أكثم ابن صيفي التميمي الحكيم "لو أن الإبل تكلف الطحن لطحنت لها" و قال أيضا "لا تسبوا الإبل لأن فيها رقوء الدم" أي تعطى في الديات فتحقن الدماء و ليس هذا بحديث كما توهّم الجوهري و إنما هو من كلام أكثم المذكور. قال أبو نوّاس:

و إذا المطايا بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام

قرّبتنا من خير من وطئ الثرى * فلها علينا حرمة و ذمام

و قد تمثل بهذا الشعر بعض المريدين لما قرب من المدينة المنورة كما في الخفاجي و "الشفاء" و في كلام الناظم التعديد و الجناس و التورية.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

كَمْ قْرَاتْ عْيُونِي مَا سَطّْرَتْ بْلَبْنَانْ * فِي مْهَامَهْ مَجْرُودَة وَ الْحْدَاتْ تَتْلُوا

خَلْفْ رَكْبْ حْجَازِي تَحْكِي تْيُوسْ لَبْنَانْ * صَادَّة عَنْ مَنْهَلْ تَرْعَى الْبْشَامْ فَتْلُه

"كم" خبرية هنا و قد تجاوز بالقراءة عن الرؤية كما تجاوز بـ"البنان" عن أخفاف الإبل و "السطر" الأثر و "المهامه" جمع مهمه و هي المفازة البعيدة الأطراف المجرودة من النبات و الشجر. و "الحدات" جمع حاد و هو سائق الإبل و "تتلوا" أي تقرؤوا لها الغناء الذي تطرب به لتجيد السير و المعنى كثير ما رأت عيني ما أثرته الإبل بأخفافها في المفاوز المجرودة من النبات و الحداة تغني لها خلف ركب قاصد الحجاز و تحكي تشبيه "تيوس" جمع تيس ذكر الظباء و الظاهر أن المراد بتيوس الجبل الوحوش التي يقال لها "الأروي" و "لبنان" جبل بالشام مشهور بكثرة العبّاد و الأولياء و في عبّاده حكايات عجيبة أنظرها في الصبّاغ[54] و "صادّة" أي راجعة من النهل الذي شربت منه و ذهبت ترعى "البشام" و هو شجر طيب الرائحة و ترعى الفتل و هو ما لم ينبسط من النبات فهو على حذف العاطف.

تنبيه: قال شهاب الدّين الخفاجي" لفظ التلاوة لا يقال إلا لقراءة القرآن" أنظره و لا بد. و في كلام الناظم المجاز و الاستعارة و التبعية و التعديد.

قال الناظم:

عْرَبْ انْتَسْبَتْ لْحَيّْ ذَاتْ الْخَالْ الْيُومْ * بَمْجَرَّدْ الاَسْمْ قَالَتْ تْضَاهِي لَعْرَابْ

حَتَّى يَحْكِي النّْخِيلْ الاَزْهَرْ بَسْرْ الدُّومْ * وَ يْقَصَّرْ حُلّْتُه بْمَا الْفَجْفَاجْ غْرَابْ

هَذِيكْ عْرَبْ كْرَامْ مَا يَدْرَكْهَا لُومْ * وَ عْرِيبْ الْيُومْ قَوْلْهَا وَ الْفَعْلْ سْرَابْ

بَالْعَيْسْ وْ بَالْخْيَامْ فِي الاَنْسَابْ قْرَابْ

"الخال" شامة سوداء تكون في الخد تزيد صاحبها حسنا و جمالا فالمرأة التي في خدها الخال تعد من حسان النساء و كذا الغلام و ما ألطف قول أبي الفضل الميكالي في شقائق النعمان:

تصوغ لنا كف الربيع حدائقا * كعقد عقيق بين سمط لآلي

و فيهن أنوار الشقائق قد حكت * خدود عذارى نقشت بغوالي

و كان لأبي إسحاق الصابي غلام اسمه يمن و كان أسود فسمعه يتفاخر مع غلام أبيض بأن السواد خير. فقال أبو إسحاق:

قال يمن و هو أسود للذي * بياضه استعلى علوّ الخائن

لو أن مني فيك خال زانه * و لو أن منك في خالا شانني

 أي أن خال السواد في البياض ممدوح و خال البياض في السواد مذموم جدا ثم أن الناظم يحتمل أنه أراد بـ"ذات الخال" المحبوبة و يحتمل أنه أراد البيت الشريفة و أراد بالخال الذي بها الحجر الأسود و قوله "بمجرد الاسم" أي بالاسم المجرد عما يدل على الصدق قالت "تضاهي" أي تشابه الأعراب أي العرب لا خصوص سكان البادية فعلى هذا "قالت" بمعنى زعمت و قوله "حتى الخ" أي لا يكون ذلك حتى يشابه تمر النخيل الأزهر باصفراره و احمراره بسر الدوم و هو معروف يقال له المقل و لو عبر به لكان أحسن و هو خش عسر قابض لا سلاسة فيه و شتان ما بينهما و حتى "يقصر" أي يبيض الغراب "حلته" أي ريشه الأسود بماء "الفجفاج" اسم نهر في الجنة و هذا لا يمكن و المعنى أن عرب اليوم و العرب الماضين لا تقع مشابهة بينهما حتى يشبه بسر الدوم الثقيل على اللسان بتمر النخيل السلس الحلو و حتى يبيض الغراب ريشه فإذا أمكن هذان الأمران أمكن أن يشابه هؤلاء أولائك لكن ذلك لا يمكن فكذا هذا لأن المعلق على المحال محال. قال الشاعر[55]:

أنسب لكل زمان ما يليق به * فإن للزند حليا ليس للعنق

و قوله "هذيك الخ" جواب عن سؤال و هو لم لا يشبهونهم فقال "هذيك" أي تلك العرب كرام لا يلحقها لوم و ذم في الأقوال و الأفعال و الأحساب. قال النابغة الجعدي:

بلغنا السماء بمجدنا و جدودنا *وإنا لنرجو فوق ذاك مظهرا

 و أما هؤلاء فأقوالهم و أفعالهم كلها بمنزلة السراب لا يدرك منه شيء و لا يوقف له على حقيقة و إنما تتقارب النسبة بينهم في العيس و هي الإبل مطلقا لا خصوص البيضاء التي تخالطها شقرة و في الخيام فإنهما عند كل منهما و أما في غير ذلك فبينهما بون كما بين الضب و النون. قال لبيد:

فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب * لعلك يهديك القرون الأوائل

تنبيه: كان الناظم أخذ ما ذكره من قول الشاعر:

لا و الذي حجت قريش بيته * مستقبلين الركن من بطحآئها

ما أبصرت عيني خيام قبيلة * إلا حسبت أحبتي بفنائها

أما الخيام فإنها كخيامهم * و أرى نساء الحي غير نسائها

 تتمة: أول من نزل مكة العمالق و ذلك في عهد عاد ثم نزلها من العرب جرهم إحدى قبائل العرب العاربة و إليهم أرسل إسماعيل عليه السلام و استمروا بها إلى أن أزالتهم عنها خزاعة إحدى قبائل العرب المستعربة بعد حروب شديدة و مواقف عديدة فذهبت جرهم حينئذ للبحرين و بقيت خزاعة بالحرام و كانت قريش متفرقين في قبائل كنانة و كانت تدعى إذ ذاك النظر ابن كنانة فلما ظهر فيهم قصي بن كلاب جمعهم من كل أوب إلى البيت و أعانه على خزاعة أخوه من أمه سيد خثعم فسموا حينئذ قريشا و "التقريش" التجميع و سمي قصيا مجمعا و فيه يقول الشاعر[56]:

أبوهم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر

و في كلام الناظم رد العجز على الصدر و الاستعارة و الاحتباك و الترديد و التلميح و المذهب الكلامي و التعديد و الموازنة و المجاز.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

 مَنْ اطْنَابْ عْرَبْ رَامَة مَا هْوِيتْ مَنْصَبْ * وْ لاَ ابْصَرْتْ سْنَاهَا حَتَّى سْبَاتْ قَلْبِي

رْعَاتْ عَيْسِي زَهْرْ مْنَاهَا فْى وَادْ مْخَصَّبْ * فِي مْهَادَفْ نَجْدْ وْ نَعْمَى إِذَا تْسَالْ بِي

عَامَلْ هْوَاهَا يَرْفَعْنِي وْ طُورْ يَنْصَبْ * وْ لاَ نْبَالِي مَنْ وَقْتْ تْرِيدْ فِيهْ سَلْبِي

"الطنب" حبل طويل يشد به سرادق البيت و في لغز على غلام اسمه طنب فمرّ بخبائه رجلا ليلا فأنشد قول مرة بن محكان التميمي ممازحا له و هو:

في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في أرجائها الطنب

معرضا بأن كلبه لا يبصره.

و أراد الناظم بالأطناب الخيام فهو مجاز مرسل و "رامة" منزل بالبادية بطريق الركب العراقي و منه المثل تسألني براميتي سلجما يكثرون من تثبيته في الشعر و "منصب" بفتح الميم و كسر الصّاد بمعنى الحسب و الشرف و في المصباح[57] يقال له نصب أي علو و رفعة و امرأة ذات منصب أي حسن و جمال لإنه رفعة لها ﻫ. و المعنى أن من هويتها لها منصب في خيام عرب رامة و من علو الهمة أن يهوى الإنسان من علا قدرها و "السنا" أصله ضوء البرق و المراد هنا جمالها أي ما تأملت جمالها حتى سبت عقلي و استولت عليه و ذلك بمجرد وقوع عيني عليها و رعت نفسي المعبر عنها بالعيس "زهر مناها" أي ما أتمناه منها من العطف و الوصل في واد كثير الخصب بكسر الخاء في غاية الغض و النعومة و أراد بالوادي ذاتها و "مهادف نجد" ما انخفض منها و أعلى نجد تهامة و اليمن و أسفله العراق و الشام و أوله من الحجاز ذات عرق و "نعمى" بالضم موضع برحبة مالك بن طوق أو الموضع الذي بجنب أحد و به نزلت غطفان في غزوة الأحزاب و يصب هو و نعمان في الغابة و قوله "إذا تسال بي" أي تسأل عني لأن الباء بعد سأل تكون بمعنى عن كقول علقمة بن عبدة التميمي:

فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب

و معنى كلام الناظم إن كنت تسأل عني فأخبرك أن نفسي لا تزال ترعى من أماني المحبوبة التي نتمناها زهرا غضا طريا. قال علي كرم الله وجه "تجنبوا الأماني فإنها تصغر المواهب التي رزقتم". و قال بعض الحكماء "الأماني تخدعك و عند الحقائق تدعك". حكي أن عبد الرحمان القوصي حضر مجلس عبد الملك المظفر قبل أن يلي حماة فأنشده بقوله:

متى أراك و من تهوى و أنت كما * تهوى على زعمهم روحين في بدن

هناك أنشد و الآمال مقبلة * هنئت بالملك و الأحباب و الوطن

 فوعده إذا ملكها بألف دينار فلما وليها دخل عليه فأنشد:

 مولاي هذا الملك قد نلته * برغم مخلوق من عند الخالق

و الدّهر منقاد لما شئته * و هذا أوان الموعد الصّادق

 فدفع له ألف دينار و أقام عنده فلما سافر الملك فسافر القوصي معه فصرف جميع الألف في ذلك السفر فقال:

 ذاك الذي أعطوه لي جملة * قد استردوه قليلا قليل

فليت لم يعطوه و لم يأخذوه * و حسبنا الله و كفى به وكيل

 فحبسه المظفر فقال ما ذنبي قال حسبنا الله و نعم الوكيل ثم أمر بقتله فلما أحسّ بالخنق قال:

أعطيتني الألف تعظيما و تكرمة * يا ليت شعري أم أعطيتني ديتي

و قوله "عامل هواها الخ" العامل في اللغة هو ما يلي سنان الرمح. قال أبو العلاء المعري:

و ترجع أعقاب الرماح سليمة * و قد حطمت في الدار عين العوامل

و قال الفرزدق:

و بيتا كريما قد نكحنا و لم يكن * لنا خاطبا إلا السنان و عامله

و عند النحويين ما ينشأ عنه أثر في الكلمة و إضافة للهوى من باب الاستعارة التخييلية و "الرفع" هنا ضد الانحطاط المعبر عنه بـ"النصب" و معنى كلامه أن العامل الذي هو هواها تارة يرفعني بتيسيره أسباب وصالها و تارة يحطني بضد ذلك و لا نبالي بهجوم الوقت الذي تريد فيه سلب صبري لعلمي أنها لا تدوم على شيء تارة وصلا و تارة ضدا و أنا أنقلب كيف تقلبت لاقي إليها زمامي. قال الشاعر:

و ما الدهر إلا منجنونا بأهله * و ما صاحب الحجات إلا معذبا

و "المنجنون" هو الدولاب لأنه تارة يرفع و تارة يضع و أعلم أن المحب أبدا تراه لاقي الزمام في يد محبوبه يفعل به ما شاء كما قال هارون الرشيد[58] يخاطب جارية له:

أما يكفيك أنّك تملكيني * و أن الناس كلهم عبيدي

و إنّك لو قطعت يدي و رجلي * لقلت من الرضا أحسنت زيدي

و في كلام الناظم التورية و المطابقة و الجناس المفروق.

قال الناظم:

رَقّْ طَبْعِي حَتَّى حْكَى نْسِيمْ الاَرْدَانْ * حِينْ يَضَوَّعْ مَنْ جَلْبَابْهَا وْ يَعْلُو

طَيّْبَة بَشْذَاهَا الْمَسْكِي تْطِيبْ الاَبْدَانْ * يَا سْعَادَةْ مَنْ قَبَّلْ رَجْلْهَا بْنَعْلُه

رقّة الطبع هو تهذبه و صفاؤه من الغلظة و الجفاء و "الاردان" واحدها ردن كمُّ القميص و "يضوّع" يفوح و أصله لنشر رائحة المسك و قد يقال المسك يضوّع عند العارف به و يضيع عند الجاهل و "الجلباب" قميص يغطى به اللباس من فوق و معنى "يعلو" يرتفع كدخان الطيب و قوله "طيبة" أي هي "طيبة بشذاها" أي قوة رائحتها أما الشذا فهو المسك أو لونه أو عرفه يعني رائحتها التي كالمسك "تطيب" أي تعطر "الابدان" فيا سعادة من قبل رجلها من فوق النعل.

قال الناظم:

آهْ مْنَ الْحَاجْبِينْ وَ الْغُرَّة وَ الْعَيْنْ * وَ النَّغْمْ الدَّاودِي إِذَا رَنّْ صْدَاهَا

وَ الصَّدْرْ الْمَرْمْرِي الْمْرَفَّعْ بَالْحُقِّينْ * مَنْ لاَ تَرْكُوا يْبَاشَرْ الْكَشْحْ رْدَاهَا

لُو بَصْقَتْ ذَاتْ يُومْ فِي مَجْمَعْ بَحْرِينْ * يَضْحَى سَلْسَالْ كَوْثْرِي طُولْ مْدَاهَا

نَفْسِي وَ جْمِيعْ مَنْ مْشَى الاَرْضْ فْدَاهَا

"آه" مر معناه و قد يبدل من الهمزة واو فيقال واهٌ. قال أنس ابن النظر عم أنس الراوي " واهًا ريح الجنة أجده دون أحد". قال ابن الحاج في المدخل[59]هي كلمة تلهف و تحنن و شوق و تمن و "من" بمعنى اللام و "الغرّة" بياض الجبهة و أصلها البياض الذي بوجه الفرس و قوله "و العين" أي سواد العين. قال الراعي:

إذا ما الغانيات برزن يوما * و زجّجن الحواجب و العيون

و "النغم" أي الكلام الخفي اللين. قال ذو الرمة في مية:

لها بشر مثل الحرير و منطق * رخيم الحواشي لا هراء و لا نزر

"البشر" ظاهر الجلد و "رخيم" رقيق و قوله "الداودي" أي المنسوب لنبي الله داوود عليه السلام و قد أعطي من حسن الصوت و طيبة ما يقصر عنه الوصف حتى أن الطير تجتمع عليه إذا شرع في قراءة الزبور و قال الشهاب الخفاجي على الشفا أن الماء يحبس لقراءته أنظره. و قد قال رسول الله ÷ لأبي موسى الأشعري " لقد أوتيت مزمار من مزامير آل داوود" الحديث. و المراد داوود نفسه عليه و على نبينا السلام و أصل "الرن" لصوت المثاني و الظبية و المراد هنا النطق و أصل "الصدى" الصوت الذي يرده عليك الجبل و المراد هنا الكلام و من شرب من كأس العشق و نادم أهله لا بد أن يتغنى و من لم يصل لا بد أن يتمنى و المرمري أي المنسوب للرخام و أراد بالحقين الثديين و أصل الحق ظرف من عاج يجعل فيه الطيب و هذان الثديان ترفعا عن الصدر حتى منعا رداها أي قميصها أن يباشر كشحها الذي هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف و "مجمع البحرين" بحر الروم و بحر فارس مما يلي المشرق و قيل مجمع البحرين عند طنجة أنظر التفاسير. و "السلسال" العذب البارد و "الكوثري" المنسوب للكوثر و هو وادٌ في الجنة و "المدا" الغاية و المراد هنا الأبد. قال رؤبة بن العجاج على ما للجوهري:

واها لسلمى ثم واها واها * هي المنا لو أننا نلناها

يا ليت عيناها لنا و فاها * بثمن يرضى به أباها[60]

و قوله "نفسي الخ" هو دعاء منه لمحبوبته بأن يقيها الله من جميع الأسواء و الضراء و هو على حد ما قال شاعر المتوكل[61] لما مرض:

وددنا لو أن برئ الإمام لنا * لو باد كل عباد الله و انقرضوا

و الناظم إنما قال ما مر لتهتاره بالمحبة لأن المحبوب عند من يحبه في مكانة رفيعة لا يوازنه بالغير. قال نصيب[62] مخاطبا لزينب:

أهابك إجلالا و ما بك قدرة * عليّ و لكن ملء عين

حبيبها

   قال الناظم رحمه الله:

مَا نْزُولْ عْلَى الْعَاهَدْ نَنْدَبْ الْمْعَاهَدْ * مَا بْكَاتْ دْمُوعْ الرَّحْمَة عْيُونْ دِيمَا

وَ النّْحُولْ عْلَى جَسْمِي وَ السّْقَامْ شَاهَدْ * كُلْ يُومْ يْلِيَّعْ قَلْبِي الْغْرَامْ دِيمَا

نْبَاتْ وَاجَسْ طَرْفِي يَرْعَى النّْجُومْ سَاهَدْ * وْ لاَ تْغَيَّرْ الاَحْوَالْ مْحَبّْتِي الْقْدِيمَة

يعني لا أزول على رعاية العهد مقيما عليه "أندب" أي أبكي "المعاهد" أي منازلها و أثارها التي سلفت و لا أنساها مدة بكاء عيون "الديم" دموع المطر التي تودع الرحمة في الأرض فتسمية المطر رحمة مجاز مرسل و الدموع استعارة و الجامع الأنصاب و "الديمة" بكسر الدال المطر بلا رعد و لا برق أو يدوم في سكون خمسة أو ستة أو سبعة أو يوما و ليلة و أقله ثلث النهار أو ثلث الليل. و قد جرت عادة العشاق بالبكاء على الأحبة و مراسمهم و تعهد أطلالهم قال امرؤ القيس :

قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل

و "النحول" الهزال و رقة الجسم. قال مجنون عامر:

فأصبحت من ليلى الغداة كذاهب[63] * مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

ألا إنما غادرت يا أم مالك * جسيم[64] أينما تذهب به الريح يذهب

و قال كثير:

و قد زعمت أني تغيّرت بعدها * و من ذا الذي يا عزّة لا يتغيّر

لطيفة: حكي أن محمد الأمين ابن هارون الرشيد بعث إلى ندمائه فحضروا عنده فتخلف عمه إبراهيم بن المهدي فأمر أن يحجب إذا جاءه  فلما أتى حجب حتى شفع فيه سليمان بن جعفر فلما دخل عليه عزله فقال "يا أمير المؤمنين أعذرني فإني عاشق و ذلك سبب تخلفي". فقال سعيد بن جابر كذب و الله يا أمير المؤمنين قال و كيف ذلك قال:

إن الذي[65] يعشق معروف * لإنه أصفر منحوف

ليس كمن تلقاه ذا جثة * كأنه للذبح معلوف

فقال إبراهيم:

و قائل لست بالمحب و لو * كنت محبّا لذبت من زمن

 أحبّ قلبي و ما درى بدني * و لو درى ما أقام في السمن

فقال له الأمين أحسنت يا عم و أمر له بألف درهم.

و "السقام" المرض و قوله "ايليّع قلبي" أي يمرضه و "ديما" معناه دائما و "الوجس" الفزع يقع في القلب و "الطّرف" بفتح الطّاء العين و مراعاة النجوم دوام نظره لها و هو كناية عن طول سهره و ساهر متصف بـ"السهاد" أي الأرق و هو امتناع النوم عند إرادته و سهر كفرح و السُّهُد بضمتين القليل النوم و أراد بـ"الاحوال" سهاده و سقامه و فزاعه و نحو ذلك و لا تغير الأحوال محبتي القديمة و إن كان الإنسان يتغيّر بهذه الأحوال كما قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

لئن كان إياه لقد حال بعدنا * عن العهد و الإنسان قد يتغير

لكن بعض مجانين العشق و إن طال ولههم و دام قطع وصالهم مقيمون على المحبة كما للناظم. و قد قال الشاعر[66]:

قد يدرك المتأني بعض حاجته * و قد يكون مع المستعجل الزّلل

و قال قيس ابن الملوح:

و لو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا * و من دون رمسينا من الأرض سبسب

لظل صدى صوتي و إن كنت رمّة * لصوت صدى ليلى يهشّ و يطرب

و في كلام  الناظم  الجناس  الناقص  و التام  و الاستعارة

و المجاز المرسل.

قال الناظم رحمه الله:

صَبّْحَتْنِي الْغَارَة الْشَّعْوَا عْدِيمْ حَيْرَانْ * لاَ عْقَلْ لاَ صَحَّة لاَ جَاهْ كِيفْ نَسْلُوا

كُلْ يُومْ عْتَابْ مْنَ الْبَاهْيَة وْ هَجْرَانْ * مِيَّتْ سْرُورِي بَدْمُوعِي الْفْرَاقْ غَسْلُه

"الغارة" معروفة و "الشعوا" المتفرقة من كل ناحية و "العديم" الذي لا مال له و قوله "لا عقل" بحذف العاطف و "الجاه" المنزلة و القدر عند الناس و "نسلوا" من التسلية و هي إذهاب الحزن يقال سلاه إذا أذهب حزنه بتطييب خاطره و "العتاب" من عتب اللوم و أما من أعتب فهو الرضا و من الثاني قول النابغة[67]:

و إن تك ذا عتبي فمثلك يعتب[68]

أي يرضى. و من الأول قول جرير:

أقل اللوم عاذلي و العتاب

و قال سعيد الكاتب:

أقلل عتابك فالبقاء قليل * و الدهر يعدل مرة و يميل

و لعل أيام العتاب قصيرة * فعلاما يكثر عتبنا و يطول

و "الهجران" القطع ضد الوصل و قوله "ميّت سروري الخ" يعني أن سروري مات و قد غسله الفراق بدموعي و رمسه و أعقبه حزني الناشئ عن القطع فلا أرجى بعده سرورا و لا جورا و في كلام الناظم الجناس و التعديد و الاستعارة.

قال الناظم رحمه الله:

حَشَاهَا الْغَدْرْ لَكِنْ أَنَا خُنْتْ الْعَهْدْ * مَنْ يَعْمَلْ ذَنْبْ يَسْتْحَقْ عْلِيهْ عْقَابْ

طَعّْمَتْنِي قَبْلْ قَاصْرَاتْ الطَّرْفْ الشَّهْدْ * وَصْلَتْنِي وَ الدّْمَا تْسِيلْ عْلَى الاَعْقَابْ

رَفْعَتْ قَدْرِي وْ عَطْفَتْ عْلِيَّ فَى الْمَهْدْ * وَ اصْبَحْتْ انَّابَزْ فَى الْحْمَيّْرَاتْ بْالاَلْقَابْ

ذُقْتْ وْ كَانَتْ السّْوَايَعْ بَالْهَجْرْ احْقَابْ

و معنى "حشاها" أنزهها و أجنبها و "الغدر" ضد الوفاء و لكن للاستدراك و "خنت العهد" أي ضيعته و ما وفيت به و لم أبق على رعايته و الوفاء به و "العقاب" ضد العفو ثم ذكر فعلها الجميل بقوله طعّمتني شهد مواصلتها و عطفها قبل قاصرات الطرف من النساء الحسان و "وصلتني" أي أفاضت علي إحسانها بسرعة و "رفعت قدري" أي صيرتني رفيع القدر و عطفت علي و أنا في "المهد" و هو شيء يجعل للرضيع يهزوه به و ينام فيه و أصبحت حين رفعت قدري و حمتني من كل مكروه "انّابز الحميرات" أي أعيرهنّ بالألقاب الدالة على الذم و لا أكترث بهن و التنابز التعاير و التداعي بالألقاب ثم بعد ذلك بطرت و خنت عهدها و لم أراعي موّدتها و الحميراء الغيداء الحسناء و في الحديث "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء". و قوله "ذقت" أي مرارة الهجر بسبب أخانتي العهد مما لا يوصف و كانت ساعتي في ذلك بسبب ما أقاصيه من الهموم أحقابا جمع "حقب" بضم الحاء المهملة و هو لغة ثمانون سنة و المراد هنا أن الساعة صارت هنا كأزمنة متطاولة كما فسر بالأزمنة قوله عنترة العبسي:

و قد كنت تخفي حب سمراء حقبة * فبح عنك منها بالذي هو بائح

و حذف الناظم مفعول ذقت للعموم ثم قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

ذَاقْ قَلْبِي مَنْ هَجْرَتْهَا الْعْذَابْ الاَكْبَرْ * وْ لاَ جْرَالَكْ فِي هَجْرَتْهَا خْلاَفْ مِيلَكْ

خَابْ سَعْيَكْ وَ أْبِيتْ عْلَى الْخْلاَفْ تَصْبُرْ * حِينْ ضَاقَتْ سَبْلَكْ غْشَى الظّْلاَمْ لِيلَكْ

تْظَلْ تَعْبَرْ قَفْرَا بْظَلْفْ الْمْهَا مْحَبَّرْ * وْ لاَ حْصَلْتْ عْلَى طَايَلْ بَعْدْ رَكْضْ خَيْلَكْ

"العذاب الاكبر" هو الجامع لألم القلب و الجسم فالقلبي كالحزن و الشوق و نحوهما و الثاني كالحمى و الصداع و نحوهما و "لا جرى" أي بقى لك أيها القلب في هجرتها إلا ميلك عنها إلى سواها لا أحدا غيرك فتشكوه فخاب سعيك الذي سعيته و حبط عملك و أبيت أي امتنعت أن تصبر على المخالفة لمحبوبتك و حين اشتدت رغبتك في وصلها و رهبتك من هجرتها و ضاق سبلك في السلوك إليها و صرت أحوج ما يكون ابتليت بالهجر الشبيه بالظلام فصرت حيرانا لا تجد سبيلا إلى وصلها يهديك إليه و معنى "تعبر" تقطع و "الظلف" للأنعام كالظفر للإنسان و "المها" بقر الوحش و "المحبّر" الموشي المرقوم و معنى "على طايل" أي نفع تعتد به و "الركض" عدو الفرس و المعنى أي لم تزل أيها القلب تائها بسبب مخالفة أمرها كمن تاه بقفر لا أنيس فيه مرقوم بأثر أظلاف المها فهو يذهب و يجيء فيه من غير أن يحصل على طائل أي فائدة فأنت مثله في تيهك. قال طرفة بن العبد:

فيا لك من ذي حاجة دونها جبل * و ما كل ما يهوى امرؤ هو نائله

و قال الحيص بيص:

أقول لنفسي في الخلاء ألومها * لك الويل ما هذا التجلد و الصبر[69]

إلام يراك المجد في زي شاعر * و قد نحلت شوقا فروع المنابر

كتمت بصيت الشعر علما و حكمة * ببعضهما ينقاد صعب المفاخر

قال الناظم رحمه الله:

يَا خْسَارَةْ رَكْضْ شْبَابِي شْقَا وْ حَرْمَانْ * فِي مْحَلْ لاَ تَعْرَفْنِي كْوَاعَبْ اهْلُه

نْظَلْ نَاقَفْ حَنْظَلْ دَمْعِي سْجِيمْ هَيْمَانْ * وَ الْعْقُولْ عْلِيَّ مَنْ كُلْ حَدْ ذَهْلُوا

شبه شبابه بفرس راكض و "الشقا" التعب و "الحرمان" المنع و الخيبة و "الكواعب" الجارية التي ظهر ثديها و شال أي رفع الثوب عن صدرها و "الناقف" هو شاقّ الحنظل عن حبه أي يظل دمعي يسيل بسبب هجرها و لا أملك حبسه كمستخرج حب الحنظل لأنه من شدة حرارته لا يملك من شقه دمعه ففي كلامه تشبيه بحذف الأداة فشبه ما جرى من دمعه لأجل هجر محبوبته بناقف الحنظل و الجامع أن كلا منهما لا يملك دمعه. أخذه من قول امرؤ القيس:

كأني غداة البين يوم تحمّلوا * لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل

و "السجيم" المتقاطر و "الهيمان" الفائض و قوله "و العقول الخ" و الحال أن عقول كل من يراني من أهل المحل قد ذهلت علي حتى لا أخطر لهم ببال و هكذا المحب الغريب عن أوطانه فقوله في محل متعلّق بقوله "ركض شبابي".

 سُلْطَانْ الْحُبّْ سَامْنِي بَحْسَامْ صْقِيلْ * وَ افْتَى فِيَّ الْغْرَامْ بَالسَّجْنْ الطَّايَلْ

وَ الْهَجْرْ يْقُولْ قَيّْدُوهْ بَكْبَلْ ثْقِيلْ * حَتَّى نَنْظُرْ قْضِيَةْ الصَّبْ الْمَايَلْ

وَ دْمُوعِي فَايْضَة تْكَذَّبْ فِيَّ الْقِيلْ * تَحْكِي عَنِّي لْمَنْ بْغَى الْقَتْلْ مْسَايَلْ

مَا بَرْحَتْ عَنْ خْدُودِي رَحْمَة وَ وْسَايَلْ

"الحب" المحبة و هي معروفة. قال القشيري " و لا توصف بوصف و لا تحد بحد". و قد شبه الناظم ما ذكره من الحب و ما بعده بجماعة اتفقت على ضره و اجتمعت للمشاورة في أمره و "سامني" بمعنى أراد قتلي "بحسام صقيل" أي سيف صافي مجرد .قال أهل اللغة يقال فلان سام ببني فلان خطّة الخسف أي كلفهم بها أو أرادها لهم و "الغرام" الشوق و "الهجر" ضد الوصل و "الكبل" أي القيد الثقيل هو الذي لا يقدر معه على الحركة و قوله "حتى الخ" أي أتركوه حتى ننظر ما يجب على هذا الصب الذي مال عن محبوبه و خان عهده. قال كثير بن عبد الرحمان في غاضرة جارية أم البنين:

فإنك موشك ألا تراها * و تعدو دون غاضرة العوادي

و "الصب" بالكسر من الصبابة و من رقة العشق و حرارته و قيل سمي بذلك لأنه تصب دموعه و معنى "المايل" أي الخارج عن محبة محبوبه إلى الهجر و التقاطع و قوله "و دموعي فايضة الخ" أي أنها لفيضانها تكذب بلسان حالها ما قيل في جانبي و نسب إلي من الميل و تحكي نيابة عني لمن طلب قتلي مسائل كثيرة يقبل بها عذري و ترد ما قيل في من غير ذلك  و هم لا يقبلون عذري. قال النعمان بن المنذر ملك حيرة:

قد قيل ما قيل إن صدقا و إن كذبا * فما اعتذارك في قول إذا قيلا

و قوله "ما برحت الخ" أي أنها لم تزل سائلة على خدودي حال كونها راحمة لي و وسائل تتوسل لي عند من يرى قتلي و حبسي في العفو عني و الصفح ثم أخبر أنه تاب من ذنبه و انزجر عما صدر منه و أن لا يهوى بعد ذلك غيرها فقال:

غِيرْ مُولاَتِي مَا نَهْوَاهْ لُو هْوَانِي * مَنْ خْذَاتْ بَزْمَامِي نَحْوْ الْمْقَامْ الاَطْهَرْ

تَهْتْ لَوْ لاَ الْغُرَّة مَدْحُورْ فِي هْوَانِي * حِينْ لاَحْ النُّورْ عْرَفْتْ الْجْبِينْ الاَزْهَرْ

مَا تْهَبْ نْسَايَمْ مَنْ رَبْوَةْ الْغْوَانِي * الاَّ وْ مَنْهَا الْجَسْمْ وْقَفْ نَصْبْ عَيْنْ وَ ظْهَرْ

مولاته هي محبوبته و أقر على نفسه أن لا يهوى غيرها و لو هواه ذلك الغير رعيا لوصالها و طلبا لدوام مودتها. قال النابغة الجعدي:

بدت فعل ذي ودّ  فلما تبعتها * تولّت و أبقت حاجتي في فؤاديا

و حلّت سواد القلب لا أنا باغيا * سواها و لا عن حبها متراخيا

 و "الزمام" بكسر الزاي ما يقاد به و أراد بـ"المقام الاطهر" العفاف و في الحديث "من تاقت نفسه لشهوة و منعها منها فله الجنة". و كان توبة الشاعر خلا بليلى الأخيلية يوما فهم بإيقاعها فمنعته و وعظته و قالت:

و ذي حاجة قلنا له لا تبح بها * فليس إليها ما حييت سبيل

لنا ثالث لا ينبغي أن نخونه * و أنت لأخرى صاحب و خليل

و "التايه" هو الماشي في غير هداية و "المدحور" المطرود المبعد عن الرحمة و "الهوان" ضد العز و "الجبين" واحد الجبينين و هما جانبا الجبهة و قوله "حين الخ" أي تهت و ما عرفت السبيل إليها إلا من حين لاح نورها من جبينها الأزهر و "النسايم" جمع نسيم و هي الريح اللينة و "الربوة" المحل المرتفع و "الغواني" جمع غانية و هي المرأة التي استغنت بجماله عن الحلي. و المعنى ما يهب نسيم من ربوة كل غانية و المراد الوصل الأتي منها إلا وقف جسم كل غانية منهن نصب عيني ظاهرا لا يخفى علي منه شيء و في كلام الناظم الجناس التام و الناقص و الاستعارة و غير ذلك.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

إِذَا اسْتَاكَتْ وَ افْتَرَّتْ ضَاحْكَة بْنِيبَانْ * كِالْجْوَاهَرْ يَا عُذَّالْ السّْبِيلْ خَلُّوا

رَاضْيَة مَا تَغْلَقْ مَنْ دُونْ حَدْ بِيبَانْ * كُلْ مَنْ جَاهَا قَاصَدْ لَلْحْمَى دْخَلُّه

"استاكت" جعلت السواك و هو أما بعود الأراك بفتح الهمزة و هو شجر مر أو بالإسحل بكسر الهمزة و سكون السين و فتح الحاء شجر بأرض الحجاز مثل الإثل رقيق الأغصان قال عمر بن ربيعة المخزومي:

إذا هي لم تستك بعود أراكة * تنخل فاستاكت به عود إسحل

حكي أن عليا رضي الله عنه وجد فاطمة رضي الله عنها تستاك بعود الأراك فقال:

تمتعت يا عود الأراك بثغرها * ما خفت مني يا أراك أراك

لو كان غيرك يا سواك قتلته * ما فاز مني يا سواك سواك

يقال افتر إذا ضحك ضحكا حسنا و أصله الكشف عن أسنان الدابة ليختبر سنها و "النيبان" هم الذين خلف الرباعيات و قوله "يا عذّال الخ" و المعنى أقول إذا استاكت و ضحكت فتبسمت و ظهرت أسنانها منظمة كالجواهر و انجذبت إليها من غير اختيار مني يا عذّال خلّوا الطريق و تنحوا عني فإني لا أسمع قولكم و لا التفت للومكم[70] فالسبيل مفعول مقدم بـ"خلّوا" و قوله "راضية الخ" أي كأنه قيل له فإن خلوا لك الطريق فإنها لا تمكنك من الدخول عليها فقال لأنها راضية ما تغلق بابها دون أحد و أراد بـ"الحمى" وصلها و عطفها أي كل من جاءها قاصدا لوصلها و عطفها مكنته و وفت له لأنها كريمة سهلة الجانب واسعة الفناء حسنة المداراة. قال الحطيئة:

متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد

قال الناظم رحمه الله:

مَنْ جَاهَا قَاصَدْ الْحْمَى وَالَهْ تَحْمِيهْ * وَ تْوَاصَلْ مَنْ قْطَعْ وْ لاَ تَقْبَضْ بَقْدِيمْ

حَاشَاهَا الْمُدْعِي مْحَبَّتْهَا تَرْمِيهْ * مَا ڤَفَّى عَنْ دْيَارْهَا فَى الدَّهْرْ عْدِيمْ

مَا نَخْشَى لُومْ حَدْ سَرِّي مَا نَكْمِيهْ * تَعْرَفْنِي النَّاسْ عَبْدْهَا عَاشَقْ وَ خْدِيمْ

بَسْطَتْ لِي مَجْلَسْ الرّْضَا لَلشَّرْبْ نْدِيمْ

"الحمى" في الأصل أرض محظر عليها لا تقرب إلا بإذن من حماها. قال جرير لعبد الملك:

أبحت حمى تهامة بعد نجد * فما شيء حميت بمستباح

و المراد هنا من جاء لهذه المحبوبة قاصدا جانبها و كنفها حال كونه والها أي خائفا تحميه و تمنعه من كل سوء يحصل له الأمن لعزّة جانبها و تواصل بإحسانها كل من قطعها لحسن مداراتها و لا تؤاخذ أحدا بذنب قديم لحملها و "حشاها" أي أنزهها أن ترمي أي تعرض عن مدعي محبتها لقوة كرمها. قال الشاعر:

و من يقترب منا و يخضع نؤوه * فلا ظلم يخشى ما أقام و لا هضما

و قوله "ما ڤفى" أي ما رحل عن ديارها العزيزة الجانب مدة الدهر "عديم" أي فقير كارها لها بل من حل فيها أقام في أرغد عيش و هناء غير ناوي رحلة و لا مشتهي نقلة و قوله "ما نخشى الخ" أي لا أخاف في إباحة سرها و إظهار حبها لوم أحد من الناس و لا عذله لأنه قد شاع بين الناس و اشتهر أني محبها فكل الناس يعلمون أني عاشق لها و من عبيد خدمتها لا أعصي لها أمرا لأن "المحب لمن يحب مطيع". و كيف لا و قد "بسطت لي" أي أوسعت لي مجلس الرضا و البشاشة و الوصل و إزالة ضد ذلك و جعلتني نديما للشرب معها من راح محبتها لأنها شمس تحت سحاب النقاب و غصن في أوراق الشباب. و "النديم" لغة هو الذي يشرب معك الخمر و الجمع ندماء و المفرد نديم كما قال و ندمان أيضا و النديم أعظم مرتبة عند الملوك. ألا ترى أن مالكا و عقيلا لما وجدا عمرو ابن أخت جذيمة و قد كان استهوته الجنّ و يئس منه فلما قدما به عليه قال لهما "حكمكما" فقالا "منادمتك" و لو كانت هناك مرتبة أشرف منها لا سألاه إياها. و سمي النديم نديما لأنه يندم على مفارقته لوجود الراحة و الأنس به أو لأنه يندم ما وقع منه حال سكره و له شروط عند أهله. و في كلام الناظم الجناس الناقص و الاستعارة.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

فِي بْسَاطْ هْوَاهَا ضَمّْ الصّْبُوحْ شَمْلِي * وْ مَا ابْصَرْتْ سْوَاهَا بِينْ الدّْنَانْ سَاقِي

نَشْرُبْ بْغِيرْ عْقَلْ حَتَّى دْبَاتْ نَمْلِي * فِي كْنَايَنْ جَسْدِي مَنْ هَامْتِي لْسَاقِي

فَصْمَتْ عْرَايَا بِيدِيهَا وْ قُصْتْ حَمْلِي * مْنَ الْهْمُومْ وُ عَمَّرْتْ مْنَ الطَّرْبْ وْسَاقِي

"البساط" ما يجلس عليه و إضافته للهوى استعارة و "ضم" بمعنى جمع و "الصبوح" ما حلب من اللبن بالغداة ضد الغبوق و هو ما حلب بالعشاء و "الصبوح" أيضا ما يصبح عندهم من شراب و هو المراد هنا و منه قول عدي بن زيد العبّادي:

عزموا على الصبوح فجاءت * قينة بيدها إبريق[71]

و "الدنان" جمع دن و هو الإناء الذي يكون فيه الخمر و لا يقعد إلا أن يحفر له شبه الجرار و "الساقي" هو الذي يدور بين الندماء بكؤوس الخمر. قال ابن العفيف:

و رب مهفهف وافي بكأس * و باقة نرجس فسقى و حيّا

فهل أبصرت في الأفق شمسا * سقى شمسا و حيى بالثريا

و قوله "دبات" من الدبيب و هو إحساسك بشيء في جسدك كأنه النمل ماشيا تحت الجلد و "كنائن" الجسد هو الدواخل المستورة منه و قوله "ما ابصرت سواها" أي ما بصرت ساقيا غيرها يسقيني بل كانت هي المتولية للسقي و المناولة لي الراح و قد صرت أشرب من يد الكريمة حتى أجد في دواخل جسمي كأن النمل يمشي من رأسي إلى ساقي و قوله "فصمت الخ" الفصم هو الحل و القطع و "عرايا" جمع عروة تكون في "غراير" الحمل تجعل واحدة في الأخرى و يجعل فيها عود و "قصت" بمعنى رميت أكثر ما يستعمل. و "الاوساق" جمع وسق أصله ستون صاعا و المراد هنا الأحمال و المعنى أنها قطعت العلائق التي كنت متمسكا بها فبسبب ذلك رميت عن كاهلها الحمل الذي كنت حاملا له من الهموم و عمّرت أحمالي بأوساق من الطرب و السرور. في كلامه الجناس اللاحق و التام.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

كُرْمْهَا الزَّاهِي خَيَّمْ فِي جْنَانْ رَضْوَانْ * وَ انْسْقَى بَالْكَوْثَرْ بِينْ الرّْيَاحِينْ اصْلُه

كُلْ مَا ثْقَلْ شَارَبْهَا يْزِيد سَلْوَانْ * فَوْزْ قَوْمْ كْرَامْ لْذَاكْ الْمْقَامْ وَصْلُوا

و المراد بـ"الكرم" شجر العنب و "الزاهي" عنبه الذي ظهرت فيه الحلاوة و "خيّم" أي قام و "الجنان" الجنة و أضافها إلى "رضوان" لكونه خازنها و "الكوثر" واد في الجنة تشرب منه أمته ÷ و "الرياحين" نوع من الشجر طيب الرائحة و "ثقل شاربها" هو فتوره و رخاوته أو تراخيه في شربها و "السلوان" التصبر و معناه أن الخمر التي عصرت من ثمرة تلك الكرم التي سقيتها خيّم في الجنّة أي أقام في رياضها و سقى أصله بين رياحينها بماء الكوثر فكلما ثقل شاربها في شربها أي تمادى فيه يزداد سرورا و تسلية عند الأحزان فيا فوز قوم كرام بلغوا المقام و الشرب لهذه الراح أي علت رتبتهم حتى صاروا ممن يشربها. أو ان المراد الجنة و ذلك أنه لما ذكرها اشتاق إليها فقال "يا فوز الخ" و لا شك أنه كنى بالخمر عن المحبة الربانية كعادة الصوفية.

تنبيه: قال شهاب الدين الخفاجي في شرح الشفاء "الجنة في السماء" و قال في موضع أخر "خمرها ليس له سكر ﻫ." قال تعلى ﴿لا فيها غول﴾[72]. قال زهير:

  و هل ينبت الخطى إلا وشيجه * و تغرس إلا في منابتها النخل

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

هَلْ لِي مَنْ جَارْيَة إِذَا لاَحَتْ كِالشَّمْسْ * يَغْرَبْ بِهَا السّْرُورْ فِي وَسْطْ اكْنَانِي

مَنْ رَاحَةْ جَارْيَة إِذَا تَرْفَعْهَا الْخَمْسْ * يَشْعَلْ نَبْرَاسْهَا عْلَى رُوسْ بْنَانِي

حَتَّى تَسْمَعْ بْكُوسْهَا لاَنْفَاسِي هَمْسْ * فِي حَضْرَةْ مَنْ رْفَعْ بْصُوتِي وَ اغْنَانِي

كِيفْ فْنَى فِيهْ قَوْمْ بَالْوَجْدْ افْنَانِي

"هل" هنا للتمني كالتي في قوله تعلى ﴿فهل لنا شفعاء يشفعوا لنا﴾[73]عند بعض البيانيين خلاف للمرادي[74]. و "الجارية" الخمرة و الجارية الثانية إحدى الجواري و "النبراس" المصباح أي ليتني أشرب خمرة يلوح نورها كالشمس و "يغرب" أي يغيب بسبب ظهورها السرور في باطن جسدي "من راحة" أي بيد جارية إذا ترفعها أي ترفع كؤوسها أصابعي الخمس من يدها يشعل نبراسها بالكسر أي مصباحها و المراد نورها الشبيه بالمصباح على رؤوس أصابعي و هم المراد بـ"البنان" الماسكة للكأس من يد الجارية حتى تسمع في كؤوسها لأنفاسي صوتا خفيا من فرط السكر و غلبته و يكون ذلك الشرب في حضرة الحبيب الذي أشاع ذكري و رفع قدري و أغناني عن غيره و أفناني في ذاته و حبه بالوجد الدائم كما أفنى قوما كراما من أهل المحبة حتى صاروا لا يدركون سواه و لا يثبتون لأنفسهم وجود. قال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل * و كل نعيم لا محالة زائل

تنبيه: الوجد شدة العشق من وجدت بفلانة وجدا إذا أحببتها حبا شديدا و الكأس إناء يشرب فيه الخمر و لا يسمى بذلك إلا إذا كان فيه خمر. قال ابن الأبار الإشبيلي:

أعطيت الكأس فاستحسنت مدامها * من ذلك الشنب المعسول بالبرد

و "النبراس" بكسر النون القنديل. قال الحكماء ثلاثة تضني أي تهزل: "رسول بطيء و نبراس لا يضيء و مائدة ينتظر إليها من يجيء". و "الفناء" بالفتح هنا و هو على مصطلح الصوفية سقوط الأوصاف المذمومة و يقابله البقاء و هو قيام الأوصاف المحمودة فالفناء و البقاء ضدان و "الوجد" عند الصوفية ما يصادف القلب و يرد عليه بلا تعمل و غالب من يسقي الخمر لأهلها أما الغلمان أو الجواري الحسان.

غريبة: كان للملك بلكين بن زيري الصنهاجي أربعمائة جارية و بشر في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا و هو الذي أختط الجزائر و المدية و مليانة و البقاء لله.

لطيفة: ذكر ابن همام أن أبا عامر بن شهيد حضر ليلة عند الحاجب المظفر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة فقامت تستقيم جارية عجيبة صغيرة السن و لم تزل تصهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام و أخذ في تقويض خيام الظلام و كانت تسمى أُسيْما فعجب الحاضرون من مكابدتها الصهر طول ليلتها على صغر سنها فسأله المظفر وصفها فقال ارتجالا:

أفدي أسيما من نديم * ملازم للكؤوس راتب

قد عجبوا في السهاد منها * و هي لعمري من العجائب

قالوا تجافى الرقاد عنها * فقلت لا ترقد الكواكب

قال الناظم رحمه الله:

دِيرْهَا يَا سَاقِي وَ الرُّوحْ فَى التّْرَاقِي * فَازْ مَنْ رَاحْ مْخَمَّرْ لَلْبْسَاطْ مَثْمُولْ

لاَ تْعَاطِينِي مَنْ شَامِي وْ لاَ عْرَاقِي * وْ لاَ تَقْتَلْهَا يَبْقَى لِي السّْرُورْ مَكْمُولْ

صَرْفْ رَوِّينِي قَلْبِي لَلْحْبِيبْ رَاقِي * عْسَى وْ عَلَّ يَلْقَانِي بَالْكْمِيتْ مَشْمُولْ

معنى "ديرها" أي دور الخمر على أهل المجلس و "الروح" هي الحياة و فيها خلاف كثير و "التراقي" جمع ترقوة و هو العظم الذي بين ثغرة الحلق و العاتق و "المثمول" هو السكران. قال أبو حية  النميري لما كبر سنه و ضعف:

و قد جعلت إذا ما قمت يشقلني * ثوبي فأنهض نهض الشارب الثمل

أي السكران و معنى كلامه أيها الساقي در علينا هذه الراح أي الخمر في كل حال حتى في حال كون الروح بالغة التراقي و ما بقي إلا إزهاق الروح فإن الفوز لمن راح لبساط الحبيب سكرانا. و قال حرقوص المري:

ألا فاسقياني قبل فجئة رقدة * أكون بها طول الليالي في القبر

و "الشامي" و "العراقي" الخمر المنسوب لهما و قوله "لا تقتلها" معناه لا تمزجها بالماء. قال في القاموس "قتل الشراب مزجه بالماء". و قال مسلم بن الوليد:

إذا شئتما أن تسقياني مدامة * فلا تقتلاها كل ميت محرّم

خلطنا دمًا من كرمة بدمائنا * فأظهر في الألوان منّا الدم دم

و قال أبو نواس:

توارت على الأبصار من عهدة أدم * حذار الكون الماء يوما قرينها

و قال الأخطل:

فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها * و حبي بها مقتولة حين تقتل

و قوله "صرف" أي بلا مزج و "راقي" بمعنى مرتق أي صاعد إلى حضرة الحبيب فعسى و عل إذا سقيتها صرفا أن أسكر بحبه فيلقاني على تلك الحالة سكرانا بخمر محبته فيعطف علي و يأخذ بيدي. و عل لغة في لعل. قال صخر بن الجعد الخضري:

فقلت عساها نار كأس و علّها * تشكي فأتي نحوها فأعودها

و ذهب بعض النحاة إلى أن عل مجاز عن التعليل و "الكميت" من أسماء الخمر و معنى "مشمول" سكران بالشمول و هي الخمر الباردة التي تميل "للصفورة". قال الأقيشر:

فقلت لو باكرت مشمولة * صفراء كمثل الفرس الأشقر[75]

و سميت شمولا لاشتمالها على عقل شاربها و قد استوعبنا غالب أسمائها في كتابنا المسمى "الحلل الحريرية في شرح المقامات الحريرية". و في كلامه جناس الاشتقاق و الجناس الناقص.

قال الناظم رحمه الله:

تَذْهَبْ عْلَى الصَّاحِي مَثْلْ السّْرَابْ الاَزْمَانْ * كِيفْ يَدْرَكْ مَعْنَاهَا مَنْ اعْمَاهْ جَهْلُه

الرّْحِيقْ لْحَقْ بَالنَّسْبْ الْكْرِيمْ سَلْمَانْ * شَافْ نُورْ الصَّهْبَا مَنْ جِيلْ ضَلَّتْ اهْلُه

"الصاحي" ضد السكران أي أن من كان صاحيا من سكر هذه الخمر تذهب عليه الأزمان كالسراب ضياعا يظنها شيئا و ليست بشيء. و ما صحي منها إلا لكونه لم يدرك معناها و حقيقتها و ما تودع في قلب شاربها من السرور و قد غلب عليه الجهل حتى أعمى عين بصيرته و ذهب عمره باطلا. قال القاضي عبد الوهاب[76]:

أليس من الحرمان أن لياليا * تمر بلا نفع و تحسب من عمري

و قال ابن الفارض:

فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا * و من لم يمت سكرا بها فاته الحزم

و قال غيره[77]:

فصحوك من لحظي هو الوصل كله * و سكرك من لحظي يبيح لك الشربا

فما مل ساقيها و ما مل شارب * عقار لحاظ كأسها سكر اللّبا[78]

و "الرحيق" هو الصافي من الخمر و "الصهباء" من أسمائها يعني أن هذا الرحيق الذي طلب الاستزادة من شربه و ادعى أن من صحي منه تذهب أزمانه كالسراب هو خمر المحبة الذي صير سلمان الفارسي رضي الله عنه لاحقا بنسب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي لا نسب أشرف منه لكونه ارتفع عن بصيرته غطاء الجهل فشاهد نور هذه الصهباء و تجلى له مع بعد أرضه فأضاء له فاهتدى به إلى طريق النجاة بعد ما نالته مشقات في طلب تلك الطريق حتى جار عليه بضعة عشر ملكا و قد قال فيه÷ " سلمان منا أهل البيت".

و هو مراد الناظم و لله در من قال[79]:

عليك بتقوى الله في كل حالة * و لا تترك التقوى اتكالا على النسب

فقد رفع الإسلام سلمان فارس * و قد وضع الكفر الشريف أبا لهب

لطيفة:كان بعض أهل البصيرة مارا بحانة خمر فسمع رجل بها يقول[80]:

إذا العشرون من شعبان ولّت * فواصل شرب ليلك بالنهار

و لا تشرب بأقداح صغار * فقد ضاق الزمان على الصغار

فالقائل لكونه جاهلا ما أراد إلا الخمر و السامع لكونه من العارفين فهم أن العمر إذا انقضى ثلثاه و ذلك أربعون سنة فواظب على العبادة فقد ضاق الوقت عليك قلت لهذا لما سمع رجل قائلا يقول بحضرة مكين الدين ابن الأسمر قال فيه الشاذلي إنه من "الأبدال" هذا الشعر:

الراح أشرف شيء أنت شاربه * فاشرب و لو حملتك الراح أوزار

يا من يلوم على صهباء صافية * خذ الجنان و دعني أسكن النار

فقال هذا الشعر لا يجوز إنشاده فقال ابن الأسمر للذي ينشد "قل هذا رجل محبوب". و لله در من قال:

ترى كل إناء بما فيه يُرشح

قال الناظم رحمه الله:

اسْقِينِي بَالْكْبِيرْ يَا خَمَّارْ ظْْمِيتْ * هَذَا وَقْتْ الْمْوَاصْلَة طَالْ زْمَانِي

مَنْ لِي بَسْوَايَعْ الرّْضَا لَلْقَلْبْ الْمِيتْ * نَصْبَرْ لُو صَحّْ لِي مْنَ الْفَوْزْ اَمَانِي

رَوِّينِي مَنْ زْلاَلْهَا بِهْ اهْتْمِيتْ * نَدْفَعْ لَكْ كُلْ مَا عْلَى مَلْكْ ايْمَانِي

نَحْلَفْ لَكْ مَا عْرَفْتْ سَاقِي بِايْمَانِي

 "الكبير" صفة لموصوف محذوف أي الكأس الكبير و "الخمّار" بائع الخمور و "ظميت" عطشت و "المواصلة" أي مودة الحبيب  و وصله و مساعدته إياي و إذا فات هذا الوقت فمن لي بساعات الرضا "السوايع" أي الواسعة فمن يكون لي كفيلا بذلك فقد طال زمان هجري. و قوله "للقلب الميت" أي بالقطيعة و إحياؤه بما يحصل له من الأنس و الوصل و لما طلب السقي خشي أن يقال له أ فلا تصبر فقال نصبر لو صح لي الأمان من فوت ذلك أما حيث لم يحصل لي أمان من فواته و لا طمع في رجوعه كيف أصبر. و "الزلال" كغراب العذبة الصافية و الاهتمام تعلق القلب. و قوله "ندفع الخ" أي أنك إذا رويتني من الخمر الصافية ندفع لك كل شيء "على ملك يميني" بمعنى أهب لك جميع ما أملك و أحلف لك بإيماني المغلظة إني لا أعرف ساقيا غيرك أي لا شربت خمرا إلا من حانتك و الحانة بيت الخمار. حكي أن أبا الأسود الدؤلي أمر مولى له أن يذهب ببضاعة يتجر بها في أرض الأهواز فلما وصلها دفعها كلها في شرب الخمر فلما أخبره بذلك قال مخاطبا له:

دع الخمر يشربها الغواة فإنني * رأيت أخاها معدما لمكانها

فإن لا يكنها أو تكنه فإنه * أخوها غذته أمه بلبانها

و المراد بأخيها النبيذ أي أتركها و أشربه و في كلام الناظم الجناس التام و الناقص و الاستعارة.

قال الناظم رحمه الله:

عَلَّلْنِي يَا سَاقِي بَالرَّاحْ فِي مْسَاقِي * خَابْ مَنْ مَحْبُوبُه مَنْ لاَ يْرُوحْ مَوْسُوقْ

إِذَا الْتَفَّتْ سَاقِي يُومْ النّْوَى بْسَاقِي * وَ انْتْهَضْ دَلاَّلْ اوْسَاقِي يْعَمَّرْ السُّوقْ

فِي نْهَارْ انْ يَصَّدَى الثُّغْرْ مَنْ بْصَاقِي * وْ لاَ تْكَلَّفْ تَمْشِي بِيَّ لْشَهْوْتِي سُوقْ

"العلل" الشرب الثاني و "النهل" الشرب الأول قال كعب بن زهير لأخيه بجير:

 فانهلك المأمون منها و علّكا[81]

و "الراح" الخمر أي اسقيني الخمر ثانيا في حالة "مساقي" للحبيب أي ذهابي إليه فكأن الحب هو الذي يسوقه و "الموسوق" أصله البعير الحامل و أراد به هنا امتلاء البطن من الخمر أي و إذا أذهب شبعانا خمرا حصل لي الفوز برضاه لأن من لا يروح له بذلك تحصل له "الخيبة" الخسران. فالشطر الأخير مفهوم من قوله فيما مرّ "فاز من راح مخمّر للبساط مثمول". و قوله "إذا التفت ساقي الخ" أراد شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة و قوله "و انتهض" أي نهض بمعنى قام "دلاّل" أي سمسار "اوساقي" أي ذنوبي يعمر سوق المحشر بها و ذلك في نهار ان يتسخ ثغري أي أسناني بالصدى بما يتجمد عليها من بصاقي لشدّة اللهف و العطش. و لا "تكلف" أي لا تطيق سوقي أي ساقيَ على أن -أقل الجمع اثنان- تمشي بي إلى ما اشتهيه لشدة الضعف من كثرة السقم و المراد اسقيني مرة أخرى من خمر المحبة لأستعين بذلك "إذا التفت ساقي الخ". "النوى" الفراق. و حكي أن ولد أبي محجن الثقفي وفد على معاوية فأراد أن يوقعه في محافل العرب فقال له "أنت الذي أوصاك أبوك بقوله":

إذا مت فادفنّي إلى أصل كرمة * تروّي عظامي في التراب عروقها

و لا تدفنني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها

 فقال له بل أوصاني بقوله:

و اضرب الضربة النجلاء عن ثبت * و اكتم السر فيه ضربة العنق

و قال له معاوية أحسنت و أمر له بصلة. و في كلامه الجناس التام و الناقص.

قال الناظم رحمه الله:

بَرَّدْ غْلِيلِي بِهَا ذَاهْبَة بْالاَحْزَانْ * مَا لَلْقَلْبْ اللاَّهِي قُوّْتُه وْ حَوْلُه

رَاحْتِي وَ سْرُورِي يُومْ انْ تْخَفْ الاَوْزَانْ * مَنْ عْدَمْهَا يُومْ الشَّدَّة يْطُولْ هَوْلُه

"الغليل" العطش الشديد و "ذاهبة" خبر مبتدى محذوف أي هي ذاهبة بالأحزان التي تغم القلب. قال ابن الفارض في ذلك:

لها البدر كأس و هي شمس يديرها * هلال و كم يبدو إذا مزجت نجم

و إن خطرت يوما على خاطر امرئ * أقامت به الأفراح و ارتحل الهمّ

و قال أبو نواس:

إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى * دعا همّه من صدره برحيل

و قوله "ما للقلب اللاهي الخ" أي أن قلبي لا قوة أي لا ثبات له إلا بها و لا حول أي لا حركة له إلا بها و قوله راحتي أي هي راحتي و سروري في اليوم الذي توزن فيه أعمالي لأنها تكون في صحيفتي فتثقل بها و كل من عدمها ذلك اليوم خفت موازينه فيطول هوله و المراد بها خمر المحبة الربانية و قد قال رجل لرسول الله ÷ "متى الساعة؟" قال "ما أعددت لها؟" فقال "يا رسول الله ما أعددت لها صلاة و لا صياما سوى إني أحب الله و رسوله". فقال له "المرء مع من أحب".

قال الناظم رحمه الله:

مَا صُنْتْ اسْرَارْهَا وْ لاَ سَرّْ الْمَحْبُوبْ * لَكِنْ دَمْعِي يْبُوحْ بَجْمِيعْ اسْرَارِي

كِيفْ نْوَارِي قْرَايْحِي وَانَا مَرْبُوبْ * فِي حَجْرْ الْحُسْنْ وَ الْبْهَا دَارْ قْرَارِي

مَا تَتْحَرَّكْ بْهَوْنْ مَنْ الاَطْلاَلْ هْبُوبْ * حَتَّى يَهْطَلْ عْلَى خْدُودِي مَدْرَارِي

تَعْبِي فِي رَاحْتِي وْ طِيبِي فِي مْرَارِي

 يقال صان السر إذا كتمه و الضمير في "اسرارها" عائد على الخمر و معنى "نواري" نستر و أراد بـ"القرايح" الفضائح و "المربوب" المملوك و "الاطلال" جمع طلل و هو الشاخص من أثار الديار كالكانون و الأثافي  و نحو ذلك. قال امرؤ القيس:

ألا عم صباحا أيها الطلل البالي[82]

و قال أخر:

لم ألق في الدار ذا نطق سوى طلل * قد كاد يعفو و بالعهد من قدم

و قال النابغة الذبياني:

وقفت بربع الدار قد غير البلى * معارفها و الساريات الهواطل

"الساريات" جمع سارية و هي مطر الليل و "الهطل" تتابع المطر و سيلانه و قوله "في حجر الحسن" أي ذات الحسن و "الهبوب" ثوران الريح و المعنى إذا لم أكتم أسرار هذه الخمرة في مجالس الشرب و لا السر الواقع بيني و بين محبوبي بل أذعت ذلك و أفشيته لكن لم أفش ذلك بلساني بل دمعي هو الذي أباح أي أظهر ذلك قهرا عليّ كما قال ابن الجهم:

ظهر دمعي فلا يكتم شيئا * و استمر اللسان ذا كتمان

و كيف أقدر على إمساك دمعي و نستر الفضائح التي ظهرت عليّ بسبب شوقي للخمر و لوصل الحبيب الذي سقانيها و أنا مملوك ملزوم بالحب مجبور عليه و الدار التي هي قراري أي مجلس سكناي كائنة في حجر أهل الحسن و البهاء ملازم لهن و من كان ملازما لهن لا بد أن يشتد كلفه بهن. و لا يهب علي نسيم "بهون" أي بلين من تلك الأطلال إلا هطل على خدودي دمعي "المدرار" أي كثير الدر و المراد كثير السيلان و أن تعبي في استراحتي من حمل هواهم و ترك زيارتهم و راحتي في تعبي. و في ذلك قال الشاعر:

أخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى * يسومك ما لا تستطاع من الوجد

قال الناظم رحمه الله:

الشّرَابْ الِّي خَمَّرْنِي وْ عَلّ جَسْمِي * مَنْ اكْوَابْ الاَّ شَافَتْهَا عْيُونْ صَابِي

ضَمّْنِي وَ سْقَانِي سَاقِي مْوَافَقْ اسْمِي * مَنْ حُمِيَّةْ التَّرْيَاقْ الْقَاتَلْ وْصَابِي

كِيفْ يَخْفَاكْ اسْمِي يَا جَاهْلِي وْ رَسْمِي * وَ الْجْمَالْ الرَّوْحَانِي الطَّيْبِي اوْصَى بِي

"خمّرني" أي صيرني مخمورا و "عل" أي أمرض و "الّي" بمعنى الذي خمرني و أمرض جسمي بالشوق إليه و "الاكواب" مفرد كوب و هو الكأس الذي لا أذن له و لا موضع يشرب منه و "شافتها" بمعنى رأتها و "صابي" من صبى إذا اشتاق و يحتمل أنه واحد الصبيان المعبر عنه بقوله تعلى ﴿و يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب و أباريق﴾[83]. و قوله "ضمني" أي أواني و موافقة اسمه لأن اسم هذا الساقي سعيد و كان مراده شيخه المربي له. و "الحُمية" بضم الحاء المهملة أول سكرة الخمر أي شدتها قال في القاموس "سكرة الكأس و إسكارها" .و "الترياق" دواء السم و هو معروف و "الوصب" الهم و "الرسم" الوصف و في معناه الوسم كما في بعض النسخ و "الروحاني" المنسوب للروح و "اوصى بي" أي ذوات الحسن و البهاء ليكفلنني فأنا معلوم لا أخفى على أحد و الله أعلم.  

مَنْ مْحَاسَنْ سُعْدَى شَارَتْ بْرُوقْ الاَمْزَانْ * وَ الْغْمَامْ دْعَى الْوَحْشْ مْنَ الْفْجُوجْ ظَلُّه

يَدْفَعْ وُ يَمْنَعْ طُورْ بْطُورْ كُلْ خَزَّانْ * غِيرْ خَزَّانْ دْمُوعِي هَكْذَا يْظَلُّوا

"سعدى" محبوبته و "محاسن" جمع حسن على خلاف القياس أو هو جمع لمحسن بزنة مقعد و "الامزان" جمع مُزن و هو السحاب أي دعا ظل الغمام الوحش من "الفجوج" جمع فج و هو معروف و المراد هنا من النواحي لأن عادة الذهاب إلى المواضع التي رأى البرق فيها ليشرب من الغدران. و قوله "يدفع" أي يعطي و "يمنع" ضده و "الخزّان" كفعّال كثير الخزن و "الطور" هنا الحين و "خزّان" الأخير جمع خازن و المراد عيونه و المعنى أن كل خازن لزرع و نحوه من شأنه أن يعطي مما خزنه تارة و يمنع أخرى إلا عيوني الذين هم خزّان دمعي فإنهم لا يمنعون ما خزنوا. و قوله "هكذا" إشارة لحالته المشاهدة يظلله دائما كهذه الحالة التي تراهما ملتبسين بها و "ظل" هنا من أخوات كان و أصل معناها فعل نهار لأنه زمان يبدو فيه الظل ثم استعمل لدوام الفعل ليلا و نهارا و هو المراد.

قال الناظم:

ءَاشْ يْصَبَّرْ عْلَى الْبْكَا نَادَبْ الاَطْلاَلْ * وَاشْ يْدَاوِي مْنَ الْهْوَى قَلْبْ الْمَجْرُوحْ

كُلْ بْكَا دُونْ فَرْقَةْ الْمَحْبُوبْ ضْلاَلْ * مَنْ خَلاَّ جَاشْ صُورْتِي جَسْمْ بْلاَ رُوحْ

أَنَا الْمَقْتُولْ بَالْهْوَى صَدْرِي مَحْلاَلْ * بَالْهَمُّ وُ الاَمْتْحَانْ وَ الْفَرْقَة مَقْرُوحْ

إِذَا سَدّْ الْحْبِيبْ بَابُه وِينْ نْرُوحْ

"الاطلال" جمع طلا و هو ما شخص من أثار الديار و رسومها كالأثافي و "الكنون" و "الونى" و هو حفير يجعل حول البيت لماء المطر و "النادب" هو الباكي فيها على أحبته لتذكره ما سلف فيها و من العجائب أن ابن خميس شرع في قصيدة يمدح بها أبا عبد الله بن الحكيم الترمذي رحمهما الله أول رمضان فلما قال في أولها:

لم المنازل لا تجيب صداها * محيت معالمها و صمّ صداها

لم يستطع أن يزيد شيئا إلى أن انقضى رمضان و قتل ابن الحكيم و ابن خميس و هدمت الدار. و معنى "ءاش" أي شيء و "الجاش" مهموز هو نفس الإنسان و قد لا يهمز كما في القاموس و "الروح" ما به حياة الأنفس و هي جوهر ساري في البدن سريان ماء الورد في الورد و هي مما لا يدرك كنهه. و المعنى أي من ترك نفس صورتي أي شكلي كجسم من الجمادات لا روح فيه و قوله "نروح" من الرواح و هو الذهاب كما قالوا في قول الهذلي في مدح جمله بقوله: ،

 أبو بيضات رائح متأوب[84]

إنه من الرواح و هو الذهاب و "المحلال" المنحل و "الامتحان" البلوى و معنى "مقروح" أي مريض بهمّ فرقة الأحباب و معالم أطلالهم. قال ذو الرمة غيلان[85]:

تهاض بدار قد تقادم عهدها * و إمّا بأموات ألمّ خيالها

و من كلام بعد المحدثين:

فيا شوق ما أبقى و يا لي من النوى * و يا دمع ما أجرى و يا قلب ما أصبا

و في كلامه الجناس الناقص و التعديد و الموازنة.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

الْحْبِيبْ دْعَانِي بَلْطَافَةْ الْمْعَانِي * اسْرَى بْبَنْتْ الْكُرْمْ سْرَى بِي نْسِيمْ رَوْضُه

جَاتْ لَلْمَوْرَدْ هَيْمَا فَاحْمَة تْعَانِي * مَا ابْتَلْ صْدَاهَا حَتَّى غْشَاتْ حَوْضُه

طِيبْ نَفْسْ خْلِيلِي يَسْعَاكْ مَا سْعَانِي * ذَا مْقَامْ رْفِيعْ بْلَغْنَا قْلِيلْ عَوْضُه

المراد بـ"الحبيب" رسول الله ÷ و إضافة "لطافة" للمعاني من إضافة الصفة للموصوف. يقال كلام لطيف إذا حلا معناه و خفي بحيث لا يفهمه إلاّ الحاذق و "سرى" أي سار ليلا "ببنت الكرم" أي الخمر و المراد خمر المحبة التي استنشق ريحها سلمان و بلال و صهيب و نحوهم رضي الله عنهم و قوله "سرى بي نسيم روضه" يعني سرى في جسمي فالباء ظرفية و "النسيم" ريح لينة تهب بالأسحار و "الروض" أزهار العشب العفية الأنيقة و "المورد" محل الورود و "هيما" أي عطش عطشا شديدا يقال إبل هيم إذا اشتد عطشها و في التنزيل ﴿فشاربون شرب الهيم﴾[86] و الهيام أيضا داء يأخذ البعير فيهوم في الأرض و لا يرعى و معنى "فاحمة" أي لا ندى في فمها و لا شيء باق من ريقها و قد استعملت الفحامة أيضا في الذي لا يجد جوابا لكونه كأنه يبس ريقة. و "تعاني" من المعانات و هو التعب و "الصدى" العطش و البلل المراد به هنا الري و الضمير في حوضه عائد على الحبيب و هو النبي ÷ أي أن أمته ÷ جاءت في الموقف عطشى لهفا و ما تروى حتى تغشى حوضه ÷ الذي قدر مسافته ما بين بصرة و عدن كما حققنا ذلك في شرحنا لدلائل الخيرات. و معنى "طيب نفس الخ" أنه ندا خليله بأنه يطيب نفسا و يقر عينا بهذه النعمة الكبرى التي لا نعمة أعظم منها و أسأل الله أن "يسعيك ما سعاني" أي يعطيك ما أعطاني من بلوغ هذا المقام الرفيع و الحصن المنيع القليل المثل الذي لا أجوع فيه و لا أعرى و لا أظمأ فيه و لا أضحى و الحمد لله على ذلك. قلت و ما هذا من عجيب حسن التخلص فلله دره. ثم بيّن ذلك المقام بقوله:

مْقَامْ طَهَ الْمَكِّي بَيْتْ الرّْضَا وْ الاَمَانْ * مَا تْرَوَّعْ مَنْ وَحْشُه قَلْبْ مَنْ وْصَلْ لُه

حُطّ رَحْلَكْ يَا حَادِي الْعَيْسْ كُنْ مَضْمَانْ * ذِي مْنَازَلْ مَنْ قَالْ الله عْلِيهْ صَلُّوا

"طه" ن أسمائه ÷ و انظر بسط الكلام عليه في شرحنا "الآيات البيّنات لدلائل الخيرات". و قوله "ما تروّع الخ" أي من بلغ هذا المقام و دخل له لم يتروع من أهوال القيامة قال تعلى ﴿إن المتقين في مقام أمين﴾[87]. و "العيس" الإبل البيض و المراد هنا مطلق الإبل و "حاديها" هو المغني لها في حال سوقه إياها لتطرب و تجد السير و "الرحل" ما على ظهورها مما يركب عليه و المراد ما يعمه و يعم الحمل و "مضمان" أي مكفول من كل ما تخشى لأن هذه منازل الرسول ÷  الذي أمرنا الله بالصلاة عليه تكريما و تشريفا التي هي روضة من رياض الجنة كما في الحديث الصحيح أنه ÷  قال "ما بين حجرتي و منبري روضة من رياض الجنة". و في رواية "ما بين قبري" و هما بمعنى واحد لأن قبره ÷  في حجرة عائشة رضي الله عنها. قال الخفاجي "و فيه أخبار بالغيب ﻫ". و لله در القائل:

مواطن قد سار المدثر بينها * يحق لها التعظيم دون المواطن

فيا ساكنيها أنتم سادة الورى * و يا قاطنيها أنتم خير قاطن

و في كلام الناظم التسميط و جناس الاشتقاق و الترديد و الجناس المضارع و اللاحق و التسهيم. ثم أشار إلى تلك المنازل بقوله:

هَذِي هِيَ الدّْيَارْ يَا بَاكِي الاَرْسَامْ * عَرَّاتْ يَدْ النّسِيبْ لَلْمَدْحْ غْطَاهَا

هَذِي الرُّوحْ الْمُقَدّْسَة رَاحَةْ الاَجْسَامْ * مَتْنْ الْبُرَاقْ مَلِكْ الْمُلْكْ مْطَاهَا

هَذِي الرَّوْضَة الْمْشَرّْفَة دَفْعَتْ الاَنْسَامْ * هَذِي طِيبَة ضْحَكْ مْعَ الْعَيْسْ وْطَاهَا

هَذَا عَيْنْ الْوْجُودْ وَ الرَّحْمَة طَهَ

تخلص الناظم رحمه الله من تغزله إلى مقصوده و هو تخلص أنيق و صنع جيد رشيق فقد ذكر أول القصيدة رهط ممدوحه ÷ و هم العرب و أماكن قطره كالبان و العقيق كما مرّ و ذكر هنا في أول المقصود منازله ÷  المعبر عنها هنا بـ"الديار الخ" منها ما هو روضة من رياض الجنة كما مرّ و "الارسام" جمع رسم و هو ما كان لاصقا بالأرض من أثار الديار كالرماد و نحوه و أما الطلل فهو ما شخص من أثارها فهذا هو تحقيق الفرق بين "الارسام" و الطلل وقد مر لنا ما يخالف بعض هذا أتبعنا فيه بعض شرّاح البردة و الحق ما هنا. و معنى كلام الناظم يا باكي أرسام أحبتك و معاهدهم و طلل خلانك و أثارهم يحق لك أن تبكي هذه الديار المقدسة المشرفة المطهرة التي هي محل نزول الوحي و تندب أرسامها و طللها فهذا هو الأولى لك و الأليق بك و الواجب عليك لا ما أنت باك عليه من غيرها. و "النسيب" التغزل و يسمى التشبيب أيضا. قال المتنبي:

إذا كان مدح فالنسيب المقدم * أكل فصيح قال شعرا متيم

و المتيم هو المذلل بالحب و أثبت الناظم للنسيب يدا على طريق الاستعارة بالكناية و تعريتها تخييل أي أن النسيب الذي هو التشبيب لأنه كان ساترا يده و قد عراها حينئذ فشبهه برجل كان ساترا يده بثيابه ثم أخرجها و أظهرها للناس فكأنه يريد أنه في حالة التغزل كان مخفيا لمدح من قصده و الآن أظهره للناس ففيه من رقة الصناعة و لطفتها ما لا يخفى و ذكر الشعراء هذا التغزل أول قصائدهم إنما هو للتنشيط و لتهتارهم في المحبة. ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي المار:

أكل فصيح قال شعرا متيم

فجرت عادتهم في تقديم مقدمة من التشبيب بالغلمان و النساء الحسان عن المقصود و يضمون إلى ذلك ما كانت العرب مولوعة بحبه أيضا مثل العيس و الخمر. و أهل الصلاح منهم كالناظم إنما يعني به خمر المحبة كما مرّ لأن كل إناء يرشح بما فيه. و "المقدسة" المطهرة من التقديس و هو التطهير و معنى "راحة الاجسام" أي راحة الخلائق يوم القيامة من طول الوقوف و ما بعده و "المتن" الظهر و "مطاها" أركبها إياه و "البراق" دابة من دواب الجنة دون البغل و فوق الحمار و هي مركوب الأنبياء و مطيتهم عليهم الصلاة و السلام. و قد ركبها ÷ ليلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فالأول مسجد مكة و الثاني مسجد بيت المقدس ثم صعد إلى السماء في المعراج. و مر معنى الروضة و "الانسام" واحدها نسيم من نسمت الريح نسيما و نسمانا و هو أول هبوبها بلين قبل أن تشتد و أما النواسيم فمفرده ناسمة. و "طيبة" من أسماء المدينة المنورة و "الضحك" معروف و المراد بالعيس هنا مطلق الإبل كما مر لا خصوص البيضاء منها التي تخالطها شقرة و "الوطا" المستقر من الأرض و ضحكه مجاز عن بسطه و لينه و معنى "مع العيس" أي للعيس. و "طه" من أسمائه ÷ كما مر و هو ÷ "عين الوجود" فكل الكائنات خلقت من نوره و السبب في كل موجود فقد ذكر الشيخ المهدي[88] في شرح "دلائل الخيرات" أن الله تعلى قال للنبي ÷ "لو لاك ما خلقت الدنيا" الحديث. و هو ÷ "عين الرحمة" أيضا قال تعلى ﴿و ما أرسلناك إلا رحمة للعلمين﴾[89]. و قد قال جبريل عليه السلام "هل أصابك شيء منها قال نعم" الحديث.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

هَكْذَا مَنْ يَتْغَزَّلْ لَلْحْبِيبْ يَنْزَلْ * مْنَ الشّوَاهَقْ مَرْتَفْعَة لَلسّْمَا بْصَنْعَة

مَنْ حْرِيرْ الْمَعْنَى خَيْطْ الْهْبُونْ نَغْزَلْ * دُونْ بُرْدِي سَنْدَسْ عَبْقْرِي وْ حُوكْ صَنْعَا

نْظَلْ عَنْ غَوْغَا النَّاسْ مْنَاسْجِي بْمَعْزَلْ * فِي مْحَاسَنْ مَنْ حُصْنُه لَلطّرِيدْ مَنْعَة

 مر معنى التغزل و قد جعل الناظم من يتغزل كالذي يصعد في "شواهق" أي جبال عالية مرتفعة أي زائدة في العلو للسماء و من يتخلص لمقصوده كالنازل منها أي أن من صعد في شواهق التغزل "المرتفعة" بمعنى المبالغ فيها فليكن نزوله أي تخلصه منها لمدح الحبيب "بصنعة" لطيفة هكذا أي مثل صنعتي و فعل مثل فعلي فقوله "بصنعة" متعلق بـ"ينزل" و إضافة "حرير" إلى المعنى من إضافة المشبه به إلى المشبه أي المعنى الصافي الرقيق الشبيه بالحرير و "الهبون" من أسماء العنكبوت و خيطها هو الذي تسديه بين الشجر لتصيد به الباعوض و نحوه فإذا تشبثت به أكلته. و "السندس" نوع من ثياب الحرير كالديباج و نحوه و "عبقري" قال الأزهري في تصريحه "تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل سيء عجيب ﻫ". و في التنزيل ﴿و عبقري حسان﴾[90]. و في الحديث في عمر رضي الله عنه "ما رأيت عبقريا مثله" و في القاموس "عبقر موضع كثير الجن و بلدة ثيابها في غاية الحسن ﻫ". و "صنعاء" مدينة و هي قاعدة اليمن و كان بها ملوك التبابعة و قد بسطنا الكلام عليها في شرح المقامات و معنى كلام الناظم أن البرد الذي تنسجه في محاسنه ÷ دونه في الجودة سندس عبقري و ما يحوكونه أهل صنعاء من البرود لأنهم مشهورون بذلك حتى قالوا أن "أهل اليمن ما بين دابغ جلد و سائس فرد و ناسج برد". و "البرد" نوع من الثياب و "الغوغا" الأوباش من الناس و "بمعزل" أي منفرد و قوله "في محاسن" متعلق بقوله "نغزل". و "الحصن" معروف و "المحاسن" في الخَلق و الخُلُق. و "منعة" أي نجاة للطريد في الدنيا و الآخرة و في كلام الناظم الجناس التام و اللاحق.

قال الناظم رحمه الله:

صَاحَبْ الْحَوْضْ احْمَدْ سُلْطَانْ كُلْ سُلْطَانْ * الاَبْطَحِي حَجَّةْ مَنْ ضَاقْ عْلِيهْ سَبْلُه

أَيْ وَقْتْ نْسُوقْ هْجَايَنْ كِالنّعَامْ عَيْطَانْ * وَسْطْ رَكْبْ طْلُوعْ النَّجْمْ يْزِيمْ طَبْلُه

تقدم الكلام على الحوض و أحمد هو اسمه ÷  في السماء و لم يتسم به أحد قبله و أول من تسمى به بعده والد الخليل الذي اخترع علم العروض و قوله "سلطان كل سلطان" أي أنه ÷ سلطان سلاطين الدنيا و الآخرة. قال البوصيري:

و انسب إلى ذاته ما شئت من شرف

و لقد سمى نفسه ÷ بالسلطان في حديث " بلغوني حاجة الضعيف" إلى أن قال "فإن من بلغ السلطان" الحديث. أنظر الخفاجي على "الشفاء". و "الابطحي" نسبة للأبطح و هو ما بين أخشبي مكة و "السبل" الطرق و "الهجين" من الإبل الأبيض و البيضاء و من العرب من أمه أمة و قد قال علقمة بن علفة المري لعبد الملك بن مروان لما خطبه على ابنته لابنه مسلمة و هو ابن أمة "جنبني هجان ولدك". و "العيطان" بالعين المهملة طويلة العنق و المراد بـ"النجم" هو الذي يكون طلوعه دليلا على قرب الفجر ككوكب الزهرة في بعض الفصول فأل فيه للعهد و معنى "يزيم" يتكلم إنذارا بالارتحال و تشبيه "الهجاين" بالنعام إنما هو في العدو و في كلامه الجناس الناقص و الاستعارة.

قال الناظم رحمه الله:

ايْقَظْ مَنْ سِنَةْ الْبْطَالَة جَفْنْ اللَّهْوْ * مَا يَعْدَمْ فَضْلْ مَنْ بْقَالُه رَاسْ الْمَالْ

وَ اتْرُكْ فَلْكْ الْمْخَاطْرَة فِي بَحْرْ الرَّهْوْ * تَامَنْ غَرْقَكْ إِذَا ارْتَجْ الْبَحْرْ وُ صَالْ

لاَ يَجْنَحْ بِكْ لَلْمْهَالَكْ رِيحْ السَّهْوْ * وَ احْذَرْ مَنْ شِيطَانْ الْأَنْسْ يَا صَاحْ عَمَّالْ

دَافَعْ مَنْ لاَ يْسَاعْدَكْ بَوْفَا وَ كْمَالْ

"ايقظ" من يقظة بفتحات ضد النوم و تسكين قافها خطأ إلا في ضرورة الشعر. قال التهامي:

العيش نوم و المنية يقظة * و المرء بينهما خيال سار

و "السنة" مقدم النوم و تقال للذهول أيضا و "البطالة" هي الاشتغال بالباطل و قوله "جفن اللهو" أي الجفن المشتغل باللهو و "المخاطرة" الغرر و الهلاك و فلكها هو الذي يغلب على راكبه العطب كالمركب النخر و نحوه. و "الرهو" السكون و ارتجاج البحر هيجانه و كثرة مائه و قوله "لا يجنح" أي كن متحرزا من أن يجنح أي يميل بك ريح السهو للمهالك أي إذا تركت الفلك الضعيفة و ركبت في الصحيحة فاحذر من جنوح الريح بك للمهالك بسبب سهوك و أمنك فلا يؤمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. و فيه حظ و حث عن الغفلة عن الآخرة من ترك العمل لها و قوله "دافع الخ" أي أن الذي لا يساعدك على ما يدل على طريق الرشاد و الوفاء و الكمال بأن يدلك على الغي و الغدر و الخيانة فادفعه عنك و لا تصحبه فإن صحبته مفسدة لك و المرء على دين خليله. و قد قالوا "لا تصحب من لا ينهضك حاله و لا يدلك على الله مقاله". و باء بالوفا بمعنى على و أراد بـ"الكمال" الخصال الممدوحة ثم ذكر أخبار الهجرة بقوله أي الناظم رحمه الله:

هَاكْ بَعْضْ اخْبَارْ الْهَجْرَة بْلَفْظْ مَلْحُونْ * مَا تْخَافْ مْنَ اللُّومْ إِذَا بْغِيتْ تَرْوِيهْ

قَوْلْ بَادِي بْلُغَةْ عَرْبْ الْحْجَازْ مَشْحُونْ * لُو جْحَدْ فَضْلُه مَنْ يَسْمَعْ عْنَادْ يَكْوِيهْ

يْزَدْرِيهْ الْغِمْرْ وُ قَلْبُه عْلِيهْ مَطْحُونْ * حَدْ مَا يَعْرَفْ لُه مَسْلَكْ مْنِينْ يَاوِيهْ

"هاك" بمعنى خذ و "الهجرة" بضم الهاء و كسرها و هي لغة الخروج من أرض إلى أرض و المراد بها هنا هجرته ÷  و أصحابه رضي الله عنهم من مكة إلى المدينة و هي الهجرة الثانية الكبرى و الأولى هجرة بعض أصحابه لأرض الحبشة و هي الصغرى. و من هجر لهما معا يقال له ذو الهجرتين. و "الملحون" غير المعرب كما مر و يصح أن يريد به أيضا ذي الألحان المطربة و "البادي" الظاهر و "عرب الحجاز" الذين نزل القرآن على لغتهم و مقابل الحجازيون التميميون. و الازدراء الاحتقار و "الغمر" بكسر الغين المعجمة الحسود الحقود و قوله "حد" أي أحد و معنى "منين ياويه" أي يفهمه لتعقيده في عدة مواضع و المراد بقوله ترويه للغير أو عن الغير فلا لوم عليك لصحة معناه و استقامة مبناه.

ثم قال رحمه الله:   

فِي ابْيَاتِي لاَهْلَ الْوَجْهْ الْجْمِيلْ تَبْيَانْ * مَا يْزُولْ يْلِيَّعْ قَلْبْ الْحْسُودْ صَلُّه

جُلّ نَاسْ الْوَقْتْ فِي بِيتْ الضّْلاَلْ عَمْيَانْ * وَ الّذِي كَحَّلْ بَدْوَايَ الشّفَا حْصَلْ لُه

البيان إيضاح المعنى و "التبيان" التفهم و قيل "البيان منك لغيرك و التبيان منك لنفسك". نقول بيّنت الشيء لغيري بيانا و بينته أنا تبيانا و الأقرب أنهما بمعنى واحد. قال تعلى  ﴿و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾[91]. و ليس في أبنية المصادر تفعال بكسر التاء إلا التبيان و التلقاء و التنضال من المناضلة. و "أهل الوجه الجميل" العلماء الذين يحملون اللفظ على ما يصلح من الوجوه المحتملة له بحيث لا يعيبون قائله و لا يسرعون إلى ذمه لقوة إطلاعهم و إصابة قصدهم و لذا قال بعض العلماء "منذ تمهّرت في النحو ما لحّنت أحدا". و معنى "يليّع" يلسع و "الصل" نوع من الحيّات كما مر. و قوله "جل الخ" أي أن غالب أهل عصره قد غلب عليهم الجهل فهاموا في الضلال الشبيه بالبيت المظلم لا يبصرون لعمى بصائرهم هدى. و الذي اكتحل منهم بدوائي الذي ركبته حصل له الشفاء من عماه و قد جرت عادة المعاصر بالإعراض عن تأليف معاصره كما وقع لابن الجوزي و غيره و لله ذر من قال:

ما شانها شيء سوى أنها * من أهل عصرنا يا ليتها لم تكن

كما أنهم جبلوا على الحسد و كان ابن أبي داوود من الفصحاء فكان يقول "إني أمتنع من الكلام عند الخلفاء بحضرة ابن الزيات كراهة أن يتعلم الكلام فيصير فصيحا". و قد قال العلامة ابن الجوزي:

عذيري من عصبة بالعراق * قلوبهم بالجفاء قلب

يرون العجيب كلام الغريب * و قول القريب فلا يعجب

ميازيبهم إن تندت بخير * إلى غير جيرانهم تقلب

قال الناظم:

ذَلّ الله مَنْ عْصَى نْبِي الرَّحْمَة وَ اشْتَدّْ * حَبْلُه حَتَّى انْقْطَعْ بْحَالْ حْبَالْ الْغَيْرْ

فِي ذِي وَ الدَّايْمَة عْلِيهْ الْبَابْ اسْتَدْ * مَنْ لاَ يْلاَزَمْ حْمَاهْ مَا يَرْجَى لُه خَيْرْ

بَشَّرْ عَمْرْ السّْفِيهْ وَ الْحَزْبْ الْمُرْتَدْ * بَانْوَاعْ مْنَ الْعْذَابْ تَرْجَاهُمْ وَ الضَّيْرْ

يَنْزَلْ رَكْبْ الْمْنَاقْشَة وَ لُو طَالْ السَّيْرْ

أي أن الله يذل من عصى نبيه محمد ÷ و اشتد أمره في المخالفة بالحرب و صد الناس عن سبيل الله و نحو ذلك كما فعل كعب بن الأشرف و كعب ابن أسد و حي بن أخطب من اليهود و كفار قريش من العرب مثل أبي جهل و الوليد بن المغيرة و العاصي بن وائل السهمي و غيرهم. و سعوا في الفساد السعي الشديد حتى قطع الله حبالهم أي أهلكهم كما قطع حبال غيرهم من الأمم الذين عصوا رسلهم مثل عاد و ثمود و نمرود و فرعون و غيرهم مما لا يحصى و المراد بقوله "في ذي الدنيا و الدايمة" الآخرة و المراد بالباب الذي استد عليه في الدارين هو باب الرحمة. قال الله تعلى ﴿خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين﴾[92]. و الضمير في "حماه" للنبي ÷ أي أن من لم يلازم حدود الله و رسوله فهو شقي لا يرجى له خير أبدا و قوله "بشّر عمر الخ" هو اسم أبي جهل و اسم أبيه هشام و هو و الوليد بن المغيرة رؤساء بني مخزوم و "السفيه" هو الخسيس الرديء و "بشارة" على طريق التهكم كقوله تعلى ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾[93] و "الحزب" الجماعة الذين على رأي و أراد بـ"المرتد" هنا الكافر لأنه لم يتقدم أسلام منهم و "الضير" الضر في القبر و البرزخ و المحشر و بعد ذلك و الضير من معنى العذاب و فاعل "ينزل" يعود على الحزب و "المناقشة" الاستقصاء في الحساب و فيه دليل على أن الكفار يحاسبون قال الله ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون﴾[94] و قيل لا يحاسبون لقوله تعلى ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حسابا﴾[95] و قوله ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾[96]. و لما ذكر البرماوي على "صحيح البخاري" هذه المعارضة أجاب عنها في أخر سفر منه بأن أرض الحساب مواطن موطن يحاسب فيه الكفار و موطن لا يحاسبون فيه. و يحتمل أن المراد براكب المناقشة تحزب قريش على رسول الله ÷ و حربهم إياه فإنه طال مدّة ثمان سنين بمراعاة صلح الحديبية ثم نزل ركبهم بمعنى خضعوا و ذلوا له ÷ يوم الفتح حتى أنه جمعهم بين يديه و قال "يا معشر قريش ما تكتمون إني فاعل بكم؟" فقالوا "ابن أخ كريم" فقال "أذهبوا أنتم الطلقاء". فشكروا فعله و الطليق عند العرب هو الذي أسر ثم منّ عليه و إنما عبر الناظم بـ"ينزل" بصيغة المضارع للوزن و إلا فهو نزل بالفعل.

قال الناظم:

سَالْ عَنْهُمْ دَارْ النَّدْوَة مْنِينْ مَكْرُوا * حِينْ خَلَّى الطَّاهَرْ بَعْلْ الْبَتُولْ نَايَمْ

بَاتْ كُلْ مْضَلَّلْ غَاوِي يْجُولْ فَكْرُه * وْ بَاتْ رُوحْ الْقَدُّوسْ بْشَانْ الرّْسُولْ قَايَمْ

يَمْكْرُوا بَمْظَفَّرْ يَحْيِي النّفُوسْ ذَكْرُه * وْ لاَ وْعَظْهُمْ تْرَابْ مْدَرِّي عْلَى الْعْمَايَمْ

"دار الندوة" أصلها لقصي بن كلاب و كانت بإزاء المسجد الحرام و كانت قريش لا تبرم أمر إلا فيها و قد أدخلها المعتضد العباسي في المسجد في أواخر القرن الثالث. و المعنى السؤال عنهم أي في أمر اجتماعهم و مكرهم و خيبة سعيهم و قوله "منين" أي حين و "المكر" الفتك بحيلة و المراد بـ"البتول" هي سيدة النساء فاطمة رضي الله عنها سميت بتولا لانقطاعها عن الرجال لقوّة عفّتها. و "المضلل" و "الغاوي" بمعناه و "يجول" أي يتردد فكره و "روح القدس" هو سيدنا جبريل و "المظفر" هو الذي يظفر بمن يضاهيه و يعارضه و يحاربه و المراد بـ"الشان" خبر جبريل للنبي ÷ بمكرهم و كيف يخلص من شرهم بإذن الله تعلى و أمره بترك علي نائما في موضعه ففعل و خرج من الدار و هم واقفون على بابها في عدة أبطال كل بطل من قبيلة من قبائلهم فوضع التراب على عمائمهم كلهم و ذهب و هم لا يشعرون و الحال أنهم لم يرتدعوا بذلك و لا انقضوا عن الكفر. ثم لما طال وقوفهم قربوا من النائم فكلما أراد بعضهم ضربه قال له الآخرون "هو علي بن أبي طالب" رضي الله عنه فكيف حتى تحققوا بخروج النبي ÷ و وجد كل واحد التراب على رأسه فسقط في أيديهم و رجعوا إلى قومهم في حزن عظيم.

قال الناظم رحمه الله:

ءَاشْ يَرْدَعْ كُفَّارْ قْرِيشْ قَوْمْ بُهْتَانْ * بَالْحْسَدْ وَ الْبُغْضْ وُ قَطْعْ الدّْمَا احْتَفْلُوا

يَهَجْرُوا مُحَمَّدْ حَاشَا يْكُونْ فَتَّانْ * كِيفْ قَالُوا فِيهْ النُقَّاصْ كِيفْ جَعْلُوا

و معنى "ءاش يردع" أي شيء يزجر كفار قريش "قوم بهتان" أي الكذب و باء "بالحسد" متعلقة بـ"احتفلوا" و معناه قاموا بأمر تلك الأشياء و "الفتّان" هو الذي يثور الفتنة بين الناس و معنى "حفلوا" اجتمعوا و قوله "حاشا الخ" أي أنزه رسول الله ÷ أن يكون فتانا كما قالوا فيه "النقّاص" لعنهم الله. "كيف" أي حين حفلوا أي اجتمعوا في دار الندوة للمشاورة في أمره ÷ من أن بعضهم قال نقول ساحر و بعضهم قال نقول شاعر إلى غير ذلك مما يأتي فقطعوا بتعصّبهم عليه الأرحام. قال زهير:

خذوا حظّكم يا آل عكرمة و اذكروا * أواصرنا و الرحم بالغيب تذكر

قال القسطلاني[97] في قوله تعلى ﴿ يدرؤون بالحسنة السيئة﴾[98] "هذا وصفه ÷ في التوراة". فيندرج تحت الدفع بالحسن من الكلام و الوصل في مقابلة قطع الأرحام و غيرهما من أخلاق الكرام و تغيير منكرات أفعال اللئام.

 قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

دَارْ النَّدْوَة دْعَاتْ الاَعْيَانْ مْنَ الْجِيشْ * حِينْ قَالُوا صْبَا وْ ضَلْ ابْنَ الْخَطَّابْ

شِي مَنْهُمْ قَالْ تْثَبّْتُوهْ وُ يَهْنَا الْعَيْشْ * هَذَا شَاعَرْ مْنَ الْعْرَبْ هَاجَسْ خَطَّابْ

وَ الْبَعْضْ يْقُولْ خَرّْجُوهْ تْرِيحْ قُرَيْشْ * سَحْرُه يَعْمِي الْعْيُونْ وَ لْسَانُه عَطَّابْ

مَنْ غِيرْ الْقَتْلْ عُمّْرُه مَا رَضَّاهْ خْطَابْ

الندوة مجلس يجتمع فيه القوم للمشاورة و فصل الأمور المهمة و لذا سميت دار قصي دار الندوة لاجتماع قريش فيها لفصل الأمور و قوله "دعات" مجاز مرسل و إنما الداعي أهلها القائمون بأمر قريش و المراد بـ"الاعيان من الجيش" الرؤساء منه كالوليد ابن المغيرة و أبي جهل و أخيه الحارث من بني مخزوم و العاصي بن وائل و ابن حذافة من بني سهم و أمية و أخيه أبي بن خلف من بني جمح و سهيل بن عمر من بني عامر و أبي سفيان بن حرب و الحكم بن العاصي من بني أمية و شيبة من بني عبد الدار و غير ذلك. و معنى "صبا" أي خرج من دين إلى دين و سبب اجتماعهم هذا أنهم سمعوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم و كان من أعيانهم و من أولي القوة و البأس فهالهم أمره و أيقنوا أن جانب المسلمين قوي فتشاوروا حينئذ في أمر النبي ÷ في الدار المذكور و هو المراد بقوله "شي الخ". فقال بعضهم "نثبّتوه" أي نحبسه يهنا لنا العيش و يطيب لأنه شاعر من العرب "هاجس" أي يفتن القلوب و أصل الهاجس لغة ما يهجس بالبال و "الخطّاب" من الخطابة البليغ فيها أي أنه يميل القلوب بحسن كلامه و جودة سبكه و قال البعض نخرجوه من أرضنا تريح قبائل قريش منه لأنه له سحر يعمي العيون عما تريده إلى ما يريده "و لسانه عطّاب" أي جرّاح للقلوب و أما عمرو و هو أبو جهل فلم يرضى من خطابهم و رأيهم إلا قتله ÷ و لما تفرقوا على قتله نزل عليه من رب العزّة  ﴿و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾[99].

ثم قال:

 رَايْهُمْ يَتْرَدَدْ وَ الشِّيخْ دَقّ فَالْبَابْ * قَالْ حَلُّوا هَذَا مَنْكُمْ بْغِيرْ رِيبَة

جِيتْ مَنْ نَجْدْ مْنِينْ سْمَعْتْ جَمْعْ الاَحْبَابْ * لاَغْنَا نَنْفَعْكُمْ بَوْسَايْلِي الْغْرِيبَة

بَاشْ حَكْمَتْ مَنْكُمْ فِي ذَا الرّْجُولْ الاَلْبَابْ * حَدّْثُونِي بَالْفَتْكَة النَّافْعَة الْقْرِيبَة

"الشيخ" من بلغ ستين سنة ففوق و أراد بـ"الباب" باب دار الندوة و "الريبة" التهمة و قوله "لا غنا" أراد بها معنى عسى و "الوسيلة" ما يتوصل به إلى المقصود و "الغريبة" القليلة المثل و هذا الشيخ هو إبليس لعنه الله و إنما انتسب لنجد دون تهامة التي هي أرض قريش لأنهم قالوا لما دخلوا دار الندوة لبعضهم بعضا لا تحضروا معنا أحدا من تهامة لأن رأيهم مع محمد. و قوله "باش" أي بأي شيء حكمت منكم "الالباب" أي العقول في هذا الرجل يعني به رسول الله ÷. "حدثوني" أي أخبروني "بالفتكة النافعة" لكم فيه "القريبة" أي التي لا تعب لكم فيها و الفتك هو أن تؤمن الرجل ثم تقتله أو هو ارتكاب الأمور الصعاب و هذا منه حرص على نكال النبي ÷ لما يعلم أنه نبي حق و لا يستقيم له معه حال. قال تعلى ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾[100]. و لذا لما خاب سعيه في هذه القضية أتى قريش ببدر على صفة سراقة المدلجي ليعينهم فخاب سعيه أيضا.

قال الناظم:

عَظّمَتْ قَدْرُه وَسْطْ الْجَمْعْ ذُوكْ الاَخْوَانْ * وَ اشْتْغَلْ بَخْدَايَعْ شَتَّى بْرِيشْ نَبْلُه

طَلْعُوهْ عْلَى الاَقْوَالْ الثّلاَثْ عَوَّانْ * رَدّْ مَنْهَا قَوْلِينْ وْ قَوْلْ عَمْرْ قَبْلُه

يعني أنهم أجلسوه وسط جمعهم و في صدر مجلسهم تعظيما له و "ذوك" معنى أولائك و "شتى" كثيرة متفرقة و راش نبله هو أن يجعل له ريشة طائر في رأسه لأجل الإسراع و أراد بذلك هنا قوة مكره و كيده و المراد بـ"الاقوال الثلاث" هو ما مر بارتضاء بعضهم الحبس و البعض الآخر إخراجه من أرضهم و ارتضاء أبي جهل القتل. و قوله "عوّان" فعّال أي كثير الإعانة لهم و النصح و لما تأمل لعنه الله ذلك ردّ من ذلك قولين يعني قول من اختار الحبس و حجته أنه لا يمسكه حبس و لا قيد لعلمه لعنه الله معجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و كرامتهم على الله. و ردّ أيضا قول من اختار الإخراج و حجته في رده أنه قال لهم يذهب إلى غيركم و يقاتلكم بهم و قد وقع ذلك بعد. فإنه ÷ خرج إلى الأنصار و قاتل قريش بهم حتى أظهره الله عليهم. و ما اختار من تلك الأقوال إلا قول عمرو و هو أبو جهل لعنه الله بالقتل ضانا أن رسول الله ÷ غير معصوم منه لما علم من قتل بني إسرائيل لأنبيائهم كما أخبر به القرآن. و لو علم بعصمة نبينا ÷ ما وافقهم على ذلك لأنه في غاية الحزم و الرأي لحزبه. قال تعلى  ﴿أولائك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾[101]. و الشيطان هو إبليس كما في الخفاجي على "الشفاء" فإن قيل كيف اختار لعنه الله أن يتمثل في صورة شيخ و لم يتمثل في صورة شاب فالجواب أن الشيخ يقبل الناس مشورته لكونه جرب الأمور و عرف مداخلها و مخارجها بخلاف الشاب فهذه نكتة تمثله لعنه الله بصورة شيخ. و أعلم أنه لما اختار قول أبي جهل وافق كل الجمع عليه و عينت كل قبيلة رجلا منها لقتله ÷ قائلين أن دمه يفترق في القبائل فلا تقدر بنو هاشم على قتال الجميع. هذا رأيهم و لم أقف على كونه بإشارة النجدي أم من عندهم فقط. فبعثوا له ÷ عشرة من الرجال على عدد قبائلهم كل رجل من قبيلة و أمروهم أن يضربوه ضربة واحدة. فخيب الله سعيهم و الله غالب على أمره. و هذا هو معنى ما مر في قوله "سال عنهم دار الندوة منين مكروا الخ". فهو مرتب على ما هنا و لو أخّره الناظم إلى هنا لكان أحسن.

كُفَّارْ قُرَيْشْ حَكّمُوا النَّجْدِي وَ رْضَاوْا * وَ رْضَى النَّجْدِي بْعَمْرْ فِي شَأْنْ الْمَبْرُورْ

لَيْتْ اهْلْ الْكُفْرْ فِيهْ عَرْفُوا مَنْ قَضَّاوْا * يُومْ انْ لَدّْ الْخْصَامْ وَ انْضَامْ الْمَخْصُومْ

مَا زَالُوا بَالْحْسَامْ فِي حَرْبُه يَمْضَاوا * لُو جَمْعُوا كَيْدْهُمْ عْلَى الْعُزَّى مَقْصُومْ

حَبْلاً بَرْمُوهْ فَالظّلاَمْ اصْبَحْ مَفْصُومْ

"النجدي" هو الشيطان لعنه الله كما مرّ. و قد حكّموه و رضوا بحكمه فرضي هو قول عمرو هو أبو جهل بقتله ÷ و هو تهافت منهم لا يحصلون منه على طائل لأنه ÷ عصمه الله تعلى من الناس فلا يقدر أحد على قتله. و قوله "ليت أهل الكفر فيه عرفوا من قضّاوا" أي مثل ورقة بن نوفل ابن عم خديجة رضي الله عنها لما وصفت له أمر الوحي فقال "هذا الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى". و قوله لما ذكرت له عن غلامها ميسرة ما رآه من النبي ÷ في سفره من تظليل الغمامة له و ما قاله بحيرة الراهب في شأنه:

فيا ليتني إذا ما كان ذاكم * ولجت و كنت أولهم ولوجا

أي كنت أول قريش دخولا في الإسلام و يحتمل أن الناظم رحمه الله أراد يا ليت أهل الكفر عرفوا من "قضّاوا" أي حكّموا في شأن النبي ÷. اليوم الذي ألدّ فيه الخصام بمعنى اشتدّ و قوي و هو يوم بدر و ذلك لعدم إنصاف قريش و مكابرتهم الحق الواضح و "انضام" المخصوم أي ذل و خزي و هم قريش. فقد قتل النبي ÷ منهم سبعين و أسر سبعين مع أنهم في نحو الألف و النبي ÷ في نحو الثلاثمائة و نيف. و أما حمل قول الناظم "عرفوا من قضّاوا" على عتبة بن ربيعة فبعيد لأنه لم يأمرهم لما نزلوا بدرا بإتباع النبي ÷ و إنما قال لهم يا معشر قريش نترك محمدا و سائر العرب حتى ننظر ما يفعلون معه إلى آخر القصّة. أنظر سيرة ابن سيد الناس[102]. و "الحسام" السيف و أراد بـ"يمضاوا" قتلهم و سبيهم و نحو ذلك من أنواع الهلاك و "كيدهم" مكرهم و تخريبهم و "العزّى" بضم العين تأنيث الأعز سمُرة كانت لغطفان يعبدونها فأما العزّة بكسر العين هي الامتناع من القهر و الغلبة و من الأرض المعزاز هي الصلبة. و "المقصوم" المكسور و "المفصوم" المنحل. و المراد بالحبل المبروم في الظلام كيدهم الذي دبّروه من التعيين من كل قبيلة فاتكا من فتّاكها و يذهبون له ÷ و يضربونه ضربة رجل واحد فأصبح ذلك الكيد مفصوما خاسرا كما مر.

قال الناظم:

حِينْ شَافْ الصَّدِّيقْ أَمْرْ الْخْرُوجْ قَرَّبْ * اخْتَارْ صُحْبَةْ طَهَ عَنْ كُلْ مَا فْى مَلْكُه

حَطّ وَ رْفَعْ وَ عْرَفْ حَالْ السّْفَرْ مْجَرَّبْ * بْرِيحْ طَيَّبْ جْرَى فَى الصَّالْحَاتْ فَلْكُه

بَيْنْمَا وَ الرُّوحْ بْعَيْنْ الْوْجُودْ غَرَّبْ * مَا بْصَرْهُمْ حَارَسْ بِينْ السّْيُوفْ سَلْكُوا

"الصدّيق" هو أبو بكر رضي الله عنه و معنى "حط و رفع" أي لم يعمل. قال وضّاح اليمن:

منا الأناة و بعض القوم يحسبها * فينا بطاء و في إبطاءنا سرع

و قوله "مجرب" أي حال الأسفار و خوض المهامه لأنه كان تاجرا و قد جرى فلكه أي مركبه في بحر الصلاح و الريح طيبة موافقة أي أنه طالما جال في الأسفار الشاقة و تخلص منها بحسن تدبيره كما يتخلص من يخوض البحر و يجري فيه فلكه بالريح الطيبة المنجية.

قال الناظم رحمه الله:

صَبْحَتْ قُرَيْشْ فِي حِيرَة شَايْبَة وْ شُبَّانْ * وَ الْمْعَظَّمْ ثُورْ الْمَعْلُومْ ضَمّْ شَكْلُه

دَرَّتْ عْلِيهْ شْوَايَلْ نَاعْمَة بْالاَلْبَانْ * مَنْ تْلِيدْ عْتِيقْ اخْتَارْ الشّرَابْ وَ اكْلُه

قد مر أنه ÷ قام من وضعه الذي نام فيه و جعل عليا رضي الله عنه به و خرج و جعل التراب على رؤوس الواقفين على بابه المريدين قتله و ذهب من فوره ليلا و معه أبو بكر رضي الله عنه و دخلا في غار جبل ثور المشهور سمي بثور بن عبد مناف لنزوله فيه و ثور أيضا اسم جبل بالمدينة كما في القاموس و غيره و أهل المدينة يعرفونه و هو خلف بدر فلا عبرة بإنكار ابن عبد السلام له. و أراد بـ"الشكل" الجسد الشريف و "ضم" وارى و ستر. و "الشوايل" النوق التي كاد لبنها يجف أو جف كما مر. و معنى "درّت" أي كثر لبنها ببركته ÷. و "التليد" أصله التلاد بكسر التاء و هو المال القديم من ميراث و غيره. قال الأقيشر الأسدي:

أفنى تلادي و ما جمّعت من نشب * قرع القواقيز أفواه الأباريق

و الطريق ضده و "العتيق" هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقب بذلك لجماله أو لعتقه من النار أي أنه ÷ اختار أن يأكل و يشرب من مال أبي بكر الصديق و قد قال   ÷ " لا يد علي لأحد إلا لأبي بكر".

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

خَرْجَتْ تَسْعَى كْبَارْ مَنْ مَكَّة وَ صْغَارْ * فِي طَلَبْ احْمَدْ وْ لاَ عْرَفْ لُه حَدْ سْبِيلْ

صَمُّوا وَ عْمَاوْا وَ النّبِي فِي وَسْطْ الْغَارْ * ضَلَّتْ عَنُّه الْعْقُولْ خَالَطْهَا تَخْبِيلْ

مَا ضَحْكَتْ لَلْعَيْنْ بِينْ النَّاسْ اثْغَارْ * وَ اصْحَابُه كَاسْدَة مْدَمَّرْهَا تَتْبِيلْ

مَفْسُودِينْ الْمْزَاجْ مَا فَى الْقَوْمْ نْبِيلْ

المراد بـ"العين" أبو جهل و "السبيل" الطريق و "الاثغار" الأسنان و "التخبيل" الجنون و "التتبيل" مصدر تبله إذا ذهب بعقله. قال كعب:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

و "المزاج" الطبائع المركبة في البدن و "النبيل" النجيب الحاذق و مصدره نبلا بضم النون و "صموا" فلم يسمعوا كلامه ÷ فلم يبصروه و هو جالس في وسط الغار و يتكلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

قال الناظم:

طَلَّتْ عْلَى الْغَارْ الْكُفَّارْ وَ النّبِي فِيهْ * صَابَتْ عْلَى الْمَدْخَلْ بِيتْ الْهْبُونْ مَضْرُوبْ

رَايْدَة نُورْ الله بَافْوَاهْ الْفَحْشْ تَطْفِيهْ * كُلْ بَنْيَانْ طْلَعْ مَنْ غِيرْ سَاسْ مَخْرُوبْ

كِيفْ يَخْشَى وْ رَبْ الْكَائِنَاتْ يَكْفِيهْ * هَوْلْ مَنْ كَادُوا لِيلَة مَا يْبَاتْ مَكْرُوبْ

و "الغار" هو غار جبل ثور و "الهبون" العنكبوت و ضمير "رايدة" لقريش أي مريدة أن تطفئ نور الله بالأفواه الناطقة بالفحش و الكذب و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون. و فحش كقبح و زنا و معنى و كل شيء جاوز الحد فهو فاحش و لا يتم ما أرادوه لأنهم يبنون من غير أساس و كل بنيان بني من غير أساس فهو "مخروب" أي منقوض ساقط و الأساس هو طريق الحق التي ضلوا عنها و كيف يخشى ÷ منهم و رب الكائنات كافيه ما يخشاه من مكر الكافرين و كيد الكائدين و ما بات في عمره ليلة أبدا "مكروبا" أي محزونا و قد قال لأبي بكر في الغار "لا تحزن إن الله معنا" و قد قال تعلى ﴿أليس الله بكاف عباده﴾[103] ﴿و الله يعصمك من الناس﴾[104].

قال الناظم رحمه الله:

جَاشْ صَدْرْ الصَّدِّيقْ بْمَا يْشَاهَدْ عْيَانْ * مَنْ زْحَامْ الطُلاَّبْ عْلَى غَارْهُمْ يْطَلُّوا

ذَكّرُه الْمَاحِي لاَ تَحْزَنْ مْعَاكْ دِيَّانْ * كِيفْ رَوْعُوكْ سْدِينْ ارْقَابْهُمْ يْطَلُّوا

"الجاش" اضطراب القلب عند الفزع و المراد بـ"الصدر" القلب من إطلاق اسم المحل على الحال فهو مجاز مرسل و "الطلاب" القوم الذين خرجوا في طلبهما و "الديّان" الله تعلى و معناه المجازي على الخير و الشر فمجازي سبحانه قريش يوم بدر و "السدين" بالنون الدم و "طله" هدره يقال فلان طل دمه إذا لم يؤخذ بثأره. قال السموؤل:

و ما مات منّا سيّد في فراشه * و لا طلّ منّا حيث كان قتيل

و هو بصيغة المبني للمجهول و المراد ما هدر دمه أي أن  الله يجازيهم بما أخرجوك و روعوك أن يهدر دماء رقابهم و قد وقع ببدر و قد قال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي لما رجع رسول الله ÷ و يأس من الظفر به و قد ساخت قوائم فرسه مرارا مخاطبا لأبي جهل لعنه الله:

أبا حكم و الله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت و لم تشكك بأن محمدا * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

عليك بكف الناس عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه

بأمر يودّ الناس فيه بجمعهم * فإن جميع الناس طرّا يسالمه

قال الناظم:

رَبَّعْ بَالْخَيْلْ الْأَرْضْ بُو جَهْلْ الزَّنْدِيقْ * وَ احْمَدْ طَيّْ الْكْتَابْ يَطْوِي الْأَرْضْ بْهَوْنْ

حَدَّقْ فَحْصْ الْبْطاَح ْمَقْرَاضُه تَحْدِيقْ * مَنْ غَوْرْ لْنَجْدْ فَالْفْيَافِي فَرْسْ وُ جُونْ

ضَحْكَتْ بَابْ الْفَرْجْ لْطَهَ وَ الصَّدِّيقْ * مَنْ رُوحْ الْقُدْسْ مَا عْدَمْ لُه قَطْ الْعَوْنْ

خَرْجُوا بَحْرْ الْمْخَاطْرَة وَ غْرَقْ فَرْعَوْنْ

أي أن أبا جهل الزنديق المتوغل في الكفر ربع بخيله الأرض بأن بعث لكل جهة جيشا في طلب رسول الله ÷ و قوله "احمد الخ" هو علم منقول من اسم التفضيل أي لأنه أكثر حمدا لله من سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و قوله "يطوي الأرض بهون" أي لأنه لم يكترث بطلبهم إياه  ثقة من ربه سبحانه و ما يمشي إلا بالهون. قال تعلى ﴿و عباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا﴾[105]. و طي الأرض له من كراماته على ربه. ألا ترى إلى قضية الإسراء المشهورة إلا أن النقول التي رأيناها في شأن الهجرة أنه ÷ وصل إلى المدينة بالسير المعتاد للناس في تلك المسافة لمضاعفة الأجر و إلا فإن الله قادر أن يبلغه في مدة أقل من مدة ليلة الإسراء. ألا ترى أن الله فرض عليه الجهاد و على أمته يقتلون و يقتلون إنما هو لمضاعفة الأجر و ليتخذ الله من هذه الأمة شهداء و إلا فهو قادر على استئصال الكفرة و قطع دابرهم بلا احتياج لقتال تأمل. و قوله "حدق" أي أحاط و "فحص" البطاح أي فضاؤه و هو معروف بمكة. و "المقراض" اسم المقص و يقال له الجلم أيضا و الجلمان. و أصل البطاح المسيل الواسع الذي فيه دقاق الرمل و ذلك التحديق كناية عن شدة تفتيشه عن رسول الله ÷ و "الغور" اسم لكل ما انحدر سيله مغربا من تهامة و النجد ما ارتفع عن تهامة و "الجون" الأدهم و أصله يقال للسحاب الأسود و الأبيض فهو من أسماء الأضداد كما في المطول[106] و الجونة بفتح الجيم خابية الخمر المطلية بالقار و يقال للشمس جونة أيضا لأنها إذا غربت تسود. و "الفيافي" القفار و قوله "ضحكت الخ" استعارة للفرج اسم الباب و أسند له الضحك مجاز عن سعة ذلك الفرج و أسند التأنيث للباب باعتبار أنه فرجة و لما لم يعدما عونا من روح القدس و هو جبريل عليه السلام خرجا بمعونته من بحر المخاطرة و الغدر و المراد به ما اتفق أمر قريش عليه ليلة إشارة الندوة من المكر به ÷ و غرق فرعون هذه الأمة و هو أبو جهل لعنه الله أي هلك في غزوة بدر الكبرى و رمي في القليب و نصر الله نبيه ÷.

 تنبيه: و أصل هذا اللقب للوليد بن مصعب صاحب موسى و والد الخضر أو ابنه فيما حكاه النقّاش[107]و تاج القرّاء[108] في تفسيرهما و لقب لكل من ملك مصر و كل عاص متمرد أنظر "القاموس". "الصِّدِّيق" صيغة مبالغة من الصدق ضد الكذب. قال الراغب "الصديق من كثر منه الصدق و قيل هو من صدق بالله في اعتقاده و حقق صدقه بالله و آياته و شرائعه".

قال الناظم رحمه الله:

ضَحْكَتْ ثْنَايَاتْ الْمَكِّي مَنْ الثّنَايَا * فِي دْيَارْ بْنَاتْ النَّجَّارْ كَبّْ صَوْبُه

ضَمّْتُه دْيَارْ لْيُوثْ الْعَزّْ وَ الْعْنَايَة * وَ انْتْحَى لَلْخُسْرَانْ ابْنَ السّْلُولْ حَوْبُه

جَرّْدَتْ لَلْمِيدَانْ مْرَاهَفْ الْمْنَايَة * اعْيَانْ الاَنْصَارْ وْ غَطَّاهَا جْنَاحْ ثَوْبُه

"الثنايا" الأولى الأسنان في مقدم الفم ثنتان من فوق و ثنتان من أسفل و أما الرباعية كثمانية هي السن التي بين الثنية و الناب و "الثنايا" الأخرى جمع ثنية و هي الطريق في الجبل و "المكّي" هو رسول الله ÷ و ضحكت سروره و "بنات بني النجار" ما يعم نساءهم و أضاف الديار لهم دون الرجال على عادة العرب من أنهم ينسبون البيوت تارة للنساء على طريق التوسع و روي أنهن لقينه ÷ بالدفوف و يقلن:

طلع البدر علينا * من ثنية الوداع

أيها المرسل فينا * جئت بالأمر المطاع

أنظر "المواهب اللدنية" و الصحيح أن ذلك لما رجع من غزوة تبوك لأن ثنية الوداع في الطريق الذاهبة من المدينة للشام لا في الذاهبة منها لمكة أنظر كتابنا "الحاوي"[109]. و معنى "كب" انحدر و "الصوب" أصله مجيء السماء بالمطر استعارة للبركات النازلة على الأنصار بمجيئه ÷ و معنى "ضمته" آوته و "الليوث" جمع ليث و هو الأسد و أهل العناية هم الذين لا تخفر لهم ذمة و "انتحى" أي عدل للخسران في الدنيا و الآخرة عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين فإنه أدركه الحسد و ذلك لأن أهل المدينة عزموا على أن يتوجوه و يملكوه عليهم فبطل أمره بظهور رسول الله ÷ فامتلأ حسدا و حقدا إلى أن مات. و "الحوب" الإثم أي عدل عن نصرة النبي ÷ إلى الإثم و العدوان. و "الميدان" الحرب و "المراهف" السيوف و "المنايا" الموت أي جردت أعيان الأنصار سيوف الموت لحرب قريش و سائر من كفر بالله و قد "غطاهم" جناح ثوبه ÷ أي شملهم بره و عمّهم خيره و أحاطت بهم رعاية. قال حسّان رضي الله عنه:

و كفى بنا شرفا على غيرنا * حب النبي محمد إيانا

قال الناظم رحمه الله:

مَنْ عْلِيهْ فْرَغْ مَنْ عَزُّه الْجْلِيلْ تِيجَانْ * فِي مْوَاطَنْ مَشْهُورَة دَاسْهَا بْخَيْلُه

لَلْعْدَا كَرْبَة وَ مْذَلَّة وْ هَوْلْ وَ شْجَانْ * وَ الصّْدِيقْ عْلِيهْ خْلَعْ سَابْغاَتْ نَيْلُه

"من" اسم موصول جواب عن سؤال كأنه قيل له من هذا الذي غطى الأنصار بثوبه فقال هو الذي أفرغ الجليل عليه تيجان العز و النصر في مواطن مشهورة كبدر و حنين فداسها أي مهدها و ذللها بخيله ÷ و "الجليل" من أسمائه تعلى فهو كما في الخفاجي أبلغ من العظيم و الكبير لأنه كمال الذات و الصفات. و "العدا" جمع عدو أي أنه ÷ كريب لعدوه و مكسبه الذل و جالب له الهول و مودع الأشجان في قلبه حتى يقول لا إله إلا الله و صديقه و هو المؤمن فإنه خلع عليه "سابغات" خيره جمع سابغة و أصلها الدرع الواسع و المراد هنا عطاياه الكثيرة و بره العميم و كلام الناظم من معنى قول طرفة بن العبد[110]:

لك يد خيرها يرتجى * و أخرى لأعدائها غائضة

و قول الآخر:

حياة المظلوم هلاك لظالم * فيا لباس و الإحسان أشقى و أسعد

قال الناظم:

سَارَتْ بَالْمُصْطْفَى وْ الاَنْصَارْ ذْرَى الْبْدَنْ * يَحْيِيوْا رْسُومْ مَنْ دْيَارْ الرُّشْدْ عْفَاتْ

حَدّْ بْحَدّْ الْحْسَامْ وَ الْعَسَّالْ اللَّدْنْ * قَوْمًا ضَلَّتْ وْ رَدّْهَا عَنْ زَيْغًا فَاتْ

وَ حْفَظْ لَلْجَارْ عَهْدْ وَ رْعَى حَقّ الْخَدْنْ * مَنْ كُلْ عْدُو الْحْقُوقْ الاَنْصَارْ اسْتَوْفَاتْ

مَا قَطْ خْلِيقْتُه لْغَيْرْ الله جْفَاتْ

"الذرى" جمع ذروة معروفة و "البدن" جمع بدنة سميت بذلك لعظم بدنها و إسناد السير لذراها من باب المجاز المرسل و إنما سارت من نفسها و "الرسوم" جمع رسم ما كان لاصقا بالأرض من أثار الديار كالرماد كما مر. و "عفات" درست و ذهب أثارها و قوله "حد" من الحدود و هو أنه فعل بالمذنب ما يستحقه شرعا و قوله "بحد" أي بحد السيف و "الحسام" السيف القاطع أي أنه ÷ أقام الحدود بقاطع السيوف. و "العسّال" من العسلان و هو الاهتزاز الشديد. قال ساعدة بن جؤيّة الهذلي في رمحه:

لذّ بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب

أو الذي يضطرب في العدو أو بتحيرك الريح له. و كان باديس بن منصور الصنهاجي إذا هزّ رمحا كسّره. و "اللدن" اللين و "قوما" مفعول حدّ أي حدّ القوم الزائغة حتى ردها عن ضلالها الذي تقدم لها و "الزيغ" الميل عن الحق و "الخدن" الصديق و "الخليقة" الطبيعة و قد استوفت الأنصار به ÷ جميع حقوق الله من كل عدو قتلا و سبيا و أخذ مال و قوله "ما قط الخ" أي ما تراه ÷ يجفوا أي يبغض أحدا لغير الله تعلى بل كان ÷ يرضى لله و يبغض لله تعلى كما قال الناظم رحمه الله تعلى و رضي عنه:

 مَا جْفَاتْ خْلِيقَةْ طَهَ فَى الْأَرْضْ مَسْلَمْ * وْ لاَ لْيَانْ لْكَافَرْ طَبْعُه الْكْريِمْ كَلاَّ

لاَحْ طَالَعْ سَعْدُه وَ الْكُفْرْ لِيلْ مَظْلَمْ * عْلَى الصَّفَا وَ الْمَرْوَة وَ الْحَجْرْ وَ الْمْصَلَّى

كَمْ رْمَاتُه بَالنُّقْصْ أَهْلْ الضّْلاَلْ وَ حْلَمْ * هَاشْمِي مَكِّي مَا تَجْهَلْ عْلاَهْ مَلَّة

"الخليقة" و الطبع بمعنى السجية و "ليان" بمعنى لان و كلاّ أصلها تستعمل للزجر و "لاح" بمعنى ظهر و "طالع سعده" أي قمر يمنه و "الصفا و المروة" مؤنثين باعتبار البقعة و الربوة و هما معروفتان يفعل بينهما السعي "الحجر" معروف أيضا و المراد بـ"المصلى" مقام إبراهيم. قال تعلى ﴿و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾[111]و قوله "كم الخ" أي أنه ÷ كثيرا ما رمته أهل الضلال بالنقص كقولهم ساحر و كاهن و شاعر و لما ظفر بهم و قدر عليهم أصفح عنهم و حلم و ذاك شأن الكرام. قال زهير:

إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره * لكن وقائع في الحرب تنتظر

أشار إلى أنه حليم لا يستفزه الغضب و في الحرب شجاع و قال ابن زيدون:

و حلم و لا عجز و عز و لا كبر

و كان ÷ إذا رمي بشيء قال " رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا" فصبر و ليست ملة من أهل الملل تجهل علاه و مجده و جوده و حسبه و سيرته الجميلة. قال الناظم رحم الله و رضي عنه:

كَانْ مَنْ قَبْلْ الاَّ تَمْشِي فَى الْأَرْضْ سُكَّانْ * يَا عْجَبْ مَنْ فَرْعْ سْبَقْ لَلْمْكَارَمْ أَصْلُه

لَلْحْبِيبْ احْمَدْ مَنْ مُولاَهْ عَزّْ وَ مْكَانْ * فِي أَوَّلْ السَّطْرْ مْبُوَّبْ لَلْعْيُونْ فَصْلُه

"المكارم" جمع مكرمة فعل الكرم و "المكان" من المكانة بالهاء و هي الرتبة الشامخة المنيعة و "أول السطر" مثل يضرب لمن قدم على أبناء جنسه في أمر يقال فلان مكتوب في أول السطر أي مقدم على غيره و جمع السطر أسطار و أسطورة و جمع الجمع أساطير و "مبوّب" أي مترجم و "الفصل" لغة الحاجز بين الشيئين و "الفرع" هو ما اندرج تحته مسائل. و المعنى أنه ÷ كان موجود قبل الكائنات كلها و قبل سكان الأرض بأسرها بل قبل وجود الأرض بالكلية لأن أول ما خلق الله تعلى نوره فيا عجبا من فرع سبق أصله للمكارم ككون الصلاة عليه ÷ فرضها الله على آدم في صداق حواء عليهما و عليه أفضل الصلاة و السلام. و كون اسمه مكتوبا على باب الجنة إلى غير ذلك مما لا يحصى و قوله "للحبيب" معناه أن له ÷ من ربه تعلى عز دائم و رتبة عالية لا يبلغها نبي مرسل و لا ملك مقرب فهو إمامهم و سابقهم للمكارم و فصل ذكره أي ما يتعلق بشأنه و حليته مبوب له في أول كل سطر من سطور المجد أي أن ذكره قبل كل ذكر في المكارم و في الوجود و لذلك قال الناظم رحمه الله:

قال الناظم:

بَالنُّورْ عْلَى الطّرَايَقْ السَّبْعَة مَرْقُومْ * وَ عْلَى الاَبْرَاجْ وَ الدّْرَارِي زِينْ الزِّينْ

خَلَّصْ بِهْ الْكْرِيمْ ذَا النُّونْ الْمَلْقُومْ * مَنْ بَطْنْ الْحُوتْ ضَمّْ شَكْلُه بَعْدْ الْبِينْ

وَ افْدَى بِهْ الذّبِيحْ مَنْ قَطْعْ الْحَلْقُومْ * بَعْدْ وْثَاقُه يْمُوتْ قَرَّتْ بِهْ الْعَيْنْ

مَنْ فَضْلْ الْمُصْطْفَى احْمَدْ ثَانِي الاَثْنِينْ

"النور" من نار ينور إذا نفر و منه نوار الظبية سمي بذلك لإزالته الظلام فكأنه ينفر منه و "الطرايق" السماوات و "الافلاك" واحدها فلك بالتحريك مدار النجوم و "الابراج" جمع برج و هو قسم من تجزئة الفلك على اثنا عشر جزء ستة منها شمالية أولها الحمل ثم الثور ثم الجوزاء ثم السرطان ثم الأسد ثم السنبلة و ستة جنوبية أولها الميزان ثم العقرب ثم القوس ثم الجدي ثم الدلو ثم الحوت. و "الدراري" جمع دُرى بضم الدال المهملة و كسرها و فتحها مع الهمزة و بدونها بشد الياء من درا الكوكب إذا جرى أو دفع أو طلع بغتة و هم سبعة القمر و عطارد و الزهرة و الشمس و المريخ و المشتري و زحل هو أكبرهم في السماء السابعة و هذا من باب الترقي و المشارفة بالتدلي. و عليها قول الشاعر:

زحل اشترى مريخه من شمسه * فتزاهرت بعطارد أقمار

 و عليها جرى صاحب القاموس بدليل قوله في باب الدال و "عطارد نجم من الخنس في السماء السادسة". و معنى "زين الزين" أي الذي ما زيّن كل الزين إلا زينه ÷. و "ذو النون" هو نبي الله يونس بن متى عليه السلام أرسله الله إلى أهل نينوى من أرض الموصل و قصته مبسوطة في كتب التفسير. و اللقم الابتلاع و النون اسم الحوت و "الشكل" الجسد و "ضمه" أي أواه ربه بلطفه و أنبت عليه شجرة اليقطين. و "البين" البعد كني به ذهابه عن قومه مغاضبا لهم. و المراد بـ"الذبيح" إسماعيل عليه السلام و قيل إسحاق و هو الأصح عند أهل الكتاب. و قوله "بعد وثاقه يموت الخ" بعد شدة الوثاق عليه للموت أي للذبح ففدي بذبح عظيم و نجا فقرّت أي سرّت به عين أبيه الخليل عليه السلام. فجعل الله من ذريته العرب و طراز عصابتهم خير الخلق نبينا ÷ و إن كان الذبيح إسحاق فجعل الله من ذريته أنبياء بني إسرائيل و علمائهم و صلاحهم و ذلك كله من فضل المصطفى أي المختار ÷ ثاني اثنين في غار جبل ثور المتقدم الذكر و هذا اقتباس و قد جعله الناظم صفة عامة و إن كان ذلك في الهجرة من مكة للمدينة لأن المقتبس يجوز له هذا و مثله. قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

طَابَتْ مْنَازَلْ طِيبَة وَ انْبْعَثْ نْسِيمْ صْبَاهَا * عَطَّرْ مْشَارَقْ الْأَرْضْ وُ عَطَّرْ الْمْغَارَبْ

صَبْحَتْ تْبَاهِي خَضْرَا بَارْزَة رْبَاهَا * عْلَى الاَبْطَاحْ تْلاَلِي تَحْسَبْهَا مْضَارَبْ

بَالرّْسُولْ الْمَكِّي سُبْحَانْ مَنْ حْبَاهَا * وْ حَاطْهَا بَجْبَلْ عَالِي غَوْثْ كُلْ هَارَبْ

"طابت" أي عطرت و "طيبة" المراد بها المدينة المنورة و "انبعث" أي هب و "النسيم" الريح اللينة و "الصبا" الريح الشرقية و "عطر" أي طيّب و "الربا" الكدى البارزة و "البطاح" ضدها جمع بطحاء و هي ما ينبسط من الأرض و وسعه سيل المطر كما مر. و "تلالي" تضئ و "المضارب" جمع مضربة و هي الوسادة الموشاة توضع تحت الرأس و المرفق و هي التي تسمى مخدة و تطلق الوسادة أيضا على ما يفرش و لا عبرة بتفسير الجوهري الوسادة بالمخدة فقط بدليل حديث عدي بن حاتم المشهور. و أما الضرب بفتح الضاد و سكون الراء فهو الإنسان الذي هو بين السمن و الهزال كما بين في حديث الإسراء. و معنى "حباها" خصها به دون غيرها و "حاطها" أي حرسها و حماها بهذا الرسول الكريم الذي هو غوث و ملجأ كل هارب في الدنيا و الآخرة.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

تَحْتْ ظَلْ لْوَاهْ الْمَعْقُودْ الْأَنْسْ وَ الْجَانْ * خَابْ مَنْ لاَ يَوْصَلْ بَابْنْ الذّبِيحْ حَبْلُه

فَوْزْ مَنْ تَنْثَرْ عَيْنُه فِي هْوَاهْ مُرْجَانْ * حِينْ يَرْشَقْ قَلْبُه قَوْسْ الْهْوَى بْنَبْلُه

قوله "تحت الخ" مقتبس من حديث رواه صاحب "الشفاء"[112] و غيره أنه ÷ قال " آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة". و لا شك أن مؤمن الجن داخل تحته قطعا لأنه مرسل إليهم إجماعا. و قوله "خاب من لا يوصل الخ" أي خاب و خسر من لا يكون متعلقا منه ÷ بسبب من إيمان و محبة و غير ذلك و في القسطلاني في كتاب الحج أن أمته ÷ ربع أهل الجنة من الأمم و قوله "فوز الخ" أي يا فوز من كان مستغرقا في محبته ÷ و أخذت بشراشر قلبه حتى أن عينه تنثر أي يسقط منها دمع أحمر يشبه المرجان لانقضاء[113] الدمع المعروف من كثرة البكاء و دوامه لأجل ما توقد في قلبه من الشوق في الوقت الذي تتحرك في قلبه محبته و يرشقه قوس الهوى بنبله الصائب فأثبت للهوى قوسا على طريق الاستعارة المكنية.

ثم قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

حِينْ رْشَقْ مُهْجْتِي الْحْبِيبْ بْنَبْلْ الْبِينْ * ضَحْكَتْ عَيْنْ الْغْرَامْ مَنْ بُعْدْ دْيَارُه

خَلَّفْ قَلْبِي مْنَ الْهْوَى حَامَلْ وَقْرِينْ * فِي بَحْرْ عْرِيضْ صَعْبْ عَابَرْ تِيَّارُه

مَنْ زِينْ الزِّينْ كُلْ مَا لْقِيتُه هِينْ * فِي قَلْبِي بَالْحْسِينْ غَنَّاتْ اطْيَارُه

إِذَا صَحّْ الْوْصَالْ مَا ضَرّْ غْيَارُه

"المهجة" الدم الأسود المنعقد داخل القلب. قال الشاعر:

يرمي ريب الزمان لها سهاما * تصيب بنصلها مهج القلوب

و "البين" الفراق يعني لما رمى الحبيب ÷ قلبي بالنبل الذي هو الفراق و رشقه به حتى بلغ للمهجة ضحكت في قلبي عين "الغرام" بفتح الغين المعجمة العذاب الناشئ به من أجل بعد دياره أي أنه استولى الغرام على قلبه و تمكن فيه و هذا كله عبارة عن شدة شوقه الناشئ عن بعد ديار حبيبه ÷ فملخص المعنى أنه لما فارقه الحبيب تمكن في قلبه شوقه الناشئ من بعد دياره عنه. و "الوقر" الحمل الثقيل و "عابر" من عبر النهر إذا خاضه و اجتازه و "التيار" موج البحر العظيم. و كل ما لقيته بسبب هوى الحبيب الذي هو زين الزين "هين" علي سهل لا يضرني و قد غنّت أطيار ذلك في قلبي بالنوع المسمى عند أهل القانون من المغنيين بـ"الحسين" أي أطربني كما يطرب الحسين سامعه. فإذا "صح" و ثبت لي بعد الهجر و الصد الوصال أي الود فما يضر غياره المراد به الأشياء الصعبة الذي لاقته لأن الجنة حفّت بالمكاره.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

بَالرّْسُولْ الْمَكِّي سَعْدَتْ دْيَارْ طِيبَة * كِيفْ سَعْدَتْ بَالْبِيتْ امّْ الْقُرَى وْ نَعْمَتْ

 ضَمّْتُه وَ أْوَاتُه مَنْ بَعْدْ مَوْتْ شِيبَة * نِعْمْ فَاضَلْ خَيْرْ دْيَارْ الْكْرَامْ ضَمَّتْ

خَزْرَجِي وْ أَوْسِي امْتَازُوا بْرُودْ هِيبَة * مَنْ ثْيَابْ الْعَزّْ عْلَى كُلْ حَدْ عَظْمَتْ

 "طيبة" المدينة المنورة و "أم القرى" مكة المشرفة و معنى " و نعمت " أي رزقها الله النعم. قال تعلى ﴿أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾[114]. و قوله "خزرجي الخ" هذان الحيان هما الأنصار أهل المدينة خزرج و أوس إخوان أبناء حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر من بقايا أحد ملوك الجاهلية المشهورين و أمهما اسمها قيلة بنت الأرقم الغسانية. و "شيبة" هو جده عبد المطلب.

قال الناظم:

عَزّْرُوهْ وُ نَصْرُوهْ اشْرَافْ قَوْمْ شُجْعَانْ * فِي رْضَا الْبَارِي الْمَالْ مْعَ النّفُوسْ بَذْلُوا

تَضْرَمْ النَّارْ الْحَمْرَا كَفْ كُلْ طَعَّانْ * مَنْهُمْ وْ لاَ خَيَّبْهَا خَارْجِي بْعَذْلُه

"عزّروه" أي قووه و نصروه على من خالفه و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله. "تضرم" أي تقد كف كل واحد منهم النار "الحمرا" أي القوية اللهب و لم يطفها خارج عن الدين "بعذله" أي بلومه. قال تعلى ﴿و لا يخافون لومة لائم﴾[115]. و "الطعّان" كثير الطعن و مضارعه يطعن من باب نصر و أما الطعن الذي بمعنى القدح فمضارعه يطعن من باب سأل خلاف ما في الفتح أنهما معا من باب سأل.

قال الناظم رحمه الله:

ضَرْمَتْ الاَنْصَارْ نَارْهَا فِي كُلْ بْخِيلْ * بَمْحَبَّةْ مَنْ صْلَحْ عْلَى يْدُه كُلْ فْسَادْ

عَنُّه[116] جَزُّوا رْقَابْ مَنْ خَيْبَرْ وَ نْخِيلْ * وَ انْكَبَّتْ لَلْجْحِيمْ مَنْ الاَتْرَافْ اجْسَادْ

مَا قَبْلُوا مَنْ عْدُو لْغِيرْ الله دْخِيلْ * صَدْقُوا وْ صَدَّقْ بْمَا وْعَدْ مَنْ شَادْ وُ سَادْ

"ضرمت" أي شعلت و "البخيل" من بخل بمحبته ÷ بأن لم يطعه و قوله "عنه الخ" أي عن محبته و نصرته. "جزّت" الأنصار أي قطعت رقابا من أهل خيبر ككنانة بن أبي الحقيق زوج صفية أم المؤمنين و غيره و نخيلا كما في غزوة بني النضير. قال تعلى ﴿ما قطعتم من لينة﴾[117]الآية. و "الأتراف" هم المتكبرون المنهمكون في اللذات من رؤساء أهل الكفر. و ما قبلت الأنصار من عدو جاءها دخيلا إذا كان ذلك الدخيل أي الأمر الذي يدخله العدو عليهم نصيحة لهم في زعمه لغير الله أما إن كان في جانب الله فيقبلونه كما وقع مرارا لبعض الكفرة من سؤالهم التأمين على فتح حصن كما وقع في تستر و غيرها. و قوله "صدقوا الخ" أي أن الأنصار صدقوا في وعدهم لرسول الله ÷ ليلة العقبة أن يمنعوه بما يمنعون به أبنائهم إن جاءهم لديارهم و قد صدق ÷ في وعده إياهم بالنصر و فتح مكة و أخذهم كنوز كسرى و قيصر بقوله " من شاد الخ" فاعل صدق أي صدق من شاد الله ذكره أي رفع مقامه و هو النبي ÷ و ساد بني آدم الحديث " أنا سيد ولد آدم" و لا فخر بما وعد. و جاء ذلك كفلق الصبح.

غريبة: تذاكر الخليفة المأمون مع العلماء في عدد أهل بيعة العقبة و كثر ترددهم في ذلك و اختلافهم فدخل أحمد بن أبي داوود فعدهم واحدا واحدا بأسمائهم و كناهم و أنسابهم فقال المأمون "إذا استجلس الناس فاضلا فليكن مثل أبي داوود" فقال "بل إذا جالس عالم خليفة فليكن مثل أمير المؤمنين". و لما لم أجد هنا الشطر السابع زدته لقوله:

 جَعْلُوا بَاحْمَدْ مْنَ النّعِيمْ غْطَا وَ وْسَادْ

يعني أن الأنصار جعلوا بسبب إتباعهم لأحمد ÷ من نعيم الله تعلى الدنياوي و الأخراوي غطاءا و وسادا و غير ذلك و بين "وساد" و ما قبله الجناس التام.

تنبيه: ما استلت السيوف إلاّ رجعت إلى خوف حتى أسلم الأنصار و لهم أنفة و أبآية ضيم و عدم تحمل ذل. ألا ترى أن تبّع و هو العبد ذو الأمر المطاع هم بغزوهم فكتبوا إليه:

العبد تبّع يريد غزوتنا * و كأنه بالموضع المتذلل

و ممن له أنفة و عدم تحمل ضيم أيوب بن مطروح الثائر في المائة الخامسة و لما حصل في قبضة يوسف بن تاشفين أدخل رأسه تحته و انتظروه بالكلام فوجدوه ميتا. قال الناظم رحمه الله:

مَنْ دْرَى لاَشْ جْفَاتْ الْهَاشْمِي الطّوَايَفْ * حَزّْبَتْ الاَحْزَابْ وُ سَدَّاتْ كُلْ جِيهَة

بَرْقَتْ وُ رَعْدَتْ وَمَّنْ رَوْعْ كُلْ خَايَفْ * وْ ضَمَّتْ الْمَسْتَضْعَفْ سَادَاتْهَا الْوْجِيهَة

كُلْ مَسْتَنْمَرْ رَكَّبْ رَايْتُه يْسَايَفْ * لَلْقْتَالْ تْرَاعِي الاَحْلاَفْ مَنْ يْجِيهَا

أشار بهذا إلى غزوة الخندق و مر معنى "من درى" و معنى "حزّبت" اجتمعت على رأي واحد و هو حرب رسول الله ÷ و لذا تسمى هذه الغزوة بالأحزاب أيضا جفاء منهم له و تحاملا مع أنه ÷ حريص على صلاحهم و هدايتهم و المعنى أتمنى أن أدري لأي شيء جفت طوائف الأحزاب رسول الله ÷. و قوله "سدّات كل جيهة" أي ناحية حتى أحاطت أخبيتهم بالمدينة فكأنها سدي متصل و هذه الطوائف مثل قريش و كنانة و مرّة و غطفان و غيرهم و كذا اليهود مثل قريظة و غيرها. قال تعلى ﴿إذا جاؤوكم من فوقكم و من أسفل منكم﴾[118]. فعبر عن نزولهم محدقين بالمدينة بتسدية الحاكة و نحوها. و قوله "برقت" و "رعدت" أي هددت و أوعدت أن تخرب المدينة المنورة و قد أمّن ÷ كل خائف منهم فمن كان قويا على القتال شجاعا و هو المراد بـ"المستنمر" الشبيه بالنمر ركب رايته على رمحه و خرج للمسايفة أي للقتال و من كان ضعيفا لا يقدر "ضمته" أي صانته السادات الوجيهة أي الرؤساء بأن جعلته في حرز منيع و هو إشارة إلى جمع الظعن و الضعفاء و نحوهم في دار سعد بن معاذ بأمر النبي ÷ لمنعتها. قال الأفوه الأوديّ:

و إذا الأمور تشابهت و تعاظمت * فهناك تعرفون أين  المفزع

و "الاحلاف" هم أولائك الطوائف الذين تحالفوا على حرب رسول الله ÷ فوقفوا على شفير الخندق ينتظرون من يجيئهم للقتال و لا سيما عمرو بن عبدود العامري القرشي فإنه لما لم يحضر ببدر امتلأ غيظا و اقتحم الخندق و طلب البراز فبارزه علي رضي الله عنه فقتله ففرح المسلمون فرحا شديدا و كبّروا تكبيرة واحدة ثم أن الله تعلى أرسل عليهم ريح الصبا ليلا فهدمت فساطيطهم و كفأت قدورهم فذهبوا و ردوا بغيظهم لم ينالوا خيرا. و في الحديث " نصرت بالصبا و أهلكت عاد بالدبور".

ثم قال:

سَاقَتْ لْطِيبَة مَنْ قَوْمْ الْفْسَادْ طُغْيَانْ * كِالْجْرَادْ الْمَتْنَزَّلْ لَلنّبَاتْ حَمْلُه

وَلَّتْ الْكُفَّارْ بْرِيحْ الْعْذَابْ عَمْيَانْ * وَ خْسَرْ لْعَبْدْ الله رَاسْ النّفَاقْ عَمْلُه

و المراد بـ"الطغيان" الطغاة و هم المتجاوزون الحد في الجور و الحمل من حمل الوادي إذا فاض فاضوا كالجراد النازل على النبات الذي عم كل موضع كحملة الوادي إذا فاض من المطر و "ريح العذاب" هي ريح الصبا كما مر. فولوا خائبين و خسر لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين عمله الذي عمله في تحزبهم و فسد ما أمله من غلبة الكفار فرد الله كيده و كيدهم و الحمد لله.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

غَصَّتْ رُوسْ النّفَاقْ فِي طِيبَة بَالرِّيقْ * لَمَّا شَافَتْ خْيَامْهَا نَكَّسْهَا الرِّيحْ

بَعْدْ انْ وَفْدَتْ افْلاَذْهَا مَنْ كُلْ فْرِيقْ * وَ عْمَرْ سُوقْ الرّْدَى بْمَكْرْ وُ كُفْرْ صْرِيحْ

لَلدِّينْ الْمُسْتَقِيمْ جَهْلُوا كُلْ طْرِيقْ * فِي زَعْمْ اهْلْ النّفَاقْ مَنْ الاَسْلاَمْ تْرِيحْ

مَنْ سَجْنْ الْكُفْرْ كِيفْ يَرْجَاوْ التَّسْرِيحْ

يقال غصّ فلان ريقه إذا اشتد كربه و لم يتخلص منه و "شافت" بمعنى رأت و "نكّسها" قلبها و هدمت و "الافلاذ" جمع فلذ بالكسر كبد البعير و بهاء القطعة من اللحم و الكبد و الذهب و الفضة و المراد هنا قطع الجيوش الملتئمة من النواحي و في حديث غزوة بدر " رمتكم مكة بأفلاذ كبدها " و الضمير لـ"اهل النفاق" أو الشرك و المراد بـ"الفريق" هنا القبائل أي من كل قبيلة و "سوق الردى" موضع الهلاك فجعل محل اجتماعهم على حرب رسول الله ÷ سوق خسران و بوار و "الكفر الصريح" هو الذي لا يقبل التأويل حتى أنهم جهلوا كل طريق توصلهم للدين المستقيم فبقوا في سجن الكفر لا يرجون تسريحا. و لما ذهبوا خائبين قال ÷ " لن يغزونا قريش بعدها".

قال الناظم رحمه الله:

غَيْبَةْ الْمَخْزُومِي عَمْرْو الذّمِيمْ خَابَتْ * لِيلَةْ انْ رَوَّحْ جَانِي لَلْقْلِيبْ مَخْزُومْ

نَارْهُمْ مَثْلْ الْفُرْسْ مْنَ السّْعِيرْ خَابَتْ * وَ اصْبَحْ الْفَاعَلْ فِي سَطْرْ النّفَاقْ مَجْزُومْ

يَمْكْرُوا بَمْظَفَّرْ بِهْ النّفُوسْ طَابَتْ * فِي كْتَايَبْ خَيْلُه الْخَضْرَا يْسِيرْ خَيْزُومْ

"المخزومي عمرو" هو أبو جهل لعنه الله و "غيبته" هي سفرته إلى بدر لحرب رسول الله ÷ فخيب الله سفرته و راح "للقليب" و هي لغة البئر التي لم تطوق و المراد البئر التي طرح فيها و صارت رمسه و راح له كـ"الجاني" الهارب من أمر الله و رسوله و قوله "مخزوم" أي مجرور و أصل الخزامة ما يجعل في أنف البعير ليقاد به. و قوله "نارهم" أي نار أبي جهل و رهطه و المراد حربهم مثل نار "الفرس" نسبة لفارس بن جيومرت ابن سام. من "السعير" و هو شدة اللهب "خابت" أي سكنت و طفت كما وقع لنار الفرس ليلة ميلاده ÷ و لم تسكن قبل ذلك بألف عام. و المراد بـ"الفاعل" القوي في الكفر أصبح "مجزوما" أي مقطوعا و فيه تورية لطيفة. و "الكتايب" الجيوش و "الخضرا" هي التي يعلوها سواد الحديد و هي كتيبة الأنصار و "خيزوم" هي فرس جبريل عليه السلام.

تنبيه: ينسب السواد إلى الخضرة كما ينسب البياض إلى الصفرة.

مَا دْخَلْ حَرْبْ الاَّ بَدْلاَيَلْ وُ بُرْهَانْ * خَلْفْ جَبْرِيلْ يْحَثّ نْجَايْبُه وْ خَيْلُه

كَمْ ثْبَتْ فِي مَوْقَفْ حَرْبْ تْكَلّ الاَذْهَانْ * دُونْ وَصْفُه وَ سْحَبْ فِيهْ الرّْسُولْ ذَيْلُه

 أي أنه ÷ ما دخل حربا من حروبه لهوى نفس بل لا يدخلها إلا بدلائل واضحة و براهين قاطعة من الله تعلى و لا يسير لها إلا و جبريل أمامه كما في غزوة بني قريظة و نحوها. و هو ÷ يحث نجائبه و خيله إثره حتى يظفر بعدوه. و الصحيح أن الملائكة لم تباشر القتال إلا في غزوة بدر. و قوله "كم ثبت الخ" أي كم من مرة ثبت ÷ في مواقف الحروب التي تكل الأذهان دون وصفها و شدة وطيسها مثل حنين و أحد و نحوهما أمنا مطمئنا غير متهيب و لا مروع واقفا وقوف من سحب ذيل التبختر لأمنه و عدم اكتراثه من العدو. و قوله "كم" المراد دائما أي في حروبه كلها و كني بسحب الذيل عن عدم مبالاته ÷ بعدد الكفار و لا عُددهم لأنه سحبه حقيقة. و أول من أطال ثيابه و سحبها قارون ذكره الثعالبي[119] في "لطائف المعارف". و قوله "تكل" يقال كل السيف إذا نبأ و كل الذهن إذا لم يحط بوصف الشيء و وقف دونه.

بَسْنُونْ رْمَاحْ الاَبْطَحِي الاَنْصَارْ دْعَاتْ * مَنْ مَالْ اهْلْ الرّْدَى تْوَلاَّتْ غْنَايَمْ

فِي نَصْرْ الدِّينْ طَايْفَةْ الاَسْلاَمْ سْعَاتْ * حَتَّى بَلْغَتْ بْسَعْيْهَا الْعَزّْ الدَّايَمْ

الاَنْصَارْ وْفَاتْ كُلّمَا وَعْدَتْ وَ رْعَاتْ * ذَمَّتْهَا مَا تْشَانْهَا لَوْمَةْ لاَيَمْ

شَدَّتْ رَهْطْ النّبِي عْلَى الرُّوسْ عْمَايَمْ

يعني الأنصار دعوا الناس للدين و قاتلوا من أباه برماح النبي ÷ و "الابطحي" نسبة لأبطح مكة كما مر. و توالت عليهم من مال "أهل الردى" أي الكفر غنائم لا تحصى و سعوا في نصر دين الله فبلغوا بذلك العز الدائم في الدنيا و الآخرة. و أول من اتخذ أسنة الحديد ذو يزن الحميري و كانت قبله بقرون البقر الوحشية و لما قتل النبي ÷ أبا عزّة في حمراء الأسد جعل رأسه على رمح و أرسل به إلى المدينة. قاله السيوطي في كتاب " الوسائل إلى معرفة علم الأوائل". و قوله " الأنصار وفات الخ" يعني أن الأنصار و هم الأوس و الخزرج وفّوا بكل ما وعدوا به النبي ÷ و بايعوه عليه ليلة العقبة كما مر. و رعوا ذمتهم و حفظوا عليها فلم يشن عرضهم لوم لائم و أراد بالرهط آل النبي ÷ و المراد بالعمائم عمائم الفخر و السيادة و العز و هي جمع عمامة.

تنبيه: أول من لبس العمامة ذو القرنين أخرجه أبو الشيخ عن وهب بن منبه.

قال الناظم رحمه الله:

غَمْدَتْ سْيُوفْ الْحَرْبْ أَهْلْ الْعْنَادْ وَ اسْتَلْ * لَلْقْصَاصْ احْمَدْ وَ لْذَاتْ الرّْشَادْ سِيفُه

أَيْنْ ذَاكْ الْحَزْبْ الْمَخْذُولْ بَادْ وَ اخْتَلْ * وَ انْتْهَضْ لَلطَّاعَة مَنْقَادْ بَعْدْ حَيْفُه

صْبَحْ الصَّمْصَامْ لْجَمْعْ الصّْحِيحْ مُعْتَلْ * لَلْحْبِيبْ الْمَهْجُورْ ضْحَكْ مْنَى وْ خَيْفُه

معنى "و لذات الرشاد" أي لإصلاح الملة صاحبة الرشاد ضد الغي و "المخذول" الذي لم ينصر و "اختل" من الخلل و هو الضعف و "الحيف" الظلم و الجور و "الصمصام" السيف الذي لا ينثني و الصمصمة سيف عمرو بن معدي كرب الزبيدي و "الخيف" موضع بمنى عند منقطع الجبل به مسجد مشهور و "مْنَى" لغة في منى و المراد بضحكها أنهما صارا دار طاعة له ÷ قد صفتا من دنس الكفر و طهرتا من رجس الأوثان و الجمع الصحيح عند النحاة هو الذي لم يكسر أي لم يجمع جمع تكسير. ثم ذكر غزوة الفتح.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

طَارَتْ عْقُولْ اهْلْ الْهَجْرَة بْغَاتْ الاَوْطَانْ * كُلْ صَادَمْ نَادَاهْ مْنَ الْعْرِينْ شَبْلُه

بَعْدْمَا مَاتْ مْنَ الْكُفَّارْ كُلْ شِيطَانْ * وَ انْقْطَعْ بَالْمَبْتُورْ نْهَارْ بَدْرْ حَبْلُه

"طارت" أي تشوّقت و "أهل الهجرة" هم المهاجرون الذين هجروا من مكة للمدينة و "الاوطان" مكة و "الصادم" هو الذي يلقى الأبطال و يصادمها في الحرب و "العرين" بيت الأسد و "الشبل" ولده و الشيطان من الجن مردتهم و قد يخص بإبليس من شاط إذا احترق أو من شطن إذا بعد. و "المبتور" السيف المقطوع الرأس. و أراد بـ"الحبل" العنق أو الوثيق و هو عرق بالعنق إذا قطع مات صاحبه و هو الوريد. أي أن عقول  المهاجرين تشوقت و حنّ كل واحد إلى أهله و ولده بمكّة كزيد ابن أرقم و غيره و ذلك مما رأوا من النصر و الظفر فأحبوا غزوتها و فتحها ليجتمع شملهم و بعد ما مات من كفار قريش كل شيطان من أبطالهم ببدر و غيرها.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

أَيَّامْ الْفَتْحْ عَنْ رْضَى جُمْلَةْ الاَحْبَابْ * الاَنْصَارْ السَّابْقِينْ لَلدَّعْوَة الاَنْصَارْ

مَنْ فَتْحُوا بَالْقْنَا الْمْعَلَّبْ كَمْ مَنْ بَابْ * وَ ارْتَعْدَتْ مَنْهُمْ الطّوَايَفْ فِي الاَمْصَارْ

وَصْلُوا مَمَّا انْفْصَلْ زْمَانْ الْكُفْرْ سْبَابْ * وْ لاَ زَالُوا الْيُومْ فِي عْيُونْ النَّاسْ ابْصَارْ

سَالْ الذِّكْرْ الْحْكِيمْ يَحْكِي لَكْ مَا صَارْ

يعني أن غزو مكة و فتحها كان عن رضا جميع الأحباب أي أصحاب رسول الله ÷ و هم الأنصار السابقون لدعوة الإيمان من المهاجرين و من الأنصار فالمراد بالأنصار هنا مطلق من نصره ÷ و كرره للوزن و الاستلذاذ و الرضا بالنصر مصدر و بالمراسم كما في الصحاح. و "القنا" الرمح و "المعلّب" المشدود بالعلباء بكسر العين و سكون اللام و بالباء الموحدة عصبة صفراء في عنق البعير يشد بها قائم السيف و الرمح. و أراد بـ"الطوايف" أجناس الكفار كمشركي مكة و فرس العراق و روم الشام و قبط مصر و نحو ذلك. فوصلوا أسباب الإيمان و أظهروا معالمه التي انقطعت زمن الكفر و ذلك بعد نبي الله الخليل و ابنه إسماعيل عليهما السلام فلم يزل فعل الصحابة رضي الله عنهم الذي فعلوه و وصلهم الذي وصلوه نور يستضئ به الأنام كما يستضيئون بنور أبصارهم و هذا معنى قوله " و لا زالوا اليوم الخ". و انظر الذكر الحكيم و هو القرآن العظيم يقص عليك خبرهم مجملا و مفصلا.

قال الناظم رحمه الله:

فَتْحْ مَكَّة هُوَ الْعِيدْ الْفْضِيلْ الاَكْبَرْ * وْ مَا بْحَالُه فِي ايَّامْ الدَّهْرْ مُوسَمْ سْعِيدْ

حَسَّتْ قُرَيْشْ بْدَاهَا مَنْ فْسَادْ خَيْبَرْ * لَكِنْ التَّوْفِيقْ عْلَى مَنْ يْعَانَدْ بْعِيدْ

دَبّْرُوا وَ الله هُوَ الْفَاعَلْ الْمُدَبَّرْ * رْمَى بْعَشْرْ أَلاَفْ الْكُفَّارْ وَعْدْ وُ وَعِيدْ

قوله " ما بحاله" بمعنى ما مثله و قوله " حسّت الخ" يعني أن قريشا تيقنت بخرابها لما ظفر ÷ بخيبر و علموا أنهم غير مانعين لأنفسهم كعدم منع أهل خيبر لأنفسهم و من حقهم حينئذ أن يتركوا مما هم عليه من الكفر و العداوة لكن توفيق الله بعيد من أهل العناد مثلهم و قد دبروا فيما ينجيهم منه ÷ فلم ينفعهم و إنما المدبر هو الله تعلى و من جملة تدبيره سبحانه و توفيقه أنه رمى كفار قريش بعشرة ألاف مقاتل نفرت مع نبيه ÷ فملكوا مكة فصارت دار إسلام إلى الآن و بعد الآن و عنى بقوله "وعد و وعيد" قوله تعلى ﴿سيهزم الجمع﴾[120]. إنه وعد للنبي ÷ بالنصر و وعيد لقريش بالخذلان.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

بَعْدْ غَزْوَةْ بَدْرْ الْكُبْرَى انْغَلْقَتْ ارْهَانْ * وَ الْمْرَاهَفْ مَنْ قَطْعْ السَّالْفَاتْ مَلُّوا

عَزّْ مَنْ عَزُّه الله وَ امْسَى الذّلِيلْ مَنْهَانْ * مَا يَفْصَلْ مَنْ انْعَمْ عْلِيهْ مَا اجْمَلْ لُه

غزوة بدر الكبرى كانت عام اثنين و الصغرى بعدها فالأولى من التي قتل فيها من الكفرة سبعون و أسّر سبعون و الثانية لم يقع فيها قتال و قوله " انغلقت الخ " من غلق كفرح يقال غلق الرهن إذا استحقه مرتهنه و ذلك إذا لم يفكه الراهن في الأجل أي أن أرهان الكفار استحقها مرتهنها بعد غزوة بدر الكبرى التي مات فيها صناديدهم و "المراهف" السيوف الرقاق و السكاكين و يقال لها الأسل أيضا بفتح الهمزة و السين و منه قول عمر رضي الله عنه " لنترك لكم الأسل" و في "الضياء"[121] "الأسل شجرة الرماح و يقال لكل نبت له شوك طويل ﻫ". و قوله "ملّوا" أي ملّت و لو لا أنه التزم في هذه القصيدة ما لا يلزم لكان الصواب "فلّت" من الفلول و هو الإنثلام.

قال النابغة:

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب

و "السالفات" جمع سالفة و أصلها لغة مقدم العنق و المراد هنا العنق جميعه و السوالف ما طال من نصال السهام و قد عزّ ÷ من قضى الله بعزّه و حصلت الإهانة و الذل لمن قضى الله بذله و إهانته كما قال فيه أبو عزّة الجمحي:

فإنك من حاربته لمحارب * شقيّ و من سالمته لسعيد

و قوله "ما يفصل الخ" معناه لا يقدر من أجمل الله عليه نعمه أن يفصلها و لا يطيق من سخط الله عليه أن يفصل ما أجمل الله له من ذلك.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

بَاكَرْ وَسْمْ الْمُهَاجْرِينْ رْيَاضْ الزَّهْرْ * رَضْوَانْ الله عْلِيهُمْ قْوَاعَدْ الاَسْلاَمْ

نَاسْ انْ خَلاَّوْ كِالْعْقُودْ تْرَاقِي الدَّهْرْ * فِي ذَاتْ الله شْدَادْ مَا يَخْشَاوْا مْلاَمْ

دَخْلُوا بَالْمْشَرْفِي مْنَازَلْ مَكَّة قَهْرْ * وَ نْسَاتْ قْرِيشْ كُلْمَا ضَعْثَتْ الاَحْلاَمْ

عَرْفَتْ طَهَ وْ لاَ بْقَى لَلْغِيرْ كْلاَمْ

"باكر" أتى بكرة و "الوسم" مطر الربيع الأول و "رياض الزهر" المراد به هنا الدين و رسومه و المراد بـ"المهاجرين" هنا ما يعم الأنصار أيضا و هو ظاهر و "التراقي" جمع ترقوة و هو العظم الذي في أعلى الصدر تلاصقه اللبّة و معنى "ذات الله" ما هو من جانب الله تعلى من نصر دينه و أنبيائه و "المشرفي" منسوب إلى مشارف و هي قرية من قرى العرب تدنو من الريف يقال سيف مشرفي و لا يقال مشارفي لأن الجمع لا ينسب إليه إذا كان على هذا الوزن فلا يقال جعافري و لا مهالبي. قال امرؤ القيس:

أيوعدني و المشرفي معانقي

و قال المري[122] العجلي:

عشية لا تغني الرماح مكانها * و لا النبل  إلا المشرفي المصمم

"المصمم" الماضي من صم السيف إذا مضى في العظم و أضغاث الأحلام أخلاط الرؤية التي لا يصح تأويلها و قوله "ناس" أي هم ناس تركوا تراقي الدهر تظهر لرائيها كأنها عقود جواهر لكثرة ما طرقوه من المن و كونهم لا يخشون في الله لومة لائم فقد دخلوا بالسيف ديار مكة قهرا من الطريق التي دخل عليها خالد بن الوليد رضي الله عنه و نسيت قريش كل ما كانت تتحدث به من التهافت الذي هو كأضغاث الأحلام و ما كانت تتمنى بل عرفت طه ÷ و لم يبق لهم و لا لغيرهم كلام. المراد تحققوا بأنه رسول الله و لم يبق لهم طعن فيه ÷ مثل قولهم الماضي أنه شاعر و نحوه كما مر في اجتماعهم في دار الندوة وقت الهجرة و لم يبق لهم كلام في إتباعه ÷ بل أطاعوه حق الطاعة و لا لغيرهم أيضا من العرب لأنهم لما سمعوا به ÷ فتح مكة قهرا أتته وفود العرب كلها مسلمين حتى أنهم سموا سنة تسعة سنة الوفود و قد قال الشاعر:

و خبرها الركبان أن ليس بينها * و بين قرى بصرة و نجران كافر

تنبيه: في قول الناظم "و لا بقى للغير كلام" إيماء لطيف بأن المقصود من القصيدة قد تمّ كما يدل عليه قول الناظم رحمه الله و رضي عنه:

زُفَّتْ قْصِيدَةْ بُوعَثْمَانْ كَالْخْرِيدَة * لَلْبْسَاطْ عْلِيهَا لَلنَّاظْرِينْ رَوْنَاقْ

يَا لْهَا مَنْ حُلَّة فِي عَصْرْنَا فْرِيدَة * دُونْهَا كَفْ الْفَخْرْ بْرَاجَمْ الْخْدَرْنَقْ

حِينْ يَرْسَلْ طَرْفُه مَا تَسْبْقُه طْرِيدَة * يْصَوَّبْ لْهَا كِالْفَتْحْ الضَّارِي الْخْرَنْدَقْ

يقال "زفّت" العروس لزوجها إذا حملت له للدخول و "الخريدة" هي البكر التي لم تمس و قوله "للبساط" متعلق بـ"زفّت" أي زفّت كالخريدة التي زفّت للبساط لأنهم في بيت الزوج يهيئون لها البسط العجيبة و "المخاد" الغريبة على أسرّة أنيقة في غرف رشيقة. و "أبو عثمان" هو كنية الناظم رحمه الله و اسمه سعيد و "الرونق" الحسن و البهاء أي أن عليها بهاء و حسنا للناظرين كقولهم " يزيدك حسنا كلما زدته تنظرا ". و قوله "يا لها" كلمة تعجب و "الحلّة" عند العرب ثوبان و معنى "فريدة" لا شبيه لها بمعنى تفردت بالحسن و "البراجم" مفاصل الأصابع و "الخدرنق" العنكبوت و يقال لها أيضا الهبون و الرتيلة. و قوله "براجم" بدل من "كف الفخر" أي أن كف أي يد الخدرنق عاجزة عن نسج مثل هذه الحلّة بل نسجها دونها على حد ما مرّ له في قوله "دون بردي سندس عبقري و حوك صنعا". و "الطرف" بالكسر الفرس الكريم و "الطريدة" المطرودة من أوارب الصيد أي أنه إذا أرسل فرسه في الجري ما تفوته طريدة من أنواع الوحوش. قال الشاعر[123]:

سرينا و نجم قد أضاء فمذ بدا * محيّاك أخفى ضوءه كل شارق

و قوله "يصوّب" من التصويب يقال صوب له السهم إذا وجّهه إليه و "الفتح" مجرى النصل من السهم و "الظاري" بالظاء المشالة من ظرى يظري إذا جرى أي أن ذهب الناظم يصوّب لتحصيل المعاني كما يصوّب فتح السهم الظاري "الخرندق" و هو الفتى من الأرنب فيصيبه و يقتنصه.

تنبيه: القصيدة هي ما يفوق العشرة أبيات و ما دونها يقال له قطعة و أول من عمل القصائد مهلهل بن ربيعة و لم يقل أحد قبله عشرة أبيات و في الأغاني هو أول من كذب في شعره و هو خال امرؤ القيس.

قال الناظم رحمه الله:

الْمْعَانِي مَطْرُودَة وَ الْعْقُول بِيزَانْ * مَنْهُمْ أَرْضِي وَ الْبَعْضْ مْنَ السّْحَابْ نَزْلُوا

مَا يْحَرَّرْ مَعْنَى مَنْ لاَ فَالْعَرُوضْ وَزَّانْ * كُلْ مَتْصَنَّعْ يَتْخَبَّلْ عْلِيهْ غَزْلُه

شبه المعاني بالصيود المطرودة و العقول بالبيزان الصائدة لها و هي على قدر قوتها فمنها "الأرضي" الذي لا يصيد إلا صيود الأرض من أرنب و غيرها و منها السماوي الذي لا يصيده إلا الطير مثل الحبارى فكذا العقول منها القاصر لا يأتي إلا بالمعنى الركيك و منها القوي الذي لا يأتي إلا بالمعنى الشريف و المبنى الظريف. و قوله "ما يحرر الخ" أي أن من كان متكلفا للشعر متحاملا عليه فإذا أراد أن يقول شعرا تجده يزنه على المقاييس العروضية فهذا لا يأتي بمعنى محررا أبدا لكونه قصر همته على اللفظ و غفل عن المعنى فتصنعه هذا يخبل عليه غزل نسجه شعره و أما من كان الشعر له طبعا فهو الذي يحرر المعنى و يؤسس المبنى بمعنى لائق و لفظ رائق.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

الْوَزْنْ لْقَى الْعْصَا عْلَى بَابِي وَ ارْتَاحْ * مَا يَنْصُرْنِي إِذَا نْرُومْ الشِّعْرْ خْلِيلْ

حَضْرَتْ عَيْنْ الْيْقِينْ وَ التَّرْدِيدْ الْتَاحْ * وَ اضْحَى عَنْهُمْ مْنَ الْمْذَاهَبْ فِيهْ دْلِيلْ

مَدِّيتْ كْفَافْ فَقْرْ وَ اغْنَانِي الْفَتَّاحْ * عُمْرِي مَا نَنْتْظَرْ مْنَ النَّاسْ التَّعْلِيلْ

صَرْفْ سْقَانِي بْكَاسْ مْنَ الْوَدّْ جْلِيلْ

أي أن الشعر ألقى عصاه على بابي أي سهل علي فلا استنصر على ذلك صاحبا و "عين اليقين" العلم المشاهد و "الترديد" أي الشك "التاح" أي رمي وراء الظهر و صار عنهم فيه من "المذاهب" أي فنون الشعر أدلة قاطعة و براهين ناصعة و في بعض النسخ من المواهب أي مواهب الله تعلى و عطاياه حتى صرت إذا سألت عن شيء منه لا أسأل من سائلي الإمهال و أعلله بالأباطيل بل أجيبه بديهة

و قوله "صرف الخ" أنه تعلى سقاني بكأس وده الجليل و محبته صرفا أي خمرا غير ممزوجة بماء من خمر المحبّة الربّانية. قال الناظم رحمه الله:

زَامْ رَعْدْ الْمَنْدَاسِي تَحْتْ ظَلَّةْ الْغَيْمْ * مَنْ دْرَى وِينْ سْقَاتْ اهْلْ الْهْوَى امْطَارُه

مَالَتْ عْيُونْ النَّاسْ مْعَ سْنَاهْ بَالشَّيْمْ * فِي هْوَاهْ الْعُشَّاقْ بْلاَ جْنَاحْ طَارُوا

آشْ رَا فَى الدَّنْيَا مَنْ لاَ يْرَاقَبْ الدَّيْمْ * طُولْ لِيلُه مَا قَضَى فَى الْهْوَى اوْطَارُه

"زام" أي تكلم و "المنداسي" نسبة إلى منداس و هي أرض معروفة شرقي نهر مينا أحد أنهار المغرب الوسط و سمي منداسا باسم ساكنه من البربر له خمسة أولاد كثرت ذريتهم في ذلك الموضع و انتشرت فأزالتهم عنه لواتة و بنو وزدجير و مغراوة فذهبوا إلى جبل ونشريش فتوطنوه و بنو منديل و غيرهم من البرابر التي هناك من ذرية منداس و الله أعلم. و يقال أن نسب الناظم رحمه الله من سويد بن مالك بن زغبة من بني هلال أحد بطون هوازن من قبائل مضر بن نزار بن معد بن عدنان. و "ظلة الغيم" أول سحابة تظل منه و استعار الرعد لشعره و شبهه في انصباب المطر و هطله و "السنا" بالقصر الضوء و "الشيم" النظر إلى البرق أين تمطر سحابه و "الديم" واحدها ديمة المطر الذي لا رعد فيه و لا برق و أقله ثلث النهار كما مر. و مر معنى الهوى و "الاوطار" جمع وطر الحاجة.

تنبيه: أول من تكلم بالشعر آدم فقال لما قتل هابيل:

تغيرت البلاد و من عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح

تغير كل ذي لون و طعم * و قلّ بشاشة الوجه المليح

و يقال أن العشب التي تغير طعمها و التي جعلت الشوك من ذلك الوقت. و أوّل شعر قيل في العرب على ما قال صاحب "اللباب"[124]:

حثوا المطايا و أرخوا أزمّتها * قبل الممات و اقضّوا ما تقضّونا

كنا أناسا كما كنتم فغيّرنا * دهر فأنتم كما كنا تكونونا[125]

و أوّل شعر قيل في الإسلام قول ضرار بن الخطاب:

تداركت سعدا عنوة فأسرته * و كان شفاء لو تداركت منذرا

فلو نلته طلّت دماء جراحه * و كان حريا أن تطل و تهدرا

و أوّل من عمل الموشحات ابن عبد ربه صاحب العقد و كان أدرك أول القرن الرابع.

قال الناظم رحمه الله:

دِيمَةْ سْعِيدْ الْوَطْفَا الْوَاكْفَة لْهَا شَانْ * حِينْ يَهْطَلْ غَيْمُه يَسْقِي الْوْعَرْ وْ سَهْلُه

لُو لْحَنْ بُو عَثْمَانْ اللَّفْظْ قَطْ مَا شَانْ * وَجْهْ مَعْنَى سَالْ عْلَى كُلْ مَدْخَلْ اهْلُه

"سعيد" اسم الناظم و "أبو عثمان" كنيته و اسم أبيه عبد الله منداسي الأصل و نشأ بتلمسان ثم ذهب للمغرب و "الوطفا" المنهمرة و "الواكفة" القاطرة و الهطل تتابع المطر جمعه هواطل و مفرده هاطلة فكني بذلك عن كثرة قصائده و براعتها و إنه ينتفع بها الخاص و العام و هو المراد بـ"الوعر" و "السهل" حتى أنه لو لحن اللفظ فما ذلك لعدم مخرجه من النحو بل ليفهمه جميع الناس و ينتفعون به على أنه لم يشن وجه المعنى و لا يغيره بل يأتي بالمعنى تاما و أسأل عن كل شيء أهله إذا أردت الدخول فيهدوك إلى سبيل الرشاد و يبينوا لك السداد.

لطيفة: لقي أبو نواس أبا العتاهية فقال له كم تقول في اليوم من الشعر قال المائة بيت و نحوها فقال له إذا كان كقولك:

يا عتبة ما لي و ما لك * يا عتبة إذا أهوى لك

لا أعجز عن الألف و الألفين في اليوم و لو قلت:

من كف ذات حرّ في زيّ ذات ذكر * لها محبّان لوطيّ و زنّاء

فلأعجزك ذلك عن العشرة. فأسكته و لم يجد جوابا و عتبة جارية المهدي الخليفة كان يعشقها أبو العتاهية.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

أَرْفَعْ بَصْرَكْ تْرَى الْغْزَالَة تَرْعَى اللِّيلْ * بَثْنَايَا الْحُسْنْ كِيفْ تَقْطَفْ انْوَارُه

وَ تْشُوفْ بْنَاتْ نَعْشْ فَى الْجَوّْ لْهَا مِيلْ * فِي فَلْكْ الاَّ تْصِيفْ بَسْنَا دَوًّارُه

هَبْ نْسِيمْ الصّْبَاحْ وَ الْفَجْرْ ارْخَى ذِيلُه * ضَمّْ حْبِيبَكْ بْرَدْ عْلَى الزَّنْدْ سْوَارُه

مَنْ لاَ يْبِيَّتْ الْحْبِيبْ تَصْبَحْ الدَّارْ بْوَارُه

كنى بهذه الأبيات عن تمام قصيدته و طلوع فجر كمالها و "الغزالة" الشمس يقال لها أيضا فرح و جون و المهاة و غير ذلك مما جمعناه في كتابنا " الحلل الحريرية في شرح المقامات الحريرية". و معنى رعيها الليل طلوعها شيئا فشيئا و شبه اختفاء الكواكب بظهور نورها بغزالة أي ظبية تقطف النوار أي تأكله ففيه من الاستعارة المكنية العجيبة ما لا يخفى و إثبات الثنايا لها تخييلا لأنه هو اللازم. و "بنات نعش" نجوم معلومة قرب القطب الشمالي و قوله "لها ميل" أي حين تميل عن مركزها في الفلك الذي لا يتصف من يدوره بقدرته بسنة و لا نوم فتبارك الله أحسن الخالقين و قد استعار نسيم الصباح و طلوع الفجر و إرخاء ذيله لإمارة التمام و لما أوهم أنه يريد الصباح الحقيقي أتى لذلك بما يرشحه بقوله " ضم حبيبك " إليك و مس سواره تجده باردا و ذلك من علامات الصبح و أفهم كلامه أن مخاطبه قد بات معه فظفر بغاية اللذة أي من لم يبيت حبيبه معه يصبح في دار البوار و الخسران. و "الزند" يقال للساعد أيضا.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

انْتْهَى مَقْصُودِي بَتْمَامْ ذَاتْ الاَكْمَامْ * صَرْحَةْ الْبُسْتَانْ الشَّيْمَا مْسَرَّةْ الْعَيْنْ

مَايْسَةْ الاَعْطَافْ كْرِيمَة اخْوَالْ وَ عْمَامْ * مَا يْخَلَّصْهَا عَدّْ مْنَ اللّجِينْ وَ الْعَيْنْ

صُنْتْهَا وَ رْعِيتْ لْهَا كُلْ حَقّ وَ ذْمَامْ * صَوْنْ حُورَة مَقْصُورَة مَا تْشِينْهَا عَيْنْ

"ذات الاكمام" النخلة الكريمة و "الاكمام" أوعية طلعها و "الصرحة" الشجرة الطويلة التي لا شوك فيها كالبستان و نحوه و "الشيما" من الشمم و هو الارتفاع و أصله لغة ارتفاع قصبة الأنف و "المايسة" المتمايلة بتبختر و "الاعطاف" الجوانب شبهها بغيدة جميلة اشتهرت بهجة شبابها. قال جران العود و اسمه عامر بن الحارث:

و إن من النساء من هي روضة * تهيج الرياض قبلها و تصوّح[126]

و قوله " كريمة اخوال و عمام" أي أنها شريفة الأصلين لا طعن في نسبها كما أن هذه القصيدة شريفة المعنى و المبنى لا طعن فيها. قال الفرزدق يمدح الوليد بن عبد الملك بن مروان:

إلى ملك ما أمه من محارب * أبوه و لا كانت كليب تصاهره

و قال لآخر:

خالي لانت و من جرير خاله * ينال السماء و يكرم الأخوال

و "اللجين" الفضة و أراد بـ"العين" هنا الذهب و إن كان لفظها يشمل النقدين أي أن هذه القصيدة لشرفها لا تشترى بفضة و لا ذهب لعدم بلوغها كنهها و قد جرت عادة الشعراء في مدح قصائدهم كقول ابن حيان مخاطبا لشيخه أبي جعفر بن النحاس رحمهما الله:

أبا جعفر خذها قوافي من فتى * تتيه على كل القوافي قصائده

بديعة شكل كم لها من غرائب * مجيدة أصل أنتجتها أما جده

 و كان أبو العلاء المعري إذا نظم قصيدة سماها اليتيمة بمعنى عديمة المثل و قوله " صنتها" أي نزهتها عن العيب و  رعيت لها كل حق يجب لها من الجزالة و إقامة الوزن و نحو ذلك. و "كل ذمام" أي حرمة و وقار كما تصان الحور القاصرة الطرف التي لا تشينها عين عائن آخر و لا سحر ساحر.

قال الناظم رحمه الله:

حُلّتِي السَّعْدِيَة بِهَا سْرَاتْ رُكْبَانْ * مَا كْسَاتْ بْخِيلْ الاَّ جَادْ بَعْدْ بُخْلُه

عَامْ فَحْشْ مْنَ الطَّيّْ بْرَزْتْهَا بْشَعْبَانْ * فَازْ مَنْ بِهَا فِي بِيتْ السّْرُورْ يَخْلُو

المراد بـ"السعدية" المنسوبة له رحمه الله لأن اسمه سعيد أو المنسوبة للسعد ضد النحس أو لسعيد بن العاص رضي الله عنه لأن النبي÷ أعطاه حلة فبقيت عند عقبه يتبركون بها و شاعت بركاتها فصار الناس ينسبون إليها و قد أشار إليها أبو محمد الحريري في مقاماته أو أراد ضربا من برود اليمن يسمى بهذا الاسم. و قوله "عام فحش الخ" أي أنه أبرز قصيدته هذه من طي العدم في شعبان سنة ۱۰۸۸

ثمان و ثمانين و ألف نقط حروف فحش لأن الفاء بثمانين و الحاء بثمانية و الشين بألف. فيا فوز من "يخلو" أي ينفرد بها في بيت سروره فيتأمل معانيها و يعمل بالمواعظ التي فيها و أدب المحبة الإلهية.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

هَاكْ مْنَ الْبُرْهْمَانْ يَاقُوتَة حَمْرَا * فَصَّلْ دُرّْ الْبَيَانْ بِهَا يَا رَاوِي

اَرَقّ مْنَ النّسِيمْ وَ اعْذَبْ مَنْ خَمْرَة * رَوْنَقْهَا الْفَايَقْ الْبْدِيعْ الزَّهْرَاوِي

فِي نَحْرْ الدَّهْرْ شَاعْلَة مَثْلْ الْجَمْرَة * تَفْنِي الْعُشَّاقْ مَا تْخَلِّي عَذْرَاوِي

مَا ضَمَّتْ مَثْلْهَا خْزَانَةْ مَغْرَاوِي

"الياقوت البرهماني" أشرف اليواقيت و هو الأحمر الرمّاني نافع للوسواس و الخفقان و ضعف القلب شربا و جمود الدم تعليقا. و يقال المرهمان أيضا بالميم بدل الباء و منه قولهم " داوي مرهم ذنبك بالتوبة". و البرهمان أيضا العصفور و الحنّاء و البرهمة زهر النوار و الدّر معروف. و "البيان" على حذف مضاف أي درّ عقد البيان أي أجعلها واسطة لأبيات عقود در البيان. و "النسيم" أوّل هبوب الريح بلين و "الخمرة" من الخمر المعروف و "الرونق" الحسن و "الزهراوي" المنسوب للزهر الينفور[127] و نحوه و المعنى أن رونق هذه القصيدة الفائق على غيره البديع في شكله "الزهراوي" في جماله أرق من النسيم و أعذب من الخمرة الطيبة اللذيذة و تشعل و تضئ في نحر الدهر كأنها جمرة من النار و تقتل بتهييج عشقها جميع العشاق و تفنيهم إذا سمعوا ألفاظها و سارت معاني تغزلها فيهم و ما تترك منهم "عذراوي" أي منسوب لبني عذرة و هم قبيلة من قبائل عرب اليمن يموتون بالعشق. و قد سؤل رجل منهم عن سبب ذلك فقال " في نسائنا صبابة و في رجالنا عفّة و رقّة قلب فلذا نموت بالعشق". و قد بسطنا الكلام عليهم في شرحنا لمقامات الحريري أنظره إن شئت.

لطيفة: وضع رجل بسفاقص نارنجة في حلق زجاجة بلور و سأل الغراب[128] تشبيبها فقال:

و نارنجة في حلق بلورة بدت * لها منظر قد راق كل لبيب

فشبهتها إذا راقني حسن وصفها * بدينار إبريز في ثغر حبيب

و قوله "ما ضمت مثلها" أي ما جمعت مثلها خزانة "مغراوي" تعريضا بالشيخ أبي فارس عبد العزيز المغراوي الفصيح المشهور رحمه الله بأنه لم يقل مثلها منذ شرع في نظم القصائد و يحتمل أنه أراد غيره أي أن هذه الياقوتة التي شبه قصيدته بها لم تضمها خزانة مالك من ملوك مغراوة لأنهم كان لهم ملوك كثيرة مشهورون كأولاد عطية بفاس في القرن الرابع منهم زيري بن عطية الذي بنا وجدة سنة أربع و ثمانين و ثلاث مائة و نقل ذخائره إليها و منهم بنو الفلفل بسجلماسة و بنو الفرطاس بالبصرة التي خربت الآن و بنو الخير بوهران و بنو بختي بتلمسان و بنو منديل بمازونة و بنو وارسيفن بمليانة و بنو خزرون بطرابلس. فالخزانة على الأول المراد بها خزانة العلم و على الثاني خزانة المال و هي بكسر الخاء و من التورية اللطيفة قولهم "الخزانة لا تفتح" لكن يرجح الاحتمال الأول ما روي أن الشيخ سعيد لما قال ما مر نام فرأى في نومه الشيخ عبد العزيز و هو غضبان عليه و أدبه فلما استيقظ عبر الرؤية بأن سبب ذلك الذي لقيه منه في النوم إنما هو لقوله "ما ضمت مثلها خزانة مغراوي" ثم أنه مدحه بقصيدته المشهورة التي أولها:

غيّب بو فارس الفرس كل علوم * بحر المحيط ما تنهيه قراطس

و كان قبل الشيخ سعيد بقليل و لم يدركه لأن الشيخ سعيد مات بعد ما مرّ من تاريخ هذه القصيدة زمن السلطان إسماعيل بن علي الحسني و الشيخ عبد العزيز كان عام الإثنا عشر و الألف حيا و كان في زمن السلطان أبي العباس أحمد المنصور المعروف بالذهبي السعدي و كان من خاصته و لما مات السلطان في العام المذكور رثاه بقوله رحمه الله تعلى:

ذا الزمان رماني قوسه بسهم غصّاب * ما اخطاني صادف قلبي و لوحه

بعد مكّني جاني بسيف غلاّب * هدّني و هزم ديواني و جيّحه

لاش ساكت يا من فارقت جمع الاحباب * هات راسك ليّ و اجي نّوحوا

عام شايب مات الذهبي اخيار الاتراب * ما بقى للسعدية باش يرجحوا

و هي طويلة و أشار بقوله "و هزم ديواني و جيّحه" إلى أولاد السلطان المذكور كزيدان و محمد الشيخ و الحرّان و غيرهم فإن الملك ضعف في أيامهم مع عظمة أيام أبيهم لاتصال الفتن بينهم حتى كان ذلك سبب استيلاء الخراب على أكثر مراكش و دخلت النصارى في أيامهم أكثر مدن السواحل مثل العرايش و غيرها حتى ظهر السلطان إسماعيل بعد ذلك فأزالها من الكفرة و الحمد لله. قال الناظم رحمه الله:

قَوّْتِي  بَبْدِيعْ السَّبْعْ الشّدَادْ وَ الْحَوْلْ * نَحَّمْدُه سُبْحَانُه مَنْ سَخَّرْ الْقْوَافِي

مَنْ خْلَقْنِي وَ هْدَانِي لَلْبَيَانْ ذَا الطُّولْ * وَ اسْبَغْ عْلِيَّ مَنْ نَعْمَاهْ ثَوْبْ وَافِي

وَ الصّْلاَةْ عْلَى الْهَادِي مَا تْرَاكَمْ الْقَوْلْ * مَنْ كْنُوزْ عْلَى الْمَعْنَى الضَّالَة خْوَافِي

مر معنى "الحول و القوة" و "القوافي" جمع قافية و هي آخر كلمة في البيت أو آخر حرف فيه إلى أوّل ساكن يليه مع الحركة التي قبل الساكن أي هي الحرف تبنى عليه القصيدة و "البيان" البلاغة و الجزالة و إيضاح المعنى و "الطول" الفضل و "وافي" صفة لثوب و "السابغ" بمعناه لأنه لغة الطويل الواسع و "تراكم" أي ركب بعضه بعضا ثم أنه طلب من الله تعلى الصلاة على رسول الله ÷ مدة تراكم القول و تكاثفه على قلوب البلغاء من كنوز المواهب الربانية التي هي "خوافي" أي خفيّة عن القوم الضالة عن الطريق الواضحة الهادية إلى سبيل الرشاد و من يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا أي مدة تراكم القول على أهل الهداية من كنوز خفيت على أهل الضلالة.

قال الناظم رحمه الله:

مَنْ عْلِيهْ الله صَلَّى فِي قْدِيمْ الاَزْمَانْ * قَبْلْ كَوْنْ الْكَوْنْ وُ لاَ كَانْ كَوْنْ قَبْلُه

وَ الرّْضَا عَنْ شَيْخَيْنْ اهْلْ الْهْدَى وْ عَثْمَانْ * خَيْرْ صَحْبُه وَ السَّبْعْ الْمُوَضّْحِينْ سَبْلُه

و قوله "قبل كون الخ" الكون الحدث الكينونة و الكائنة الحداثة و كونه أحدثه و الله الأشياء أوجدها أي قبل تكون الأكوان لأن الله تعلى أول ما خلق من الدنيا نوره ÷ و لا كون قبله أصلا و المراد بـ"السبع الموضحين" أي المتبعين سبله هم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة المشهورين و هم علي و طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمان بن عوف و أبو عبيدة ابن الجرّاح رضي الله عنهم. و الأولى للناظم أن يقول بدل البيت الثاني "و الرضا عن الشيخين و علي و عثمان * خير صحبه و الست الموضحين سبله" ليذكر الخلفاء الأربعة بأسمائهم رضي الله عنهم لأنهم في الإسلام كقواعد البيت الأربع التي لا يتم شكله إلا بهم و معلوم أن المراد بالشيخين أبو بكر و عمر كما أن أفضل الأمة بعد نبينا ÷ أبو بكر ثم عمر و توقف الإمام مالك بين عثمان و علي. هذا و قد قال ابن حجر في "الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع و الزندقة" عن عياض "لم يستمر مالك على التوقف بل قال بعده عثمان أفضل ﻫ".

لطيفة: جاء رجل إلى معاوية فقال من أين جئت فقال "من عند العي البخيل علي بن أبي طالب" قال "ويلك أتقول هذا في رجل لو جمعت الألسن كلها ما قاومت لسانه و لو كان له بيتان أحدهما تبر و الآخر من تبن لأنفق بيت التبر قبل بيت التبن". قال "فعلى ما تقاتله" قال "على هذا الخاتم التي من كانت بيده نفذت أموره". فذهب ذلك الرجل إلى علي فلم يزل في شيعته إلى أن مات رحم الله الجميع. و قد ألف الإمام النسائي[129]صاحب السنن كتابا في فضائل[130]علي لما دخل الشام فقيل له و لم لم تذكر الصحابة فقال إني دخلت هذه الأرض فرأيت المنحرفين عنه بها كثيرا فرجوت أن يهديهم الله بهذا التأليف.

قال الناظم رحمه الله و رضي عنه:

بْجَاهْهُمْ يَا مُولاَيْ لاَ تْزُولْ رَحْمَانْ * لاَ تْوَكَّلْ بِنَا مَنْ رَامْنَا بْنَبْلُه

وَ اسْبَلْ عْلِينَا يَا رَبِّي ثْيَابْ الاَمَانْ * يَا كْرِيمْ انْ يَحْيِي مَيْتْ الْجْرُوزْ وَبْلُه

التوسل بالأنبياء صلى الله عليهم و سلم و بالصحابة رضي الله عنهم و بالأولياء نفعنا الله بهم جائز نص عليه الشيخ السنوسي و غيره و قوله "لا تزول رحمان" أي أن الله تعلى رحمته دائمة غير منقطعة دنيا و أخرى.

تنبيه: في كتاب الشهاب الخفاجي عند قول القاضي عياض في "الشفاء" في الخطبة في قوله تعلى وسع كل شيء رحمة و علما ما نصه شمول الرحمة للذات لا يصح و أن شمله العلم و شموله لما سواه ظاهر لأن كل شيء منعم عليه حتى المعذب بترك الأشد ﻫ. و الجروز الأرض التي لا تنبت و الجمع أجراز و التي لم يصبها مطر و الوابل المطر الشديد الضخم القطر.

قال الناظم رحمه الله:

وَ السّْلاَمْ عْلَى الْهَادِي مَنْ عْشِيقْ هَيْمَانْ * مَا رْعَى شَادَنْ فِي صَحْرَا غْبِيطْ رَبْلُه

"الهيمان" الهائم بالعشق و "الشادن" بالمهملة القوي من ولد الظباء الذي استغنى عن أمه و "الغبيط" الأرض المطمئنة الواسعة المستوية أطرافها فهو وصف للصحراء. و "الربل" ضرب من الشجر ينفطر في آخر القيظ بعد الهيج ببرد الليل من غير مطر. هنا انتهى بنا القول فيما قصدناه من المرام الذي طلبناه.

و أحمد الله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله. قد أتينا بما وعدنا فإن كنت قصّرت عن نهاية * أو بلوغ غاية * فبقدر العلم و الدراية * فهذه طاقة المقل المجتهد * و لا تجود نفس إلا بما تجد* مع أن القلب شغيل * و الذهن كليل * و الزمان ذو اعتلال * و ضعف أحوال * فيأتي منه النسيان و الإغفال * و لو لم يكن إلا سكنى حاضرة كبادية * فناهيك من معذرة بادية * لا سيما من اشتد فيها عسره * و لم يساعده دهره * فكيف يرتفع ذهني إلى تصنيف * أو يمتد أمله إلى وضع تأليف* قال مصعب بن سعيد حفظت عن أبي موسى عيسى بن يونس أربعين حديثا فلما أتيت بيتي قالت لي ابنتي "الدقيق يخصّنا" نسيت عشرين و قال:

همّ الدقيق و هم الزيت والحطب * هي التي أوقعت نفسي في العطب

فكيف تسألني عن حفظ مسألة * بمثل هذا و أن اهتزّ لطرب

 و لولا القريحة ما تجرّأت على وضعه * و شغلت نفسي بجمعه * مع زيادة أن الناس داء عضال* لا يتخلص منهم على كل حال * سهامهم مسمومة * و خلق أكثرهم مذمومة * لا ينظرون بعين الإنصاف * و لا يملون من الانتقاد و الخلاف * يسقون بأفواههم العسل و في قلوبهم السم الزعاف * و لم يعلم الإنسان أن في نفسه شاغل عن تنقيص أهل الأدب * و بعد نفسه الأمارة بالسوء عن أهل الرتب * و لو وضع يده على فيه * و ألهته المساوي التي فيه * فأعجب به من مارق * و مباين منافق*  ففي الحديث لا غيبة في فاسق * و الله يهدينا إلى التوفيق* و سواء الطريق * فإن وجدت أيها الطالب عورة فسدها و لا تبديها* و لك بها على يدي فتسديها * و الله المعين على أداء حقك* و ما يقع بوفقك * إنه بذلك كفيل * و هو حسبي و نعم الوكيل * لا حول و لا قوة إلا بالله العالي العظيم * و لله در قول الشاعر[131]:

ما ثم غير الله في كل حالة*فلا تعتمد يوما على غير لطفه

فكم حالة تأتي و ينكر حالها الفتى*و خيرته فيها على رغم أنفه

تم الشرح

 الهوامش

[1]  و هو إسحاق بن بشر بن محمد بن عبد الله بن سالم أبو حذيفة البخاري المتوفى سنة 206 هـ.

[2]  و هو أبو الحسن الفخري الأندلسي.

[3]  أو: مأثرة.

 م2 : شأن. [4]

[5]  و في المراجع الأدبية: و من به.

[6]  و هو خالد بن عبد الله الأزهري المتوفى عام 905 و عنوان الكتاب هو " الزبدة في شرح قصيدة البردة".

[7]  في م 2 : شجرة الخولان أو أم غيلان.

[8]  و ربما أراد: الآبار.

[9]  ذكرت البروج المشيدة في سورة النساء الآية 78.

[10]  كتاب " الإتقان في علوم القرآن" لجلال الدين السيوطي العلامة المصري المعروف(849-911ﻫ).

[11]  هو القاضي شهاب الدين الخفاجي المصري توفى سنة 1069هـ و عنوان شرحه " نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض".

[12]  إبن نباتة المصري(686-768ﻫ).

[13]  الشاعر طرافة بن العبد البكري الوائلي(86-60 ق.ﻫ).

[14]  و في المراجع الشعرية: "أرى الموت يعتام الكرام و يصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد".

[15]  و يلقب بصريع الغواني توفى سنة 208ﻫ.

[16]  و هو الشاعر أبو شرحبيل الرماح بن أبرد الذبياني المتوفى في 149ﻫ.

[17]  تنسب الأبيات أيضا إلى العباس بن الأحنف و أبي نواس مع بعض التغيير في اللفظ.

[18]  و هو العالم الأندلسي أبو علي عمر بن محمد الأزدي الشلوبيني(562-645ﻫ).

[19]  هو أبو محمد عبد الله بن برّي المقدسي المصري(499-582).

[20]  للحريري صاحب المقامات.

[21]  سيدي الهواري دفين مدينة وهران(843).

[22]  و لعله يقصد شيخ المالكية أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المعروف بان القرطي صاحب " الزاهي" و " أحكام القرآن" و " مناقب مالك" و " المنسك" المتوفى في سنة 355ﻫ.

[23]  قال الصفدي في "وافي الوفيات:" و لم يكن في أبو حنيفة رضي الله عنه ما يعاب به غير اللحن، فمن ذلك أن أبا عمرو بن العلاء المقرئ النحوي سأله عن القتل بالمثل، هل يوجب القود أو لا؟ فقال: لا، كما هو قاعدة أبي حنيفة في مذهبه خلافا للشافعي، فقال له أبو عمرو: و لو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال له: و لو قتله بأبا قبيس، يعني الجبل المطل على مكة، و قد اعتذر الناس له و قالوا: قال ذلك على لغة من يعرب الحروف الستة على أنها مقصورة."

[24]  و هو " لب اللباب في تحرير الأنساب" للسيوطي.

[25]  محضني النصح لكن ليس أسمعه * إن المحب عن العذال في صمم

[26]  و في ديوانه: أقادوا من دمي و توعدوني * و كنت و ما ينهنهني الوعيد

[27]  قالها أبو عبد الله الواسطي.

[28]  و ينسب الكلام أيضا إلى السفاح بن بكير.

[29]  السورة 78/الآية 33.

[30]  و هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي صاحب كتاب" العقد الفريد" المتوفى سنة 328ﻫ.

[31]  س.24/آ.39.

[32]  و هو الراغب الأصفهاني صاحب كتاب " محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء".توفى سنة 502ﻫ.

[33]  تنسب كذالك إلى العباس بن الأحنف و ديك الجن.

[34]  س.79/آ.18.

[35]  س.17/آ.14.

[36]  و تنسب كذلك إلى ابن حمديس .

[37]  "كتاب العين" للخليل.

[38]  ينسب إلى ثعلب.

[39]  م 3: أجفاني

[40]   ينسب البيت الأخير إلى نصيب بن رباح.

[41]  قاله الشاعر إبراهيم الغزي.

[42]  و قيل أنه مرج الكحل.

[43]  و قيل أنه ابن أبي عيينة.

[44]  و هو مدثر بن إبراهيم بن الحجاز.

[45]  س.82/آ.26.

[46]  أي حازم القرطاجني.

[47]  و عند بخوشة و بوعلي: بجيران.

 يوجد هنا بياض في المخطوطات.[48]

[49]  أي على شكل لُمًى و لٍمًى و لَمًى.

[50]  أنظر المقامة البغدادية.

[51]  و هو التهامي.

[52]  المتنبي.

[53]  في الآية 136 من سورة الأنعام.

  [54]لعله يقصد أبو نصر ابن الصبّاغ صاحب " الشامل" و " الكامل" و " تذكرة العالم و الطريق السالم" المتوفى سنة 477ﻫ.

[55]  ابن قلاقس.

[56]  حذافة بن غانم.

[57]  لعله كتاب بدر الدين بن مالك " المصباح في المعاني و البيان".

[58]  و ينسب إلى  إبن الرومي.

[59]  " مدخل الشرع الشريف على المذاهب الأربعة" لأبي عبد الله محمد ابن الحاج العبدري الفاسي المتوفى عام 737ﻫ.

[60]  تنسب هذه الأبيات إلى أبو النجم العجلي.

[61]  و هو محمد بن عبد الله.

[62]  نصيب بن رباح.

[63]  و في المراجع الشعرية: كناظر.

[64]  و في المراجع: صدى.

[65]  وجه الذي.

[66]  القطامي التغلبي.

[67]  الذبياني.

[68]  "فإن أك مظلوما فعبد ظلمته * و إن تك ذا عتبي فمثلك يعتب".

[69]   من قصيدة سلمة بن يزيد الجعفي.

[70]  يليه في م 3: فإن هذا يوم سفرت فيه المسفرات و نامت فيه أعين المضرات.

[71]  و في المراجع: "و دعوا بالصبوح يوما فجاءت * قينة في يمينها إبريق".

[72]  س.47/آ.37.

[73]  س.53/آ.7.

[74]  و هو النحاس النحوي المصري المتوفى عام 264ﻫ.

 "صهباء كلون الفرس الأشقر".[75]

[76]  وقيل للعباس بن الأحنف و قيل للتهامي الأقطع.

[77]  أي أبو علي الروذباري.

[78]  "فسكرك من لحظي هو الوجد كله * و صحوك من لفظي يبيح لك الشربا/فما مل ساقيها و ما مل شارب * عقار لحاظ كأسه يذهب اللبا".

 الصاحب بن عباد أو الإمام علي.[79]

[80]  و قيل أبو نواس.

[81]  "شربت مع المأمون كأسا روية * فانهلك المأمون منها و علّكا".

[82]  "ألا عم صباحا أيها الطلل البالي * و هل يعمن من كان في العصر الخالي".

[83]  س.56/آ.17-18.

[84]  "أبو بيضات رائح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح".

[85]  تنسب إلى الفرزدق.

[86]  س.56/آ.55.

[87]  س.44/آ.51.

[88]  و هو محمد المهدي القصري الفاسي صاحب كتاب " مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات". توفى سنة 1063ﻫ.

[89]  س.21/آ.107.

[90]  س.55/آ.76.

[91]  س.21/آ.107.

[92]  س.22/آ.11.

[93]  س.84/آ.24.

[94]  س.15/آ.92-93.

[95]  س.78/آ.27.

[96]  س.28/آ.78.

[97]  و هو شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني (923-851)صاحب " المواهب اللدنية بالمنح المحمدية".

[98]  س.28/آ.54.

[99]  س.8/آ.30.

[100]  س.35/آ.6.

[101]  س.58/آ.19.

[102]  و هو فتح الدين ابن سيد الناس اليعمري الربعي و له " عيون الأثر في فنون المغازي و الشمائل و السير". توفى سنة 734ﻫ.

[103]  س.39/آ.36.

[104]  س.5/آ.67.

[105]  س.25/آ.63.

[106]  أي الشرح المطول.

[107]  و هو أبو بكر محمد بن الحسن النقاش و له تفسير بعنوان " شفاء الصدور". توفى سنة 351ﻫ.

[108]  هو محمود بن حمزة الكرماني المتوفى سنة 505ﻫ. له " البرهان في توجيه متشابه القرآن".

[109]  و هو" الكتاب الحاوي لنبذ من التوحيد و التصوف و الأولياء و الفتاوي".

[110]  و قد تنسب إلى الخليل بن أحمد.

[111]  س.2/آ.125.

[112]  القاضي عياض دفين مرّاكش.

 أو انقطاع.[113]

[114]  س.28/آ.57.

[115]  س.5/آ.54.

[116]  أو أعني.

[117]  س.59/آ.5.

[118]  س.33/آ.10.

  أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة 429ﻫ.[119]

[120]  س.54/آ.45.

[121]  " ضياء القابوس على كتاب القاموس" من تأليف أبي راس.

[122]  و هو الحصين بن حمام المري.

[123]  راشد بن عبد ربه.

[124]  و هو كتاب السيوطي " لب اللباب في تحرير الأنساب".

[125]  قاله عبد المهيمن الحضرمي.

[126]  و في المراجع الأدبية: "و لسن بأسواء فمنهن روضة * تهيج الرياض غيرها لا تصوح".

[127]  ربما أراد " النيلوفر"(le nénuphar).

[128]  و هو الشاعر علي الغراب الصفاقسي المتوفى عام 1183ﻫ.

[129]  هو أبو عبد الرحمان أحمد بن شعيب المعروف بالحافظ النسائي المتوفى عام 303ﻫ، أحد من أصحاب الصحاح و السنن.

[130]  و عنوانه هو" خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب".

[131]  وقيل هو المفتي فتح الله.