Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يجمع هذا الإنجاز الأدبي المميز شخصيتان من أبرز الشخصيات الثقافية و العلمية على المستوى الجزائري و المغاربي و العربي.

أولهما الشاعر سعيد المنداسي  و هو صاحب هذه القصيدة الشهيرة " العقيقة" في مدح الرسول  و الصحابة و الأنصار و البقاع المقدسة.

اسمه الكامل هو أبو عثمان سعيد بن عبد الله المنداسي التلمساني السجلماسي. أصله من منداس بقرب مدينة غليزان الحالية و من قبيلة سويد الهلالية العربية التي سجل التاريخ و الشعر الشعبي مقاومتها الطويلة و الشرسة ضد العثمانيون . نشأ و ترعرع في مدينة تلمسان، العاصمة السياسية و الثقافية للغرب الجزائري آنذاك، في القرن 11 الهجري الموافق للقرن 17 الميلادي. و فيها أثبت براعته الشعرية في النوعين "الموزون"  و "الملحون"  و وضع أسس مدرسة "الحوزي"  التلمسانية. و بعد تدهور الأوضاع في تلمسان هجر إلى المغرب الأقصى و اتصل بملوك الدولة العلوية الناشئة. منهم الإخوة مولاي امحمّد (المتوفى سنة 1075ﻫ/1664م) و مولاي الرشيد(1075-1082ﻫ/1664-1672م) و مولاي إسماعيل(1082-1139ﻫ/1672-1727م) الذي صار المنداسي نديمه و شاعره المعتمد بعد أن كان مؤدبه في أول عمره. فيقول الشاعر مخاطبا مولاي إسماعيل بعد ما قطعت بينهم الوشاة :

 صاحب سرّك ما دحاني فعل قذير * سال عليا ضميرك إذا كنت تسال

عشر سنين نتبّعك و انتيا شير  * صبتك ما تفقه مع الجلاّس مقال

و اليوم تولّيت وانا صرت حقير* وين امثالي عندكم حتّى نجهال؟ 

 و هنا، في أرض المغرب الأقصى و في سنة 1088/1678، أنجز  قصيدة "العقيقة" أو " العقيقية" هذه بعد رجوعه من البقاع المقدسة حسب الرواية الشعبية. و حسب ما ترويه الذاكرة الشعبية أيضا فهذه القصيدة الرنانة هي التي فتحت له أبواب الشهرة الواسعة و وفّقت بينه و بين الشعراء المغاربة الذين طالما كانوا ينبذونه. يقول الفاسي:" ذكر لي الشيخ الفلوس أن سيدي سعيد كان له خلاف مع أشياخ فاس و كانوا يمنعونه من الإنشاد بالمسيد (مسيد سيدي فرج) يوم عيد المولد. فلما طلع الحجاز و حج نظم قصيدة " العقيقية" و لما حل يوم العيد جاء و طلع للشجرة التي هناك في وسط سوق الحناء و هي توتة عظيمة و صار ينشد "عقيقته" الشهيرة فأخذ الناس يصغون بإعجاب له حتى انتهى و لما نزل حلف أحد الأشياخ حتى يحمله على ظهره و يدخله للمسيد" .

و هكذا أخذت مدرسة الملحون المغربية على المنداسي ما ساعدها على القفز من مرحلة الركود إلى مرحلة الازدهار  فتتلمذ على يده الشعراء من أشهرهم الشاعر المصمودي مطور فن الغناء بقصيدة الملحون أي " الڤريحة" في المغرب حيث يقول في قصيدة " حشا يخيب من يتوسل بنبيك":

 "يا حافظ المعاني خوذ الحلّة بطرز الاشعار* من عند الماهر مرتّب قياسي* ڤندوز  سعيد المنداسي..."

 لكن حزب حسّاده كانت له الكلمة الأخيرة فاضطر أخيرا المنداسي إلى مغادرة بلاط مولاي إسماعيل نهائيا. و يقول بعضهم، كبخّوشة مثلا، أنه عاد لتلمسان و دفن فيها. و لكن هذا يناقض ما أفادنا به دلفين بأن العثمانيين، مراعاة لنفوذه القوي على أهله من قبائل المحال الثائرة، حاولوا إقناعه بالرجوع إلى بلاده و الانضمام تحت رايتهم و وعدوه بالأمان. و لكنه أبى و وجه لهم هذه الأبيات التي يضرب بها المثل:

 "بوبيّاضة و العزّ معاه * خير من منداس و ﭭمحه

خير ياسر و الذل علاه * طرف عيني ما تلمحه

عزّ في قفرا نهواه * بالقليل و الهنا نفرحوا

نرتجى مولايا بغناه * حد غيره ما نمطرحه"

 أما أبو راس و الفاسي و الجراري فهم يرشحون أنه توجه إلى تفيللت، جنوب المغرب، و توفى و دفن في الرتب من نواحي سجلماسة.

فعلى كل حال، بقيت تواريخ ميلاده و وفاته مجهولة حتى الآن و كل ما لدينا هو تاريخ أقدم قصيدة مؤرخة له و هي تحمل تاريخ  1060ﻫ/1650م و أحدث قصيدة مؤرخة له و هي العقيقة(1088ﻫ/1677م).

لنترك للباحثين مسألة التواريخ و لنقل كلمة عن المنداسي كشاعر شعبي: فمن الأكيد أنه يشكل حالة فريدة من نوعها في ميدان الملحون. فبقدر ما يحظى لدى الخاص و العام بالاحترام و الإعجاب لغزارة ثقافته و مهارته الشعرية و مكانته المرموقة عند الملوك و العلماء و الأدباء، فبقدر ما تعتبره الأوساط الشعبية شاعرا غامض اللغة معقد الأسلوب مشتبه المعاني و بالتالي لا يصلح أغلب شعره للغناء و الطرب.

و يبدو واضحا أن جل ما نظمه المنداسي من شعر، و إن قصد به عامة الناس كما يزعم، كان، منطقيا، موجه للمثقفين و العلماء. فنوع شعره في منزلة بين منزلتين فلا نستطيع أن نقرر إن كان من " الملحون الفصيح" أم من " الفصيح الملحون" كما يقول الأستاذ رابح سعد الله .

و أما ما اتّضح لنا من أفكار و اتجاهات المنداسي من خلال قراءتنا لشعره و لمواقفه هي نزعته العربية القوية: فهذا الشاعر العربي الأصل، و الثقافة و اللغة، كان من أنصار ملوك عرب، العلويين، في زمن كانت فيه المواجهة ضد الإسبان و العثمانيين في الجزائر و القبائل الأمزيغية في المغرب.

و دفعه شغفه هذا باللغة العربية و ثقافتها القديمة الكلاسيكية إلى شحن شعره الملحون بالغريب المهجور و التلميح إلى "الثقافة المثقفة" إلى حد أدى إلى قطع صلة هذا الشعر بجذوره المغربية القريبة من لغة جزائرية و ثقافة محلية.

و النخبة المثقفة التقليدية لا تولي أي اعتبار للشعر الملحون بصفة عامة ما عدا هذه القصيدة " العقيقة" التي حظيت بشروح قيمة. فأول شرح وضع لها هو شرح الأديب المعسكري أحمد بن سحنون الراشدي (أنجزه بين سنة 1200 و1202ﻫ)  و عنوانه " الأزهار الشقيقة المتضوعة بعرف العقيقة" . و الشرح الثاني هو شرح العلامة أبي راس و هو ثاني شخصية شركت في هذا الإنجاز.

و هو الشيخ محمد بن أحمد بن عبد القادر الراشدي المعروف بأبي راس الناصر. ولد بنواحي معسكر سنة 1115ﻫ . تتلمذ على يد علماء كثيرين أبرزهم الشيخ عبد القادر المشرفي المعسكري. و حجه إلى البقاع المقدسة مرتين في 1204ﻫ و1226ﻫ مكنه من معرفة البلدان العربية الإسلامية  بعلمائها و إنتاجها الفكري. أخيرا استقر في مدينة معسكر حيث تولى القضاء و التدريس حتى وفاته سنة 1238ﻫ. دفن في معسكر و ضريحه معروف في حي باب علي باسم سيدي بوراس.

و كان من ضمن الذين يجالسونه في معسكر شعراء شعبيون أمثال الحبيب بن ﭭنون  و محمد بلوهراني الذي رأى رؤية و طلب منه شيخه أبو راس أن ينظمها في قالب شعري فنظم بلوهراني جفريته الشهيرة التي يقول فيها مخاطبا شيخه:

 "آشيخي يا شيخ دنّڤ واش يصير * آ شيخ التفسير في الجيل المهمل

نعلمكم ما جاي و قبضوا ذا الراي * ما باقي لا باي لا باشا يعدل"

 لقد ترك لنا أبو راس أعمال عديدة و متنوعة : في علوم القرآن و الحديث، الفقه، النحو، التوحيد، التصوف، المذاهب، اللغة، التاريخ، الشعر. و مع هذا ما جلب انتباه الباحثين هو إنتاجه التاريخي فقط. و لسبب بسيط هو أن المصادر التاريخية للعهد العثماني في الجزائر نادرة جدا. و للأسف أغلبية المخطوطات ضاعت و لا يحقق و ينشر منها إلا النزر اليسير .

أما فيما يخص "العقيقة" فله فيها سبع شروح  أوّلهم " الدرّة الأنيقة" التي اعتمدنا لتحقيقها على ثلاثة مخطوطات:

  • المخطوط رقم1 (م1): تبرع لنا بصورة منه المرحوم سي البشير محمودي البرجي. بخط السيد حمادوش بن عبد القادر السجراري الساكن مدينة المحمدية. انتهى من نسخه سنة 1982 و هو متكون من 64 صفحة و خطه متوسط. و على هامش الصفحة 1 حتى الصفحة 7 توجد مقطوعات من تعليق المفتي محمد الروّاز .
  • المخطوط رقم 2 (م2): صورة مرقمة لمخطوط حصّلنا عليه من "مخبر المخطوطات" التابع لمعهد الحضارة الإسلامية لوهران. منسوخ بخط السيد محمودي البشير البرجي المذكور أعلاه من نسخة للمفتي الروّاز من نسخة أصلية للشيخ المهدي البوعبدلي. فرغ من نسخه سنة 1961 و هو يحتوي على 60 صفحة. الخط مغربي جيد و مزين بالألوان.
  • المخطوط رقم 3(م3): من المكتبة الوطنية بالحامّة(الجزائر العاصمة) و هو مخطوط مغربي(مراكش) بخط السيد محمد بن محمد الدليمي المراكشي الذي فرغ من نسخه سنة 1306ﻫ/1889م. هو في 106 صفحة و رقمه 3195. خط جيد و أبيات القصيدة مرقمة.

دون أن ننسى مخطوط لقصيدة العقيقة بلا شرح من قلم المرحوم السيد البشير محمودي. تاريخه 1323ﻫ/1905.

 

أحمد أمين دلاي

وهران 9 جويلية 2007