Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمّن المخاصمة في شأن زردة الربيع وحكم تبوثها وما وقع لهم

بمدينة فوكة و بسواحل بحرها

حدثنا امحمد بن العربي قال كنت في زمان اسعد سكنت سعيدة، واستوطنتها ولو انها بعيدة، لما لي فيها من القرابة المفيدة، ومنها عجت لمدينة سيدي ابي العباس، لاختبر حقيقة معاشرة بعض الناس، فلم البث فيها الاّ قليلا، ولم اجد عن خروجها تحويلا، فساقني القدر الخطير، لقليعة عزب عنها الخير، قبقيت فيها اعواما، لا استلذ طعاما، ولا اغبط مناما، أكابد الغربة و اشجانها، الفقر المتولى خصوصا عليها، فبينما انا ذات يوم كنت جالسا بسحين مسجدها المقابل لعمارة سوقها وبلاصتها، وبجانبي إمامها المعروف، السيد احمد الحجّوطي النقي الموصوف، إذ رأينا تلميذا قدّاشا، يجر نعليه على الارض كأنه قرداشا، ويغربل بتفريق اوراقا بيده للناس، ولا يعتبر في ذلك من بأس، و لمّا افاض مروره بنا، وهجومه بالجواز علينا، مدّ للامام ورقة من الاوراق، ذلك الورّاق، فقرأ سرا معانيها، ثم ارانيها و ناولنيها، فإذا المكتوب فيها، اعلام ان سعادة الوالي رئيس إدارة مجالس العلوم الكدّية مخبر لكافة الطلبا، الصادقين الأدبا، بأنه ردّ كريم نظره في الزردة التي رتّبوها على مقابلهم ولمّا طال بهم الترجّي، واضطرّوا الى المنجّي، شالت بينهم المخاصم، وارتفعت دعوتهم للمحاكم، حتّى عجز عن فصل قضيتهم كل قاض يقضي وكل فقيه، وحار فيها كل امام و كل نبيه، الان اعلموا واستبشروا، وابشروا بالزردة وبشّروا، فإن الوالي اعزّه الله، و احسن تقواه، في يوم التاريخ انظم مجلس علمائة، سدّدهم الله بأسرار أسمائه، و وضع طلبتكم لديه، و استشار عليها كواكب دارته، ودونكم نصّ ما وقع في استوائه، فمنهم من ضعّف استـوجابـها، و نبذا استثباتها، و منهم من قال انها بذلة ماء في هوا، وبذرة زارع في صهبا، و منهم من قرأ عليها تخلف بخلف السبْط، و قيد الدرهم بالضبط والربط، و حكى حكاية ابن الانبط لمّا كان ماشيا في سوق و معه ابنه و كان بيد ابيه درهم فمرّا على رجل عيساوي قابض حيّة و يقول من يعطيني درهم فإني ابتلع هذه الحيّة فالتفت ابن الانبط الى ابـنه و قال له يا ولدي احفظ درهمك فمن أجله تبتلع الحيّات، الى غير ذلك من الحكايات، ومنهم من قال بل ما انفقتم من شي فهو يخلفه وهو من قال هذه صدقة و لا صدقة باعتبار، و لا هبة بانتهار، و منهم من قرأ عليها، و للشحيح على أمواله علل، يسعنه ابدا ذما و تبكيتا، فجد بما جمعت كفاك من نشب، حتّى ترى من جدواك منحوتا، و منهم من قال لا يبلغ المجد الا السيد الباذل، لما يشقّ على الناس فعّال، واشتد بين الجماعة الكدّ واللدّ، المشاجرة بالفم وباليد، فمنهم من اثبت الزردة بالكباب، ومنهم من قال تركها هو الصواب، واستشكل على أخرين الجواب، الى ان نكلت الزماجر، و صـمت المزجور و الزاجر، اذ برز من عمام الجماعة كهل كأنه نبش عليه من القبور، او اخرج من سجن مثبور، و قال يا اهل ذا المجلس القويم، وقيتم من الضلال العميم، هلمّوا اليّ و اسمعوا، وخذوا ما أقول لكم و لا تكذّبوا، فإن مسألتكم هذه لا يكشف سرّها، و ينور عبقريها، الا بقرعة و لغط، او نصبة من الزناتي بخطّ، فإن ارضاكم ذاك ففاتحوا، و إلاّ فشدّوا احبالكم و لا ترخوا، فإن كذّبتموني فكلاّ ساء ما تظنون، و كلاّ سوف تعلمون، فانعمت الجماعة بقوله، واستقلدت برأيه و فعله، فلم يك الاّ قدر ما احمل اليه رملا مصفّى، ونشره بين يديه صفّا صفّى، ثمّ نقط على رمليته، ليبث باطن حكمته، فاستطلع الضمير بشكل الاجتماع، الدال على الترجي و الطماع، ثمّ قال اضرب الضيف مع مولى الدار، ياتيك من يعطيك الاخبار، واشهد عليه ثوالثه، لتحظى بفائدة سوابعه، فلمّا فعل استنبا من توليده شكل البياض، الدال على الاتصال بعد الارتكاض، فقـهقه حينئذ وصـفّق يـداه و حكم لثبوت الزردة بمل فاه، فوفّقه الجماعة لحكمه، وانعم الوالي رئيس الحكومة الهرورية[1] بموافقة تنفيذه، و في المجلس القابل يعيّنوا لكم يوم الزردة و محلّها و وقتها، و كيفيتها، و صفتها، وما يلزم لها وما تحتوي عليه، مرتبا كل شي بانفصاله، فاحمدوا الله وكونوا من الشاكرين، و تباشروا بارتفاع كلمتكم لاعلى عليّين، وقد كان جدولكم لاقاه تيارا، و طلبتكم حاقها اعتصارا، الحمد لله الذي جعل اوّلها قمطريرا، وصير اخرها منيرا :

 

آحـبـيـب ڤـلـبـي لا تـجـزع

*

بـالـهـمـوم مـــولانــا فـرّاج

كـل ضـيـق يـنـفـاجه يـاسـع

*

مــا تـدوم الـشــدة بـاعــلاج

فـادر كـريـم يحـن و يـشـفـع

*

كـل مـن اصـبر نــال مـنـهـاج

و بأمره أعزّه الله امضاه كاتب سرّ اللجنة عبده بالشيخ المرّيخ، فلمّا اتممت قرأة الرقعة تأملتها، فإذا المكتوب بمقلوبها، نصّه بعد الحمدلة و السبحلة أعلم ان الوزير الاعظم حافظ السرّ و منفذ الامور الوالي رئيس إدارة المجلس الكدّية[2] مخبر الكافة الغربا المجلوزين و المدروزين[3] والخرّازين و الطـرّازين و العبّـازين و الهمّـازين و الغمّازين و الخبّازين والمطزطزين و المغرقعين والدبّاغين و الخيّاطين والدراويش، الذين هم كالحرّيڤ[4] في الحشيش، ان زردة الربيع التي انعم الوالي بها على الطلبا الصادقين تكون إن شاء الله يوم الخميس خامس فصل الربيع السنوي وليلة الجمعة السادسة و محلها بحريم قبّة الوالي، سيدي عبد القادر الجيلالي، الكاينة بغرب قرية فوكة براس الجبل العالي، الراقبة على البحر و سواحـله، و اوديته واجنته و عامرته، و وقتها أوّل ساعة الضحى و كيفيتها يكون جمع الحجيج، في المحل و اليوم و الساعة بنية التفريج، ثم يقرؤن بعض السور و يهبط من راد لساحل البحر، ليحضى ببركة من يخرج من اليمّ مختمر، و عند التقائه تفريج الهمّ و الغمّ و الكدر، و كيفيتها الخ فبعد صلاة الظهر ترتفع الكفف، و تستقيم الصفف، و تدور الحلقة لسوق الربح، و من اراد العمارة فليشتري الملح، و لهذا يلزم من استطاع البسوس قبل الجلوس، والتمركس عن بعض الفلوس، و في اثنائه دفع الماكل و المشراب، والكلام الطرب والملاعب، و قبل الغروب، عند امتساس اللغوب، و يكون الرجوع لرباط المنيعة، و الكاين بقلب القليعة، و فيه يصير كيت و كيت من رنّة الاوتار و نغم الملاح، إلى ان يداعي الداعي بالفلاح للصباح، يكن الانطلاق لاعمال الصلاح، و السلام و به الخليفة حمّود الطرّار، بيّاع الشبّ و الطرطار، فلمّا تممت قرائتها، واستوعبت خطابها، قلت لرفيقي زد لي ايضاحا، زادك الله اصلاحا، فما معنى قوله ليحضى ببركة من يخرج من اليمّ الخ فقال لي اعلم يا اخ ان اهل هذا الاقليم، كانت لهم سعة و ثروة في التنعيم، وكان سبرهم في كل سنة يخرجون في أوّل فصل الربيع و يسمّونه الموسم الذي يبسط فيه الشـايب و الـرضيع، و لمّا ضربهم الزمـان بغزاله، و استـولى عليهم الفقر باوجاعه، نـبذوا تلك العـادة و تركوها، و ايّاسوا منها و انسوها و بطلوها، و في هذه السنة قام بعض اولائك الجيل، ليحيّوا ما فرطوا اهل هذا القبيل، حتّى آل الأمر للنزاع و صدر الحكم فيمـا جرى، كيف تـرى، و امّا ما يخرج من اليمّ فهو مرابط يخرج من البحر يأتي من الغرب، يزورونه المهمومين لاجتلا الكرب، وهو قطب ربّاني، وعفريت صمداني، قد شهد عليه كرايم يكلّ القلم عن رقمه في الاوراق، و يعيّ البرّاح بها في الزقاقات و الأسواق، قال ابن العربي فلمّا سمعت ما قال، و قد اوجز فيما جال، حدثتني نفسي الذميمة، العظـيمة، و مهجتي الشريفة الكريمة، بأني اولى من يشاهد هذا المقام، و يلتمس التوسّل لادراك المرام، و ربّ رمية من غير رام، و ان كانت لنا سببا للقضا، فهاتك البغية من الارادة والقضا، فقلت للامام أينه يا فقيه، يا ذا الفضل النبيه، ألا تأذن لي أكون من رفقائك في هذا اليوم النزيه، فقال بلى و اوعى، و اكون لك من المؤمنين عند الدعى، فصرت في الحين من المنتظرين لذلك اليوم واحوج اليه اكثر من القوم، فلمّا انتهى امد اليوم الموعود، و لم يبقى الاّ مـلاقات الشاهد والمشهود، قمت يوم الخميس مجردا جـلبابا، و لبست جلاّبا، و اتلت فرستي في كروستي وركبت والامام محاذيا يسرتي، و قلنا بسم الله المنّان، و اطلقنا لها العنان، فاندفعت نجزة تمدّ باعها سياني، اذ هي من الجنس السرياني، فلم يمض من الزمان الاّ هنئة و وصلنا مدينة فوكه، التي هي من الاسماء المخمسة مشروكة، فجلسنا في ظل مصطبة دايرة بورد و رنجس و سيسان، ريثما استرحنا و اشربنا كيسان، ثم جددنا السير للمحل المقصود، إذ هو على قرب محدود، فلمّا وصلناه دخلنا ساحته، وجدنا فيه افرادا مبثوثين بعضهم يدخن دخانا، و بعضهم يزرنن زرنانا، فمكّنا الفرسة من الوكيل، ليحفضها ممّا يخاف من التخييل، ثمّ دخلنا القبّة لأداء الواجب، من الزيارة للوالي الناجب، ثمّ دخلنا و جلسنا في ظل القبّة مورّكين، منتظرين يمينا و شمالا لمن يأتي من المهزطين، و إذا بالناس شرعوا يأتون، من كل حدب ينسلون، فمنهم في الكراريس شرابات، وكاليشات ودروات، ومنهم راكبين الخيل و البغال و الحمير، و منهم يهرعون تراريس سبيل عبير، و اجتمعت الاخلاط من كل قبيل، من السايخ والشعيبة و القليعة و الدواودة و فوكة و ابو اسماعيل، ثم أتت عن بعدهم شرذمة من بيرار، و تلاها رهط من بني بزار، فلمّا تمّ اختلاط الضوضا و لم يبق من يرتجى بحمرا و لا بيضا، قام مقدّم المهرجان، و صاح كأنه الخديم مرجان، و في صياحه يقول السعي السعي للشاطي، فهذا وقت وصول السرّ الباطي، فثارت عجاجة في الجمع، و هبطوا متشوقين بالطاعة و السمع، فنزلت انا والامام حافيين، كما قدر الله ناعمين، الى ان وصلنا و قد سدى الجميع على شط المياه، و صاروا شاخصين بأبصارهم لناحية الغرب على قدر النظر لساهية المياه، فما لبثوا ان رءوا شيخا لاح، كجناح طاير مدّ و استباح، فحققه ناظورة القوم بناظوره، و قال هلموا للسعي فهذا هو القطب بناذوفه، فافترق حينئذ القوم على اصنافه، و انواعه و اجناسه، امّا الطلبة لبعض السور يقرؤون، والـدراويش يركـضون و يدردقون، و غيرهم يـميسون و يتمتمون، و لحاياهم يرتدعون و يهتزّون، فنزل علينا ما نزل على القوم من الجذب، و خشعنا خشوعا من صميم القلب و صرت أقـرأ مع القـارئين، و مـرّة ادردق مع المدردقين، و اخرى أميس مع المايسين، و طورا اتمتم مع المتمتمين، واهـزّ لحيتي مع الهزّازين، و نحن في شدة تسبيح و تهليل، الى ان قرب الشيخ على نحو الميل، فبان انه رجل لابس اللباس الاخضرا، من عمامة ومحنكة و جبّة و قضيب خضرا، و أمامه فلاكة ابونطه يتجرجرا، و قد تجرّد جمّ غفير و دخلوا البحر بالسبـاحة ليـلتقوا بالفلك عـلى البعد، و تسابقوا على من يمسّ الفلك اولا بيد، و قد دارو بالفلك متخابطين على الما، و وقعت العربدة و الزبيد طاير للسما، ولو لا عناية القدّاف، لغرق القطب في الما و جاف، فلمّا استوى الفلك بجانب البر، حذو صخرة من الجزر، قام القطب الاخضر، و بيده القطيب المعمبر، و قال الحمد لله الذي نجانا على الفلك، من مسالك الهلك، و انه سميع عليم، بعبـاده رؤوف رحيم، و هو ينظر للنـاس و يشيرلهم برأسه و يمنـاه، كأنه يحـيّيهم و يدعولهم من مولاه، فنزل اليه مقدّم اللّجنة و اخرجه كالسردوك المتلتل، لمّا اصابه من رشراش الما المغـربل، و احضره لعـين اولايك الاعيان فتلقّوه بالبشاشة و الاقـبال، و الدعى والتضرع و باحسن السؤال، و الناس حايطين به، متبرّكبن باتيانه، فمنهم من يمسّه ومنهم من يمسح وجهه بأذياله، فلمّا انتهت نوبة مروره من قربي، لألتمس منه ما يجلو كربي، لحت بصري عليه، و حقّقت النظر فيه، فإذا هو صاحبنا ابن عيسى المهلهل و المحلحل، السمين المبلبل المبرذل، لا زال يتلوّن ويتقلّب في أحواله و أشكاله، و يتمرّد بأقواله و أفعاله، فخزرته وقلت له إييه إييه يا تاتا، الى متى والى متى، فلمحني من طرف خفي، وستل عينيه كأنه إمام حنفي، ثم رفع رأسه الى السما و هال، ونطق بصوت اسمع الصم و قال، كنت اجول البراري فزدت البحر، ومن كذّبني سيرى الخبر:

 فما زلت اطوي المهامه و اعلى الصحر

و اسمو الجبال عن طول البصر

آمهجة قلبي اكتم و اصطبر

فلا شك تلق من به تنتصر

فهلمم القوم اليه و ترعرعوا، و كتبوا عنه املاء ما سمعوا، ظنا به انه من كلام الاوليا، الذي يكتب اقوالهم و يحفظ محى الحيا، فكانه استنبا عما حدث ببالي، فنبهني بابياته لاحافظ سرّه و لا ابالي فغفلت عن عبثه و كرهت ان انبّه عليه، خشية ما يستجلب اليه، الا اني ندمت على ما فرط مني من الهبال، عمّا دردقت و تمتمت و ما كنت فيه من التعب و الوبال، اراقب الخبيث كما يراقب الهلال، و قربوا له كاليشا و اركـبـوه، و ركبوا معه اعيان القوم وشرّفوه، و انطلقوا به مع الطريق السلطانية بلا أمل، راجعين للقبّة براس الجبـل، و كرّ الهجـيج في اثرهم يتلاعبون و يتصـافرون، ويتسـابقون و يتضاربون، و هم فارحين متبشرين لازالة ما كان عن قلوبهم متكدّر، من الشوق لرؤية قطبهم المخضر، فاتبعنا اثرهم رويدا رويدا، و الامام رفيقي يكلّ من السير و يشدّ عضدا عضدا، ونحن في فاكهة الحديث، على ما رأينا في البحبحة التي لم يلبث لها لبيث، فعفت ان لم ابين له السرّ المكتوم، اكون عنده غير صادق مأثوم، فقلت له ان ايها الاخ ان الاسرار عند الاحرار تزيد، فقال لي أيّ و مُحلّ الصيد، فقلت له ان الرجل عرفته حقا، و كلّمته قصدا و نطقا، فأجابني فتقا و رتقا، و انه ليس بوالي صالح، و لا بعالم ناصح، و انما هو صعلوكا لكّاعا، خدّاعا بدّاعا، أصله زمالي، اسمه ابن عيسى العوالي، و هذا صحّة علامته، و يقين حكايته، فطارت من الشيخ شرارة و قال اه ولد الحرام، و لهذا رأيته يتدهكل كأنه الحكيم بهرام، امّا أنا فإني ما اصاحب القوم، منذ اليوم، و اعهد الله ان لا ازور بدّاعا، و لو انه شفّاعا، و سرنا الى ان وصلنا الى المحل المقصود، و هو محتف و ممسود، وبرّاح ينادي و يعود، و يقول هلمو هلمو لسوق الرباح و انهمروا ولا شكّ ان من بدرهم زار، يخلف له بألفي دينار، و القطب الاخضر واقف على صخرة امام القبّة، مستقبل للقبلة، و الناس ملتفّون به دارة مقياس، مصفوفون قياما و جلاس، و في وسط الحلقة فوطة بيضا مخملة مفروشة، كزربية مبثوثة، يرفع الاصطرلاب و يضعه، و يرمي البصر و يتبعه، كأنه مترجي لجواب، او متأمل لصواب، و اذا به حرّك راسه و اطلق جعجعة كالبعير الهايج، او السيل المنهمر المايج، و قال الله الله يا الاحباب، هذه ساعة الاجاب، فتعازمت اللمّة برمي الزيارة المنثورة، على الفوطة المنشورة، و هو يتعوّج و يستقيم، و كشكاشة تنحذر و هو بحال سقيم، فلمّا احسّ بالمخ انفض، و لم يبقى ممن لماله رفض، صاح صيحة وعوى، ورفع يديه في الهوا، و اطلق القضيب و طاح عليه، مخرصا مغشيا عليه، فقامت المقدّمون في الحين و بربروه، و دارو به اربعة رفدوه، و للقبّة وجّهوه و دخّلوه، وكبيرهم رفع يديه و مسح بهما لحيته و قال أمين، الحمد لله ربّ العالمين، قبلت الدعاوي و قضيت الحوايج، و لم يبقى الا التنعم و الفريج، و عمد للفوطة لمّها و كمّسها، و لصاحبها الحقها، و قد لقنوه بالفلوس، ليفيّق من غشيته ذلك المنحوس، ثم تقابلت الصفوف، و نشر بين ايديهم ما هو موصوف، من الخبز المفتوت و المعارك، و المثقّب و الخـفاف، و التين والزيـتـون و الجبن، و التشينة والماندرين و اللبن، و تضارب الجيش بالجيش عن عرك لمعارك، حتّى صار كل إنسان مزنّد من كرشه هالك، فعند ذلك افرنقعوا و نفروا، و رجعوا على حافرتهم و تنشّروا، حتّى لم يبقى الا الاعيان، في ذلك المكان، قال المخبر بهذه الحكاية، فحينئذ ودعت الامام رفيقي في أمله، راجعا لمحله، و دخلت المعمعة متطفّلا بلا عرضة الطست، لانظر تمام من يفرغ عليه ذلك الدست، و لمّا قرب الغروب احضرت العربات، و ركب الكلّ و رجعوا قاصدين الرياض للمبات، و لمّا وصلوه و دخلوه وجدوه قد رتبت بسايطه، و تناصفت في الحسن جهاته، بشموع رايقة تزهر، و أنوار عابقة تستشعر، وجعلوا مجلس القطب بالصدر، و احاطوا به مشاميم الورد و الرنجس و البهر، و عن يمينه ألة الرجال بأعوادها متمّمات، و عن شماله جمع النسوة المسمّـعات، و الاخـلاط بينهم تراكمـت، تقعقعت وتجالست، فاندمرت في الحـمّار، و جعلت مقعدي قرب السحّار، لاطالع ما بيـدي من غشّه، و ما يتـقرقر في كـرشه، و نزلت السكتة على الجلاس، مترجيين لدفع الابساس بلا احساس، فلم يك الاّ قدر ما استقرّ كل شخص في روضته، مشمرا ليرتع في ربضته، إذا بالمقدّم والوكلا اندفعوا، من باب مقوّس و حينا شرعوا، في تفريق المـوايد و السرابت، والمغارف و المسالت، و رتّبوا بين يدي ابن عيسى سنيا اكبر، من النحاس مبرّج اصفر، ثمّ انعكفو على إخراج الصفرات، المختلفات الملوّنات المتشبّهات، و لا تسمع الاّ هاك و هات، من دفع المطابخ كالطرطة و الشربات، و البرانية[5] و اللحم الضـانى بالمحمّرات و المزعفر و المزعتر و المحشو بالروز، و موني على الدربوز، و الشابّة المغبونة[6] و المقلّى و كباب، و فجل و زيتون بالحساب، و شلايط منوّعة و محنّشة[7]، و بـغارير مصنّعة، و فاكهة و موز، و حبالي و لوز، و قسطل و جوز، والمسمّعات يترددن باصـواتهن، مع رنّة اوتارهن و استخبارهن، و المهرقل يسرق اللّمحة إليهن، ومهما سمع منهن، ما يعجبعه كقولهن، يا دعدا الحسن يا ظريف المقلتي الخ الاّ و يسغي اليهن و يبطل الاكل، ثمّ يندفع للمضغ والبلع كالبرذون المهطل، و قد طال امد الانكباب، على اكل اللباب، الى ان بلغ الليل ثلثه رفعت الموايد، وبلغت الفوايد، و عقبوها بالقهوة و المعجونات، و اعطفوا عنها بالاتاي و الحلاوات، وابن عيسى على مطرحه يتبلبل، ولا تسمع الا هريره و زهيره يتخلخل، و على صوت الغنّايين بالاوتارات، و كثر الصياح و الاستخبارات، الى ان قرب الصباح، و ضرب ناقوس الخمسة و صاح، قام ابن عيسى سرعة كالمكلوب، و شحمه كاد يذوب، و اشار لمعلّمة المسمّعات، و كانت ضخمة تماثله في الكثافات، و هزّ لها يمناه و قال لها هاه هاه، آلعاڤة هاه، ضمنت لك الجنّة، فطارت كالزّڤوة المملوة، وسجدت لغير الله سجدة متلوة، ثمّ التفت الى القوم و قال الله الله جزيتم عنّا خير، و ابقوا على خـير و دخـل بيتا كانت ورا، وسـبل على بابها ردا، و طبق القوم يتـفرّقـون و يتتابعون، حتّى لم يبقى الاّ افراد مرتّبون، فهجمت عليه في البيت بالدخول، فقام فارحا و سلّم عليّ وهو ينهت كالغول، فقلت له بلسان المفاكهة عهدي بك ذيبا مبرودا، فمتى صرت ربّا معبودا، أتضمن الجنّة لفاسقة من الغواني، لو قطع فرجها و علق على باب المدينة لعرفه كل زاني، فتبسّم و قال كل الكباب، و اتركني اهرّ مع الكلاب، ثمّ قلت له اقسم عليك بالذي سخّر لك البدعة و تنحيسها، و طلسك بدنسها و تدليسها، ان تخبرني من أين أتيت، و الى أي مقصد تبيت، فقال لي امّا المقدم، فمن وهران لمستغانم، و منها دفعني القطب الخرّاق، الى فوكة دفعة مهراق، و امّا المقصد فلاولاد تركتهم يتضرّعون، بأكباد من الجوع يتنازعون، فقلت ألا تقوم ها هنا واهل الوطن يرشون إليك، ورأيت ما بذلوا عليك، فنظر اليّ نظرة عفريت، و غزّ أضراسه كأن بينهما حجرة كبريت، و قال سبحان من انساك ما كنت انشدتك، لمّا كنت جالسا ورا زريبتك، و انت معشي بنعاجك، و بقرتك، ممّا قال المنداسي رائيس الشعرا، لمّا راح لبوبيّاضة ببلاد فقرا:

 

 

بوبـيّـاضـة و الـعـزّ مــعـاه

*

خــيـر من مــنـداس و ڤـمـحُ

خــيـر ياسـر و الـذلّ عــلاه

*

طـرف عـيــنـي مــا نمـتـلحُ

عــزّ فــي قــفـرا نــهـواه

*

بالقـلـيل و الـهــنــى نـفـرحُ

نـرتـجـى مــولاي بـاغـنـاه

*

حــد غـيـره مــا نــمـطـرحُ

ثمّ صفّق يداه و قال لمقدّمه التشييع التشييع، و الله هو الحافظ المنيع، و قـام و خرج و خرجنا حوله، و الخديم حامل جرابه و عوينه، الى محل كروسة ابراهيم، الموصل له البا لام ميم، لتبلغه بحمله، بسرعة لمحله، ووقفنا معه الى ان ركب و ذهب، و تركني بدموع متسجعة تنسكب، لما هيج لي من الحنين للوطن، و ملاقات الاحبة في العطن، فالله يطلق السراح، لما فيه الاصلاح، و هو الموفق للفلاح و النجاح.     

 الهوامش

[1] الهرورية مأخوذة من هرير الكلب و هو ما يستعمله الكلب قبل نبحه.

[2] الكدية مأخوذة من الكدّ و هو الكذب و ارتكاب المشاق.

[3] لفظة المدروزين الى لفظة المقرقعين كلهم اسماء اهل الحرف الخسيسة كدقّ الحلفة و برم الدوم الخ و الدباغة  و الخياطة حرفة الحماق امّا الدبّاغ فإنه يلبس اطراف الخيش و الشكاير او بعض الجلود و يتحزّم عليهم بحبل الحلفة و يغسل الجلود في الماء الجاري او الراكد المنتن و هو يغني و تايه كأنه من اكابر و امّا الخيّاطين فحكم على خيّاط انه كان خطب امراة يتزوّج بها فسمع به رجل ذاهي و اراد خطبتها فذهب لها و قال سمعت بك ان تريدي التزويج مع فلان الخيّاط فقالت له نعم فقال لها ا لم تعلمي بأنه احمق لا عقل له فقالت له لا قال ابعثي له  و قولي له يأتي بألته و يجلس قدّامك يخيّط فإنّك ترى ما يصدر منه ففعلت ما قال لها و بعثت للخيّاط فأتاها       و جلس يخيط قربا منها و هي تحضيه سرّا فلم يبق الا قليلا و اذا به حطّ الابرة حذوه و التفت لشي ثمّ رجع لياخذ الابرة فانتلفت عليه فصار يفتّش عليها و هو ساكت ثمّ قام قايما و بدا ينفض في حوائجه و عيناه غايران لينظر الابرة و المراة تنظر اليه و هو في حال غضب فلم تشكّ انه احمق فسرحته و تزوّجت بغيره و امّا الدباغة فإني رايت دبّاغا بوادي معسكر قرب رحاة الماء و هو ملتف في خيش و لاوي عليه حبلا و يطوّل و يجبد في جلد عنزي و كيفيته انّه عمد الى دنب الجلد و ربطه مع صخرة كبيرة ثمّ ثقب الجلد من اربعة ارجل و جعل في كل ثقبة صبعا من اصابعه الكبار الرجلين في الرجلين و اليدين في اليدين ثمّ قبض في محل رقبة الجلد باسنانه   و صار يطنّب اعضايه و يرجع رجليه و يمدّ يديه و يكسّل رقبته و يزحزح بكليته ليعطي حق الذنب المربوط مع الحجرة و في تكسّله يلقى الماء الخارج من الرحى و هو في اشنع حالة اعوذ بالله منها رؤية و هذا دليل على حمقه.

[4] الحرّيڤ عشبة ينبت في الربيع اذا مسّ لحم الانسان يحرقه بشدّة.

[5] البرانية: تجيب اللحم الي بغى حطّه في الطاجين و دير فيه فلفلة كحلا و دهن و شوية بصل و تديره على النار تنقلى مليح مليح و تكب له الما على قدّه و من بعد جب الكابوية و الا البدنجال و تقصصهم على قد الدور و ينقلى في الزيت نزه و زد شوية متاع الكمون و نصيب متاع الثوم تديره في الزيت ينقلى مليح و خلطه في هذاك الطاجين الي فيه اللحم و فرغ هذاك الزيت وين ينقلى الثوم و الكمون في هذاك التاجين و قص عليه شوية متاع النعنع و خل على النار واحد الشوية و السلام.

[6] كيفية الشابة المغبونة : خذ اللحم و قطعه اطراف اغسله و در عـليه القرفة و الفلفل الاكحل و الحمـيـصـة و مغرف سمن و قطّع عليه نصف بصلة و خذ البدنجال نقّيه و قسّمه ابراج و سدفه على اللحم و قطّع ايضا نصف بصلة فوق البدنجال و صب عليه فنجال خل و صب الماء حـتّى يغـطي البدنـجال و انصب على النار و اتركه يطيب و حين يطيب و يقف على نصفين نصف مرقة و نصف ادام نزله في الارض.

[7] محنشة: يجيب اللوز و يسلق في الماء حامي و يملط له القشرة و يدير في الطاجين متاع الفخار و يحطّه على النار يقلبه شوية و كان و يدرسه و يخلطه مع السكر و يجيب الفارينة و يعجنها و يجيب واحد السني متاع النحاس و يرفد العجين في يده و يحطّ هذاك النحاس على النار و يدير النار تحته الا شوية و يقضب بيده و يعلي يطلق الخيط يعجنه كشغل السفنج يلصق العجين في السني الكل يقلع الورقة خطرة واحدة و يحطها و يعمل عليها اللوز على الطول يدورها كالحنش و يلويها و يعملها في السني ترفد للكوشة.