Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضن خبر ما رأى ابن عيسى في وهران من شأن رجل مات مصهودا

في الحمام و من الزهو في الميدان

اخبرنا امحمد بن العربي قال كنّا في يوم اربعة و ليلة خميس، وقعت زردة و اجتمعوا عليها عدّة من طلبا التدريس، و نحن ليلتئذ كنّا عدّة أيّام الشهر، في جامعنا المعلوم من قديم الدهر، فلمّا اتممنا العشا، و ادينا الصلاة المفروضة لوقت العشا، اغلقنا الباب       و اشعلنا القناديل، و جلسنا جميعة جميعة للمسامرة بالتاويل، فبينما نحن مسطابين، على ڤانتنا معتكفين، إذا بعود نحنح، و كلب هرّ و نبح، فصمتنا لهذا، لننظروا ما ذا، إذ بنشطة من الصبار صعدت، و همزة على الباب ردفت، فكلمه مقدّمنا، و متكلّف امرنا، قايلا له علينا من انت، فاجابه الطارق بقوله منه يا فتا، فعرفنا انه العوالي من نـطقـه، و تباشرت الطلبة باتمام ليلته، فافتحنا الباب و ادخلناه، ثم سلّمنا عليه و نقشناه، عبّزناه وعافرناه، دغدغناه و نقزناه، ثمّ اقبلنا عليه و اجلسناه، ووضعنا السفيرة بين يديه، واعرضنا الاكل عليه، فذاق كما يذوق الشبعان، و دعى الى الماء دعوة العطشان، فلمّا مصمص يداه، و مضمض فاه، سألنا من اين هوى، و الى اين يهوى، فقال امّا هيابي فمن مرجاج، و إمّا ذهابي فإلى وطن الاعراج، ثم تغامزنا وطلبنا منه الحديث، لاقصار الليل بالتحديث، فقال يا معشر الاحباب، و يا ذوي الالباب، اني كنت بوهران و شاهدت عجبة، و رأيت وقائع مغربة، و حافظت خطبة، فأمّا العجبة ففي الحمام القديم، الذي هو لصالح ابن لمُّ الهريم، و امّا الوقايع المغربة، ففيها اخبار مطربة، و امّا الخطبة فلعلاّمة الزمان، و فريد العصر و الآوان، و صاحب الصدق و الامان، ذى المحبة و الحنانة والاحسان، الفقيه النحرير السيد فلان، و لكن اقسم لكم بالذي طبع علفة التمر من ظهرها، و شقّها من صدرها، اني لا اخبركم بما رأيت و لا رأيتموه، و لا اقصّ عليكم ما علمت ولا علمتموه، الاّ إذا فعمتم وعاي، و امتليتم مخباي، فبخبخت الطلبة بالاقبال، و عزموا على الشروع في الاعمال، ثم اومر المقّدم و فرش درباله، و نصب للفاتحة اكفافه، و عرّى صطلته مفتّحا، و دعى للزيارة مستفتحا، فلم يك الاّ كطلعة كابوس، إذ بالدراهم و الفلوس، تطاير كالناموس، و ابن عيسى ينظر الجماعة بعينيه، و يخلّل لحيته، فلمّا برز كل منّا زطامه، و ادى غرامته، جمع المقدّم ما طاح، وناوله للذي يترجّى كالمدّاح، فلمّا قبض مغناها، و خبّى رباها و هباها، حمرت شربتاه، و تزعفرت شلغومته، و قال اعلموا يا ذوي العقول الراجحة، و الاعمال الصالحة، اني كنت أوّل أمس بوهران، لانظر الزهو في الميدان، و كنت وصلتها في ظلمة المغيريب، بحيث لا يفرز الكليب من الذويب، وكنت وقتئذ محتاجا الى تطهير الاعضاء، و تبديل الانقا، فقصدت الحمام القديم، و صاحبه ابن لمُّ الهريم، فلمّا دخلت بيت سخونه، و التقيت بتيار شروره، و جدت ناس يحممون، و هم ملمومون الى جهة الحر يتلطّمون، و كان أحد إسمه ولد ڤدّة مدّاح كفيف، قاطن بالمدينة الجديدة عفيف، و مع المزاڤدية رديف، وهو مبطوح على البلاط الذي هو أشد سخون، و الناس يحذّرونه لئلا يقع في الهلاك كالمجنون، وهو يقول لهم اني ما نبذل دراهمي، الاّ باستفا مرغوبي و مقاحمي، فسهوا عليه ساعة او أقّل، ثم التفتوا اليه فوجدوه ثقل، و شاهدنا الكفيف ممدودا، و انسلخ جلده على لحمه مصهودا، وصار جلده مزلوطا، و جسمه مسخوطا، فحمل في الوقت الى السبيطار، مات فيه و توفّى عند انشقاق الافجار، رحمه الله أمين، و غفر لنا و له أجمعين، ثمّ خرجت فازعا مخلوعا، ممّا شاهدته موجوعا، ثمّ هزّ رأسه و قال يا معشر الطلبا هيّوا للاستماع، و بالله استعين للتشراع، ما وقع بالمدينة الجديد الشنيعة، بثغر وهران الدرّة الفريدة، و ممّا تذهل به العقول، و تفرح له القلوب و النقول، وتنشرح منه الصدور والخواطر، و تلين له الخطوب والنوادر، هو ما شهدناه بالامس، يوم ثاني رجب الفرد و كان سالما من النحس، من اجتماع اهل الدولة و اضيافها، من السادات الكرام علاماتها، الذين اتوا من افرنصة، و من غيرها من اهل الفراصة، مع عرب البلاد و الاوطان، باعيانهم في حلبة وهران، فهو جلّ جلاله على جمعهم إذا يشاء قدير، و يفعل ما يريد فيما يشاء و لا يحير، وذلك في أرض فسيحة الاركان، منوّرة الاغراس و الافنان، و اجتمع فيها خلق عديد من رجال و نسا، و صبيان و كسا، و كذلك العرب قد أتوا من كل جهة بخيولهم على اصنافها و الوانها وركاضها لحضورهم، بالحلبة لدى أهل المعرفة و الزمان، و فخر الوقت و الآوان، فمن شار كلها انه بالسرور كالنشوان الجايرة، و لا ترى الاّ عتاق الخيل طايرة، في ميدان الدايرة، و امّا وهران بقورها، كأنها مزيّة بشوارعها، مزينة على اسوارها، الاّ بما يخفق مثل الاطيار باجنحتها، والحاصل كل فارس كأسد، و مكحلة صافية تخطف بصر الثمد، و الراية ترفرف على الڤوم، وحسّ الركاب كاليوم المعلوم، و يتبعها خلي البارود، و اصناف اللعب المشدود، فيحير العقل في وصفها، و ينظر الخاطـر لرؤيتها، فعند ذلك شاهـدوا اهـل الدولـة و اضيافهم، السادات الكرام و علامائهم، ببراعة الامّة العربية، بفضيلة اهلها على غيرهم بالكلية، فهذا و الله المدح الحقيقي، اللايق بهم مفـيقي، ثمّ دوّر رأسـه مـرّتين، و هزّه هزّتين، و قال والله ابوكم العوالي حيث يقول :

 

يا اهـل الـعـلـوم اسـمـعـوا لـي

*

ذا العـجاب عـمـري مـا ريــتُ

فـي الـمديـنة الجـديـدة وافــق لي

*

مــن كـل نوع فـيها شـاهـدتُ

جـمـعـت كـثـيـر خـلـق العالي

*

مـن كل جـنـس فـيـها نـعـتُ

ديــدن الـغـواشي و اخـرج دالـي

*

عـولوا عـلى طـبـقـت فـرجـةُ

الڤـلايـلـي ڤــلــڤــل ڤــلال

*

و الڤـصاصبي ڤـصـب ڤـصـبتُ

نـاضـت الـعـروسـة تـتـعـوّج

*

للشـطـيـح قـبـضـت نصـلتُ

صـــوط الـبرّاح اخـــنـــاڤ

*

يالـغـلام تــسـمـع اصــواتُ

فراش

عـشّت العشـيّـة و ابرد الحـال

*

آ الڤوّال

*

كـل مريول خـضى جـرة

امـشيـت للـفـنـادق نـحتـال

*

آ الڤوّال

*

صـبت رعيان الخيل المجّورة

انـواعد للركـبة لادخـول الـمال

*

آ الڤوّال

*

للمديـنة يـمشـوا زمــرة

ترياش

أرواح تـشوف مـنين ركبوا

*

بمشاعل يتواقدوا مثل النيران

*

آ شـومـان

وعلامات يرفرفوا فوڤ اصحابوا

*

والطبول ترعد بالضرب الهونان

*

آ شـومـان

و الغـوايـط تـنغـم باصوابوا

*

هـودوا كـيف امحلّة السلطان

*

آ شـومـان

من عڤبة الجيّارة رڤبوا

فراش

أرواح تشوف آخـويَ من طعـنوا البلاد

*

دارت ديه بامـوالها تڤـول جـردان

رعـبت سكانها و اليهـود خرجوا اعداد

*

تسـمع حـسّ سمـيحة تڤول عمران

و النـصارى زيـاخ فالزهـو لا رڤـاد

*

يشّطـحوا فـي بزارات حسن الامكان

 

قال المخبر بهذه الحكاية فلمّا وصل ابن عيسى الى هذه البيت قال و اما الخطبة النفيسة، فايقة التجنيسة، فيجيب عليكم الصمت و النباهة لاستماعها، و نسأله تعالى ان يفتح ذهونكم لفهمها وحفظها، و لكن يا ايّـها المحبّون ألا تسامحونني اسبغ الـوضـو، و ارجع اتمّ هذه الحكاية الموضو، فقلنا سـمـعا و طاعة و ناولناه الحلاّب، فقبضه منّا و خرج من الباب، و لم نعلم انه هرّاب، فلمّا استبطينا رجوعه، خرجنا ننظر حاله، فلم نجد له حسّا، و حيّينا عليه المواضع أسا، حتّى خلنا ان الأرض بلعته أم السما رفعته، فلمّا اصبح الصباح وجدنا مكتوبا على الباسط، بفحمة على الحايط، كان سروجيّ قبلي، فعل لاصحابه مثلي، و قال ان اقصار الليلة في الخرافات، لمن اعظم الافات، فلمّا رأينا هذا تلاومنا لاطلاقه، و ندمنا على استخراجه.