Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمّن اخبار ابن عيسى انه باع النقط في سوق ندرومة و ما كان

صار له في تلمسان مع أحد البوليس

اخبرنا امحمد بن العربي قال كنت اجول من قطرب، في بلاد المغرب، وكنت وقتئذ مسافرا اقرا لوحتي، واصفي سلكتي، فلمّا حفظت المنزول، و وعيت المنقول، اشتاق قلبي نظرة الوطن، والارتكاض في العطن، فودعت الطلبة و استسمحت فقيهي للتسريح، و سدفت شغلي في الخنشة وشهرت للرجوع بالتصريح، فقـطعـت فـيافي و مخايف، و رافقت عدّة مهايف واقتحمت مشايق السفر، و انقطاع السهر، الى ان وصلت بلاد ندرومة، و دخلتها عشية مسومة، و كانت تلك الليلة ليلة سوقها، و مجمع هلمامها، فبت ليلتي غريب، ليس لي قريب، فلمّا علم الخيط الابيض، قمت لاداء ماهو مفرض، الى ان شعشع النهار بضوئه، و اجتمع الهجيج بسوقه، و ديدن بمعموره من صياح ونهيق، و حسّ اميق، إذ سمعت برّاحا، بصوته فصّاحا، و هو يقول آشاري النقط، ان عندي تلّيس مرابط، فاهممت بقول البرّاح، و لم استوعب فايدة التبراح، فلمحت الشخص الناطق، الى ان رايته ببصر مطابق، فاذا هو شيخنا ابن عيسى صاحب ابليس فعزمت لما رايته لملاقاته، و بعد السلام عليه اخذت أسأله، فمرّ بي الى ڤيطون عطّار، و كان قد نصب عليه شبكة مطّار، فاجلسني خلفه، وقعد تنفّه، و قال لي خذ جواب سؤالك، و ما طلب مرامك، اني لما دخلت لهذه البلاد، تساريتها بالتمهاد، وكسرت اذني لاستماع كلام اهلها، فوجدت نقطة القاف عندهم ممنوع منها، و أوّل ما شاهدته، وأغرب ما رأيته، اني مررت عن مسجد فسمعت طالبا يتلو القرآن، و يرتل بزعمه البيان، و هو يقول "كال كايل منهم لا تكتلوا يوسف و الكوه الخ" و مراده " قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف و ألقوه الخ"[1] و الثاني جزت عن مسجد و إذا بفقيه يملي على تلميذه وتلميذه يفتي له بقوله اسيدي كال فالحك والحك فيملي إليه الفقيه بقوله أكول ولا أميّز سوى كال فالحك و الحك و المراد بالآية " قال فالحقُّ والحقَّ أقول الخ"[2] قال ابن عيسى فلمّا رايت احتياج النقط للعالم و المتعلّم، قمت ابرح لابيع ما عندي من النقط الملتقم، قال ابن العربي فضحكنا و قلنا له و الله ما انـت الاّ خـزّار، و اكبـر دفّـاش و هرهار، ثمّ قلنا له زد كيّل لنا بصاع فمك، وزرنق لنا قصّة من غرايب أسفارك، فشنّف متبسّما، و نطق متكلّما، و قال ما رايت ما اخبركم به، و احكي لكم عليه، الاّ ما طرى لي اوّل الأمس بتلمسان مع أحد البوليسي من أهل الطغيان، و هو كنت أجول عشية بدرب اجراكة، و بلغتي تهرتف كمشي الابراكة، اذ لقيت عجوزا كنت اعرفها في بلاد اهلها، فلمّا لمحتها سلّمت عليها، ثمّ سألتها عن احوالها و ما جرى في اوطانها، فقالت لي ألم تعلم بحبيبتك الفحجا، العوجا العرجا، انها في دار القرغلان، ساكنة بالأمان، فقلت لها ألك في الوصول اليها قالت نعم، إذا تمكّنّي ما عندك من دراهم، فنقّدتها جميع ما عندي في الحال، كما ينقّد في مال حلال، فمشت قدّامي الى ان دخلت دارا مصونة، باصطاحها مدورة، فناظرتها حتّى خرجت، و اوعدتني وضحكت، و قالت انها مسلّمة عليك، و قايلة اليك، ارجع غدا صباحا عند هذا الباب، فانها تلقاك بلا مشقّة ولا اتعاب، ففرحت بذلك و شكرت صنعها، و لم أعلم ان ذلك حيلة و مكر على نصبتها، فلمّا فارقتها بت طول ليلتي، مسامرا مع رفقتي، و كنّا تلك الليلة عدّة اهل الكهف، و لم اتحقّق قريبا من الألف، الى ان ترخّمت العيون، وصمتت اللسون، غضنا في النوم حتّى اصبح الحال، و تهيأ كل طالب للمنال، قمت للوعد المعلوم، عند الباب المشوم، فلمّا وصلته بقيت أدور عليه، أمشي و أرجع اليه، اذ بعجوزة رقبت عليّ من الصطح، فلمّا رأيتها قلت في نفسي هذا باب الفتح، فلمّا تحقّقتها بعيونتي، التي غدرتني و اخذت دريهمتي، ثم انها كلمتني بصوت فضيح، وكلام قبيح، و قالت ما حاجتك هنا يا شيبة الكلب، وانطلقت عليّ جميع انواع السب، فبقيت متحيّرا، و ارادف الزفرات مغيرا، ثمّ اني ظهر لي بأن اشتكي بها، واعلم الحاكم عليها، و على غدرها، ثمّ اهبطت الى بيروا الكمساريات، لاجعل دعوتي من جملة الشكايات، فلمّا وصلت للحكومة لم أجد سوى أحد البوليس، متزعبلا في هيئته كأنه تلّيس، و لابسا قاطـا مرشوشا، و متعمما طـربوشا، و هو جالس على كرسي، و قابض سبسي، و جاعل ركبة على ركبة، و قدّامه فنجال من القهوة، فلمّا هويت نحوه، و دخلت عنده، خفّ في القيام واجلالا اليّ، و بادر بالمصافحة عليّ، و كلّمني بأدب حديث، و لم يعلم انني خبيث، و قال لي ما حاجتك عندنا يا فقيه، ان لك حاجة تقضى بتنبيه، فلمّا رأيت منه ذلك الإحسان، و غاية الترحّب بلا امنان، اختلس قلبي بالتخميم، و كأنني اشرفت للتنديم، وقلت في قلبي ان ابحث له دعوتي، انتقصت حرمتي، و ان اكتمت عليه سرّي، تحيّر من أمري، وقد طال معي البحث، ولم يسعف بالاقالة للبث، و أنا أقول له إني أريد ان أتكلّم مع الحاكم نفسه، لانظر بطشه و حكمه، و هو يقول لي يا سيدي إن الحاكم لا زال لم يقدم، وأنا ان شاء الله أقضي لك ما انت به مهتم، و اكدني حتّى خلته صديقا، و ان يكون لي رفيقا، فقلت له اسمع يا أخي، جمعك الله مع الأواخي، اني كنت بالأمس أدور، إذ لقيت عجوزا تدور، فالتقيتها لاتخذها معاونة، إذ بها خاينة، فزبلحتني حتّى أخذت دراهمي، و تركتني مغموما بهمّي، قال ابن عيسى، البسه الله الخنتريسى، فلمّا سمع كلامي ذلك البوليس، ارتكب طبعه بالتنحيس، ثمّ تبدّل لونه، و اصفرّ وجهه، و قال لي اذهب يا دين النوم، يا ابن الزنى و العموم، اتغلطونا حتّى نحسبكم فقها، و انتم سفها، و اعانني بدبزة و ركلة، و نهضة عاصفة و صفقة، فما برحت اذ سقرت العتبة درجتين، و انا في غير عقل اخطو في الخطوة خطوتين، و قد هبطت مع الدرب، منهدرا كالدب، و لا اسمع الا الكلب ابن الكلب، و كثير ما يلحـقني من انـواع السب، الى ان درڤـت في الـزقاق، و نجست بين الاستباق، و قد خرجت من تلمسان، صافق اليدان، قال المخبر بهذه الحكاية فلمّا سمع ذلك صاحب الڤيطون، و هو العطّار المشطون، نفر منه كما ينفر البغل الهيّاب، عند رؤيته للاجمال ملويين الرقاب، و قال له عهدي بك تقيا لايقا، اذ بك عاصيا فاسقا، اخرج من عندي لا اسعد الله يومك، و لا اربح من يلقاك، فاغتاظ ابـن عـيسى و قام واقفا، و تكلّم متبهبرا عانفا، و قال له أتقذفني بالعصيان يا عطّار يا عكّار، يا بيّاع الحنّة و زغب الفار، انت أقبح قرارة، و احرر مرارة، فو الذي البسني بالأدب النـقي، و اغطسك في الزيوت و الادم الشقي، فلاحضرنّك مجلس الحكم، و لاحكمنّ عليك بالإسأة و الذم، ثم التفت الي و قال لي يا بن العربي انظرني هاهنا، و لا تترى حتى تنظر ما يطرى، و انطلق الخفّ، حتّى غاب في الزحف، وبقينا ننظر ما يمطر من غيمه، و اذ به كرعد زڤلم وجاز بريحه، فاستنيّته حتّى افترق السوق، وذهب السـأيـق و المسوق، فتحقّقت انه فلت و انقبس، فانقلبت الى موضعي و قطعت من جرّته الايس.

 الهوامش

[1] القرآن، 12/10.

[2] القرآن، 39/84.