Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمن اخبار الشيخ ابن عيسى بوعدة الزمالة و صحبته للجمّالة

و تفسير الأحاجي المودوعة في هذه المقامة

اخبر امحمد بن العربي قال كنت يوما بسوڤ الثلاثة، لافاضي مأرب العيالة، فبينما ادور بين غاش معرعر، وكثرة من الأكباش و تبعرر، إذ سمعت برّاحا يقول، يا معشر الناس اسمعوا لما أقول، ان وعدة الزمالة، تكون يوم الخميس القابل بلا امتحالة، فهشر له سمعي، وحدّث لي ان أعود مع نجعي، ففصّلت كتّانا و خيّطت، واشتريت صابونا وصبّنت، وطعنت السيل و تنظّفت، و لمّا قرب المعتاد، واجتمع المعياد، وذهبنا الى ان وصلنا الملعب، بعد ان قطعنا مسافة متعب، فوجدنا فساطيط واخبية كثيرة مطرصى، وخلقا من بني ادم ما لا يحصى، فقصدنا منهم ڤيطون القايد، ونزلنا فيه كالعادة والعوايد، فصرنا ننظر لما يظهر، ونتأمل فيمـا يحضر، إذ طلع من صدر البرّية زمل مـريْزم، و غاش مهيْلم، فلمّا زال ضهبه و قرب، ونحن ننظر اليه بعين ملهّب، رأيناه محتويا على احجاف عجيبة واكفال، وحولهم فرسان مهيئة و رجال، و في وسطهم شيخ قد كبرت عمامته، واصفّرت دربالته، و تكشردت لحيته، وتفاقت شحمته، وبلغت في الغلظ لحبته، وهو راكب على ثلب كأنه قبّون من نباغ، و السايق به قُبّان من بني صباغ، وهو يشلوح بذراعيه، وينشد على القوم من قوافيه:

                

آرعـايـن الخـيل انقـسموا بجهات

*

غــزر الـبارود يـزيّـن المـشالي

ارواحُ من الملعب و انطحوا الجحفات

*

وانـتبـهوا لا تـذوش مــن اوالـي

شدّ رسان الـخــيـل بالسرعـات

*

و السّـمـعوا لِـما قـال بـن عـوالي

قال ابن العربي، فقلت لاصحابي، من هو الزمل الجايز، في اجتهاد لعبه فايز، ومن هو الشاعر، في هذا الوطن الناغر، فقالوا لي اما الزمل فمن نجع الغرابة وامّا الشاعر فإبن عيسى العوالي صاحب النوالة، فلمّا سمعت ذلك تشوّش قلبي لالتقائه، كما يفرّ الطير لنجاته، فهنيت رفيقتي عن خبر وتبعته، لانظر اين ينزل مع دوحته، فاتلفته في وسط الغاشي، ولم اجده من كثرة الماجي والماشي، و كان ذلك الوقت اخر النهار، وقد قرب الاصفرار، فحرت لوحدانه، كما يحير الطالب لامتحانه، فصرت افلي عليه الڤواطن و القهاوي، وكل الحلقة اجتمعت على مدّاح أو عيساوي، و لا وجدت من يرشدني إليه، و لا من يخبـرني عليه، حـتّى استدل جـناح الليل و ازدهر بنـجومه، و شعشع البدر بضوئه و نوره، خشيت في نفسي عدم استلقايه، وغلب الاياس الطمع لاتوايه، فعجت الى قرب اخبية محرمين، من اهالي ناس مكرمين، و بساحتهم بنات يلعبون، وبايدهن يصفقون، وبارجلهن يركلون، وامامهن شيخ يأمرهن الفعل، ويصف لهن صفة صفق اليد والرجل، وكأنه يعلمهن الربط والحل، فاشتملت نحوهن، لاعرف من هو الممتزج معهن، فلمّا دنوت تحقّقت بالسمع نغمة ابن عيسى، وخشيت عليه انه ضربته تفليسى، ثمّ اني افتقهت، ولافعاله افتكرت، وعلمت ان ذلك حيلة من حياله، و انه ناصب للاقتناص شبكته وحباله، فاختفيت في مكان قربه، لاحصل ما يبث علمه، فلمّا تمّوا البنات اللعبة، وزولوا على قلبه الغلبة، قال لهن يا معشر البنات اتردن ان اخرفكن، أم تحبن ان القي عليكن المشكلات، و احاجيكن فقالوا له البنات أت ما عندك من المشكلات، قال ابن العربي فعند هذا تنحنح، وسرّح حلقه من المبحبح، وتطنّب وعرّا بصلته، وامّهات البنات ترقب عليه من كل فاهڤ خلفه، و قبض على الاولى منهن وقال لها يا من لها سمايما رقيقة، ما تقولي ان قال لك المحاجي للُّوا[1] في الحفيرة، ثم نقر الثانية و قال لها يا من لها نعوت المدح كأمّها، ماذا تماثل انحل احزامها، افترقوا اعضامها[2]، ثم هزّ الثالثة و قال لها يا صاحبة الكيد و العناد، ما تقولي للذي حاجاك فولتين زرعوا بلاد[3]، ثم لفت للرابعة و قال لها يا من فاقت في حسنها الاواه، ما تقولي لمن قال لك راه راه، والعلام وراه[4]، ثم نامس الخامسة و قال لها يا من لها قلب صافي من الغش، ماذا يصاوب ان قيل لك الارش، ارحى فوڤ ارحى وهي ما تطحنش، راسها راس اللفعة وهي ما تقرسش[5]، ثم لامح السادسة و قال لها يا بالـغة الاوصـاف بيضة و حمرا، ما جوابك للذي دعاك يا خضرا، يا حرّار يا مرّار يا مڤطوع من شجرة، ضلّ يسيح في الاوطان خلّى جرته حمرا، منه تركب الفرسان و منه تلبس الشهرة[6]، ثم دكّ للسابعة بجانبه و قال لها يا صاحبة المجد و المنايا، ما ذا يماثل ان قلت لك في معنايا، تسمّى بسين ما هي سلسلة ما هي سكين ما هي من احروك البنايا، فكّها و الاّ نوضي من حذايا[7]، ثم قام و قال يا جمع البنات اني معنتكن و ميزتكن، وان شئتوا ان ازيدكن فحاجيتكن، و لو ما هما ما جئتكن[8]، وكأنه اراد الذهاب، و يتركهن بالانتهاب، فاعتلقوا به البنات، كاعتلاق الدابة بالدلمات، وقالوا له لا نسرحوك الاّ إذا عرّيت ما غطّـيـت، و كشفت ما غمّيت، قال بشرط ان تعوّضوا لي ما منّيت، فارسلوا بعضهن ليجمعوا له، و يفرضوا له ما وجب عليهن من ماله، فما لبثوا ان اتوا بصرّة فيها جملة دنانير وبيدهن رزمة فيها ثياب من كتّان و حرير، فلمّا قبض المعهود، و نجز المقصود، شرح لهن ما طلبوه، واوضح لهن ما جهلوه، واودعهن وسرحوه، فحينئذ قمت من موضعي ولـقيته، و قلبي متزاحف مما رايته، وقلت له ما هذا الفعل، يا منجوس، يا من لا مثل لك في الجنوس، اتطمع في النسا و تترك الرؤوس، فتأوّه و خنقته عبرة وانشد و دموعه غمرة:

 

يا ابـن الـعربي يـا حـبـيـبـي

*

لا تــلـومـني فـيــمـا مـــرّ

ان الـدهـر نـحــس بـيــدي

*

وصــيّـر عـيــشـتـي مــرّة

وانـي تـركـت بـنـت سـعـدي

*

فــي خــيــمـتـهـا وقـفـرا

لا لها مـما يـشـيـد الـجـعـدي

*

الا الـمـناصـب فـي الــحـفـرة

و انــي رايـت اهــل الـوقت

*

فــلــم احــد لـهـم بــجـرّة

ما فـيهم الا الحـسـد والـبغـض

*

و بـدلـوا بــالــخـيـر شــرا

و انـي ضـربت عـنـهم صفـحا

*

و دحـضـتـهـم بـالجـزع فــرا

و لـذا الـى الــنــسـا مـلـت

*

نــلـت مـا يــســدّ فــقــرا

لـولا الاضـطـرار مـا فـعلـت

*

و ان عـدت فـاكـونـي بـجـمـرة

قال ابن العربي فلمّا تمّ ابياته، و بين حاله واعذاره، صفحته بالسلام، و تحييته بالاكرام، فاخذ بيدي و انصرفنا الى ڤيطون خفيّ المكان، مهذن البساط بحسن و أمان، فبتنا تلك الليلة في طرب حديث، ونشر حثيث، الى ان اصبح الصباح، و تمّت الوعدة بعافية بحفظ الواحد الفتاح، فتوقّع الهجيج، وافترق الهجيج، و فاعت كل طريق بالمجيج، و اختلط الفارس و الترّاس و النهيج، ولا تسمع الاّ صياح و ضجيج، فافترقت مع علاّمتنا ابن عيسى وانا رايم لاجتماعه، و اوددت ان تلك الوعدة كانت عاما باهلاله.

 الهوامش

[1] للُّوا في حفيرة فهي النار القليلة أي نويرة.

[2] انحل احزامها افترقوا اعظامها فهي حزمة الحطب لان حزمة الحطب لما ينحل الحبل الحازم لها يفترقوا عيدانها.

[3] فولتين زرعوا بلاد فهما العينان لانهما ينظران البلد.

[4] راه راه و العلام وراه فهو اليربوع و كعلته طويلة و رقيقة سوه راسها فيها شي من الشعر.

[5] ارحى فوڤ ارحى الخ فهو الفكرون و يقال له بلغة العرب السلحفة راسه كاللفعة و جلفتاه كالرحى.

[6] يا حرار يا مرار يا مڤطوع من الشجرة الخ فهو المضمد المعد للحراثة و يقال فيه ايضا المحراث.

[7] تسمّى بسين ما هي سلسلة ما هي سكين ما هي من احروك البنايا هي الساعة.

[8] لوما هما ما جئتكن فهما الرجلان و يقال ايضا الكرعان و المعنى لولا رجليّ ما وصلت اليكن.