Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تضمن سفر الشيخ ابن عيسى لبلاد وهران واطلاقه مع الهوى

و مدح المحاسن بالاشعار

حدثنا محمد بن العربي قال كنت في سنة صالحة، التقيت بصابة فالحة، فلما اتممت حصادها، وخزنت منالها، وادخرت ما يكفي في غنايمها، و حمدت الله على اتمام نعايمها، حدت لي بان ابيع الفرينة، في بلاد الرينة، فكرزت عدة من الغراير، ورفدت بالحمول على البعاير، وتجهّزت للسفر وسقت إبلي، واستصحبت مع رفقة من أهلي، لهم في المعاشرة والموافقة انتجاب وافتخار، و في الشجاعة وشدّة البأس يماثلون العـيهار، و في الحيا والجود كأنّهم من الاخيار، فسرنا في فاكه واقتران، قاصدين مدينة وهران، الى ان وصلنا البلاد، ودخلنا ها بدلايل و أرشاد، فلما انتهيت المقصود، وقبضت المعدود، سرّحت رفقتي و اودعتهم للرجوع، بعد ما قمت لهم مؤنة النفوع، وانقلبت للمدينة المعلومة، ناويا لاقامة قريبة ممنونة، فبينما أجول بين زنق ادروبها، واتفيا ظلها وخلالها وانعومها، فوجدتها ذات أسواق عجيبة عامرة، ومخازن كثيرة السلع والبضع مصلوبة نافذة، و رأيت فيها ما لا يحصى من الاخلاط، وقد اجتمعت فيها من جميع الارهاط، حتى استوجب مدحها بهذه البيت :

 فوهران البهجا ارتقت و صارت *  على المحاسن احتوت و فاقت

إذ بي انتظمت مع رفقة رايمين النشاط، ورايدين الانفلاط، فعجبنا لهذا الغيوان، الى قرية الهايج بباب تلمسان، فوجدناها ماسية الصفوف، ضاربة الكفوف، فصـرنا سـايل و مسول، الى ان وصلنا جبل الغول، فدخلنا في سماط قويم، ذي حرج عميم، و موايد من الرخام صميم، ومدام كأنه سيل العرِم، فلما خرجنا من مكنونه، وخلّصنا مثمونه، ضربنا ريح الرجوع، وما فينا من يتذّكر الخشوع، فطلبنا مركب النفوسه، و ركبناها بالقطيفة، ثم اننا تشاورنا و تأملنا التدبير، بأن ننزل باستدارة الامير، فلما وصلناه، وحللنا ساحتاه، وجدناه ذا نخل نضيد وشجر، وامياه زلال[1] تنهمر[2]، ثم خططنا الاقدام، بلطافة من الاهوام، لنحية استدارة الجماعة من فايج[3]،  و ارتقبنا على البحر الهايج، فاشتاقت قلوبنا للتحواس بساحله، وشرب المدام بجانبه، فاخذنا مركبا و جزنا على السقّالين، قاصدين حمام السلاطين، فلما انتهينا الى قصوره، واخذنا بيتا من بيوته، درنا على الجماعة بابساط الكلام، واستحضر جملة من انواع المدام، اذ سمعنا صوت غريب النهيق، في موضع مستوحشة العمارة بالرقيق، والامواج هايجة لها زفير وشهيق، قال ابن العربي فقلت لاصحابي ألا تسامحوني لانظر من هو الناطق، في هذا المحل الشايق، فقالوا لي افعل ما بدا لك، فلا تجد فينا من يشهد ملامك، فانطلقت هابطا مع مريرة رقيقة الجر، الى اسفل ساحل البحر، فبينما احاي المخاتل بين الاصخار، وانختل بين كراكر[4] من الاحجار، فما كذبت اذ رايت علاّمتنا ابن عيسى العوالي بين جزيرتان، و حوله قراب عليه حوتتان، و بيده قصبة طويلة وسنارتان[5]، وهو يقتنص صيد الحيتان، ويترنّم استنباط الشعر بالميزان، فبادرت لالتقايه، مبادرة الغريق لنجاته، فسلّمت عليه و عانقته معانقة اللام للالف، وحييته محية السالف و الخالف، و قلت له ما شانك بهذا المكان، وما هو حالك في صرف الزمان، فقال اني اتيت لازور مقام أيوب، واغتسل فيه من الذنوب، واحذرا لما يتوقّع من العيوب، فقلت لـه خوّص الله قـرنك[6]، و صحّ سنّك و نيـابك، و يطول حبلك[7]، ألك في الصعود عندنا، لنتظر الجماعة وتجلس معنا، فتبسّم و قال نعم، ألم اعص امرك او الم اهم، ثم انه تعضّد عصاه، وعلق قرابة على يمناه، وقال لي اسرع بالصعود، و سيكون الهنا والسعود، فلمّا اهوينا الاعلي، ودخلنا بيت الانهالي، قلت للجماعة هذا شيخنا ابن عيسى العوالي، فقاموا اجلالا له، و بالمبادرة عينوا اجلاسه، فلما استوى على كرسيه، و جعل الطابلة بين يديه، قال الحمد لله الذي جعل الملاقة بسبب الانطاق، وجمّع اللمّة في شرايف الاطباق[8]، فحينئذ عرض عليه أحد الاول من الجماعة وقال له ألك في شرب الاماط، قال لا ولا احضر محضر العياط، ثم لامحه الثاني و قال له ألك في شرب الشاتروز، قال لا و من أي طريق اليه أجوز، ثم غامز الثالث و قال له ألك في شرب الفين، قال لا ولا بصحبة ألفين، فعند ذلك أخذت بالكاس، و أشرت اليه بالخمس، و قلت له ألا تفاجي الهمّة، و تشرب قدحا من الخضرة، قال نعم و بنت مريم، حلوتها بير زمزم، فامليت الكاس وناولته اليه، فقبضه من يدي وانشد عليه:

 

شـوف لـصهـيـبة فـي الكـاس

*

صـافـيـة الــزلال تــحـاكـيه

مـن يـدوقـها يـرجـع وسـواس

*

قـاطـعـة بـالســم ابــوكـيـه

خـلـطـها بـالـبـلار اجـنـاس

 

زيّ واحــد مـشـبـوكــة فـيـه

فلما تجرّع الكاس الاول والثاني، تغرغرت عيناه بالتداني، ثم لفت وجهه في البيت، وقال اه اه[9] اليت و اليت[10]، ثم تأسف و عبس، و دواخل قلبه مؤيس و انـبسط و تنفّس، و انشد على خليلته المنعس:

 

 

عــشـيق بات بـهـذه المـقامـي

*

بـمحـبـوبة مـفـرطـة الاشـفـاق

بتـطـريب و الطـيـب الـمدامـي

*

و لم يـقـض وطـرا مـنهـا بـساق

فـيا حسـرة لمّا افـتـرقا صـباحا

*

فـوالله ان في الـفـراقــي المـشاق

فـيا معشـر الاحـباب باللّه جـودوا

*

و ادعوا للمعـشوق يـهـون العـشاق

فلمّا تمّ أبياته وبيّن وصفه انعمته، تنهّد كما يتنهّد الهكول[11]، وتلوّن كما يتلوّن الغول، وهو ينظر الينا ويتأمّل في القول، فقلنا له اكشف لنا السراير، واوضح لنا ابراز الضماير، فما فينا من يحلّ عقده، ولا من يفهم نكته، قال لنا امهلوا بالسوال، فعند المثل يصح المقال، حكاية قال علامتنا ابن عيسى العوالي، عشيق ماء الدوالي[12]، كنت في زمان شبابي انفه، وكان حرصي حلفه[13]، هوت نفسي الى احدى النسوة، و تبعتها اعواما عدّة و قصوة، فلمّا وجدنا غفلة الافاقي، و عزم التلاقي، أتيت بها الى هذا المكان، الذي نحن فيه الآن، فبتنا متجاوبين متطالبين، و حال منجردين و منفردين، فمنعت نفسها منّي، و لم ترم استلقاها عنّي، وتلك الليلة كان أوّلها عندي كعسل الشهدة، وآخرها كان لي كعسل الزندة[14]، فلمّا اصبح الصباح، افترقنا كافتراق السفاح، فعند هذا تغامزت الدارة عليه وارادوا تكذيبه، و استشعروا ضعف خبره وتخويره[15] قال لهم مالكم اتخذتم قولي خبثا، وفعلي عبثا، كلاّ و الله لقد توقّفت في الغرايب اكثر مما ذكرت و إني لصادق في جميع ما قصصت، ألا إني طالما والله احافظ عن اباحة السرّ، واتجنب عن المخالطة التي يجب منها المفرّ، و تالله قد صدق الزعطوط عند مخاطبته لابنه، حيث قال في التنبيه، الخلطة تردي، والجرب يعدي، يا زعطوط يا ولدي، وسوف أبيّن لكم صدق قولي، و سأكشف لكم الغطا عن فعلي، و اطالعكم على ما لا تعلمون، و لا أظن أنكم تعملون، و قام و قال قوموا و اهبطوا معي، وانظروا لما تجدون في روضتي و مرتعي، قال ابن العربي فهبطنا في اتباعه، الى ان وصلنا البحر وامواجه، فهوى بنا الى موضع منكزة الوصول، شايقة[16] السهول، فما لبثنا اذ وصلنا بيتا خفية المكان، حسينة المـنزل و البنيان، فتقّدم ابن عيسى و فتح باب المقام، و قال ادخلوها بسلام، فلمّا دخلنا البيت وجدنا على البساط إمرأة، قد فرغت في قالب الجمال كأنها قمرة، وبين يديها مايدة عليها مشموم و شمعة، وعدّة من قروع الخمر ملتمة، وهي تلاعب العود، وتتلاها بالنشود، فلما راينا هذا لعب الحسد عن قلوبنا، وتحقّقنا أنه في النشاط أحسن منّا، ثم كلّمها العوالي، و قال لها يا بنيتي مالك لا تبالي، اعلمي ان السر اذا باح، فهو من علامة سخط الفتاح، قومي و اعزمي للطيران، واعلمي ان بقية الفريق تنهان، فقامت بأدب كالحمامة، ودرجت درج الامامة، فلم يك الاّ كلمح البصر او هو اقرب، اذ جمعت شغلها واعولت للمهب، واصحبت ابن عيسى، وفرقانا بلا تخليسى[17]، الى على الجبل اخذوا مركبا وانصرفوا، ولم ادر اين صكعوا وهدفوا، وتركونا كمن وجدوا كنزا وضيّعوه، او ضربوا صيدا فمنعوه، فلم اكايد في الغربة، كهذه الكربة، وافترقنا وكلامنا ساحب ذيل الخجل، على ما رأينا في هذا المحل.

 الهوامش

[1] زلال يعني صافي و الا نقي او طاهر.

[2] تنهمر يعني تجري و الا تسيح.

[3] الفايج يعني الجهة.

[4] الكراكر جمع كركار و هي العرمة من الحجر المجتمعة.

[5] سنارتان تثنية سنارة يصنعوها من الهند كالابرة المعكفة يقتنصوا بها صيد الحوت.

[6] خوّص الله قرنك يعني طوّل عمرك على خاطر الفرد و هو ذكر البقر كطالت حياته تخوّصت قرناه على راسه و مثّل الشيخ ابن عيسى كالعجمي.

[7] و طوّل حبلك و مصرانك: الحبل هنا مراده حبل كرشه كما قال في مدح الفسيو حيث قال سبعة ابغال رافدة رشات اڤفاه و سبعة ابغال رافدة حبل كرشه، و ابن العربي دعى لابن عيسى ان يبلغ حبل كرشه و مصرانه كالفسيو و هو اصغر الطيور و احقرهم ببلادنا.

[8] الاطباق جمع طبقة و هي طبقة القصر كما ذكر في كتاب رسالة الابرار ما وقع لهما بالاسحار عند قوله :

جعلت فيه ثقبة كالطاق * كثقبة الخيان في الاطباق

[9] آه آه كلمة مكررة و هي تأسّف و توضّع.

[10] اليت اليت هي كلمة مكررة للتمنّي و للترجّي و المراد هنا للتمنّي المنقطع و لا بقى له الترجي بدليل قوله وداخل قلبه مؤيسة و الايس هو قطع الترجي و بقى الطمع فيما كان يريده في الماضي.

[11] الهكول هو الاكول.

[12] ماء الدوالي هو عصير العنب و هو الخمر او المدام يحرم شربها للمسلمين.

[13] الحلفة هو وصف الحال يالخضرة لان الحلفة خضراء.

[14] الزندة هي الڤربة و عسل الزندة هو القطران و يقولوا فيه العرب عسل الڤربة.

[15] تخويره: التخوير هو الكلام الذي لا فايدة فيه و هو اللغوى.

[16] شايقة: صعيبة غير ساهلة.

[17] بلا تخليسى أي بلا حجر و لا سترة.