Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمّن رحلة ابن عيسى و عدّه للدواير السبعة و تذكّره و تأسّفه و ضحكه و بكايه

حدثنا امحمد بن العربي قال كنت في فصل الربيع، لمّا ذهب عنا البرد و الزيع، طلعت إلى دوار اولاد بن عوالي، الساكنين من الاحوالي، فلمّا وصلت ساحتهم، و دخلت مراحهم، عجت إلى شريعتهم، لاجلس مع طلبتهم، فوجدت ستارها مشرّع، و حصيرها مربّع، فجلست بعد ما سلمت، واستأنست بعد ما أمنت، في موضع راقبة الاماكن، باهية المحاسن، و نحن ننظر إلى النبات الاخضر، و هو يلمع في نظر البصر، و الكلام بين الطلبة ينهدر، قال ابن العربي فبينما نحن في انواع الحديث، متمازحين في الحثيث، إذ طلع علينا شخص من نحية الاقصارى، و اجنة كرموس النصارى، عليه هيأة المهموم، و بلغته محزومة بعڤاد من الدوم، فصرنا من بعيد ننظر إليه، و هو يقرب نحونا بخطو قدميه، و نحن بين تعريفه و تنكيره و نتأمّل من أي الشُعب شُعبيه، فلمّا دنى منّا وتسامط ساحتنا، عرفناه انّه علاّمتنا ابن عيسى، مضيّع بيض الحجلة في الديسى، فقمنا إجلالا له، متباشرين لاطلاله، فسلّمنا عليه و ادخلناه، و في احسن المواضع اجلسناه، و سالناه عن حاله، فحمد الله و اثنى عليه، و صلّى على سيدنا محمد صلّى الله عليه و سلّم و على اله، و صارت ينابيع الحكمة تفجر من فمه، قال له احد من الطلبة فمن أي موضع اتيت يا شيخنا، حتّى الفيت علينا، فقال اتيت من اهلي، الذين هم في قطع الواد الڤبلي، فقال له الطالب من اين ناسك، و من هو اصلك، فقال له ابن عيسى اتجهل اصلي يا طالب ربّ العالمين، فقال له الطالب نعم انك من الاقدمين، فغار الشيخ في الضحك حتّى بانت له ضرسة العقل، ثمّ طرق براسه الى الارض ساعة و هو يتامّل، و رفع عينيه الى السـما و لم يقل قل، ثمّ انه قام و جلس، و كوّش وجهه و عبّس، و قال دونك ايّها الطالب رحلتي، ان شيئت تعلم المواضع التي نزلتهم بخيمتي، و شرع يزهزم راسه، و يحكّ طرفه، و يقول العرايبيّة، و العمـايميّة، و السعـايديّة، و السهـايليّة، و الشرايطـيّة، و الجلايليّة، و اولاد بن عوالي الله يلعنهم، الله يلعنهم، الله يلعنهم، و الله الحمد، ثم صمت ساعة و هو ينظر الى الطلبة يمينا و شمالا، و يتطنّب سرّا و استعلالا، ثمّ رمى جمرتيه اليّ، و ردّ كلاحه عليّ، و قال لي يا ابن العربي، أعلمت بما اقتضاه مأربي، فقلت له ان نطلبك ان تشرح لنا ما خرجته، و من خزنتك جبدته، مننتَه علينا، و ان نسكت عليك لم نجد من علمك شيا لدينا، فبعبع كما يبعبع الكبش الحايل، و تنهّد كما يتنهّد صاحب الحمل المايل، ثمّ تأسّف كما يتأسّف المحموم، و غاب عن حاله كأنه يشرب كأسـا من الروم، و تقهقر متنحنحا للكلام مؤهِلا، و شرع يشرح ما ذكره مفصّلا، فقال امّا نسبتي الى دوار العرايبيّة فقد كنت في عام اليبسة سكنتهم بخيمتي، و حصلت طول السنة على ضنك عيشتي، و كنت تارة ارعى الدواب، و تارة اقصد الاحباب، و امّا نسبتي الى دوار العمايميّة فقد قمت فيهم درويشا، و لازمت عندهم خربيشا، و كنت ادردق على الارض مع الزاهدين، و اهتزّ في حلقة الراكضين، فلمّا طلعت ضماتهم، تركت سبيلهم، و دخلت زمرة الطلبا، و احسن همّة ادبا، وامّا نسبتي الى دوار السعايدية فكنت عاشرت كبيرهم الحاج غوال، و قاسيت معه جملة الاهوال، حتّى وصلت غلّة الافوال، وانتقلت من عندهم بعد ما خسرت الاموال، و امّا نسبتي الى دوار السهايليّة فصاحبت فيهم ابن الكمشة، وكنت لا افارق رحله من الزمان رمشة، فلمّا طال الحال، و خاب التأمل، وجدت لسانه رطيب، و في خصاله معيب، و هو معتكف على مشط لحيتيْه، و تبرّم شلاغميْه، فانسللت منه كما ينسل الخلال، وتركت خلطته و ما تحدّث لي ببال، و امّا نسبتي الى دوار الشرايطيّة، فكنت فيهم مع عبد القادر اشرايّط، و هو على النهار في الكذب يخيّط، و لقضا حوايجه مفرّط، فانطلقت من عنده و تركته مفليَط، و امّا نسبتي الى دوار الجلايليّة فقد نزلتهم و صرت فيهم فلاّحا، و لكسب البقر والغنم صبّاحا، و كثر عندي اللبن حتّى صارت شكوتي تقول في ذي مخضها، على لسان حالها، ذات بهجة، ذات بهجة، ذات بهجة، و كان ولد انتفّر جاري، عنده معزات و عجاري، و كان عنده من اللبن قليل و شكيوته تقول عند ذي مخضها، على لسان حالها، قَوَارِرًا، قواررا، قواررا، و رجعت ذا برنوس زغداني، و حايك اسكندراني، فبينما انا في هذه الحالة شديد، و كوكبي في الفلك سعيد، اذ في ليلة دخلوا عليّ السرّاق، و نهبوا رزقي بالاتفاق، فاصبحت خيمتي ماسية كالرمس، ممسية كأن لم تغن بالامس، فساقتني القدرة الى دوار اولاد بن عوالي، فتقدّر فيه همّي و تهجالي، و صار من الفقرا حالي، فحينئذ تغرغرت عيناه بالدموع، و غشى عليه حتّى خشينا عليه الرجوع، فلمّا راينا حاله حـال الغريق، و احمرّ بصره من الرميق، قلنا لاحد من الطلبة اذهب الى خيمتكم، و أت بشيء من طعامكم، فغاب الطالب قليلا ثمّ اتى بجفنة طعام، و طرحها في وسط الازدحام، فتقدّم الشيخ ابن عيسى و مسح عيناه، و صار يلـقّم يملا فـاه، و عرض على ما كـان عليه و نساه، فلمّا شبع، و بالمآ اقتنع، قام و تكسّل كما يتكسّل الغول، و ذهب و ترك الطلبة في احال المنوال.