Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمّن وسواسة ابن عيسى و طمعه واختلاف وعده و مدح التين بلأشعار

أخبرني امحمد بن العربي قال كنت في يوم ذهبت لأشاهد سوق المدينة، و أقضي مأرب الخيمة، و أزاول الغبينة، و كانت لي بلغة طلاعها مفتوق، و انقابها مخروق، فقصدت وقتئذ ذمّيًا ركّابا، باخفته صوابا، و هو يمهر و يعقعق، في نعلة على حجرة يتسرّق، فبينما أتكلّم مع الذّمّي ليدور بالبلغة و يجدّد طلعها، و يرقع طرفها و نعلها، إذ رأيت شيخنا ابن عيسى طالعًا مع الواد، مهدونًا في مشيه كأنّه من أهل الرغاد، فلقيته ماشيًا بالحفى، و طرت عليه من القفى، فلمّا سلّمت عليه و سألته عن أحواله، و كيف حاله من امتحاله، زفر زفرة المفترق، و كاد من الغيظ يختنق، فقلت له لا أحزن الله قلبك، و لا انجح همتك، ما هو محالك و امتحانك، فقال ما رايت ما اقول لك الا ما وقع بي من العلمآ، الذين هم ظلمآ، و قد قيل ان ما يدخل النّار ماية ظالما، حتّى يدخلها ماية عالما، ثم انه جبد عقدا من جيبه، و ضرب به علي و قال اقرا ما مكتوب عليه، فناولت المكتوب و فتحته واذا المكتوب عليه، نصّه بالمَحكَمة الشّرعية بشريعة اولاد بن عوالي ذي القسم الخامس من عمالة الظليمة لدى قاضيها المتولي فصل خصوماتها و هو الفقيه السيد محمد قبيح الفعل اغناه الله و عدوله امّدهم الله بعونه أمين حضر لدينا الشّايب المقشتل[1] المستدغم ذو البرنوس الأصفر المتفر[2] و القمجة المفلوقة المهدوعة[3]  هو السيد الحبيب بن عيسى المسنّ بخمسة و خمسين سنة القاطن بدوّار اولاد بن عوالي  و ادعى على مقابله و هو الكهل المكر السيد ابلاحة بن عبد الرحمان المسن باربعة   و ثلاثين سنة القاطن بدوّار عرايبة فمن دعوى الاول و هو السيد الحبيب بن عيسى المذكور انه قال كنت اتيت بالامس إلى فلاج سان لوسيان لانظر ما يفتح الله لي فبينما أجول في الفلاج اذ بي التقيت مع سي ابلاحة بن عبد الرحمان المذكور فسلّمت عليه و سـألتـه عن حاله و صرت اتمشى معه في زقاق الفلاج حتّى اهوينا إلى حجرة[4] منجرة كبيرة كاينة حذو الساقية الجارية مقابلة لسوق الفلاج و مرقبة على طريق الحديد الذاهبة من تليلات الى ابي العباس فجلسنا عليها و صرنا نتحدّث في انواع الكلام اذ بالسيد بلاحة المذكور قال لي يا سيدي الحبيب الم تعلم ما صنعت انا في هذا الصباح فقلت لا علم لي اعلمني يا حبيبي ما ذا فقال لي انا ذهبت بكرة الى جناني فلمّا دخلته وجدت كرومه معنقرة بالتين الطايبة الملوية عسلها هاطل منها، و ناموسها حايط بها[5]، وجدتها كما قال الشّاعر في مدحه:

 

غـلة الـكـرامـس تـعـجـبـني

*

فـايــقـة عـلـى كـل نــعايـم

اذا التـوت فـي الغـصـن الـداني

*

للـبـلـيـع ســهـلـة الـقـايـم

يـقـطـر عـسـلـهـا حـقّانـي

*

كالـدمـوع مـن خــشــية نـادم

فصرت اجول فى الجنان والتقط الكرامس و اكل ثم التقط و اجعل في غراستي[6] حتّى شبعت وامليت الغراسة ثم اني التقطت كرموسة و صرت انظر اليها و اقول في بالي ان من يعطيني صولديا للحبّة ابيعها فقلت في نفسي والله اني لا ابيع حبّة و لو بستّة افلاس و فلّقت الحبّة و اكلتها قال الحبيب بن عيسى لمّا سمـعت منه ذلك طـاش عقلي و سالت ريوڤي و انفتحت عيوني ثمّ طرقت براسي الى الأرض و قلت في نفسي إني أتيت إلى الفلاج لأنظر ما يفتح الله لي فهذا هو الفتح المبين ثمّ رفعت رأسي و قلت له يا حبيبي و يا قرّة عيني ألا تهب لي شيا أو تصدّق عليَّ بشي ممّا أفاء الله عليك و تذهب بي إلى جنانك لأخرّف شيًا من التّين و أتي بشي في غراستي إلى بنت سعد زوجتي فقال لي حبا و كرامة غدا إن شاء الله صباحا أت بغراستك و اجلس على هذه الحجرة حتّى اقدم عندك ثمّ نذهب سوا للجنان فلمّا سمعت منه ذلك الإقبال اطمأن حـالي و شكـرته و قلت له تالله إنك لمن العرب الاقدمين ثم انصرفنا على ذلك الوعد من غير خلاف فلمّا اصبح الصباح أتيت بغراستي حتّى وصلت الحجرة المعلومة و جلست عليها و صرت أراقب الطريق التي من جهته و مهما أتى أحد بالطريق أقول هذا هو فإذا ليس به فلم نجد خبرًا، و لا أثرًا، و لا عثرًا، حتّى خلت أنّ الأرض ابتلعته، أم الجنّ اختطفه، فلمّا جاز وقته، و خاب وعده، أخذتني الإلهاب، و أتتني الجلباب[7]، و غلب الاياس الطمع، وامتنع الرجى وانقطع، فصرت كمن ضيع اللبن في الصيف، و لم أر سي ابلاحة في الحيف[8]، فحينئذ تأهوت و تكسّلت، ثمّ تأسّفت و حوقلت، و استرجعت و لكن حين جاز الوعد والوقت تنفّست الصعدا، و أوددت أن أبكي و أبكّي البعدا، و قمـت أقدم أراذلي، و أسحب ذلالي، و لبست ثوب الهمّ في الحين، على خلاف وعد التّين، و رجعت من حيث أتيت، إلى وكري منفليت، فلمّا وصلت خيمتي، و علقت غراستي، اتكلت في الرحل، و سرحت رجلي في الرمل، فإذا ببنت سعد دخلت عليَّ و قالت لي يا تالي الرجال، يا عاقب المنال، ما وقع لك في هذا اليوم، فسكت عنها و بقيت متغيّر الحال، متشطّن البال، و بتّ أراقب النجوم، و أقاسي الهموم، و أحببت أن تلك كانت كلمح البصر أو أقرب فلمّا أصبح الصّباح، و أبهى الضّو و لاح، قمت مستعجلاً، و ها أنا أتيت بمجلس الحكم طالب العقوبة لمقابلي و الا فالحقّ أحقّ يتبع فعند ذلك هشّ[9] الشّيخ القاضي لكلامه و قال له يا شيخ الحنجارة[10]، يا زاملة[11] العيب و العارة، ألم تعلم أن الطّمع معيبة، و الطّلبة معيرة، فقال له يا سيدي تالله لو أكلت ممّا وصف لي و لو تينة، لكنت شفيت من تسعة و تسعين علّة، فقال له القاضي أتعتقد الشّفا في التّين، و أنت من أهل اليقين، فقال بلى، و هل يخفى عليك المبتلى، فعند ذلك هانت من الشّيخ القاضي لفتة إلى مقابله و قال له ما لك الجواب على كلام مقابلك فتقدّم السّيد ابلاحة المذكور بالقيام، ثمّ تنحنح مستفتحًا للكلام، و قال فواّلذي جعلك مفتاحًا للحقّ، و فتاحًا بين الخلق، فإنّي لا أعرّف لك إلاّ ما وقع، من اقتباس ما سطع، و هو إنّي كنت أوعـدته كما قـال صحيحًا و لمّا فارقته رجعت إلى وكري، و صرت متذكّرًا في أحوالي و أمري، و افتكرت بأنّي أوعدت سي الحبيب بن عيسى لأذهب به إلى جناني و إنّي أعلم أنّ له مدّة شدقم[12] و بلعة أسد و غراسته واسعة كصناج دجاج، أو شبكة مراج[13]، و إن أوصلته إلى جناني يفترسه حالا و يتركه كمن نزلت به محلّة، أو جازت عليه سحابة، فخلفت وعده و مـنعت سعيه و أقبلت خطية الحكم المقتبس، و لا سخيت بجناني يفترس، فهذا هو الواقع فأحكم بيننا بما أراد الله، و لا تخفي ما أمر به رسول الإلاه، فحينئذ ردّ الشيخ القاضي كريم علمه، في الدّعوة و أوعاه، و نظر في كلام الحبيب بن عيسى و وجده عدم شرط الهبة و لم يجز حالا و اطّلع على قول الشّيخ خليل في باب الهبة والعطية و الصدقة عند قوله و إن بلا إذن إلخ ثم نظر في قول مقابله السيد ابلاحة المذكور و وجده رجع في هبته و أطلع على قول الشّيخ خليل المذكور عند قوله أو وهب لمودع و لم يقبل لموته إلخ و وجد كلا منهما استوجب التّأذيب أمّا السّيّد الحبيب المذكور إنّه تطبّع بالطّبع القبيح و كسران الوقر[14] على همّته و ذلك لا يسوغ له و أمّا السيد ابلاحة فإنّه خشية أن يتّصف بالبخل أمر على كلا منهما أمّا السّيّد الحبيب بن عيسى يجلد على بطنه بمشحاط زيتون غلظه كالخنصر و طوله شبران و مفصلان و يجلد من يد طـالب يكون سنّه أكثر من إحـدى و عشرين سنة بعدد ما مضت من الأيام من السنة العجمية من يوم التاريخ و الضرب يكون متوسّطا على بطنه مرتفقا و ذلك أن يرفع المشحاط بينه و بين بطنه قدر دراعين مالكية[15] فقط ثمّ ينزل عليه بخفّة متوسّطة و أمّا السّيد بلاحة المـذكور فإنّه ملتزم بخطية و هي زردة للطلبا كالعرب والعادة * حكمًا تامًّا لازمًا ما أشهد به و أمضاه و أمر الحكم بمقتضاه و أمر جميع الولاّت المتصرفين بتنفيذ هذا الحكم بتاريخ ٢٣ من شوال عام ١٣٠٥ موافقا 3 جوليت سنة 1888 و كتبه عبد ربّه أحمد بالهاشمي بالشيخ * و عبد ربّه أبو القاسم بن اعمر* صحّ ما فيه وبه عبد ربّه محمد قبيح الفعل أغناه الله و لطف به أمين* قال المخبر بهذه الحكاية لمّا أتممت قرائة العقد، المحـكوم بالشّد و الجد، قلت له و لم ذلك مع فصح لسانك، و ترتيب كلامك، تنهّد و قال يا ولدي ألم تعلم بأنّ الرّشوة[16] عبدة، والدراهم زبدة، و أن كبشا سمينا عند الطلبة أفضل من سبعين خطبة، و للّه در النّاطق بنظمه الفايق:

 

 

 

الـمــرو الــي شــفــتــه قـتّـالا

*

و ما تـغـلـبـه ما تـطـيـق عـلـيـه

عـبّـد لــه لــو كـان غـيـر إسـالا

*

اطـعـم كـرشه يـسـتـحوا عـينـيـه

ثمّ أخذ العقد و هرولا، و تركني في السّوق مهولا.

 الهوامش

[1] المقشتل هو الغليظ الخشين طويل القامة و غليظ الڤوايم.

[2] البرنوس المتفر هو البرنوس الي جلاله قصير و اجنحـتاه طوال و كيـلبسه مولاه يكون قصيـر عليه من ورايـه و طويل من قدّامه و يقولوا فيه متفر و الي يلبس البرنوس المتفر عار عند العرب.

[3] القمجة المهدوعة هي الي فتقت خياطتها و تمزقت و يقولوا انهدعت.

[4] حجرة منجرة ما كانت هذه الحجرة و ما تصلح: هذه الحجرة منجرة مربعة موضوعة على خزنة ماء موجودة بين طريق الحديد و الطريق المنجورة الكاينة بين تليلات و ابي العباس مسامية الطريقة الكبيرة المشهورة بفلاج سان لوسيان و قريب هذه الحجرة ساقية ماء جارية تنشط الي جمع على الحجرة و هي مقابلة الحانة يعني التبرنة متاع لابروا و على ما يقولوا على ابن العربي هو قال حدثنا ابو محمد الطيبي عن ابن خودة الصباحي عن ابن عمر البطيوي عن صاحبه العكروطي عن الاعماش عن ابي محمد الشيباني انه قال كنت يوم من الايام جالس على الحجرة المنجرة اذ بطفلة عاتقة اصبنولية اسمها طريزه ببيكة خادمة في التبرنة المقابلة للحجرة وعدت للساقية الي قرب الحجرة باش تغسل مواعن لها في الساقية و منين مربعت لتغسل مواعنها تصيبني جالس على الحجرة وانا صامت نخمّم قالت لي واشتَ تخمم فيه قلت لها ايا ببيكة انا راني نحدث مع نفسي و نقول لوكان عندي كثير المال نجعل لك قصر في بلادك مدريد تسكني فيه فصل الربيع و نبني لك قصر في باريس تسكني فيه فصل الصيف و قصر في الجزاير تسكني فيه فصل الخريف و القصر الرابع لفصل الشتا ما نعرفش اش من موضع احسن نجعلك فيه ايا ببيكة قولي اش من بلد؟ قال تبسمت لهذا الكلام و ڤالت يا الهدّار لوكان عندك ما قلته لي لوكان ما جيت شي مزلوط لحتّى تجمع على هذه الحجرة تطيب اترامك و افخاضك و ما تولّي شي تتكلّم معي هكذا، و من بعد قامت و ولّـت متبخترة و خلتني يابس على الحجرة و صبت كلامها هو الصواب و ما عرفت شي ما نقول.

[5] ناموسها حايط بها يعني الناموس حايط بكروم التين و هذا النامـوس يخرج من الذكّار الي يعلّقوه في الكـرم و لولا الذكّار بزرعه ما تصلح شي التين غير تسقط من كرومها.

[6] غراستي : هي الي يديروها موالين الجنان باش يحملوا فيها الخريف كالتين و العنب و غيره و يصنعوها من الكلخة و عيدان الضرو و كيفية التركيب يقسموا الكلخة عيدان مستويين و بعد يشقّوها انصاف انصاف و يديروا عيدان من ضرو محصورين بشرطان كبحال الدارة و يشبّكوا الكلخة على العيدان و تصبح غراسة.

[7] الجلباب: هي الرعدة تكون مرض مع الحمّة و الياعوذ بالله منها.

[8] في الحيف: هي ساعة المعركة في القتال.

[9] هشّ: بمعنى سمع و صغى.

[10] شيخ الحنجارة: هو ذكر الدجاج و هو الديك على خاطر مشغول سوى بما يملي حنجارته و الحنجارة هي في عنق الطير بين صدره و ڤرجومه يجمع فيها الحبوب الي يلقطها من الارض.

[11] الزاملة: هي الزايلة و الا الحمل الي على الزايلة.

[12] الشدقم: هو البعير من الابل و لا يخفى بالي الجمل اذا مدّ عنقه باش ياكل الحاجة البعيدة تولّي قريبة على خاطر عنقه طويل.

[13] شبكة مراج: يعني صاحب مروج و مفردها مرجة هو محل ينحجر الماء و حولها كثير القطا و الحجل و الشبكة هي الي يصنعوها من خيطان مشتبكة يصطادوا بها الحيتان في البحر و الطيور في المروج.

[14] كسران الوقر: يعني قلّة الحيا و الوقر الحرمة و العرب عندهم كبير السن و الحاكم يحشموا منه و يوقّروه و يحارموه و اذا خالفوا يقولوا كسران الوقر عليه يخفض همته.

[15] ذراعين مالكية: الذراع هو ما كان في طوله شبرين و كل شبر عرضه عشرة اصابع و كل صبع عرضه سبع حبات من الشعير و كل حبة عرضها سبع شعرات من شعرات البرذون و هو العود الغليظ.

[16] الرشوة: ما يرتشي به الحاكم على الحكم و هي معلومة.