Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تتضمن أخبار الشيخ ابن عيسى أنه كان سخارا و جولانه و تلطامه في الصحراء

حكى امحمد بن العربي قال كنت في زمان سعيد الكوكب، و حال نلت فيه المطلب، في اكتساب مال غير متعب، فقسى قلبي عن البرعة، و نفرت نفسي حلاوة القناعة، فكمّست صارميّة و قصدت التّجارة، ناويا للغنا و العمارة، فشرعت أحضر الأسـواق، و أشاهد الأرزاق، فلمّا دقت بنّة العصارة، وجدت الرّبح ياخذوه الصحارة، و اختلطت مع رفقة رايمين الاسفار، لنواحي الفيافي والأقفار، فاعهدنا العهود و العدول، و أوجدنا الإبل لحمل الزاد و الحمول، و دخلنا الصحرة بالفضول، فبقينا مدّة نحن نتخيّر في عصا الجلب، و نميّز في اغتنام الفوايد بالغلب، إلى أن سمعنا في يوم خبرا يطيّش النـفوس، و يفرّ منه الصابر و العبوس، بأن قيل أن أباعمامة، قد نافڤ باعلامة، و طاح على الطّرافي بازدحامة، و أخذ اولاد ابراهيم و خوّض الامامة، فلمّا تحقّـقنا بهذا العـبث، و خشينا الهلاك في اللبث، فافترقت رفقتي قبل النّفث، فمنهم من قصد المنڤار الفوڤاني، و منهم من وعد المنڤار التحتاني، و منهم من توجّه لابي سمغون، و منهم من بقى في العڤلة متأملا فيما يكون، فالتفت لمّا سمعت هذه البلية، ودخلت لبلاد المشريّة، فانخزنت فيها كما ينخزن المخوّف، و لبدت كما يلبد المسوّف، فلمّا تطالعت عن أهلها، و تعرّفت بسكّانها، تهمدنت روعتي، و سكنت مهجتي، فبينما أنا في يوم مجمّع حـانوت قرداش، و قلبي متفكّر في الأمور فتّاش، إذ رايت زملا من السّخارة قد سرط، و تحيّج إلى فحص البلاد و انخرط، فعلمت أنّه أتى من المغرب، و حصل لي في المظنون أن فيه بعض المغرب، فلمّا احمرّ عنق الحمام، و ازدهرت نجوم الأكمام، دخلت كنفة السخّارة كما يدخل الجوساس، وانا في حالي خآيف من العسّاس، إذ بي جزت على حملين موضعين، و بينهما رجلين متسامرين، فدنوت منهما، لأسمع كلامهما، و إذ برجل يقـول لصاحبه، و متصنّع في حوافره، و هو يقول اعلم يا ولدي إنك إذا بليت بنوبة السّخرة، و عنيت لنقطع فيافي الصحرة، فكن صبورا على كيد الزمان و محنه، ولا تكلّف على نفسك جدّ السّير و نحوه، و لا تجعل دابّتك في أوّل الرّحل و لا في أخره، ثم إنك كن أديبًا مع السّبايس، لتنجى من بعض النجايس، قال الرّاوي فلمّا سمعت ما نفث، وعيت ما بحث، التبست بالتّرديد و الأوهام، و صرت كبلقيس لعرشها في الإستفهام، فعلمت تلك الموضع، و رجعت إلى الموضع، و بتّ طول اللّيلة مقلّب البال، مهوّل الحال، فلمّا أنعمت اللّيلة بصباحها، و شعشعت الشّمس بوزارها، خرجت لأفقد المكان المعلّم، ليبرئ القلب المؤلم، فوجدت شيخنا ابن عيسى قد رقّ جلده، و اصفر لونه، ثم أنّ لحمته هزلت، و لحيته تكشردت، فصفّقت يدي فرحة لنظرتي إليه، وعزمت للتدنّي بالسلام عليه، فسلّم عليّ و أنشد ما حفاه، و تغرغرت بالدّموع عيناه :

 

لا تعجـبن مـن سـخّار إذا رأيـته

*

جور الزمـان عـليه طـال ما اخـتدم

و صاحب العـيال إن عـال عـيشـه

*

ما يقـتضي رأيه و حـال حـاله فاقتحم

لمّا اولـقى بـفـعـله مـا يـسـوءه

*

ردّ عـليه العـقل بـالنـدامة فـانـتدم

ما ذا تـقل يا بن العربي فيما نظرته

*

من وصف شـيخ شاق خـلاصه وانتهم

قال ابن العربي فلمّا اسلب القلوب بما في البيوت، و أوضح حاله بالنعوت، قلت له طب نفسا و قرّ عينا، فسأخلصك مما أنت فيه بلا منا، ثم إني جبدت الصرّة، و حسبت من الدور عشرة، و قلت له خذ هذه الكموسة، و استوجه بها عند قايد الترموسة، فقبضها من يدي و لالت بشرته، و نشت الحمورة وجهته، و مطمط شواربه و أنشد:

 

 

لولاك لجـلت الصحرة طرا بأسـرها

*

جـزيت عني خيرا يا دو المجد و الكرم

فلاشكرنك ما حييت في المواطن كلّها

*

و لاذكرنك في محافل العرب و العـجم

ثم أنه فزّ كما يفزّ الفرحان، أو المسرّح من أوثاق الأحزان، و جعل يدور كأنه يخمّل في حوايجه، وثرنه يتأمّل كيف يسلك بخدعانه، ثم لفت وجهه إليّ، و قال لي أنـظرني و لا تغفل عليّ، فإني أذهب إلى حاكم المحلّة، ليسرّحني من هذه المـحنة، و سوف أنقلب إن شاء الله فارحًا إليك، و اعتكف بالنّشاط عليك، و تبسّم في وجهه كما يتبسّم المريب، و تبيْسس بفرّته كما يتبيسس الذيب، ثم قلت لأحد معي أذهب خلفه، لتنظر ما يقع له، فذهب من ورايه ماشيا، و بقيت إياهم مستنيا، إذ بالرسول رجع و بيده ورقة مطويّة مصنع، فقلت له ما وقع، للأصطل المهرڤم، فقال لي خذ ما يمرّض القلب و منه ينتقم، فمدّ لي الورقة، و قرأتها بحمقة :

 

قـل لـلي رســلـك يـصـبـر

*

عــلـى مــحــنـة الــغــدر

و هــو فـــمّـــه يــهـذر

*

و اعــيــونــه تــقــتــرف

فــبــن عــيــسـى سـافـر

*

فــي الــدّهـــمــة و فـــر

و خــلاك امــــغـــيــر

*

و امـحـان الـغـربــة تـتـرادف

قال ابن العربي فلمّا قرأت البيتين، و حققت الصنفين، صرت كمن اشترى الهمّ بالدرهم، و ضيع الرفقة و انعدم.