Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يقول عبيد الله القاهر الباري، محمّد بن علي بن الطاهر الجباري، الحمد لله الذي هدانا للهداية، وأرشدنا للإستقامة، و ملك أعنّتنا فقهر، و عفى عن عباده الصالحين  و تجاوز عن سيئات من زاغ منها و غفر، تنزّه عن أن يحيط به الوهم والترديد أو يكفيه النظر، و تكفّل بإبساط النعم و تقسيم الأرزاق و إجابة المضطر، أحمده حمدا كثيرا كما استوجب علينا تعظيم شأنه و أمر، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إعزازا لمن أمن و شكر، و أشهد أن سيدنا و نبينا و مولانا محمدا عبده و رسوله الكريم المبر، صلّى الله عليه و سلّم و شرّف و على آله و أصحابه السادات الدرر، صلاة وسلاما دآيمين متلازمين ما اتصلت عين بنظر، اللهمّ إني أعوذ بك من الباطل والطغيان و سوء الظن مع البشر، و أتحصّن بك من مكر خاذع و قول فادع و لسان قاطع ومفتر، واحتفظ بك من كيد النفس والشيطان فإنهم داعيان للشقآ والغرر، ونستغفرك من خطط قدم وفعلة يد و كلام معر، واستوهب منك إجابة الدعا بتوفيق إرشادك المشتهر، و اسبل علينا غطا من ردا جلالك و سترك المستبهر، و احفظنا بحفظك يا دا الجلال و الاكرام يوم لا عثرة تقي و لا ينفع المفر، و لا يلحق بنا تغير، إنك على كل شي قدير، أما بعد فإني لما سيقت بي الاقدار لجولان الاماكن، جعلت استقراري بمدينة بلاد سان لوسيان، فوجدتها ذات قيمة سنية، موجودة بوطن الظليمة، فصرت كمن جلس بين فرشين، و توسّد مخدتين، فشرعت أهوى الخلطة، مع بعض من طلبة نجع الغرابة، و أتقلّب طورا مع بعض من عرش الزمالة، و أخرى أحاكي بها الظهرة و الغابة، و قد طال ما بحثت عن إفادة بعض العلوم، فلم أجد مرشدا عليه و لا من إليه يقوم، حتّى خلت أن شجرة العلم لم يغرس ببلادهم، و نبذة الأدب لم يزرع بترابهم، و استصعب عليّ استجاده، و لم ترم نفسي عدم استأصاله، فحوقلت حينئذ و ضاق عنّي ذرعا الاتساع، وكفيت الغربة و الكربة صبرا واستطاع، بعد أن كنت أردت الفرار عنها، فلم أر طاقة للانتقال منها، فما لبثت على ذلك إلا قليلا، واما متعضدا صبرا جميلا إذ بي وجدت ابن عيسى العوالي، يتقلّب بالاوصاف و الاحوالي، فمرّة يحضر مع الطلبة في الجنايز، وطورا يقصد خطبة العجايز، وتارة يميل إلى مجالس العلامة، واخرى يحضر مع كبار الجماعة، وساعة يأتي راكبا مع الميعاد، ويتخالا مع الامرا و القياد، و يوما يظهر كأنه موّالا، و في الصيف يجور مدرجلا بمنجله يحسب شوّالا، بيد أنه مع تقلّب أوصافه أنه من عرب البربر ڤوّالا، فرميت النّظر عليه، وتسببت في الخلطة إليه، و رجعت كما قال الحريري في أقواله، و لله دره و اماله، حيث قال في أبياته (طويل):

 

فـكنت به أجلو هـمومي و أجـتلي

*

زماني طـلق الوجه مـتلمـع الضـيا

أرى قـربه قـربي و مـغناه غـنية

*

و رؤيـته ريّـا و مـحياه لـي حـيا

ثم إني امتزجت معه كما يتمزّج الما في اللبن، وانطلقت بدواخله كالحكّة في الجبن، وانجلت عني إزالة الغبن، فلمّا رايت من ارتكام ظلمات الجهل، و انقطاع الأدب بهذه الواسطة على الأصل، تذكّرت ما سمعت عن بعض الثقة والامان، مما قيل فيما غير من الزمان، ان رياسة الرجال الصناديد، من بلاد الشّرق لما وصلوا لهذه الاوطان، وامروا بفتح تلك المدن، بتحزيب أصحاب هذه البلدان، بعد معاركتهم و محاربتهم إيّاهم، أن يدخلوا في الاسلام طوعا، و محبة لاعلاهم، فلمّا عرفوا لذّة لغتنا و فوايدها استعملوها، و مع ان كانوا يبعدونها من قواعدها و عن صافي أصلها واستأصلوها، فقد حصل لها بسبب إدخالها بعض الالفاظ الملحونة، من لغاتهم المختلفة المثبونة، مثل الشلحة والتمزيغية، و التوارڤية و الوارڤلية، اختلاف عجيب و اتساع، ليس له بمزيد الاشفاع، فبإضافة لغتهم إلى لغتنا لم يتركوا ساير ألفاظ اللسان المضبط، حتى صاروا العلما لا يفهمون لها نمط مرتبط، لا سيما ناس الشّرق الذين لم يسكنوا هنا، و لم يخالطوا المستعربة من أوطاننا، لأنهم لا يعثرون على هذه الألفاظ في ساير كتوبهم العظام، و لا يخفى أنه في بلاد الغرب كثير من فصحاء الكلام، منهم المؤرّخون و المدّاحون والراويون، و الشّيوخ أرباب التّلحين والڤوّالون، و إنهم الآن ليست لهم شهرة عند العامّة، و لا عند ناس الشّرق و لا المجانبة، فلمّا رايت خبو هذا المنهاج، وعجز و ميّن صاحب العلاج، تضجّرت و رمجرت، و تأمّلت و تنمّرت، ثم إني اتبعت الفكرة الهامدة، وامحنت القريحة الهانية، و عزمت لاتياه مرامة، اثنتا عشرة مقامة، أتلو فيها جملة من الالفاظ المستعملة، في ناحية الڤبلة و الظّهرة، و في نجوع التّل و الصّحرا، عند ناس الديار و اهل الخيام، والبداوي والمدن والقرى والمقام، و للمشايخ و لطلبايهم، واهل الصنايع و فلايحهم، على وسايل واحكام، و أحاجي مغربيّة و أنظام، و مواعظ و ألهية، و وقايع منجلية، مما امليت جميعه على لسان ابن عيسى العوالي، و اسندت روايته إلى امحمّد بن العربي، و أرجو من الله أن تكون تخليصا للفصاحة في الاوطان الغربية، وزبدة لتطريب قاريها بالنّظريّة، و إنّي ألفتها على صفة المقامات، لأنها تفيدنا عن غيرها من المقالات، و لأن سلفي بذلك حايزون التفضيل و الإحسان، و الشّكر الجزيل بلا فخر و لا إمنان، العلاّمة بديع الزمان همذان، و أبو الفتح الإسكندري و أبن هشام، والعلاّمة الحريري و أبوزيد السروجي والحارث بن همّام، فلا جرم أن عذري واضح، و عدم قدري فادح، و إني لا طاقة لي للاستباحة ببحورهم، و لا درجة لي للارتقا لعلو منهاجهم، إلا إنّي مددت إلى الله الأكفاف، و طلبت منه بالتّضّرع العفاف، و إن لا يجعلنا مـن النّـادمين، و لا يوجهنا إلى محضر المحرمين، فهو حفيظ الرعا، و مجيب الدعا، و ما قصدت بهذا المورد الذي استوردته، و الشـان الذي استـشأنته، إلا الاستـطراب و الابساط، للطلبا المنورين واهل النّشاط، و لمن شاء إقصار الدقآيق، فليطالع الرقايق، أو يبادر في النظر، و لعلّه يجد في النهر، ما لا يجده في البحر، و سمّيتها بالمقامات العواليّة، في الأخبار العلاليّة، على اللغة المغربية، و إلى الله استوجه بالنبي الشفيع، أن يحيطنا بحصنه المنيع، فهو نعم الموالي و نعم النصير، و إليه المرجع والمصير.