Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

نشرت "المـقامـات العـوالـية" لأول مرة في المجلة الإستـشـراقية الشهيرة « le Journal asiatique »[1]  سنة 1913 و سنة 1914. أما نص " رسالة الأبرار" لقد نشر سنين قبله أي في سنة [2]1887.

و  بقيت هذه الأعمال للمؤلف محمد بن علي بن الطاهر الجبّاري البطّيوي[3] قابعة تحت صفحات المجلات و المؤلفات المتخصصة و/أو النافذة. و لأن لم يتوصل إليها إلا المحضوضون من الباحثين في ميدان اللهجات المغاربية و أدبها الشعبي فإنها لم تحض بالاهتمام الجدير بها لدى جمهور متعطش لكل ما أثمرته اللغة الأم من قصص و شعر و غناء و مسرح.

فانطلاقا من هذا، بدا لنا من المنفعة العامة، في إطار مشروعنا لنشر الإنتاج الأدبي باللغة الجزائرية، أن نجعل اليوم، في متناول القراء هاتين المحاولتين المهمّتين — خاصة المقامات — لتأسيس نثر أدبي بلغتنا الوطنية المحلية. بالتأكيد تشكل المقامات العوالية محاولة فريدة من نوعها في تاريخ أدبنا الوطني باللغة الجزائرية الممثل، حتى اليوم، إلاّ بالشعر (الملحون).

فلنرجع إلى سيرة المؤلف لنضيف أنه ولد بمدينة بطّيوة، قرب أرزيو، بولاية وهران، في أوائل سنين الاحتلال الفرنسي، و أنه ينتمي إلى الجبارة، فخذ من قبيلة ذوي ثابت، القاطنة في نواحي مدينة سعيدة.

فبعد الدراسة، انخرط في سلك رجال القضاء حيث عين على التوالي في سعيدة، ثم معسكر، ثم زهانة، قرب وهران، و أخيرا في القليعة، من مدن ولاية الجزائر العاصمة. و توفي فيها قبل الحرب العالمية الأولى.

فانتقاله من زاوية إلى زاوية لطلب العلم، و معاشرته "الطُّلْبَة" و معرفته الواسعة بهم و بثقافتهم الخاصة، زيادة عن شغفه باللغة العربية عامة و اللهجات العربية للغرب الجزائري بالخصوص، أهلّوه لكتابة مثل هذه الصفحات الجميلة، المفعمة بالحيوية.

و لكن بقدر ما تبدو "رسالة الأبرار" قريبة من الأدب الهزلي الخاص بطُلبة المغرب العربي الممثل في "الخطبة الساخرة لعيد الطلبة بالمغرب"[4]، بقدر ما تشكل المقامات نصوص ناضجة الأسلوب مهيأة ليس فقط لتصوير ممارسة لهوية لهيئة عرفية معيّنة كالطلبة و لكن لتعبّر عن ما يسمّيه الجباري "الفصاحة في الأوطان الغربية" أي القريحة الأدبية للجزائريين و قدراتهم الإبداعية.

و هنا ننبه إلى مشكلة هامّة تتعلّق بغياب مثل هذه الأعمال في ساحة النشر. يجب أن نؤكد  أن عدم وجودها في المكتبات لا يعني أنها لا وجود لها أصلا. و لعلّ أغلبها لا زال في شكل مخطوط مغمور في بعض الخزائن المجهولة. لقد صرّح دلفان، المدير لمدرسة الجزائر آنذاك، و صديق المؤلف، في مقدمته أن المقامات العوالية  لم يفكر الجباري أبدا في نشرها. و لولا إلحاحه عليه و تشجيعه له لما واصل كتابة الإثنتا عشرة مقامة. و مع ذلك كتب لها أن تنشر، و لكن، و للأسف، بعد موته.

لا شك في أن تأثير دلفان على الجباري كان عاملا حاسما في رفع الحواجز النفسية الناجمة عن الرقابة الذاتية التي كادت أن تحول دون نشر هذه النصوص. أكيد أن دلفان، بكونه مختص في علم اللهجات كان مهتما بـ" توسيع دائرة معارفه المعجميّة"، كما ذكر، أكثر مما كان مهتما بإطلاع الناس عن محاولة أدبية لها وقعها الخاص على تصوّرنا لأدب وطني بكل معنى الكلمة.

إن محمد إدريس، هذا المثقف الذي لم يقطع يوما صلة الرحم التي تربطه بأصوله الجزائرية كان مشغوفا بثقافته الأم و كان له إلمام بكل أطرافها و كان مستيقن من قيمتها.

و هكذا، كيف لا يتألم و لا يشكو من الإهمال الذي أصاب الشعر الملحون في عصره حيث يقول "و لا يخفى أنه في بلاد الغرب كثير من فصحاء الكلام، منهم المؤرّخون و المدّاحون و الراويون، و الشيوخ أرباب التلحين و الڤوّالون، و أنهم الآن ليست لهم شهرة عند العامّة، و لا عند ناس الشرق و لا المجانبة". و يضيف أنه ألّف  مؤلفه هذا ليتصدّى لهذا الإهمال و لكن بأسلوب خفيف  لـ "الاستطراب و الابساط"  و لعل "قاريها بالنظريّة" "يجد في النهر، ما لا يجده في البحر"[5].

و ربّما لا نجد في بحر الأدب العربي في الجزائر و بالخصوص في نوع المقامة ما نجده في نهر المقامات العوالية، من وصف وفيّ للجزائري في بيئته و بلسانه.

و بدون أن نطيل الكلام عن تاريخ هذا النوع من الأدب العربي ابتداء من بديع الزمان الهمذاني، و الحريري، وصولا إلى اليازجي و المويلهي، و مرورا بالمغاربة كابن محرز الوهراني، لا بد أن نلاحظ أن هذا النوع لم يعرف ازدهارا كبيرا في منطقتنا. فلا يذكر المؤرخ لتاريخ الجزائر الثقافي الأستاذ أبو القاسم سعد الله إلا عددا يسيرا من الأسماء و من المقامات الجديرة بالذكر[6]. و في ضوء ما جاء به في كتابه، يبدو أن المقامات العوالية هي ظاهرة فريدة في أدبنا من حيث العدد المقبول من المقامات و من حيث أسلوبها المتميّز.

و من المثير للاهتمام الكيفية التي حلّ بها المؤلف مسألة اللغة في الأدب المغاربي، و هو لا يتخلص بعد من ثقافته المدرسية. فبالنسبة له، و هو عاجز عن القفز فوق عقبة اللغة العربية المدرسية، إنه يكتب باللغة المغاربية، كما يظهر من خلال العنوان. و لكن لغته المغاربية هذه ليست اللغة العربية و ليست لغة الملحون. و هو الذي يتقن الملحون المحلي و له منه شواهد ضمن مقاماته. فمن ناحية لعله اعتبر أن الملحون — و هي اللغة المشتركة بين شعراء المغرب العربي —  لا يصلح للنثر بحكم عمق بصمة الشعر فيه[7]. و من ناحية أخرى لعله اعتقد أن اللغة العربية لا تصلح، إذا أردنا أن تعبّر عن الروح المغاربية، إلا بعد أن تخضع لعملية معيّنة.

وصف لنا دلفان هذه العملية في هذه الفقرة حيث قال "أردت أن أركزّ على هذا التوضيح حتى لا يميل المستعربون — الذين سوف يقومون بفحص هذه النصوص — إلى الاعتقاد بأنها مجرد عبارة عن تحريف أرعن للغة العربية، بل بالعكس ليستوعبوا ميزتها الحقيقية و وقعها. إذ أن المؤلف عندما يقتبس من اللغة العربية بعض من آليتها العلمية، فهو غالبا ما يرى في هذا طريقة ملائمة لإدراج، و كأنّها شبكة تطريز يسيرة، المعجم الثري للهجات المحلية المألوفة "[8].

هكذا و بدون أن يغير شيء في التركيبة النحوية للعربية، يقوم المؤلف بـ"جزئرة" المفردات، إذا صح التعبير، نافخا في اللغة العربية قسط وافر من الروح المغاربية.

فهذا هو عكس ما ينتهجه في قصائده الشاعر أبو عثمان سعيد المنداسي، الذي اختصّ في كتابة ما نسمّيه "ملحون النخبة"، والذي لا يغيّر من التراكيب النحوية للغة الملحون و لكنه يقوم بعملية "تعريب" معجمه، تعريب لا يخلو من " تغريب" لأنه كثيرا ما يلجأ إلى المهجور من اللغة العربية.

و بالتالي، فإن الشخصية المركزية هنا ليست شخصية بن عيسى العوالي، كما يظهر، و لكن ما قام الجباري بعرضه على خشبة مسرح المقامات العوالية هي اللغة الجزائرية كما ابتكرها. و هذا ما نريد إبرازه عندما نقول أن هذه المقامات يجب أن تقرءا كنموذج لمحاولة جدّية، حتّى و لو أنها منفردة، لتأسيس نثر أدبي باللغة الجزائرية المحلية، بجانب الشعر الملحون لتكتمل صورة الأدب الوطني الجزائري.

هذه التجربة جديرة بالترحاب أوّلا و بالبحث و الدراسة ثانيا و المؤلف جدير بأن نوليه الاهتمام و الاحترام اللائق بأديب جزائري من الطراز الرفيع.

و أخيرا لا نختم هذا التقديم للمقامات العوالية إلاّ بعد أن نؤكد أن هدفنا الوحيد، من وراء حرصنا على إخراج هذه النصوص و تلك الأخرى " جزائرية اللغـة  و المضمون" من الظلومات إلى النور، هو إثراء التفكير و النقاش في موضوع  اللغة الجزائرية و تعبيراتها المكتوبة.

 

أحمد أمين دلاي

وهران 09/02/2007

 

[1] " المقامات العوالية باللغة المغربية "(les séances d’El-Aouali, textes arabes en dialecte maghrébin)، نشر      و ترجمة الجنرال ج.فور- بيڤي(Faure-Biguet) و ج.دلفان(Delphin)، في الجريدة الأسيوية، سفر 2، السلسلة 11، سبتمبر-أكتوبر 1913، ص.285-310؛ سفر3، السلسلة 11، مارس-أبريل 1914، ص.303-374؛ سفر4، سبتمبر-أكتوبر 1914، ص.307-378.

[2] "حكاية رسالة الأبرار ما وقع لهما بالأسحار"(Récit des aventures de deux étudiants arabes au village nègre d’Oran)، تقديم و ترجمة ج.دلفان، باريس- وهران، 1887، ص.52+ص.35.

[3] يشير ج.دلفان إلى أن اللجنة المكلفة بتثبيت الحالة المدنية للجزائريين أعطت له لقب "إدريس"(المقامة 7، هامش 1).

 [4] "الخطبة الساخرة لعيد الطلبة بالمغرب"(la khotba burlesque)، في مجموع مذكّرات و نصوص منشورة لشرف المؤتمر 14 للمستشرقين بالجزائر، سنة 1905، بقلم أ.دوتي(Doutté)، بريس، 1905.

[5] أنظر مقدمة المقامات.

[6]  " تاريخ الجزائر الثقافي"، أبوالقاسم سعد الله، سفر 2، ص.206 و سفر 8، ص.145.

[7] يبدو أن الجباري يجهل ذلك النوع من الشعر الملحون المغربي الذي يطلق عليه إسم السوسي المزلوڤ و هو عبارة عن أقسام نثرية مع شيء من السجع في الأسلوب. أنظر كتابنا " أغاني القصبة"(Chansons de la Casbah).

[8] المقامات العوالية(Les séances d’El-Aouali)، سفر 2، السلسلة 11 ، سبتمبر-أكتوبر1913 ، ص.288.