Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

اشتهر أدمون نطان ولد مخلوف يافيل — تلك الشخصية البارزة في الأوساط الفنية و الموسيقية للجزائر العاصمة — لدى هواة الموسيقى بصفة عامة و الموسيقى الأندلسية بصفة خاصة، بكتابه الضخم الجامع للأشعار المغناة في النوبات الأندلسية  و المعروف بعنوانه المختصر " مجموع يافيل"[1].

و كتب بأسلوب الدارجة في المقدمة عن هدف نشره للديوان و عن بعض الممارسات لحاملي التراث الوطني " فقد طبعنا هذا الديوان لأننا رأينا هذا الفن الغناء و كلام الأندلس يفنون و ينقصون كل يوم. فكل الي الذي يتوفى ما يخلف عوضا عنه أحدا أخر يكون قرنه في هذا الفن و ما ذهب به في القبر من الكلام و الصنايع لا يعريفونها الباقون و لا يحفظونها. و لا يخفى عند الحاضرين و الغايبين بأنه في هذا الوقت كل والع في الألحان و الأغاني الذي يريد يتعلم لحنا من الألحان الذي يحتاج اله و ما يجده يمضي يطلبه من الي يكون عنده موجودا فلا يعطيه الالي لا بالدراهم و لا بالابتهالات لكي تبقى تلك الألحان مسجونة عنده و ما تبان عند الناس الاخرى اثرة له. و لذلك اجمعنا اربعة عشر نوبة التي بقيت من كلام الأندلس و طبعناها  و جعلنا بها دواوين الغناء. و كذلك حتى لحن من هذا الألحان ما يزول. أيضا ان الذي يحب هذا الفن و يكون عنده هذا الديوان يكسب كتابا نفيسا لا يوجد متله ابدا    و السلام[2]  "(هكذا).

و ما يجهله الكثير من المهتمين بهذا التراث هو أن نفس المؤلف ترك لنا ديوان آخر أصغر حجما. و لكن صغر حجمه لا يمنعه بأن يكون مصدرا هاما لتاريخ الموسيقى و الغناء بالجزائر. هذا الكتيب المطبوع حجريا بعنوان "مجموع زهو الأنيس المختص بالتباسي و القوادس" نشر، كما صرح به، "على ذمة صاحبه ادمون يافيل" سنة 1325/ 1907.

خلاف لـ"مجموع يافيل" الشهير الذي يضم كلام "الصنعة" و هي "الموسيقى الراقية العالمة"، يحتوي "مجموع زهو الأنيس" على جملة من نصوص الموسيقى الشعبية الجزائرية في أواخر القرن 19.

لنرجع للعنوان و لنشرح كلمات "التباسي" أي الأقراص (les disques) و " القوادس" أي الأسطوانات (les cylindres)[3].

كل مصطلح يشير هنا إلى مرحلة معيّنة من تطوّر تقنيات التسجيل. أوّل مرحلة بدأب سنة 1889 مع جهاز الڤراموفون (le gramophone) و التسجيل العمودي (la gravure verticale) على الأسطوانات (les cylindres) و انتهت في فرنسة سنة 1912. و عقبتها المرحلة الثانية بعد سنة 1904 و هي مرحلة التسجيل الجانبي (gravure latérale) على قرص 78 دورة و استعمال الفونوڤراف ذات الفوّهة (le phonographe à pavillon)[4].

و نستنتج من هذا العنوان أن يافيل نقل نصوص ديوانه عن طريق الأسطوانات    و الأقراص التي كانت بحوزته .و الدليل على هذا أنه كلما عنون أغنية إلا و ذكر معها رقم التسجيل.

و لقد رتّب يافيل النصوص حسب الترتيب التالي:

  • المصدر عربي و البطايحي
  • الحوزي
  • القصيدة
  • الزنداني و الاستخبار
  • القادرية

يلاحظ أن هذا الترتيب للأنواع المختلفة للموسيقى الشعبية يخضع لسلّم تقييم فنّي. حيث في أسفل دراجته نجد أغاني النسوة (القادرية) و في أعلاها، بدون شك، سوف نجد الموسيقى العربية الأندلسية (الصنعة) متربعة على عرشها.

و بينهم قصائد تغنى في "المصدر[5] عربي" و " البطايحي"[6] و " الـحوزي" و فــن " القصيدة "، أربعة أنواع من الغناء بالشعر الزجلي أو الملحون باختلاف مصادره.

مرتبة تحت عنوان " المصدر عربي" نجد منظومة " من يبات يراعي الاحباب" للمفتي مصطفى بن الكبابطي (1769/1860) المتوفى في منفاه بالقاهرة. يعد هذا النص من ملحون الطبقة الحضرية المثقفة الممثل في شخص الشاعر التلمساني سعيد المنداسي. و هو نوع من " الزجل المجزئر" .

ثم تليها نصوص في " البطايحي" كـ " طال ذا السهر يان" لشاعر مجهول        و "جرّعت في الحب كاس المنايا" الذي ينسب[7] إلى ابن الحاج قدور الشريف، عالم جزائري معاصر للمفتي بوڤندورة.

ثم الفقرة المخصصة لنوع الحوزي و هو ضرب من النظم و الأداء  ظهر في تلمسان و انتشر في حواضر البلاد و برز فيه شعراء من النوع "البدوي" و من النوع " الحضري"[8] معا.

و من نوع  الحوزي القصيدة الشعبية المعروفة بـ "وحد الغزال ريت اليوم" ينسبها يافيل إلى قدور بن عثمان[9] و  لعلها من نظم الشاعر التلمساني بومدين بن سهلة[10].     و قصيدة السي مصطفى بن براهيم الشهيرة " الڤيت انايا خودات "التي نظمها و هو في مدينة فاس بالمغرب. و ثلث قصائد للشاعر التلمساني الفحل بن مسايب " في المنام يا الاسيادي زارني الحبيب البارح" و "نار البين ڤدات في كناني يا مسلمين"    و "القلب بات سالي و الخاطر فارح ". و قصيدة لتلميذ المنداسي الشاعر أحمد بن تريكي " يا بنات البهجة كفّو من الملام ". و تعتبر هذه القصيدة من أول قصائده. و له قصيدة أخري نسبها يافيل إلى شاعر اسمه أحمد " غاب علي خيال موني" و هي فالحقيقة لبن تريكي هذا. أما القصيدة "طال الضر عليا و زاد ثاني غرامك" المعروفة عند أهل الملوف في قسنطينة بقصيدة " الظالمة" فهي لشاعر معسكر الكبير الحبيب بن ڤنون[11]. و قصائد أخرى من الحوزي مجهولة المؤلف و لكنها ذو شهرة واسعة مثل " يا من تريد قتالي غيرك ما يحلالي" أو " هبّو رياح الاريام".

بالإضافة إلى قصائد شعراء البلاد، تستورد الموسيقى الشعبية الجزائرية بعض النصوص من المغرب. و هذه النصوص مصنّفة تحت عنوان " قصيدة". فنجد مثلا قصيدة بن عمر " ثلاثة زهوة و مراحة"[12] و قصيدة " كيف يواسي الي فرق محبوبه" التي ينسبها يافيل خطأ إلى التهامي المدغري و هي من نظم سيدي قدور العلمي[13].

فهذا النوع المسمى " القصيدة" و كذلك " الغربي" أو " المغربي" هو السلف الحقيقي لنوع غنائي جديد سوف يظهر قريبا و هو " الشعبي".

أما النصوص الباقية فهي في الغالب من جنس الشعر و الغناء الشعبي الخفيف     و غناء المناسبات و الشوارع ، سواء كانت من الزنداني[14]، و أغلبه تونسي، أم كانت من القادريات[15] الخاصة بغناء النسوة في مجموعات "المسامعات".

و في الختام نقول أن " مجموع زهو الأنيس"، زيادة على أنه أنقذ من التلف عدد لا بأس به من نصوص شعرية و كلام غنائي منوع، يقدم لنا صورة مطابقة لما كانت عليه الأغنية الجزائرية — و الأغنية الشعبية بالخصوص، بجميع أنواعها، في حاضرة جزائرية و في القرن التاسع عشر— و يطلعنا كذلك على الحسّ الفنّي للأجيال السالفة و تصوّرهم لتسلسل الأنواع الغنائية على أساس درجة التصنّع الجمالي و القدرة  على الصمود في وجه الدهر. و لهذا، كان علينا من الواجب أن نعيد نشره و أن ننوّه بأهميّته الثقافية التاريخية و بمكانة مؤلفه المرموقة ضمن سلسلة الرجال الذين كتبوا التاريخ الثقافي لوطننا.

 المؤلف:

هو أدمون نطان يافيل بن مخلوف. ولد بالجزائر العاصمة سنة 1874 من أسرة جزائرية يهودية. كان لوالده مخلوف الملقب بـ "مخلوف لوبية" مطعم شعبي في أسفل حيّ القصبة. و كان متحصلا، بشهادة تلميذه و صديقه محي الدين باش طارزي[16]، على البكلوريا و شهادة في اللغة العربية و كان موسيقيا. كان كما كتب عن نفسه "مولع في علم الأغاني و الألحان" حيث تتلمذ على المعلم الشيخ محمد سفينجة (1844-1908) ثم شارك الباحث ج.رواني في أبحاثه حول الموسيقى العربية في شمال إفريقيا كمترجم و ناسخ. نشر سنة 1904 مجموعه للنوبات الأندلسية ثم أسس الجمعية الموسيقية "المطربية" سنة 1911 و في سنة 1918 التقى بتلميذه المفضل و خليفته محي الدين باش طارزي. شغل سنة 1922 كرسي أستاذ للموسيقى العربية في معهد الموسيقى عند تأسيسه من طرف النواب المسلمين المنتمين إلى قائمة الأمير خالد.

و سنة   1923 سلم منصبه على رأس "المطربية" إلى محي الدين باش طارزي.

 توفي يافيل في 8 أكتوبر1928 و عمره 54 سنة.

لقد قام يافيل، بالإضافة إلى نشر المجموعين[17] الذين دوّن فيهما جزء هاما من التراث الغنائي الجزائري، بتسجيل ما يزيد عن 2000 اسطوانة.

  الهوامش

[1] و العنوان الكامل هو " مجموع الأغاني و الألحان من كلام الأندلس" طبع في الجزائر العاصمة سنة 1322/1904، ص.395+ص.31.

[2]  أنظر مقدمة " مجموع الأغاني".

[3] و كلمة أسطوانة تعني أيضا القرص(le disque) في الاصطلاح العام.

[4] شيخ المحڤن أي شيخ القِمع في الاصطلاح المحلي.

[5] المصدّر يفتتح النوبة فهي أوّل حركة و تؤدّى فيه مقطوعات صوتية.

[6] البطايحي هي ثاني حركة في الترتيب الإقاعي للنوبة في الجزائر.

[7] حسب شهادة الأستاذ أحمد سرّي.                         

[8] حسب اللهجة الطاغية على الشاعر. "الحضري" لغتا ينطق بالقاف عموما و "البدوي" لغتا ينطق بالقاف المعقودة أي الڤاف (الجيم المصرية). و شاعر كإبن الذبّاح كان ينظم في النوعين الحضري و البدوي.

[9] شاعر من مدينة معسكر ذو أصول تركية عاش في القرن التاسع عشر و له قصائد عديدة و متداولة. أنظر كتابنا "الأغنية البدوية الوهرانية".

[10] أنظر " كتاب الحب و المحبوب"، لمحمد بخّوشة، تلمسان، 1939؛ ديوان الشيخ التلمساني بومدين بن سهلة، لم.ح.حشلاف و م.بن ع. الزرهوني، الجزائر، 2001؛ ديوان أبي مدين بن سهلة، لش.مڤنونيف، وهران،2001."

[11] للتعريف عن الشعراء المذكورين هنا و أعمالهم، أنظر كتابنا " الدليل المأمون في مراجع الملحون"(guide bibliographique du melhoun) .نشره L’Harmattan سنة 1996   في باريس.  

[12] أنظر كتابنا " أغاني القصبة"(chansons de la Casbah)، ص.165.

[13] أنظر " محمد الفاسي، معلمة الملحون، جزء 3، روائع الملحون، الرباط، 1990، ص.237-241".

[14] نلاحظ هنا غياب نوع " العروبي" و ربما أغنية " من فراق غزالي" المصنفة في نوع " الزنداني التونسي" هي عندنا من نوع العروبي.

[15] و تحت عنوان " بيت قادرية" أدرج يافيل رباعيات و منهم رباعية للمجذوب.

[16] راجع:«  Le vieil Alger musical » par Mahieddine Bachetarzi, in Jeunesse Action n°6, semaine du 1er au 7 janvier      1977.

[17] أفادنا الأستاذ أحمد سرّي بأن يوجد كتاب ثالث ليافيل.