Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تقديم

إن محاولة دراسة الخطاب الديني من خلال الخطب المنبرية تجعلنا أمام التساؤل حول الكثير من المفاهيم المتعلقة بالتراث الديني وآليات اشتغاله وعرضه وتلقيه، على اعتبار أن هذا الخطاب يتأسس على استعمال مضبوط للعقل وهو ما قد يفسر الفرق بين العقل الديني والعقل الحديث[1]. إن للخطاب الديني منطلقاته وآليات اشتغاله وهي تشتغل مجتمعة، فكثيرا ما تتداخل الآليات والمنطلقات إلى درجة التوحّد حتى ليستحيل التفرقة بينهما، وقد رصد نصر حامد أبو زيد في كتابه "نقد الخطاب الديني" خمس آليات تحكم مجمل هذا الخطاب وتسيطر عليه وهي: آلية التوحيد بين الفكر والدين، رد الظواهر إلى مبدأ واحد، الاعتماد على سلطة السلف، اليقين الذهني والحسم الفكري وإهدار البعد التاريخي[2].

لكن مع كل هذه الآليات وما تحيل إليه من تأطير للخطاب الديني في الزمن الماضي، إلا أن هذا الخطاب من خلال الخطب المنبرية على الأقل يبدو حديثا، يتناول مسائل وقضايا معاصرة وإن استمد نتائجه أحيانا من خلال الاعتماد على النصوص الدينية عبر آليات القياس وإلحاق ما هو معاصر بوقائع تراثية مع إلغاء لكل تلك الفوارق الزمنية الضخمة. قد لا نكون في الخطب المنبرية أمام خطاب ديني واحد متجانس بل أمام خطابات لا تمتلك حالة توافق أو إجماع ما، خطابات تحوي أشكالا من الانشطار وهي تحاول التكيّف مع المستجدات التي يفرزها الواقع المتغير دون مساءلة للمقولات التي أكسبت هذه الخطابات كينونتها. يحيل هذا الانشطار إلى مدى ارتباط تلك الخطابات بواقع قد يبدو أحيانا محليا وخاصّا جدا لا يتجاوز جغرافية المكان الذي ينتمي إليه إمام المسجد.

وإذا ما انطلقنا من أن مفهوم المواطنة بمختلف معانيه مهما ضاقت أو اتسعت قد يشكّل إحدى تلك القضايا المعاصرة بالنسبة للخطاب الديني، إلاّ أن التناول الأيديولوجي لعلاقة هذا الخطاب بالمواطنة اختزل بحث التشابكات المعقدة بين الدين والمجتمع والسياسة في مقولات من مثل "الدين خارج المجتمع" أو "الدين فوق المجتمع" فاتحا المجال لجدل يحجب التاريخ والمجتمع معا. ننطلق في دراستنا من مقولة أن "الدين في المجتمع"، وبالتالي من غير الضروري تصنيف مفاهيم حديثة مثل المواطنة في خانة مضامين المقولتان الأولى والثانية، بل من الأهمية بمكان اختبار علاقتها بالمقولة الثالثة.

 قد لا تثار مسألة المواطنة في الخطاب الديني من خلال الخطب المنبرية بالصيغة التي نعهدها في الكتابات الأكاديمية أو الأدبيات السياسية، إلاّ أن هذه الخطب تحمل مضمونا يتناول موضوعات في صميم المعاملات الاجتماعية ويدعو إلى سلوكيات ومواقف ذات ارتباط بالحياة المدنية، كما أن المسجد هو إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تُعدّ في الجزائر اليوم من " قضايا الدولة".انطلاقا من هذه الرؤية الأولية ينصب اشتغالنا على هذا النمط من الخطاب الديني وبحث مدى احتوائه للعناصر التي تؤطر خطاب المواطنة في الجزائر اليوم بالنظر إلى الأحداث السياسية والأمنية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي عرفتها البلاد، وبالنظر أيضا إلى تاريخ علاقة السلطة السياسية بالمؤسسة الدينية (المسجد في دراستنا).

نشير في هذا الصدد إلى أن هناك عددا من المساهمات تناولت خطابات وممارسات أئمة المساجد والعلاقة بين الخطاب السياسي الرسمي والخطاب الديني في الجزائر، المنطقة المغاربية والعالم العربي. نذكر من تلك الدراسات على سبيل المثال لا الحصر: مساهمة عبد الرحمن موساوي[3] حول المساجد في الجزائر من خلال خطابات وممارسات الفاعلين، كتاب محمد بغداد[4] حول إنتاج النخب الدينية في الجزائر،
دراسة فرانك فريغوزي[5] حول التنظيم المؤسسات للإسلام في تونس، مساهمة محمد كرو[6] حول سياسات الإسلام في تونس، بحث القاسمي محمد رؤوف[7] حول التنظيمات المسجدية في الجزائر، دراسة عبد الحكيم أبو اللوز[8] حول السياسة الدينية في المغرب،  أطروحة  عباس بوغالم[9] حول المسألة الدينية والمؤسسة الملكية بالمغرب، التحقيق الميداني حول القيم والممارسات الدينية في المغرب[10]، مساهمة أحمد زايد[11] حول الخطاب الديني في مصر اليوم و دراسة محمد نبيل ملين[12] حول العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسّسة السياسية في السعودية.

تستهدف دراستنا محاولة فهم مضمون هذا الخطاب ورهاناته و حدوده عندما يتناول قضايا ذات علاقة بدلالات المواطنة. لقد اخترنا كمدخل لدراسة هذا الموضوع مؤسسة دينية هي مؤسسة المسجد من خلال أحد فاعليها الرئيسيين ألا وهو الإمام الخطيب يوم الجمعة، ولا يعد هذا الاختيار تجاوزا لمداخل أخرى أو لفاعلين لهم أهميتهم في فهم ودراسة الخطاب الديني داخل المسجد وإنما هو مجرد اختيار ذي طبيعة إجرائية لا يمنعنا من تناول مختلف الجوانب الأخرى التي تحكم هذا الخطاب لكن من خلال تمثلات وممارسات الإمام.

منطلق هذه الدراسة الميدانية ما يلي: إذا كان الخطاب السياسي الرسمي الذي أُنتج حول المواطنة قد تمّ نقله من قبلُ (فترة السبعينات والثمانينات) عبر مؤسسات تنشئة اجتماعية مختلفة كالمؤسسة الاقتصادية أو المؤسسة التعليمية على سبيل المثال فقد عرفت السنوات العشر الماضية محاولة نقل هذا الخطاب عبر "المؤسسة المسجدية". ظهر ذلك من خلال عدد من المراسيم والقوانين التشريعية والتعليمات التنفيذية التي صدرت في هذه الفترة "لتنظيم الحقل الديني في الجزائر" و"الاهتمام بوضع ومكانة الإمام" من خلال إدماجه في سلك الوظيف العمومي. يُضاف إلى ذلك خطابات وممارسات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف التي تحيل إلى نزوع متواصل "لتأطير ومراقبة الخطاب الديني المنبري" اليوم وفق "تصور خاص" لأبعاد ودلالات المواطنة بالتركيز على "البعد الوطني" ومحاولة إدماجه كخطاب ثابت ضمن محتويات الخطب المنبرية للأئمة باعتبارهم " موظفين ممثلين للدولة" في المؤسسة المسجدية. دفعنا هذا التحوّل في الخطاب الرسمي حول مكانة ووظيفة المساجد إلى دراسة حدود تأثيره على مضامين الخطب المنبرية على المستوى المحلي من خلال متابعة عدد من خطب الجمعة في مدينة وهران ومعرفة ردود أفعال الأئمة على مستوى الخطاب والممارسة اتجاه هذا التحوّل، و ما هي المعاني والدلالات التي يقدمونها هم أنفسهم للخطاب حول المواطنة؟

بناء على هذا المنطلق الإشكالي حاولنا الإجابة على عدد من الأسئلة أهمها: إلى أي مدى يمكن أن تصب مضامين الخطب المنبرية في سياق مقتضيات الخطاب الرسمي حول المواطنة في الجزائر اليوم ؟ ما هي الكتابات المرجعية التي يعود إليها الإمام في بنائه لخطابه حول السياسة بشكل عام وقضايا المواطنة بشكل خاص ؟ كيف تتطرق الخطب المنبرية إلى القضايا والأحداث الوطنية، مسألة حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص وأخيرا المشاركة في الحياة السياسية والفعل الانتخابي على وجه التحديد؟ وما هو خطاب الإمام اليوم حول علاقة الدين بالسياسة في" الفضاء العمومي"؟

انطلاقا من الأهداف المتوخاة أنجزنا في البداية دراسة استطلاعية لاستكشاف الميدان حيث شملت القيام بجمع خطب المنبرية (30 خطبة) ألقيت في عدد من مساجد ولاية وهران بطريقة عشوائية. كما قمنا بالاستماع إلى عدد من الخطب المنبرية يوم الجمعة في عدد من المساجد في بلديتي وهران والسانيا. كان الهدف هو تسجيل ملاحظات أولية حول موضوعات الخطب المنبرية وتصنيفها والوقوف على الكيفيات التي تنقل بها مضامين تلك الخطب، إضافة إلى جمع معطيات أولية حول أئمة المساجد وكيف يصنّفهم رواد تلك المساجد انطلاقا على مدى حظوتهم بالقبول أو الرفض، بناء من تياراتهم الفكرية والحزبية أو وفق طبيعة علاقتهم بإدارة الشؤون الدينية وغيرها من التصنيفات التي بإمكانها أن تساعد الباحث  في اختياراته من الناحية المنهجية.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ هناك شكلين من الخطاب الديني المنتج والمرسل في المسجد يوم الجمعة، خطاب"الدرس" و"خطبة المنبر". يختلف شكلا الخطاب في المضمون والرسائل المنقولة من خلالهما، إذ يرتبطان في أغلب الأحيان بنمطين من "الفاعلين المنتجين والناقلين"، منتج وناقل خطاب "الدرس" وقد يكون "إماما موظفا" أو يكون ما يسمى عند المصلين "شيخا/ شابا داعية" يملك "رخصة" من مديرية الشؤون الدينية لإلقاء خطاب " الدرس" فقط. وأمّا منتج خطاب "المنبر" فهو "إمام موظف" له رتبة في سلم الأئمة المعينين في مؤسسة المسجد "إمام أستاذ"    أو"إمام أستاذ رئيسي". وقد كان اختيارنا المنهجي في الدراسة على صنف واحد من الخطاب يوم الجمعة هو الصنف الثاني أي خطبتي المنبر دون "خطاب الدرس" الذي يستدعي دراسة خاصة بحكم اختلافه عن خطاب المنبر في الأهداف والرهانات والناقل له أحيانا.

استهدفنا تحليلا كيفيا لمضمون خطب منبرية في ثمانية (08) مساجد بوهران في الفترة ما بين سبتمبر 2008 وجويلية 2009، وفق اختيار قصدي، حيث أخذنا بعين الاعتبار في اختياراتنا للمساجد ثلاثة معايير هي: مكان تواجد المسجد بين الحي الغني والحي الشعبي (حسب الصورة التي يُعرف بها الحي اجتماعيا)، سن وخبرة الإمام  وأخيرا الصورة المقدمة مسبقا – بناء على الدراسة الاستطلاعية- حول التيار الديني والسياسي للإمام ("إمام رسمي"، "سلفي"، "صوفي"، "مالكي"، "حماسي") (نسبة إلى الحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم، "هذا إمام لا علاقة له بأحد").

ارتأينا في متابعتنا للخطب المنبرية في الفترة السالفة الذكر التركيز على مواعيد مناسباتية في علاقتها بأحداث وطنية تمّ اختيارها مسبقا بناء الدراسة الاستطلاعية. فقد كان الهدف هو تحليل طبيعة العلاقة بين الخطاب الديني والخطاب الرسمي حول الوطنية/ المواطنة. قمنا على سبيل المثال بمتابعة خطب الجمعة لشهر نوفمبر حيث افترضنا أن عددا من الخطب ستتناول موضوع "الثورة التحريرية"، خطب شهر ديسمبر وموضوع "حقوق الإنسان" إضافة إلى حدث مظاهرات 11 ديسمبر 1960، خطب شهر مارس وموضوع "حقوق المرأة"، ارتباط شهر ماي بمظاهرات الثامن ماي 1945، وشهر جويلية بعيد الاستقلال. تابعنا أيضا العملية الانتخابية لرئاسيات 09 أبريل 2009 وتأثيرها على مضامين الخطب المنبرية، فقمنا بذلك في فترة ما قبل و ما بعد الحملة الانتخابية، أي ما بين 20 فبراير و16 أفريل 2009. وقد أرفقنا هذه المتابعة بجمع مدوّنة من الخطب الملقاة في المساجد أو ملخّصا عنها من خلال الاتصال المباشر بالأئمة الخطباء.

 استعنا في الوقت نفسه بمقابلات مع الأئمة ناقلي تلك الخطب في المساجد محل الدراسة من أجل جمع معطيات حول الملامح السوسيومهنية لهذا الصنف من الأئمة الخطباء الموظّفين، مسارهم التكويني، تمثلاتهم حول تياراتهم ومذاهبهم التي ينتسبون لها أو يتأثرون بها وخطاباتهم حول علاقتهم بالسلطة الوصية ممثلة في مديرية الشؤون الدينية والأوقاف وكذا حول المعاني والدلالات التي يضفونها على مسألة المواطنة وعلاقة الديني بالسياسي في الفضاء العمومي.

مرجعيات الخطاب المنبري حول قضايا "المواطنة"

 إذا ما حاولنا تصنيف المراجع و النصوص التي يستند إليها الأئمة في تناولهم لموضوعات ذات علاقة بالقضايا السياسية في خطب الجمعة، يمكن أن نقسمها إلى صنفين: مراجع تراثية ومراجع معاصرة تناولت العلاقة بين الإسلام والمواطنة.

أولا، المراجع التراثية: ويمكن أن نقسم أهم تلك المراجع من حيث شكل تناولها للقضايا السياسية إلى خمسة أنماط هي:

1- الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: ومنها تلك النصوص التي تشير إلى ضرورة "الحكم بما أنزل الله"، قيمة العدل، عدم الإكراه في الدين، تحريم الدماء والأموال، فضلا عن أفعال مأثورة في السيرة النبوية أو سير الخلفاء والعلماء أي سير "السلف".

2- كتب الفقه السياسي: فرغم أن الفقه السني لم يعتن كثيرا بالفكر السياسي من ناحية عدد الكتابات حيث كان الاهتمام أكثر بأحكام العبادات والأحوال الشخصية ومعاملات السوق، يرجع ذلك حسب بعض الدراسات إلى تاريخ العلاقة بين الفقهاء والسلطة السياسية. لكن رغم هذا النقص هناك بعض الكتابات لعل أهمها والأكثر استخداما كتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي وهو كتاب يضم 20 بابا تتضمن نقولا عن فتاوى الفقهاء وخاصة أبي حنيفة والشافعي حول عدد من القضايا ذات العلاقة بممارسة السلطة في الدين كعلاقة الإمام بالأمة وعلاقته بولاته. ورغم أن الكتاب يعتبر أن "الإمامة" وما تحتها من "الولايات" مجرد "عقود" بين "الإمام" و"الأمة" إلا أنه يؤكد أن "الإمام" يمثل السلطة الدينية والسياسية على حد سواء، وهي فكرة رئيسة بالنسبة لكثير من خطب الجمعة عندما تتناول علاقة الحاكم بالمحكوم في جزائر اليوم.

3- كتب "مناصحة الملوك": وهي كتابات فقهية كان هدفها في السابق نصيحة الملوك من أهمها مثلا كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع أو كتاب "سلوك السالك في تدبير الممالك" لشهاب الدين بن أبي الربيع، وهي كتابات تنصح الملوك بالسيرة الحسنة من موقع الضامن لاستقرار حكمه والمحافظة على مصالحه.

4- كتب "السياسة الشرعية": وهي كتب تنحو الاتجاه الذي انتهجته كتب "مناصحة الملوك" من حيث ما يمكن أن نطلق عليه إستراتيجية النصح والإمساك عن تناول الموضوعات الحساسة التي تثير حفيظة ومعارضة "الأئمة" (السلطة السياسية في تعبيرات كتب التراث الإسلامي) لكنّها كتابات تعتني بتوجيه سلطة الحاكم وتعدّ من ناحية أسلوبها في "النصح" أكثر جرأة، ومن أشهر هذه الكتب وأكثرها استخداما من قبل الأئمة موضوع الدراسة كتاب "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" لابن تيمية.

5- كتاب "المقدمة" لابن خلدون ككتاب حول تاريخ السياسة والعلاقة بين الحاكم والرعية  في الإسلام، إذ يمثل هذا الكتاب مرجعا عند بعض الأئمة الخطباء من الشباب، خاصّة أولئك الذين تخرّجوا من الجامعات الإسلامية، حيث يعودون إلى معالجاته للقضايا السياسية بطابعها الاجتماعي والتاريخي. ولكن كثيرا ما يتم تناول تلك القضايا ضمن منطق تقديسي لهذا النص حيث غالبا ما يستخدمه الإمام في خطبته للاستدلال بأن "علماء الإسلام" كانوا "أول من تحدث عن شكل ممارسة السلطة أو طرق ظهور الدول وضمورها".

ثانيا، الكتابات المعاصرة حول العلاقة بين الإسلام والمواطنة: وهنا نشير إلى أن بعض الأئمة يستعينون في بناء خطبهم حول القضايا السياسية بشكل عام وقضايا المواطنة وحقوق الإنسان ومكانة وحقوق المرأة بالخصوص في علاقتها بالدين بعدد من الكتابات لفقهاء ومفكرين إسلاميين معاصرين من المشرق العربي ومن تيارات وجماعات دينية مختلفة، حيث يحكم اختيار تلك الكتابات نزوع الإمام المذهبي وتياره السياسي وخاصة الأئمة الذين يعلنون انتماءهم أو على الأقل يتأثّرون بتياري "الإخوان المسلمين" أو"السلفية". نذكر من تلك الكتب على سبيل المثال لا الحصر كتب: يوسف القرضاوي "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي"، محمد الغزالي "المرأة بين التقاليد الرافدة والعادات الوافدة"، محمد عمارة "معركة المصطلحات بين الإسلام والغرب"، حسن البنا "مجموعة الرسائل"، سيد قطب "السلام العالمي والإسلام"، فهمي هودي "مواطنون لا ذميون"، محمد فتحي عثمان "مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بغير المسلمين"، خالد العنبري "كتاب فقه السياسة الشرعية" وعبد المالك رمضاني الجزائري "مدارك النَّظر في السّياسة بين التطبيقات الشّرعية والانفعالات الحَمَاسية". يُضاف إلى كل ذلك كتب لفتاوى مرجعيات التيار السلفي حول الموقف من الديمقراطية والانخراط في الأحزاب السياسية وحرية المرأة والموقف من غير المسلمين والعنف، مثل كتب محمد ناصر الدين الألباني و ابن عثيمين وعبدالعزيز بن باز.

تتناول مجمل هذه الكتابات مسألة المواطنة في علاقتها بالإسلام سواء في الماضي أو الحاضر بالإشارة إلى وضع وحقوق غير المسلمين في البلاد العربية – المشرقية بالخصوص–. يأتي الاستدلال على تلك الحقوق بالرجوع مباشرة إلى النصوص الدينية المتعلقة بحقوق غير المسلمين أو ما يطلق عليه في الخطاب الفقهي بمصطلح "أهل الذمة" إضافة ثنائية الشورى والديمقراطية[13]. يمكن القول أن المؤلفات السياسية التراثية وحتى بعض الكتابات لمفكرين إسلاميين وفقهاء معاصرين، والتي تعتمد عليها كثير من خطب الجمعة في مساجد وهران اليوم، تتسم في كثير من الأحيان بالمعالجة الوعظية والأخلاقية للقضايا السياسية معتمدة في ذلك على قواعد ونصوص عامة ولا تتجه إلى الطرق العملية الكفيلة بتطبيق تلك القواعد والنصوص. يطغى الجانب النقلي (قرآن، أحاديث، أقوال مأثورة...) على هذه الخطب حيث تتمّ مقاربة موضوع الحكم من خلال رؤية تراثية بحتة فتبرز كلمات في خطب الجمعة من مثل: طاعة ولي الأمر، نصيحة الإمام، أهل الحل والعقد، البطانة الصالحة وبطانة السوء، حقوق أهل الذمة، نظام الحسبة وغيرها.

يحيل هذا النمط من الخطاب، الذي يشكّل مضمون كثير من الخطب المنبرية، إلى رؤية تجعل من "الحاكم" أو "الإمام ( بالمعنى الفقهي)" مركزا للممارسة السياسية فهو "الراعي المسؤول عن الرعية". إنّه خطاب ينفي بشكل مباشر الوضع الاعتباري للفرد- المواطن وفق الدلالات الحديثة للمواطنة، ذلك أن "الرعية" ليس لها إلاّ "واجب الطاعة لولي الأمر" وأيّة مشاركة لها في الحياة العامة لابد أن تكون من هذا المنطلق فقط، ولذلك نجد أن حديث الأئمة حول المشاركة السياسية في العملية الانتخابية مثلا لا يتأسّس على منطق حرية الفرد وحقّه كمواطن في اختيار حكامه بل على "واجب المؤمن المطيع لولي الأمر الذي أمر بالانتخاب". وإذا ما تطرق الإمام في خطبته إلى لفظ المواطنة أو بعض المصطلحات المجاورة له كمصطلح حقوق الإنسان فإنه سيعود إلى تلك الكتابات من موقع التناول التبجيلي للتراث حيث يدافع عن وجود هذه المعاني في الإسلام قبل أن يعرفها ويمارسها الغرب اليوم.

"الإمام الموظّف" و رهانات خطابه حول المواطنة

شكّل المرسوم التنفيذي رقم 08-411 المؤرخ في 24 ديسمبر 2008 والمتضمن للقانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالإدارة المكلفة بالشؤون الدينية والأوقاف تغييرا جليا في الوضع الاعتباري للإمام و طبيعة المهمة التي يقوم بها، حيث تحولت الإمامة في المساجد إلى وظيفة عمومية تحكمها قواعد وقوانين الوظيف العمومي على مستوى شروط الالتحاق بالوظيفة، المهام المنوطة بكل صنف من أصناف الأئمة وكذا الحقوق والواجبات. تجدر الإشارة إلى أنّ هذا التحول في مكانة الإمام داخل "مؤسسة المسجد" هو استمرار لسلسلة المراسيم التي توالت في سنوات العشر السابقة حول "تنظيم قطاع الشؤون الدينية" سواء على مستوى بناء المساجد و المدارس القرآنية والزوايا وحتى أماكن العبادة للشعائر غير الإسلامية، سواء على مستوى تحديد صلاحيات ومهام وأدوار مصالح ومديريات الشؤون الدينية على المستوى المركزي و المحلي وصولا إلى تحديد صلاحيات ومهام الفاعلين في مختلف مصالح الشؤون الدينية من أئمة، مفتشين، وكلاء أوقاف، مرشدات دينيات، معلمي قرآن وأعوان المساجد[14]. يؤكد ما أحدثه هذا المرسوم على المستوى التنظيمي فرضيتنا التي انطلقنا منها حول وجود خطاب رسمي حول دور المؤسسة المسجدية ومهامها يراد له أن يوضع حيز التنفيذ، الأمر الذي تضعه نصوص المرسوم حول مهام الإمام بشكل عام والإمام الخطيب بشكل خاص إضافة إلى التركيز المسبق على حدود سلطة الإمام وخضوع خطابه الديني للمراقبة من خلال الأئمة الرئيسيين، المفتشين أو إدارة الشؤون الدينية على المستوى الولائي.

لقد حدّد القانون الأساسي شرط الالتحاق بوظيفة الإمامة، خاصة ما يتعلق منها برتبة الإمام الأستاذ أو الخطيب، فهو ذلك الذي تحصّل على شهادة أو إجازة معادلة في العلوم الإسلامية. يخضع الإمام الموظف لتربّص تجريبي مدته سنة واحدة قبل ترسيمه في منصبه حيث يتابع تكوينا تحضيريا. يمكن أن يُجدَّد التربص لمرة واحدة فقط بعدها يمنكن تسريح الإمام دون إشعار مسبق أو تعويض إذا ما "تمّ التقييم السلبي على أدائه خلال فترة تربصه". يشير المرسوم إلى أن الأئمة ليسوا في درجة واحدة من ناحية المهام والمسؤوليات، إذ أن هناك أربع مراتب : رتبة الإمام المعلم، الإمام المدرس، الإمام الأستاذ والإمام الأستاذ الرئيسي.. لا يشترط في صنفي الإمام المعلم للقرآن أو الإمام المدرس المستوى العلمي العالي بل يكفي أن يكونا من حفظة القرآن، في حين يشترط في صنف الإمام الأستاذ الليسانس في العلوم الإسلامية كما أسلفنا الذكر مضافا إليها حفظ القرآن، ويشترط في الإمام الأستاذ الرئيسي مستوى الماجستير في العلوم الإسلامية أو خبرة عشر سنوات كإمام أستاذ. انطلاقا من هذا التصنيف لا يكلّف بإعداد وإلقاء خطب الجمعة إلاّ من لهم رتبة الأئمة الأساتذة أو الأئمة الأساتذة الرئيسيون. وبناء على هذا التقسيم الجديد للمهام داخل المؤسسة المسجدية والذي يتخذ من التصنيف والتراتبية الموجودة في مؤسسات التعليم العالي نموذجا للاقتداء، يظهر عمق التغيّر الذي أحدثه القانون في وظيفة الإمامة ومعناها حيث حوّلها من منطق تقليدي يقوم على مهام ما كان يطلق عليه بـ"شيخ الجامع" أين يكون حفظ القرآن هو مركز التصنيف للوضع الاعتباري للإمام إلى منطق الوظيفة بمدلولها الحديث حيث الشهادة الجامعية هي المركز الرئيس في تحديد شروط الإمام الخطيب.

فالإمام الأستاذ المكلف بإلقاء الخطب يعيّن بشكل إداري من قبل مديرية الشؤون الدينية وبناء على شروط علمية وإدارية و مسابقة عامة تكون إدارة الوظيف العمومي طرفا رئيسا فيها. وأما ما يتعلق بأهمية مضمون خطب الجمعة في تثبيت الإمام أو تسريحه من منصبه فيكمن في محتوى المهام التي حددها القانون الأساسي للإمام الأستاذ ومن أهمها في هذا السياق "الحفاظ على الوحدة الدينية للجماعة وتماسكها" (المادة 34 من القانون الأساسي)، حيث أشار الأئمة المستجوبون أن المعنى الذي فهموه من هذه المادة من خلال الندوات التكوينية المختلفة هو "ضرورة الحفاظ على المرجعية الدينية الوطنية" وقد اختلفت تأويلات الأئمة لمدلول هذه المرجعية فمنهم من يتحدث عن مهمة "الدفاع عن المذهب المالكي أمام مختلف المرجعيات المذهبية القادمة من المشرق عن طريق الفضائيات" كما جاء على لسان أحد الأئمة؛ ومنهم من أشار إلى "أهمية التركيز على البعد الوطني الجزائري ممثلا في قيم الثورة التحريرية في خطب الجمعة"، يصرح إمام آخر؛ ومنهم من تحدث عن "إبراز القيادة الدينية لوزارة الشؤون الدينية" في مقابل هيئات وجماعات دينية أخرى تريد الاستحواذ على مركزية القرار الديني في المساجد كالمجلس الإسلامي الأعلى أو الجماعات السلفية والسياسية المختلفة.

يبدو لنا من خلال المقابلات المنجزة مع أئمة المساجد أن رهان القانون الأساسي للأسلاك الخاصة بالشؤون الدينية ومنها الإمام الناقل لخطب الجمعة هو تكريس محدودية السلطة الدينية للإمام ومحاولة التحكم في مضامين خطابه الديني وخطب الجمعة بشكل خاص، فمصدر السلطة الدينية هو مديرية الشؤون الدينية التي تسير "قانونيا وإداريا" الحقل الديني وهي بالتالي التي تؤطر هذا الحقل على مستوى التوظيف والتكوين والتوجيه والفتوى إضافة إلى التسيير المالي والجوانب المتعلقة بالأوقاف. ومعنى محدودية السلطة الدينية في هذه الحالة يتعلق أساسا بتبعية الإمام الإدارية والمالية، باعتباره موظفا، لسلطة الوصاية المباشرة أي المديرية، الأمر الذي قد يجعل خطابه الديني خاضعا للمراقبة من جهة ولكن قد نكون من جهة أمام إستراتيجية يحيل إليها القانون الأساسي وتتعلق بإمكانية تمرير خطاب رسمي حول المواطنة بشكل فوقي بما يقتضي إطارا قانونيا لوضعه حيز التنفيذ وشروطا علمية وتكوينية للإمام المراد تكليفه بنقل هذا الخطاب عبر خطب الجمعة ولذلك كانت الرتبة الخاصة للإمام الأستاذ وشروط توظيفه مختلفة عن الرتب الأخرى في وظيفة الإمامة على مستوى المؤسسة المسجدية.

الخطب المنبرية حول الذاكرة الوطنية وقضايا المرأة

يمكن حصر أهم الموضوعات المتناولة في الخطب من خلال تصنيفنا الأولي فيما يلي: موضوعات تتعلق بالقضايا العقائدية، موضوعات تتعلق بالعبادات، (كل خطبة حسب مناسبة و فترة العبادة فترة الصوم، الحج،...)، موضوعات تتعلق بأحكام المعـاملات المرتـبطة بالعـلاقات الأسرية، موضـوعـات تـتـعلق بأحـداث تاريـخيـة أو اجتماعية بعينها أو احتفاليات بأيام وطنية أو عالمية (يوم الاستقلال، أول نوفمبر، الدخول المدرسي، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، عيد المرأة، عيد العمال...)، موضوعات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية العامة (العلاقة بين الجيران، الانترنت في البيوت، الزواج، الطلاق، حقوق وواجبات الآباء والأبناء...) وموضوعات تتعلق بقضايا دولية (فلسطين والعراق مثلا). يشير الأئمة المستجوبون إلى أن اختيار موضوعات الخطب خلال السنة يرجع أساسا إلى منطق المناسبات، سواء كانت تلك المناسبات دينية مرتبطة بشعائر تعبدية أو أحداث دينية أو كانت مناسبات مرتبطة بأحداث أو أعياد وطنية. وأشار الخطباء إلى دور نظارة الشؤون الدينية، في تحديد السياـقات والتوجهات العـامـة للخطـب وللخطـيب مسـاحة مـن الحـرية في التعبير عن
تلك التوجهات، حيث يقول أحد الأئمة في هذا السياق: "كثيرا ما نقول أن الوزارة هي التي ترسل لنا الخطب مكتوبة ونحن ما علينا إلا الإلقاء فأقول لك والله العظيم هذا غير صحيح.كل ما في الأمر هو أنه عندما تكون هناك مناسبة دينية أو وطنية يُطلَب منا أن نشير إليها كل بأسلوبه الخاص".

عندما يتعلق موضوع الخطبة بتناول القضايا الوطنية مثلا، يشير الأئمة المستجوبون إلى أنهم يتناولون الأحداث الوطنية في خطب الجمعة كحدث ثورة نوفمبر أو يوم الاستقلال مع التذكير بدور العامل الديني في هذه الأحداث حيث تركز الخطب على أن الثورة ما هي إلا "مواجهة بين طغيان الكفر وجند الإيمان"، كما جاء على لسان أحد الأئمة، فالوضع الكولونيالي بالنسبة لأكثر الخطب ما هو إلاّ استمرار "للحروب الصليبية" وأن مرجعية الشعب الجزائري في تعامله مع الاستعمار طوال كل المقاومات الشعبية كانت "الدفاع عن دين الأمة ولغتها وقيمها"، وفي هذا السياق تستدل جلّ الخطب المنبرية محل الدراسة بالتكوين الديني والصوفي للقيادات السياسية والميدانية للمقاومات الشعبية من الأمير عبد القادر إلى المقراني وصولا إلى ما تطلق عليه بعض الخطب "المقاومة السياسية أو الثقافية" مع ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين. و إذا ما تناول الأئمة أحداث ثورة 1954 يستدلون خطبهم بالتسمية التي اختارتها قيادة الثورة للثوّار أي تسمية "المجاهدين" بالنسبة للأحياء وتسمية "الشهداء" بالنسبة لمن سقط في ساحات المعارك ليبرّروا من خلالها المنطلق الديني للثورة. يدفعنا التحليل الأولي لمدلول هذا الخطاب إلى أن نقف عند عدد من الملاحظات التالية:

أما الملاحظة الأولى فهي أنه خطاب انتقائي حول الذاكرة الوطنية يحاول من خلاله الخطاب المنبري أن يركز الضوء على مرجعية دون غيرها، نخب سياسية    أو ثقافية مقاومة دون غيرها وهو في هذا السياق استمرار للخطاب الإصلاحي حول التاريخ أو بالأحرى الذاكرة الوطنية. وأما الملاحظة الثانية فهي أنه خطاب لا يضع حدث الثورة كحدث من أجل التحرير الوطني لإقليم معين بل يتناوله في سياق الخطاب الديني حول الصراع بين الحق والباطل مما يجعل الثورة مجرد مثال البدء للخطاب الأخلاقي الديني. وبالتالي فلسنا هنا أمام خطاب تنشئة مواطنية بقدر ما نحن أمام خطاب تنشئة دينية. يتحدّث هذا النمط من الخطاب المنبري حول الذاكرة الوطنية بإيجابية عن التضحيات التي قدمها جيل الثورة، وهو خطاب "جديد" في المساجد مقارنة بفترة الثمانينات أو التسعينات حيث كان مجرد الحديث عن القضايا الوطنية بمثابة "الخطاب الغريب عن الدين" كما صرّح لنا أحد الأئمة المستجوبين. ولكن يبقى أن نشير إلى أنّ مدعاة هذا التغير في الخطاب المنبري حاليا تعود أساسا إلى أنّ المؤسسة المسجدية وخطابها اليوم أصبحا مسألة دولة وأن الإمام الموظف هو الممثّل للدولة في المسجد وأن على الخطاب الديني أن يكون خطابا "مدافعا عن المرجعية المذهبية والوطنية للدولة الجزائرية" كما جاء في تصريح لأحد المسؤولين المحليين للشؤون الدينية.

وعندما نتابع خطاب الإمام حول دلالات وممارسات المواطنة من خلال بحث كيفية تناول خطب الجمعة لقضايا المرأة من ناحية حقوقها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية سنجد أنّ من أهم الملاحظات المسجلة على خطاب وتمثلات الأئمة حول عمل المرأة وقانون الأسرة هي أنّ هناك اتفاقا لدى من الناحية المبدئية على التثبيت والتأصيل الديني لمسألة "قوامة الرجل على المرأة" من جهة والهندسة الاجتماعية للجنس بلغة – فاطمة المرنيسي – من جهة ثانية، مع اختلاف في الدرجة بين خطابات الأئمة حيث تبدو أكثر محافظة في مساجد مقارنة بأخرى. فإذا كان تعليم المرأة مسألة ضرورية من خلال خطاب الأئمة فإنّ شرط ذلك عندهم أن يكون التعليم في ظروف وأماكن تأخذ بعين الاعتبار الضوابط الدينية خاصة ما تعلق منها بالفصل بين الذكور والإناث. لا يزال عمل المرأة في الفضاء العمومي مسألة مرفوضة عند عدد من الأئمة مع اختلاف في درجة الرفض، بين من يرفضه جملة وتفصيلا ومن يرفض عمل المرأة في مجالات دون غيرها، يرفض مجالات عمل يعدها خاصة بالرجال ويقبل أخرى حيث تأتي أغلب الأمثلة في الخطب عن عمل المعلمة أو الطبيبة. يذهب بعض الأئمة، و بدرجة أكثر حدة، إلى القول بأنّ عمل المرأة هو مظهر من مظاهر "الفساد والفتنة والانحلال"التي تهدّد "كيان الأسر". لكنّ هذه المواقف لا تنفي وجود بعض الخطب المنبرية التي تتسامح مع حق المرأة في العمل مهما كان مجاله ويستدل الإمام في خطبته بالقول أن "ربط الإيمان بالعمل في خمسين آية في القرآن لم يفصل فيه الله بين النساء والرجال فالتكليف بالعمل للجميع"، ويورد إمام آخر قصة خديجة زوج النبي وكيف كانت تمتهن التجارة.

ما يمكن الإشارة إليه أنّ الأئمة الأكثر قبولا لعمل المرأة في خطبهم صنفان: صنف الأئمة الأكبر سنا ممن تخرجوا من المدارس الدينية التقليدية أي الكتاتيب أو الزوايا وصنف الأئمة الشباب الذين تخرجوا من الجامعات الإسلامية. أما الأئمة الأكثر رفضا فهم الأئمة الشباب الذين تخرجوا من معاهد تكوين الأئمة أو حتى الكتاتيب والزوايا إضافة إلى الأئمة الذين ينتسبون أو يتأثّرون بالتيار السلفي خاصة. وأما ما يتعلق بالموقف من التغيرات التي حدثت في قانون الأسرة فجاء خطاب الأئمة المستجوبين شبه متجانس، حيث كانت الإشارة إلى أنّ قانون 1984 مستمد من الشريعة الإسلامية وأنه قد تمّ التراجع عنه في 2005 استجابة لمطالب الحركات النسوية وضغوطات المنظمات الدولية وتأتي استدلالات خطب الجمعة مركزة على موضوع واحد من هذا القانون، إنه الموضوع المتعلق بما يعدّه الأئمة تنازلا من القانون عن شرط الولي في عقد الزواج، فقد جاء على لسان إمام مستجوب قوله "لا يمكن أن تُزوّج المرأة بدون ولي"، ويذهب آخر إلى القول: "المرأة عندنا ليست معنية بهذا القانون فعلاقات الزواج عندنا مرتبطة بالجماعة (أي كبار السنّ) وتستمد أحكامها من الشرع".

يبدو من خلال المقابلات المنجزة أن حدة الموقف الرافض للتعديلات في قانون الأسرة تزداد كلما كان الاحتفال باليوم العالمي للمرأة المصادف للثامن مارس، ويضيف الأئمة إلى أنه كانت هناك محاولات من إدارة الشؤون الدينية على المستوى المحلي للتخفيف من حدة ردود أفعال الأئمة في هذه المناسبة ولكن الرفض لا يزال قائما. يستند بعض الأئمة في تبرير رفضهم ذاك إلى مواقف المجلس الإسلامي الأعلى من تعديل القانون، كما يشير أئمة آخرون إلى مواقف الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية، وحتى أن هناك من أكّد لنا رفض الحزب الحاكم أي جبهة التحرير الوطني لهذا التعديل، في حين يبرر الأئمة الأكثر تأثرا أو تعاطفا مع التيار السلفي بالرجوع إلى مواقف وفتاوى شيوخ المملكة العربية السعودية في هذا السياق. لكن ما سجلناه من خلال المتابعة الميدانية لخطب الجمعة وحتى من خلال المقابلات مع الأئمة، أنه ليس هناك اهتمام خاص من قبلهم بالتعديل الذي حدث في قانون الجنسية حيث وجدنا أن مواقف أكثر الأئمة تتراوح بين القبول المبدئي للتعديل دون إبداء أية معارضة لأن تعطي المرأة الجنسية لأطفالها وبين الجهل التام بالقانون.

خطاب الإمام حول المشاركة الانتخابية

فيما يخص تناول الأئمة الخطباء لموضوع المشاركة الانتخابية في فترة الحملة الانتخابية لرئاسيات 2009، تجدر الإشارة من خلال متابعتنا الميدانية المباشرة لعدد من خطب الجمعة[15] أنه على الرغم من تصريحات الوزارة الوصية أثناء فترة الحملة "بعدم استخدام المساجد للدعاية لأي مرشح"، إلا أن مضمون الخطب المنبرية في المساجد – محلّ المتابعة- لم يخل من خطاب حول المشاركة في العملية الانتخابية، سواء كان خطابا تعبويا للمشاركة أو خطابا مضادا في تصريحه أو تلميحه. يبدو أن "الوظيفة " لدى الإمام كوضع اعتباري كانت أكثر تأثيرا على مضمون خطابه المنبري حيث كان الحديث عن الفعل الانتخابي توجّها عاما وإن اختلفت التسميات أو المواقف. ومن أمثلة الكلمات التي تداولها الأئمة في خطبهم للدلالة على المشاركة الانتخابية وضرورتها وأهميتها نجد: "طاعة ولي الأمر"، "عدم كتمان الشهادة"، "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وغيرها. عندما تناولنا هذا الموضوع مع الأئمة المستجوبين، بدا لنا التباين الواضح في مواقف الأئمة من علاقة المسجد بالسياسة أولا، من علاقة المسجد بالأحزاب والجماعات الدينية ثانيا، ومن دوره في الحدث الانتخابي ثالثا. لقد كشفت المقابلات التي أجريت مع الأئمة الخطباء أن هناك ثلاثة عوامل رئيسة تؤثر في تلك المواقف المتباينة، فهناك عامل السن، المسار التكويني و التيار المذهبي أو السياسي الذي يتبناه أو يتأثر به الإمام. أما عامل السن فقد سجلنا أنه كلما كان الإمام أكبر سنا كلما كانت مواقفه من علاقة الدين بالسياسة مؤطرة بالالتزام بطاعة "ولي الأمر" وبالتالي يمكن التحريض مثلا على المشاركة الانتخابية إذا ما طلب"ولي الأمر" من الإمام فعل ذلك (أي الوصاية المعنية) بدون الدعوة إلى التصويت على حزب بعينه أو شخص بعينه، في حين أنه كلما كان الإمام أصغر سنا كلما وجدنا مواقف متضاربة تصل إلى حد التناقض حيث يرى البعض بأهميته، كما يصرّح إمام شاب قائلا: "للمسجد دور في الحياة السياسية لأن الإمام هو مركز التوجيه بالنسبة للمجتمع وعليه أن يقول هذا الحزب أو هذا الشخص صالح أو غير صالح من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". يرى البعض الآخر أن على المسجد أن يبقى بعيدا عن الحياة السياسية والحزبية، وأن يهتم الإمام "أولا بقضايا المجتمع القريب منه في الحي أو القرية حيث مسؤوليته الرئيسية وما دون ذلك فله أهله وأصحابه الذين يهتمون بتلك القضايا". وأما عامل المسار التكويني فقد بدا لنا من خلال المقابلات المنجزة والمتابعات الميدانية لخطب الجمعة أن الأئمة الشباب خريجي المعاهد الجامعية في العلوم الإسلامية هم الأكثر اهتماما وتناولا للقضايا السياسية من غيرهم أي الذين تخرجوا من الزوايا أو معاهد تكوين الأئمة.

يدعو هؤلاء إلى المشاركة الانتخابية ويعدونها "واجبا دينيا"، لكن ليس من منطلق طاعة ولي الأمر ولكن من منطلق "واجب المؤمن المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كما يقول أحد الأئمة المستجوبين. ورغم أنهم لا يشيرون في خطبهم المنبرية أثناء فترة العملية الانتخابية إلى الأشخاص أو الأحزاب إلا أنهم يتناولون الخطوط الأيديولوجية العامة لبرامج المترشحين بطريق التلميح أحيانا والتصريح أحيانا أخرى. وأما العامل الثالث المحدد لطبيعة الخطاب المنبري حول المشاركة الانتخابية فهو التيار المذهبي والسياسي الذي ينتمي أو يتأثر به الإمام (الانتساب إلى المجموعات الدينيةأو الأحزاب السياسية)، فالأئمة الذين ينتمون أو سبق لهم الانتماء إلى مجموعات دينية أو أحزاب سياسية[16] هم الأكثر اهتماما بالحدث الانتخابي في خطب الجمعة بغض النظر عن السن أو طبيعة مسار التكوين.

يتغير تناول هذا الصنف من الأئمة للمشاركة الانتخابية حسب المواقف السياسية للأحزاب وحسب الفتاوى والآراء الدينية التي تتداولها الجماعات داخل دوائرها وفيما بين أفرادها على المستوى المحلي أو الوطني – كما صرح لنا أحد الأئمة ممن يضع نفسه ضمن التيار السلفي-. بناء على ذلك لا تتناول هذه الفئة في معظمها المشاركة الانتخابية في جانبها الإيجابي أو باعتبارها "واجبا دينيا"، بل يصرح البعض منهم ويلمح البعض الآخر إلى أن المشاركة الانتخابية بمثابة "الإثم" أو "القبول بالمنكر" أو "شهادة الزور"، باعتبار أن الناخب "سيقر اختيارات وبرامج لا يعرفها"،يصرح أحد الأمة، كما أنّه "سيبايع حكاما لا يعرف أهدافهم ومواقفهم من الدين خاصة"، يصرّح آخر. تتناول الفئة الثانية من هؤلاء الأئمة الحدث الانتخابي بشكل "أكثر تفاؤلا وحماسا" – كما جاء في تصريح لإمام مستجوب-، حيث ترى أنها من باب "الواجب الديني والوطني"، ومعنى كلمة "الواجب الوطني" المستخدمة في الخطب عند هذه الفئة هو أهمية المشاركة الانتخابية في دعم الوحدة الوطنية. فبالنسبة لهؤلاء أن إنجاح الفعل الانتخابي وخاصة ما تعلق منه بالرئاسيات يعد بمثابة "الوقوف في وجه التمزق الداخلي من جهة والتدخل الخارجي من جهة أخرى" ،كما ورد في إحدى خطب الجمعة.

نصل من خلال هذه الأمثلة المستقاة من مضامين الخطب المنبرية ومواقف الأئمة حول مسائل الذاكرة الوطنية، قضايا المرأة والمشاركة الانتخابية أن الخطاب الديني في مساجد وهران حول بعض دلالات ومعاني الخطاب الرسمي حول الوطنية والمواطنة في الجزائر ليس خطابا متجانسا بل مختلفا باختلاف أجيال الأئمة الخطباء ومساراتهم التكوينية وطبيعة ارتباطهم بتيارات دينية أو سياسية.

الخطاب المنبري حول المواطنة ومنطق الأيديولوجية الدينية

لقد أشار الأئمة المستجوبون إلى أزمة خطابهم المنبري في اللحظة الراهنة وإن اختلف تشخيصهم لطبيعة هذه الأزمة ومصادرها وأسبابها وحدود تأثرها. فإذا كان بعض الأئمة المستجوبين يربطون أزمة خطابهم بمشكل التواصل مع الشباب الذي يرتاد المساجد، يرجع أئمة آخرون المسألة إلى مشكل المستوى الضعيف لتكوين الإمام الذي لا يتلاءم حاليا مع المستجدات العلمية الحديثة من جهة ومطالب الناس والشباب خاصة من جهة الأخرى. وقد صرح لنا إمام خطيب معترفا بقصور تكوينه على تناول ما أسماها "التحديات التي تواجه الجماعة الدينية وتهدد وحدتها ونواة اعتقادها اليوم"، تلك "التحديات القادمة عبر الفضائيات وتقنيات الإعلام والاتصال المختلفة"، و يرتبط أئمة تشخيصهم لهذه الأزمة إلى ما أطلقوا عليه "التأثير السلبي للخطاب السلفي على أفكار وسلوكيات وانضباط الأئمة الشباب ومواقفهم ومرجعياتهم في التوجيه الديني".

إذا ما انطلقنا من الواقع التكويني وحاولنا تحليل طبيعة تعامل الإمام مع القضايا ذات العلاقة بدلالات المواطنة وحتى الوطنية من خلال الأمثلة التي تابعنا تناولها في خطب الجمعة وعلاقتها بمشكلة تكوينه الديني، فإن ذلك يضعنا أمام أهمية الفصل في تناول مضمون الخطاب الديني الذي تكوّن عليه الإمام أو يقوم بنقله اليوم بين منطق العقل الديني ومنطق العقل الحديث. وقد أشار محمد أركون في مشروعه- نقد العقل الإسلامي- إلى الأهمية البالغة لضرورة التفريق بين مستويات وفاعلية ونمط إنتاج الخطاب لهذين الصنفين من العقلانية (الدينية والحديثة) انطلاقا من التفاوت التاريخي بينهما. لكن نتصور أن هناك فرقا بين التصنيف المعرفي الإبستيمولوجي للعلاقة بين العقل الديني والعقل الحديث، والتصنيف الأيديولوجي لهذه العلاقة[17]. ينطلق التصنيف المعرفي من أهمية هذا الفرق لتجاوز أزمات معرفية قد تقع في الدراسة والبحث دونما نفي لأحدهما أو جهله أو الإعراض عنه أو الخفض من قيمته ودوره التاريخي، أما التصنيف الأيديولوجي فقد يفضي إلى الرفض المتبادل الذي لا يمتّ إلى المعرفة ومقتضيات الموضوعية بصلة ومردّ هذا الرفض ومنطلقه هو تلك الرؤى التقديسية لكل من المقولات الدينية أو الحداثية على حد سواء. عندما نحلّل نظام إنتاج الخطاب الديني المنبري اليوم نجده لا يستطيع تجاوز التصنيف الأيديولوجي القائم على الثنائية الحدية والرفض المسبق. يبدو ذلك جليا من خلال ما يحويه مضمونه من "حكم تعميمي مسبق" على كل المعاني والقوانين و المؤسسات والممارسات السياسية الحديثة، بما في ذلك ما تعلق منها بمدلول المواطنة واعتبارها "مشروعا غير إسلامي".

تشكّل هذه الصورة تواصلا مع نظرة المدرسة الإصلاحية المشرقية للعقل الحديث ومنجزاته. فقد اتخذ روّاد الفكر الإصلاحي السلفي المشرقي ونعني بهم: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده ورشيد رضا مواقف عدائية من الحداثة وأنماط التعليم والمعرفة المرتبطة بها باعتبارها جزءا من الثقافة الأوروبية الحديثة التي اعتبروها " ثقافة غازية". يعبّر هؤلاء في الوقت نفسه عن تمسّك مطلق بتراث ديني "مضيء و مشرق"، مع ضرورة إحيائه والتشبع بقيمه. لكنّ التمسّك بأصول الدين الإسلامي لا يشكّل في نظرهم تعطيلا للمسار الحداثي، بل يرون أن استلهام هذا المسار عقلانيا مهمّ لاستنباط "حلول دينية" لمختلف القضايا. لقد نادوا بضرورة تبنّي التعليم الديني كقاعدة أساسية في تكوين الناشئة والنخب على حد سواء ومقاومة كل تعليم "حداثي" باعتباره "علمانيا"، الغرض منه العصف بأصول العقيدة والدين. لقد كان منطلق الإصلاحيين في تناولهم لمسألة العلاقة بين الإسلام والحداثة هو محاولة "التوفيق بين نصوص الدين وإنجازات الحداثة" محاولة مبنية على معادلة القبول بحداثة لا تمس العقيدة الدينية وقواعد الحياة الاجتماعية القائمة على منطق المعرفة الفقهية على الرغم من الحضور الجلي لعقلانية مستنيرة عند محمد عبده. نعتقد أن هذا التوجّه الإصلاحي المشرقي هو الذي يؤطر الخطاب الديني المنبري حول دلالات المواطنة، باعتبار حضوره المكثف في مسار تكوين جلّ الأئمة، وخاصة الشباب منهم، سواء من خلال مقررات التعليم الديني في الجامعات ومدارس تكوين الأئمة أو من خلال التوجّه العام للكتاب الديني المستهلك في المكتبة الجزائرية اليوم.

خلاصة

يشهد الخطاب المنبري في مساجد وهران اليوم تغيرات ملحوظة مرتبطة ارتباطا مباشرا بسياق التغييرات التي مسّت الوضع الاعتباري لناقل الخطاب، أي الإمام من الناحية القانونية. فنلاحظ على المستوى الوظيفي أن النشاط الديني للإمام بما فيه خطب الجمعة أصبح مؤطرا أكثر فأكثر من الناحية الإدارية من خلال إدماج وظيفة الإمام في سلك الوظيف العمومي بواسطة مرسوم 28 ديسمبر 2008، الأمر الذي يجعله "ممثلا رسميا للدولة" في مؤسسة المسجد وبالتالي مسؤولا من الناحية الإدارية عن خطابه وتصرفاته أمام الوصاية المعنية أي مديرية الشؤون الدينية بالولاية ومن خلالها الوزارة المكلفة بالقطاع. جعل هذا الوضع الجديد من الخطاب المنبري، وبناء على تصريحات الأئمة المستجوبين، أقلّ ارتباطا باجتهاد الإمام في تناول الموضوعات بقدر ما أصبح مرتبطا بإطار موضوعاتي تضعه التعليمات الإدارية العديدة التي يستقبلها الإمام خلال السنة ناهيك عن الندوات التكوينية التي ينظمها "المفتشون" بشكل دوري. يشير هذا الوضع إلى الحدود التي وصلت إليها محاولات الخطاب الرسمي تأطير ومراقبة الخطاب الديني المنبري بالخصوص.

 تعبّر عن هذه الحالة الكثير من تصريحات الأئمة المستجوبين، حيث يؤكد هذا المعنى إمام وهو يقول:"لقد وصل الأمر بنا اليوم إلى المراقبة الذاتية ونحن نحضّر دروسنا وخطبنا بحكم تكرار التوصيات بتناول موضوعات بعينها، إنّنا اليوم لا نختلف عن المعلّم في المدرسة". وقد حاول بعض الأئمة التقليل من درجة هذه المراقبة حيث قال أحدهم: "كثيرا ما نقول أن الوزارة هي التي ترسل لنا الخطب مكتوبة ونحن ما علينا إلا الإلقاء فأقول لك والله العظيم هذا غير صحيح. كلّ ما في الأمر هو أنه عندما تكون هناك مناسبة دينية أو وطنية يُطلَب منّا أن نشير إليها كلّ بأسلوبه الخاص". رغم تباين مواقف الأئمة في الحكم على هذا التأطير للخطاب الديني بين الإيجاب والسلب، إلاّ أن ما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق هو أن هناك مراقبة قد تبدو متغيّرة من حيث صرامتها بالنسبة لمساجد دون أخرى، وبالنسبة لأئمة دون آخرين حسب الصورة التي تضعها الوصاية على المسجد وإمامه أو حسب درجة نفوذ الإمام لدى الوصاية أو حسب عدد رسائل الشكوى التي تصل مديرية الشؤون الدينية حول مضمون خطاب الإمام يوم الجمعة.

يحيل واقع المراقبة هذا إلى أنّ تناول الإمام لبعض القضايا ذات العلاقة بدلالات الخطاب حول الوطنية والمواطنة لا يعود إلى تغيّر في البنية الداخلية للخطاب الديني في الجزائر اليوم بقدر ما يعود إلى التغيّر الذي عرفه الوضع الوظيفي لناقل الخطاب الديني المنبري اليوم. إنّ موضوعات خطب الجمعة في كثير من المساجد محل الدراسة ما هي إلا انعكاس لخطاب أيديولوجي رسمي حول دلالات المواطنة يعتمد في كثير من الأحيان على الغموض والانتقائية، إذ يتم التركيز أكثر على معاني الشعور بالواجب الوطني اتجاه الأرض والذاكرة دونما الإشارة إلى المعاني ذات العلاقة بالحقوق والحريات المدنية.

وأماّ ما يتعلّق بكيفية تناول القضايا ذات العلاقة بدلالات المواطنة، فإنّ جلّ خطب الأئمة، موضوع التحليل، تتطرق لهذه الموضوعات باعتماد خطاب اعتراف بقيمتها وأهميتها بالنسبة للإنسان وحياته الاجتماعية اليوم، لكنه خطاب مؤطر بواسطة خطاب آخر مبني على منطق "الجواز أو القبول الشرعي"، أي منطق العقل الديني – بتعبير محمد أركون- حيث المرجعية المعرفية والممارسة التاريخية لدلالات المواطنة مرتبطة أساسا بمركزية النص الديني. نجد في الخطب التي تتناول القضايا السياسية والوطنية "خطاب قبول لقيم المواطنة (وفق الخطاب الرسمي في كثير من الأحيان)" لكن بناء على إطار ديني فقهي ذي طابع تقديسي يعلي من قيمة المعارف الدينية ويجعلها المصدر الرئيس لقيم المواطنة وحقوق الإنسان السائدة اليوم. إنه خطاب لا يعترف بتاريخية دلالات المواطنة وممارساتها كمفهوم ظهر مع الثورات المعرفية والنضالات السياسية الحديثة. يدل على هذا التوجه في الخطاب ذلك الاستدلال الذي يلجأ إليه الإمام عندما يتحدث عن الحقوق والحريات المدنية حيث يتم استدعاء آيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو أقوال مأثورة لفقهاء  "السلف" إلى معاني قريبة دون أن يأخذ بعين الاعتبار التغير في السياق التاريخي المختلف من جهة، والإطار المعرفي الذي يفصل بين منطق العقل الديني ومنطق العقل الحديث من جهة أخرى.

معالم بيبليوغرافية

أبوزيد، نصر حامد، نقد الخطاب الديني، القاهرة، سينا للنشر، الطبعة الثانية، 1994.

أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة 1998.

أركون، محمد، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 2001.

القاسمي، محمد رؤوف، التنظيمات المسجدية، وهران، دفاتر المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية Crasc، ملف الحركة الجمعوية في الجزائر الواقع والآفاق، تنسيق الزبير عروس. رقم 13، 2005.

أبو اللوز، عبد الحكيم، "التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب"، مجلة إنسانيات (المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية)، عدد 31، جانفي- مارس 2006.

القرضاوي، يوسف، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1992.

بغداد، محمد، إنتاج النخب الدينية في الجزائر، الجزائر، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2010.

زايد، أحمد، صور من الخطاب الديني المعاصر. خطاب المؤسسة والنخبة، القاهرة، دار العين للنشر، الطبعة الأولى، 2007.

عباس بوغالم ، المؤسسة الملكية والمسألة الدينية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، جامعة محمد الأول ،وجدة، المغرب سنة 2008 (غير منشورة).

عمارة، محمد، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، القاهرة، دار نهضة مصر، الطبعة الثانية، 2004.

ملين، محمد نبيل، علماء الإسلام؛ تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين ، ترجمة: محمد الحاج سالم وعادل بن عبد الله، بيروت،  الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2011.

هويدي، فهمي، مواطنون لا ذميون، القاهرة، مكتبة الشروق، الطبعة الثالثة، 1999.

 Elayadi, M. et autres, L’islam au quotidien. Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuse au Maroc, Casablanca, éditions Prologue, 2007.

Frégosi, F, « La régulation institutionnelle de l’islam en Tunisie ; entre audace moderniste et tutelle étatique », in Frégosi F. et Zeghal M. Religion et politique au Maghreb, Paris , éditions Institut Français des Relations Internationales, 2005.

Kerrou, M. (1998), « Politiques de l'islam en Tunisie », in M. kilani (dir.), L’islam et changement social, Lausanne, Payot. 1998.

Moussaoui, A. « La mosquée en Algérie. Figures nouvelles et pratiques reconstituées », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], 125 | juillet 2009, mis en ligne le 05 janvier 2012, consulté le 22 mai 2012. URL http://remmm.revues.org/6159.

Geertz, C. Observer l’islam. Changements religieux au Maroc et en Indonésie, Paris, éd. de la découverte, 1992.

  الهوامش

[1] أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني،ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 1998. ص ص 231- 234.

[2] أبوزيد، نصر حامد، نقد الخطاب الديني، القاهرة، سينا للنشر، الطبعة الثانية، 1994، ص ص 77-94.

[3] Abderrahmane Moussaoui, « La mosquée en Algérie. Figures nouvelles et pratiques reconstituées », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], 125 | juillet 2009, mis en ligne le 05 janvier 2012, consulté le 22 mai 2012. URL http://remmm.revues.org/6159.

[4]بغداد، محمد، "إنتاج النخب الدينية في الجزائر"، الجزائر، دار الوعي للنشر والتوزيع، 2010.

[5] Frégosi, F., « La régulation institutionnelle de l’islam en Tunisie ; entre audace moderniste et tutelle étatique », in Frégosi F. et Zeghal M. Religion et politique au Maghreb, Paris, éditions Institut Français des Relations Internationales, 2005.

[6] Kerrou, M., « Politiques de l'islam en Tunisie », in M. Kilani (dir.), L’islam et changement social, Lausanne, Payot. 1998.

[7] القاسمي، محمد رؤوف، التنظيمات المسجدية، وهران، دفاتر المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية Crasc، ملف الحركة الجمعوية في الجزائر الواقع والآفاق، تنسيق الزبير عروس. رقم 13، 2005.

[8] أبو اللوز، عبد الحكيم ، "التوجهات الجديدة للسياسة الدينية في المغرب"، مجلة إنسانيات (المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية)، عدد 31، جانفي- مارس 2006، ص.ص.31-43 .

[9] عباس بوغالم ، المؤسسة الملكية والمسألة الدينية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق،  الموسم الجامعي 2007-2008، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، المغرب(غير منشورة).

[10] El Ayadi, M. et autres. L’islam au quotidien, Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuse au Maroc,  Casablanca, éditions Prologues, 2007.

[11] زايد، أحمد، صور من الخطاب الديني المعاصر. خطاب المؤسسة والنخبة، القاهرة، دار العين للنشر، الطبعة الأولى، 2007.

[12] ملين، محمد نبيل، علماء الإسلام؛ تاريخ وبنية المؤسسة الدينية في السعودية بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين ، ترجمة: محمد الحاج سالم وعادل بن عبد الله، بيروت،  الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2011.

  [13] لمزيد من الاطلاع على موضوعات ومحاور اهتمام هذه الكتابات أنظر على سبيل المثال:

عمارة، محمد، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، القاهرة، دار نهضة مصر، الطبعة الثانية، 2004.

القرضاوي، يوسف، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1992.

هويدي، فهمي، مواطنون لا ذميون، القاهرة، مكتبة الشروق، الطبعة الثالثة، 1999.

[14] أنظر في هذا السياق المراسيم التالية : المرسوم رقم 98- 381 الصادر في 01 ديسمبر 1998 حول تحديد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها، المرسوم رقم 2000-200 الصادر في 26 يوليو سنة 2000 والمتضمن تحديد قواعد تنظيم مصالح الشؤون الدينية والأوقاف في الولايات وعملها، التعليمة الوزارية رقم 60 المؤرخة في12/04/2000 التي تتضمن تنظيم عمل المسجد،القرار الوزاري المشترك رقم:60 مؤرخ في:10/04/1999 بين المديرية العامة للوظيفة العمومية،ووزارة المالية،ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف يتضمن الخريطة المسجدية، ثم المرسوم الذي نتحدث عنه حول القانون الأساسي لموظفي قطاع الشؤون الدينية.

 [15] لقد تابعنا عددا من الخطب المنبرية في المساجد محلّ الدراسة قبل وأثناء فترة الحملة الانتخابية للرئاسيات وبالضبط ما بين 20 فبراير و15 أبريل 2009.

[16] من هؤلاء الأئمة الذين أجرينا مقابلات معهم أو تابعنا خطبهم مباشرة من سبق له أو انتمى أو تأئر بطروحات بعض الأحزاب كحركة مجتمع السلم أو حزب جبهة التحرير الوطني أو حركة الإصلاح وحتى "الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة" ومنهم من ارتبط بالتيار السلفي ومنهم من تأثر بجماعة الدعو ة والتبليغ إن أغلبهم لا زال ارتباطه بتياره الحزبي أو جماعته الدينية قائما ولو بشكل غير رسمي.

[17] أنظر في هذا السياق أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني، ص ص 236- 243.