Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

تقديم

تسعى هذه الدراسة لاستثمار الانتخابات المحلية التي جرت في 29 نوفمبر 2007 كميدان للدراسة سوسيوأنثروبولوجية من أجل مقاربة الفعل الانتخابي المحلي في محاولة لكشف رهانات فاعليه على المستوى المحلي وفهم استراتيجياته المنتهجة قبل، أثناء و بعد نهاية الانتخابات.

سعت الأحزاب المشاركة في الانتخابات المحلية لتعبئة "قواعدها الانتخابية المفترض وجودها" على المستوى المحلي وهذا من خلال "رسم استراتيجيات انتخابية" تسعى لضمان مشاركة واسعة للمنتخِبين في عمليات تجديد المجالس المنتخبة محليا بناء ما تقترحه من برامج يفترض تنوعها غايتها تقديم البديل على المستوى المحلي، كما سعت لتقييم درجات تواجدها على المستوى المحلي من خلال تقييم خطابها حول برنامجها الوطني.

أول ما يجب الإشارة إليه، هو وجود نوعين من الرهانات على الأقل بالنسبة للبرامج المقترحة في الحملات الانتخابية من طرف الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات المحلية، فتارة نكون أمام خطاب حزبي يسعى لعرض برنامج وطني لمشاكل ذات طابع محلي محض و تارة أخرى أمام خطاب حزبي محلي لا علاقة إجرائية له بخطاب البرنامج الوطني. مع هذه المفارقة، تبقى الانتخابات بشكل عام والانتخابات المحلية على وجه التحديد موعدا هاما بالنسبة للأحزاب السياسية لسببين على الأقل، يتمثل الأول في البحث المتواصل المختلف الأحزاب لتحسين الترتيب، تدعيمه أو التأسيس له على مستوى الخريطة السياسية الوطنية، أما السبب الثاني فينطوي عن الرغبة في ضمان أوسع تمثيل سياسي على مستوى التراب الوطني، و ذلك بهدف تقييم مدى الاستقبال والتفاعل مع الخطاب الأيديولوجي والسياسي و تقييم ردود الأفعال حول البرامج السياسية، الاقتصادية و الاجتماعية للأحزاب المشاركة.

عندما نحاول أن ندرس الإنتخابات من خلال دراسة العلاقة بين ما هو محلي وما هو وطني في خطابات الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية فإننا نلاحظ في كثير من الأحيان، أن الرهانات الوطنية التي تجسّدها البرامج الوطنية للأحزاب لا علاقة لها مع الواقع المحلي لمختلف البلديات، فمن خلال متابعة فريق البحث لمجموعة من تجمعات الحملة الانتخابية تطرق رؤساء الأحزاب للأبعاد الأيديولوجية والسياسية للعديد من المواضيع التي تؤطر الخطاب السياسي الحزبي، مثل قضية العهدة الثالثة لرئيس الجمهورية الحالي، مسألةخوصصة المؤسسات العمومية، فضلا عن إصلاح المنظومة التربوية وظاهرة الهجرة غير الشرعية لدى الشباب، بالمقابل كانت الانتظارات المحلية بعيدة عن "عموميات" البرنامج الوطني للأحزاب التي يمكن أن نشير إلى البعض منها على سبيل المثال لا الحصر: بطالة الشباب على المستوى المحلي، طرق تسيير الجماعات المحلية بطريقة شفافة، مشكلة الإنارة العمومية في البلدية، مشكلة شبكات صرف المياه المستعملة في البلدية، مشاكل الصحّة العمومية على المستوى المحلي و مشاكل المحافظة على الطابع العمراني المحلي...، بعبارة أخرى، بإمكاننا القول أننا أمام حالة انفصام بين المحلي و الوطني على مستوى الخطاب السياسي للأحزاب السياسية أثناء الانتخابات المحلية، و كأن برامج الأحزاب لا تقترح حلولا سوى ذات بعد وطني في حين أن البرنامج المحلي هو اختصاص القائمة الحزبية المترشحة.

مقاربة الفعل الإنتخابي المحلي هو فرصة لمقاربة المنتخب المحلي واستراتجياته الإنتخابية الحزبية منها و الفردية، وهو فرصة للإقتراب من المعنى الاجتماعي للحزب في المجال المحلي و علاقاته مع التأطير المركزي و هو فرصة لإكتشاف طرق صياغة المحلي للفعل الإنتخابي في جميع مراحله.

الانتخابات المحلية لنوفمبر 2007: التساؤل و المنهجية

وقع الإختيار في هذه الدراسة على فاعل "المنتخب المحـلي" بـوصـفـه مـدخـلا – نعتبره - مهما لمقاربة الفعل الانتخابي المحلي من بين المداخل الإجرائية الأخرى الممكنة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مدخل "الحزب السياسي على المستوى المحلي" و "مدخل المنتخِبين في علاقتهم مع الفعل الانتخابي المحلي".

حاول فريق البحث من خلال أسئلة أولية أن يُعيد بناء الفعل الانتخابي المحلي بالاعتماد على خطابات المنتخَبين المحليين الذين فازوا في الانتخابات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007. من بين تلك الأسئلة المؤطرة لهذه الدراسة نذكر: من هو المنتخب المحلي في البلديات محل الدراسة؟ كيف يبني المنتخب المحلي سلطته المحلية؟ أية علاقة للمنتخب المحلي مع الإدارة، مع الحزب السياسي و مع المنتخِبين؟.

نعتبر أن المنتخب المحلي يبني سلطته المحلية خلال أربع مراحل تسلسلية يخوض غمارها في فترة زمنية محدودة بتاريخ إجراء الانتخابات. يعرب في البداية عن نيته في الترشح معتمدا على"رأسمال علائقي" يرى فيه مُؤَهِلا و محفزا على الظفربمكانة ضمن قائمة المترشحين المحتملين في النطاق المحلي، يبحث في مرحلة ثانية عن ترسيم الترشّح والتموقّع ضمن قائمة حزبية أو قائمة حرّة، وتتجلى في هذه الفترة أشكال التفاوض بينه بوصفه مترشحا وبين القيادات المحليــة أو الوطنية للأحزاب السياسية، أو الجماعات الأولية (في حالة الترشح ضمن القوائم الحرة) أو/ و مع ممثلي الإدارة المحلية. تمثل سيــرورة الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية لحظات غاية في الأهمية تطلبت المتابعة الميدانية من خلال تتبع خطابات، ممارسات و تمثلات المترشحين المحتملين للعملية الانتخابية، كما تمثل في الوقت ذاته مراحل تأسيسية في مسار تشكّل عمليات الفعل الانتخابي المحلي.

تتمثل المرحلة ما قبل الأخيرة في الإشهار لشخصه بوصفه مترشحا للانتخابات المحلية اعتمـــادا علــى خطاب (برنامج انتخابي) يذاع عبر استراتيجية مرتبطة بنظرته لطريقة سير الحملة الانتخابية و لطريقة تفعيل خطابه "السيــاسي" المحلي باتجاه الشرائح الاجتماعية لهيئة الناخبة في البلدية المترشَح فيها، أمَّا المرحلة الأخيرة فترتبط عادة بلحظة التتويج الانتخابي التي يحصل فيها المترشح على صفة "منتخب محلي"، و يكون على إثرها المنتخب أمام رهانات جديدة لها علاقة بتولي السلطة داخل المجلس المنتخب سواء على مستوى رئاسة المجلس، نيابة الرئيس، أو على مستوى رئاسة اللجان على اختلاف دراجات صلاحياتها.

تمثل المرحلة الرابعة من الفعل الانتخابي المحلي مرحلة إعادة التموقع المترشح الفائز ضمن شبكات سلطوية ليست بالضرورة الشبكات الأولى التي أدت به للترشح أو التي ساعدته في الفوز، و تصبح بذلك الفترة التي تلي الإعلان الرسمي عن القائمة المؤسسة للمجلس المنتخب محليا تملك الأهمية نفسها في مسار التحليل السوسيوأنثربولوجي للفعل الانتخابي على المستوى المحلي. هذه مرحلة مهمة كونها ستكشف بشكل متجدد للمنتخب المحلي. عن حدود سلطته من خلال تفاعلاته ومعاملاته مع مختلف الهيئات و الإدارات التي لها صلة بمهامه.

تجلت ضمن مسار تشكل سلطة المنتخب المحلي في الانتخابات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007 العديد من الظواهر التي كانت قبل بداية دراسة الانتخابات المحلية مجرد فرضيات اقتُرحت انطلاقا من معاينة ميدانية خلال الفترة التي سبقت انطلاق الحملة الانتخابية، فقد لاحظ فريق البحث مثلا خلال مرحلة تشكل القوائم الانتخابية المـحلية دينامكية التنقلات لبعض المترشحين المحتملين بملفاتهم بين العديد من الأحزاب السياسية المتواجدة محليا بهدف الظفر بالغطاء القــانــوني الذي يضمن لهم الترشح في مكانة مرضية ضمن سلم ترتيب القائمة الانتخابية النهائية التي ستعرض على الهيئة الناخبة. طرح تزايد حدة التنقلات على مقربة من الإنتهاء الرسمي لآجال إيداع القوائم الإنتخابية التساؤل حول "قيمة و واقع الالتزام الحزبي على المستوى المحلي" بالنسبة للمقبلين على الترشح محليا، كما أثار في الوقت نفسه، التساؤل حول "مدى درجات تأطير الحزب السياسي على المستوى المحلي" و حدود إلتزام "القواعد النضالية" بالقرارات التي تصدر مركزيا أو محليا من الأحزاب السياسية.

ما يمكن الإشارة إليه في هذه البداية، أن فترة بناء القوائم الإنتخابية هي فترة للصراعات داخل التشكيلات الحزبية محليا عشية كل موعد انتخابي سواء نتيجة الرفض الذي تُواجهه القائمة المعلن عنها أو المعلنة عن نيتها للترشح، أو بسبب عدم حصول "البعض" على مركز "مقبول ضمن القائمة"، أو نتيجة لصراعات ونزاعات تنشأ بسبب رفض " قدماء المناضلين" للوافدين الجدد على الحزب و على القوائم الانتخابية و الذين قد ينظرإليهم على أنهم مدعومون مـن طـرف الإدارة المـحـلـيـة أو المقاولين أو من طرف جماعات ليست على صلة عضوية بالحزب محليا.

 تعكس هذه التشنجات حدة تعقّد الفعل الانتخابي المحلي بسبب تعقّد مسارات فاعليه (الأحزاب السياسية محليا، المنتخَبون المحليون أو المترشحون لذلك، أعوان الإدارة المحلية ...)، فضلا عن الرهانات المرتبطة بها. إن فرضيتنا الأساسية و التي نسعى إلى تتبع معالمها ترتبط في الأساس بجملة من معاينات ميدانية ومقابلات أولية التي أجريت بعد الإعلان عن القوائم الانتخابية محليا.

للقيام بهذا التحقيق الميداني، قسم فريق البحث عمله إلى ثلاث مراحل، حاول في المرحلة الأولى من الدراسة الاستطلاعية جمع ما أمكن من معطيات إحصائية مرتبطة بالجانب السوسيوديمغرافي للولايات الثلاثة التي تم اختيارها و هي وهران، غليــزان و سيدي بلعباس، تلت هذه الخطوة عملية جمع المعطيات الإحصائية المرتبطة بالعملية الانتخابية لانتخابات 29 نوفمبر 2007 على المستوى المحلي للولايات الثلاث محل الدراسة، كما سعينا بالموازاة مع ذلك إلى جمع بعض المعطيات السوسيوديمغرافية حول المترشحين و المنتخبين الفائزين بعضوية المجالس المنتخبة محليا.

اعتمدنا في عملية جمع المعطيات ذات الطبيعة الإحصائية في كل ولاية على إدارتين محليتين هما "مديرية التخطيط و التهيئة العمرانية" و "مديرية التنظيم والشؤون العامة". مكنتنا المديرية الأولى من تحديد الإطار السوسيوديمغرافي والاقتصادي محليا على مستوى بلديات الولايات محل الدراسة، أما المديرية الثانية فقد كانت معطياتها حول الفعل الانتخابي: عدد المترشحين، عدد القوائم الانتخابية في كل بلدية، نسبة المشاركة النسوية في القوائم المترشحة، نسبة المشاركة الانتخابية في كل بلدية من بلديات الولاية محل الدراسة، نسبة الأوراق الملغاة في كل بلدية، عدد مؤطري المراكز الانتخابية، عدد المكاتب و المراكز الانتخابية. نعتبر أن هذه المعطيات مهمة جدا بالنسبة لكل تحليل سوسيوأنثروبولوجي، يسعى إلى تقديم قراءة أولية في تغير الخارطة السياسية محليا[1] بين الانتخابات المحلية لـ 2002 و 2007 على الأقل.

أجرينا خلال المرحلة الثانية من الدراسة الاستطلاعية عددا من المقابلات الأولية مع بعض القيادات المحلية للأحزاب السياسية[2]  المتواجدة في البلدية مقر الولاية، والتي شاركت في الانتخابات المحلية. ضم دليل المقابلة الاستطلاعي خمسة أسئلة كانت تهدف أولا إلى الاقتراب الأولي من الظاهرة المدروسة و إلى نسج علاقات مع الفاعلين السياسيين المحلين سواء كانوا مترشحين، مناضلين أو مؤطرين للعملية الانتخابية المحلية ثانيا. يمكن إجمال التساؤلات الأولية لدليل المقابلة الأولي الموجه للقيادات الرسمية للأحزاب السياسية المتواجدة محليا و المشاركة في العملية الانتخابية فيما يلي:

  • كيف تمت عمليات تكويّن القوائم الانتخابية على مستوى حزبكم؟ و كم دامت مدة ذلك؟
  • ما هو البرنامج الذي قدمتموه للهيئة الناخبة محليا؟ هل كان مكتوبا ؟ وما هي تقاطعاته مع البرنامج الوطني و الخط الأيديولوجي للحزب؟
  • كيف سيّرتم الحملة الانتخابية ؟
  • ما هو دور المجلس الشعبي البلدي و رئيسه في عملية التنمية المحلية؟
  • كيف تقيمون العلاقة بين الهيئة المنتخبة محليا و الهيئة المعينة محليا ؟

تمت مرحلة الدراسة في البلديات مقر الولايات محل الدراسة في عشرة أيام (شهر جانفي 2008)، و قد سمح لنا تحليل هذه المقابلات الاستطلاعية من التحديد النهائي لمحاور دليل المقابلة نصف الموجهة الذي توجه به فريق البحث للمنتخَبين المحلين الذين وقع عليهم الإختيار.

خصصت المرحلة الثالثة لعملية تحديد معايير إختيار الدائرة الإقليمية للمجالس الشعبية البلدية المعنية بالتحقيق الميداني والمنتخب الذي يندرج ضمن نطاق تساؤلات المقابلة النصف موجهة. يجب التأكيد هنا على أهمية الدراسة الاستطلاعية في شقيها الكمي (المرحلة الأولى) و الكيفي (المرحلة الثانية)، فقد ساعدت المعطيات الكمية خصوصا في بناء تصور لطريقة اختيار البلديات المعنية التي تخضع مجالسها الشعبية للتحقيق الميداني، كما ساعدت كذلك في تحديد معالم اختيار المنتخب الذي يدخل ضمن إطار الإشكالية العامة للبحث.

اعتمدنا في كل من الولايات الثلاث على مقياس تعداد الهيئة الناخبة لتحديد معايير اختيار البلديات التي ستكون مجالسها المنتخبة محليا ضمن اختياراتنا البحثية، و على هذا الأساس، فقد تم تحديد أربعة مجالس شعبية بلدية في أربع بلديات من كل ولاية وفق المقاييس الإحصائية التالية للهيئة الناخبة:

  • البلدية التي تحتوي على أكبر هيئة ناخبة في الولاية.
  • البلدية التي تضم ثاني أكبر هيئة ناخبة في الولاية.
  • بلدية ذات أصغر هيئة ناخبة أو ما يعادها.
  • بلدية هيئة ناخبة متوسطة أو ما يعادلها.

نتج عن تطبيق المقاييس اختيار البلديات المعنية بالتحقيق الميداني ما يلي :

  • وقع الاختيار في ولاية سيدي بلعباس، على البلدية مقر الولاية على اعتبار أنها تمثل البلدية ذات أكبر الهيئة الناخبة في الولاية، و بلدية تلاغ بوصفها تضم ثاني هيئة ناخبة بعد البلدية مقر الولاية، كما تم تحديد بلدية بلعربي على اعتبارها بلدية ذات هيئة ناخبة صغيرة، و بلدية سفيزف لكونها ذات هيئة ناخبة متوسطة.
  • أفضى تجسيد هذه المعايير في ولاية وهران إلى اختيار البلدية مقر الولاية على اعتبار أنها تمثل البلدية ذات أكبر هيئة ناخبة في الولاية، ثم بلدية السانيا على اعتبار أنها تمثل ثاني بلدية من حيث الهيئة الناخبة، تليها بلديتا بن فريحة و سيدي بن عقبة على اعتبار من بين البلديات ذات الهيئة الانتخابية القليلة مقارنة مع باقي بلديات الولاية.
  • وقع الاختيار في ولاية غليزان على البلدية مقر الولاية كبلدية ذات أكبر هيئة ناخبة، تليها بلدية وادي رهيو بوصفها ثاني بلدية من حيث الهيئة الناخبة، كما وقع الاختيار أيضا على بلديتا بني درقن والرمكة كبلديتين ذات هيئة انتخابية قليلة مقارنة مع الهيئات الناخبة في بلديات الولاية.

تمثل الاختيارات التي أجريت لتحديد المجالس المنتخبة محليا استجابة لمعطى موضوعي متمثل في تعداد الهيئة الانتخابية في بلديات كل ولاية، وهذه الاختيارات بقدر ما سمحت للبلديات مقر الولاية لتكون ضمن الميادين البحثية في تحقيقنا بقدر ما أعطت الفرصة للبلديات ذات الهيئات الناخبة الصغيرة للتواجد ضمن مجتمع البحث. إن ضرورة المقارنة بين رهانات الفعل الانتخابي في البلدية مقر الولاية والبلديات الأخرى سواء صنفت نائية أو ذات خصوصية معينة مثلت إحدى أولويات هذا التحقيق الميداني.

أما فيما يتعلق باختيار المنتخبين المحليين في البلديات المذكورة فقد اعتمدنا على المعيار التالي:

  • يتم إجراء مقابلة نصف موجهة مع ممثل واحد عن كل حزب سياسي في المجلس المنتخب المختار محليا، فإذا تواجد أكثر من منتخب ينتمون للحزب نفسه فيجب اختيار واحد منهم مع مراعاة معايير السن، الأقدمية النضالية في الأحزاب السياسية محليا و الأقدمية التمثيلية في المجالس المنتخبة محليا.
  • في حالة تواجد منتخبين مستقلين ضمن مجلس يحتوي على منتخبِين تابعين لأحزاب سياسية يتم إجراء المقابلة مع واحد منهم، أما إذا كان المجلس كله مكون من المنتخبين المستقلين فيتم إجراء المقابلات نصف الموجهة مع نصف تعدادهم.
  • راعينا خلال العمل مسألة النوع الاجتماعي من خلال إجراء المقابلات مع العنصر النسوي الممثل في المجلس سواء كان مترشحا في قائمة حزبية أو في قائمة مستقلة.

تم إجراء التحقيق الميداني في شهر فيفري من سنة 2008 مع 39 منتخبا محليا[3] معتمدين على تقنية المقابلة نصف الموجهة التي بُنيت اعتمادا على التحليل الإحصائي لنتائج العملية الانتخابية التي جرت في 29 نوفمبر 2007، بناء على تحليل الخارطة السياسية الجديدة على المستوى المحلي في مقارنتها مع نتائج الانتخابات نفسها لسنة 2002، و بناء كذلك على تحليل المقابلات الاستطلاعية التي تمت مع القيادات المحلية للأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات.

سعى دليل المقابلة نصف الموجهة إلى الاقتراب من رهانات الفعل الانتخابي على المستوى المحلي من خلال تحليل ممارسات، خطابات و تمثلات المنتخبين المستجوبين، و قد جاء في 20 سؤالا قسمت إلى ثلاثة أقسام. شمل القسم الأول من دليل المقابلة نصف الموجهة، المعطيات السوسيوديمغرافية للمنتَخب المبحوث (السن، الحالة العائلية، مكان الميلاد، الحالة العائلية، المسار المهني، محل الإقامة ونوع المسكن). تطرق القسم الثاني من الدليل إلى المعطيات السوسيوسياسية للمبحوثين المتمثلة في المسار السياسي للمنتخب المحلي سواء في انتماءاته الحزبية أو في علاقاته مع الحركة الجمعوية المحلية، أو في مشاركاته السابقة في الترشح أو في الانتماء للمجالس المنتخبة محليا، أما القسم الثالث من المقابلة فقد شمل ستة مواضيع سُئل المبحوثين من خلالها عن تمثلاتهم و عن خطاباتهم وهي :

  • أسئلة حول الفعل الانتخابي.
  • أسئلة عن الترشح و رهاناته.
  • أسئلة تتعلق بخطابات المنتخب حول "قانون البلدية" الحالي.
  • أسئلة تخص علاقة المنتخب بالحزب على المستوى المحلي و مختلف الإدارات المحلية.
  • أسئلة حول البرنامج المقدم للهيئة الناخبة.
  • أسئلة تتعلق بانتخاب رئيس البلدية و توزيع السلطات في لجان البلدية.

تنظيم الفعل الانتخابي على مستوى الولايات محل الدراسة

تلعب الإدارة المحلية على مستوى كل ولاية دورا مهما في تنظيم التنافس في العملية الانتخابية عبر جميع مراحلها. ينقسم هذا الدور ما بين الهيئة الموجودة على مستوى مقر البلدية الممثلة في مكتب الانتخابات و بين المديرية الولائية للتنظيم والشؤون العامة، و تتم عمليات التسجيل و الشطب للهيئة الناخبة على مستوى مكتب الانتخابات المتواجد في مقر الهيئة الأولى، سواء تصادف ذلك مع الفترة السنوية العادية لمراجعة القوائم الانتخابية المحددة عادة ببداية شهر أكتوبر من كل سنة، أو كان خلال الفترات الاستثنائية لمراجعة القوائم الانتخابية والتي تسبق عادة دعوة رئيس الجمهورية الهيئة الناخبة لممارسة الحق / الواجب الانتخابي.

 تؤدي مصالح البلدية دورا مهما في مسار تحديد الهيئة الناخبة محليا خصوصا عندما نعلم أنها تشرف رسميا على إعداد القوائم الانتخابية و توزيع بطاقات الناخب، بينما يتمثل دورالهيئة الثانية المذكورة سالفا في استقبال ملفات المترشحين و دراسة أحقيتها القانونية في الترشح من عدمه، و تنظم العمليات المرتبطة بالحملة الانتخابية (تعليق القوائم الانتخابية في الأماكن المعدة لذلك، تحديد أماكن تنظيم الحملات الانتخابية و الترخيص لفتح مداومات القوائم الانتخابية المشاركة في العملية الانتخابية)، و تحصي في الأخير نتائج الانتخابات من خلال المداولات التي ينتج عنها إعداد و تقديم محاضر رسمية لممثلي الأحزاب و القوائم الحرة المشاركة، كما تعلن النتائج على المستوى المحلي.

تتكفل الهيئتان بالمراحل التحضيرية كتحضير تأطير المكاتب الانتخابية وتجهيزها، إعداد بطاقات الناخبين و صناديق الاقتراع و إحصاء المراقبين المفترض وجودهم في مكاتب الانتخابات يوم الاقتراع، لذا تعبر هذه المظاهر عن "الحس العملي" للفعل الانتخابي و تحمل بالتالي في مضمونها المعاني العملية  لتجسيد الممارسة الانتخابية، كما تعبر في الوقت ذاته عن المظاهر العملية للتأطير المؤسساتي لممارسة "المواطنة".

تعتمد المراحل التحضيرية لإجراء الانتخاب التي تقوم بها مصالح البلدية والولاية موضوعيا على تعداد الهيئة الناخبة و كثافتها و هذان العنصران يحددان عدد المراكز الانتخابية، عدد المكاتب الانتخابية وعدد مؤطري الانتخابات.

توضح الأرقام المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية في الولايات الثلاثة محل الدراسة العلاقة الموجودة بين عدد المراكز الانتخابية وكثافة الهيئات الناخبة على المستوى المحلي، ففي ولاية وهران نحصي209 مركزا للتصويت لهيئة الانتخابية تضم 884057 منتخبا، في حين يوجد في غليزان 304 مركزا انتخابيا لهيئة انتخابية لا تتعدى 34977 منتخبا، أما في ولاية سيدي بلعباس التي تختلف عن ولاية غليزان، فإن هيئتها الانتخابية تقدر بـ 385169 منتخبا مسجلا بالنسبة لـ 157 مركزا انتخابيا.

الجدول رقم 01: معطيات إحصائية عن الانتخابية

الولاية

مركز الانتخابات

مكاتب الانتخابات

تعداد الهيئة الناخبة

وهران

209

1518

884057

سيدي بلعباس

157

692

385169

غليزان

304

783

349770

فضلا عن البيانات الواردة في الجدول، فإننا نسجل تباين آخر بين الولايات الثلاثة محل الدراسة المتمثل في كثافة الهيئة الناخبة في البلديات مقر الولاية، بحيث تعكس الأرقام التالية هذا الاختلاف، فالهيئة الناخبة لبلدية غليزان التي تقدر بـ 62636، لا تمثل إلا نسبة 17.91 % من الهيئة الناخبة للولاية، في حين أن الهيئة الناخبة لبلديتي سيدي بلعباس و وهران (مقرا ولايتي وهران و سيدي بلعباس) تمثلان على التوالي، 36.05 % و 55.85%  من مجموع الهيئتين الناخبتين.

تعكس الأرقام سالفة الذكر الأهمية الانتخابية للبلدية مقر الولاية وهذه الأرقام تتقاطع مع العديد من خطابات القيادات المحلية للأحزاب المبحوثة في فترة الدراسة الاستطلاعية و التي تعتبر البلدية مقر الولاية دائرة إنتخابية مهمة. ما يمكن قوله في هذا المجال أن الرهانات الإنتخابية ضمن البلدية مقر الولاية بالنسبة للأحزاب السياسية مهمة لذا فهي تسعى لضمان التواجد على الخريطة السياسية للبلديات مقر الولاية لأنها تنطلق من مسلمة مفادها أن البلديات مقر الولاية تستفيد من مداخيل جبائية أكثر من البلديات الأخرى و تستفيد من الحجم نفسه من المشاريع. 

يأخذ تنظيم الفعل الانتخابي على المستوى المحلي بعين الاعتبار اختلاف النوع لدى الهيئة الانتخابية لذا تلجأ الإدارات المحلية لتحديد المكاتب الانتخابية الخاصة بالنساء بغرض إعطاء الحظوظ نفسها في المشاركة (الحق في المساواة في ممارسة الحق الانتخابي)، و بهدف التقليل من حالات التفويض الانتخابي لهذه الفئة (تفويض الزوج، الأب، ...) التي قد تلجأ إليها النساء في حالة عدم توفر أماكن خاصة للممارسة الانتخابية.

تعكس الأرقام التي سنوردها لاحقا الأهمية التي تعطيها الإدارات المحلية للمشاركة الانتخابية للنساء من خلال فصل أماكن "ممارسة المواطنة" بين النوعين، ففي ولاية وهران خصصت 46 % من المكاتب الانتخابية للنساء، و يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 48.53 % في ولاية غليزان، و يحقق أكبر نسبة له في ولاية سيدي بلعباس( 49.56%).

الجدول رقم 02: معطيات إحصائية عن توزيع المكاتب حسب الجنس

الولاية

مكاتب

الانتخابات

مكاتب مخصصة للرجال

مكاتب مخصصة للنساء

مكاتب مختلطة

وهران

1518

815

702

01

سيدي بلعباس

692

349

343

00

غليزان

783

403

372

08

درجة انخراط الهيئة الناخبة في الانتخابات المحلية في الولايات الثلاث

تسمح دراسة درجة انخراط الهيئة الناخبة من خلال معطى نسب المشاركة الانتخابية / الامتناع الانتخابي بقياس قدرة الأحزاب السياسية المنخرطة في اللعبة الانتخابية على تعبئة المنتخبين، بقياس مستويات استيعاب الخطابات السياسية المنتجة، بمعرفة واقع التأطير السياسي على المستوى الوطني / المحلي و الوقوف على درجة الاقتناع بالفعل الانتخابي بوصفه تجسيدا لفكرتي تفويض السلطة والتداول عليها.

مثلت نسبة المشاركة في الانتخابيات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007 رهانا انتخابيا و سياسيا مهما بالنسبة للأحزاب المشاركة، للإدارات المحلية (الولاية) وبالنسبة للحكومة، و جاء هذا التصور بناء على نتائج المشاركة الانتخابية في الانتخابات التشريعية لشهر مايو من السنة نفسها حيث سجلت خلالها أضعف نسبة مشاركة رسمية منذ الاستقلال الوطني (36.51%) و التي فتحت النقاشا و لو بطريقة غير رسمية عن الأسباب الكامنة وراء هذا العزوف الجماعي، لذا كانت نسبة المشاركة في الانتخابيات المحلية تمثل تحديا و اختبارا حقيقيا لكل فاعلي الحقل السياسي.

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية البلدية على المستوى الوطني 43.96%، أما على المستوى انتخاب المجالس الولائية فحققت نسبة 43.26%. تعكس هذه النتائج، مشاركة متوسطة للهيئة الناخبة مقارنة مع الانتخابات المحلية البلدية لسنة 2002 والتي كانت في حدود (50.11%) و تبقى في كل الأحوال أرفع من النسبة المسجلة في الانتخابات التشريعية لمايو2007.

تعكس نسب المشاركة الانتخابية المسجلة في الولايات الثلاثة اختلافات نسبية بالمقارنة مع النسبة المسجلة على المستوى الوطني، ففي ولاية وهران بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية البلدية 37%  و نسبة 36.66%  في الانتخابات المحلية الولائية، نسب تبقى أقل من النسبتين المسجلتين على المستوى الوطني. إذا نظرنا إلى نسب المشاركة ضمن بلديات الولاية ذاتها، فإننا نلاحظ أن نسبة المشاركة في البلدية مقر الولاية التي بلغت 24.8 % من مجموع 493723 منتخبا مسجلا هي أقل نسبة تسجل مقارنة مع النسب الوطنية و الولائية. على عكس البلدية مقر الولاية، سجلت بلديات أخرى نسب مشاركة تقارب النسب الوطنية أو تتعداها فمثلا نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية في أرزيو بلغت 49.58%، أما بالنسبة لولاية غليزان، فإن نسبة المشاركة الولائية و البلدية بلغت النسب التالية على التوالي: 43.32%  و 42.95%  و هي نسب متوافقة مع النسب الوطنية المسجلة في الانتخابات المحلية الولائية والبلدية.

لا يمنع هذا التوافق من تكرار تسجيل الملاحظة نفسها المسجلة في الولاية وهران و المتمثلة في تدني مستوى المشاركة في البلدية مقر الولاية، ففي بلدية مقر ولاية غليزان، سجلت نسبة مشاركة في الانتخابات الولائية و البلدية على التوالي:26.76%  و 26.69 %، إلا أننا عندما نقارن نسب المشاركة الانتخابية مع باقي البلديات محل الدراسة فإننا سنلاحظ أن نسب المشاركة الانتخابية في الانتخابات المحلية كانت تعادل ضعف النتيجة المسجلة في البلدية مقر الولاية، فقد بلغت نسبة المشاركة في بلدية "الرَمْكَة" 57.68 % بالنسبة للانتخابات البلدية و56.97% بالنسبة للانتخابات الولائية، أما في بلدية "بني درقن" فسجلت نسبة مشاركة قدرها 44.49 % في الانتخابات البلدية و 44.27 % في الانتخابات الولائية.

أما بالنسبة لولاية سيدي بلعباس فإن نسبة المشاركة الانتخابية الولائية و البلدية بلغت على التوالي نسبتي 54.76%  و 54.43% ، و هي نسب تفوق النسب المسجلة وطنيا لكن مع ذلك يبقى التباين واضحا في نسب المشاركة بين البلدية مقر الولاية و باقي بلديات الولاية و لو بفوارق نسبية قليلة مقارنة بين النسب المسجلة في البلديتين مقر ولايتي وهران و غليزان. ففي بلدية سيدي بلعباس بلغت نسبة المشاركة الانتخابية في الانتخابات البلدية نسبة 40.01%  في حين بلغت نسبة المشاركة الانتخابية في الانتخابات البلدية بـ "بلعربي" نسبة 52.30%.

البلدية مقرالولاية: رهان للأحزاب، رهان للترشح و عزوف الناخب

سجلت البلديتان مقر ولاتي وهران و غليزان نسب مشاركة انتخابية ضعيفة مقارنة مع النسب المسجلة على المستوى الولائي والوطني و مقارنة مع باقي بلديات الولايتين، الشيء الذي يجعلنا نعتبر أن الهيئة الناخبة في البلديات مقر الولاية تمثل استثناء انتخابيا مقارنة مع باقي البلديات في الانتخابات المحلية البلدية و الولائية. نقف على الملاحظة نفسها في البلدية مقر ولاية سيدي بلعباس التي حتى و إن سجلت نسب مشاركة تفوق النسب المسجلة في بلديات وهران و غليزان إلا أنها تبقى ضعيفة مقارنة مع باقي بلديات ولاية سيدي بلعباس.

الجدول رقم 03: التفاوت في نسب المشاركة بين البلدية مقر الولاية و البلديات الأخرى

الولاية

نسبة المشاركة الولائية

نسبة المشاركة في البلدية مقر الولاية

نسبة المشاركة في بلديات أخرى

وهران

37 %

%24.8

%49.58بلدية أرزو

سيدي بلعباس

%54.76

%40.01

%52.30بلدية بلعربي

غليزان

%42.32

%26.69

%57.68بلدية الرمكة

تدعو المشاركة الانتخابية المسجلة على مستوى البلديات مقر الولاية للتساؤل حول معاني المشاركة و أشكال المقاطعة المقدمة من طرف المنتخبين المبحوثين في الانتخابات البلدية.

لقد حاول فريق البحث معرفة نظرة المنتخَبِين في البلديات مقر الولاية لنسب المشاركة الانتخابية المسجلة و التي تبقى في غالب الأحيان أضعف النسب ضمن قائمة نسب المشاركات بالمقارنة مع البلديات الأخرى[4]. القراءة التي تقدمها خطابات المنتخَبِين المبحوثين هنا تمثل مدخلا لتتبع المواقف التي تقدمها هذه الفئة لظاهرة "عزوف ناخبي البلديات مقر الولاية عن المشاركة الانتخابية"، و هي فرصة في الوقت ذاته لمعرفة معاني السياسية و الاجتماعية للمشاركة الانتخابية بالنسبة للمنتخبين، فضلا عن الأسباب التي تفسر بها هذه الفئة المشاركة و / أو العزوف عن الممارسة الانتخابية.

تثير خطابات المنتخبين المحليين الفائزين في الانتخابات المحلية البلدية في بلديات وهران، سيدي بلعباس و غليزان العديد من الأسباب الكامنة وراء نسب المشاركة الضعيفة. تبدأ هذه الأسباب من "اتهام المواطنين باللامبالاة بالانتخابات رغم أهميتها" لتصل إلى غاية إثارة "أسباب ماكروسياسية و ماكرو اقتصادية واجتماعية ذات علاقة مباشرة بالدولة تتجاوز بكثير المنتخب أو المترشح للانتخابات".

الأمثلة التالية عن خطابات المنتخبين المحليين في البلديات مقر الولاية التي تحاول تصنيف أسباب المشاركة و / أو العزوف مثلما يراها هؤلاء الفاعلون تقدم صورة عن مواقف هذه الفئة حول هذا الموضوع.

يثير النوع الأول من تصريحات المنتخبين المبحوثين فكرة غياب الوعي السياسي، غياب الحس المدني و حالة انسحاب من فضاء المواطنة كتجسيد لسلوك سلبي لدى المواطنين الذين لم يقترعوا في الانتخابات المحلية في البلديات مقر الولاية، و يعتمد هذا النوع من التصريحات على أسباب ذات نزعة أخلاقية لتوضيح أن تقلص المشاركة في المواعيد الانتخابية (التشريعية و المحلية) مرتبط بتقلص الالتزام النضالي لدى العديد من المواطنين، كما يعبر هذا في الوقت نفسه، عن غياب الإخلاص للخطابات الأيديولوجية التي كانت لغاية فترة قريبة تحرك الفعل الانتخابي، لتصل إلى حد إتهام المتغيبين بعدم " حب الوطن". نجد هذا النوع من الخطابات خاصة لدى المنتخبين المحلين الذين يجمعون بين صفتين هما أقدمية النضال في الحزب ذاته (لم يسبق لهم تغيير التشكيلة الترشح الانتخابية)، والانتماء "للأحزاب المسماة أكثر تنظيما "les partis les plus structurés.

يصرح منتخب مبحوث من بلدية غليزان قائلا :

"شيء طبيعي أن نجد أن نسبة المشاركة الانتخابية في البلدية مقر الولاية ضعيفة مقارنة مع باقي البلديات... هذه النسب تعكس حجم الجرح الموجود في الوعي الديمقراطي و الوطني، الناخبون أصبحوا انتهازيين، يعطونك صوتهم لكن عليك أن تضمن لهم مقابل ذلك خدمة معينة" (حمس، غليزان).

يأتي تأكيد هذا النوع من التفسير لضعف نسب المشاركة في البلديات مقر الولاية في الولايات المبحوثة، من منتخب آخر من بلدية سيدي بلعباس الذي يعتبر العزوف الانتخابي ممارسة و قرار سلبي، إذ يصرح قائلا:

"من لم يقترع عليه أن يتحمل مسؤوليته... العزوف عن الممارسة الانتخابية فعل سلبي" (حمس، سيدي بلعباس).

ضمن إطار الفكرة نفسها يتحدث منتخب من بلدية وهران عن ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة الانتخابية حتى و إن كان لا يتقاسم مع المنتخبين السابقين فكرة اتهام الناخبين الذين قرروا عدم التصويت. يصرح ذات المنتخب قائلا:

"إذا كان هناك عزوف انتخابي عند الشباب فذلك لأنهم لم يعودوا يؤمنون بهذه الممارسة" (FLN، وهران).

يربط النوع الثاني من تفسيرات المنتخبين أسباب العزوف الانتخابي في البلديات مقر الولاية بمستوى خطابات الأحزاب ومستوى خطابات المترشحين و يعتبر هذا النوع من التصريحات أن الخطابات الإيديولوجية للأحزاب السياسية و للمترشحين غير قادرة حاليا على إقناع الناخب و على تلبية طموحاته و معالجة ما يعتبره مشاكل يومية. يقوم تفسير دوافع العزوف في هذه الحالة لدى خطابات المنتخبين المبحوثين على المقارنة بين الخطاب التعبوي الأيديولوجي للأحزاب و للمترشحين في بداية التسعينات و الخطاب ذاته مع بداية العشرية الأولى من الألفية الثالثة.

يصرح أحد المنتخبين المبحوثين (حمس، غليزان) قائلا :

"الأحزاب السياسية الحاملة لمشاريع مجتمع توجد في حالة إفلاس واضح، فلا المشروع الإسلامي، ولا المشروع الوطني، و لا المشروع الديمقراطي استطاع أن يقنع الناخبين، و هذا ما يجعلنا ننظر للانتخاب كإجراء تقني للتداول على السلطة محليا، في حين أن الانتخاب النضالي لم يعد موجودا حاليا"

و في السياق سلسلة الأسباب التي تندرج ضمن النوع الثاني من التصريحات، يعتقد بعض المنتخبين أن الأحزاب السياسية لم تعد تلعب دور التأطير السياسي والنضالي، و لم تعد تؤدي دورا في بلورة الوعي السياسي للمواطنين سوى خلال المواسم الانتخابية، إذ لا نجد لها أثرا في الواقع خارج هذه الفترة الزمنية، بمعنى أننا أمام مناضيلين و أحزاب سياسية على المستوى المحلي لا وجود فعلي لهما بعد انتهاء الغاية من الدعوة الرسمية للهيئة الانتخابية، مما يدعم فرضية موسمية أحزاب سياسية على المستوى المحلي و موسمية مناضلين على المستوى نفسه.

يصرح أحد المنتخبين المبحوثين(RND، وهران) قائلا:

"لا تلعب الأحزاب السياسية دورها في البلديات، و لا يرى المواطنون هياكلها المحلية سوى خلال الفترات الانتخابية".

تتجاوز هذه القراءة الأحزاب لتصبح تعبيرا عن قناعة يتقاسمها العيد من المنتخبين المحليين بغض النظر عن إنتماءاتهم الحزبية، بحيث نجد الفكرة نفسها  عند منتخب آخر من حزب جبهة التحرير الوطني الذي يصرح حول ذلك قائلا :

"كل الأحزاب السياسية تدَّعي تحقيق و تطبيق برنامج فخامة رئيس الجمهورية سواء كانت جبهة التحرير الوطني، حركة مجتمع السلم أو التجمع الوطني الديمقراطي. لماذا لا نؤسس حزب نسميه حزب فخامة رئيس الجمهورية...(يضحك)، ما أريد أن أقوله هو أن الأحزاب السياسية محليا لم يعد لها وجودا سوى في الانتخابات، بحيث تبدأ تسمع عن فلان، فلان، حركة تصحيحية، الكل يريد الترشح و بأي طريقة كانت " (FLN، غليزان).

يفسّر النوع الثالث من خطابات المنتخبين عزوف الناخبين عن المشاركة في البلديات مقر الولاية بتجارب التسيير السابقة السلبية للمنتخبين التي أوجدت صورة سيئة للمنتخب المحلي لدى المواطنين، والتي أدت إلى فقدان الثقة في المنتخب المحلي كشخص محلي وكسياسي و فقدان المصداقية في المنتخبين و في العملية الإنتخابية بصفة عامة.

تجسد خطابات المنتخبين المبحوثين وعيهم بالصورة السلبية التي أنتجها "المنتخب السابق" و تعتبره كعامل أساسي للعزوف الانتخابي، فالمنتخب المحلي السابق الذي لا تهمه الوعود التي قطعها على نفسه أثناء الحملة الانتخابية و لا تهمه مصالح المواطنين التي هجرها منذ اعتلى منصبا في البلدية هو الذي أفسد صورة المترشح "النزيه" حسب هذه الفئة من التصريحات، و أفسد مصداقية خطابه أثناء الحملة الانتخابية و صوَّره كسياسي انتهازي لا يعرف إلا "صْوَالْحَهْ" دون المصلحة العامة.

يقول بهذا الصدد منتخب مستجوب (FLN، وهران):

"لا ينتخب المواطنون، هذا طبيعي،لأنهم عرفوا تجارب سابقة لمنتخبين، ويملكون أحكاما سلبية مسبقة حولهم، فهم يقولون : الأشخاص نفسهم يعودون في كل مرة و لا شيء تغير... دائما الأوساخ في مدينة وهران، دائما الرشوة في مصلحة الحالة المدنية، دائما حالة اللأمن...".

حتى و إن اختلف اللون السياسي، فهناك قناعات تكاد تكون مشتركة حول دور التجارب السلبية السابقة في إضعاف صورة الإنتخابات و المترشحين لها، و هذا ما نلمسه من خلال تصريح لمنتخب ممثل لحركة مجتمع السلم من البلدية نفسها الذي يصرح قائلا:

"أحترم كثيرا المواطنين الذين لم يشاركوا في الانتخابات، و أفهم بشكل جيد أسباب امتناعهم عن المشاركة، و أنا لو لم أكن مناضلا سياسيا في حزب سياسي لفعلت مثلهم، المنتخب المحلي ذو صورة سيئة جدا لا تبعث على الثقة، فَاحَتْ رائحته".

يضم منتخبا آخر من بلدية سيدي بلعباس صوته لهذا الاتجاه في تفسير العزوف قائلا :

"الشعب مع الانتخابات لكن عدم مشاركته بقوة في الانتخابات المحلية هو عقاب مسلط على المنتخبين السابقين" (RND).

يربط النوع الرابع من التفسيرات لأسباب ضعف المشاركة في الانتخابيات المحلية في البلديات مقر الولاية بالمعاش اليومي للمواطن، سواء تعلق الأمر بتدني القدرة الشرائية، بطالة الشباب، أزمة السكن، شعور التهميش بالنسبة للفئات المحرومة وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على "الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية..." ويعتبر هذا النوع من المنتخبين في تصريحاتهم أن المشاركة الانتخابية للهيئة الناخبة متأثرة بشكل واضح بالظروف الاقتصادية و الاجتماعية العامة التي تعرفها الجزائر و هذه الظروف الوطنية تتجاوز المستوى المحلي و تتجاوز البلدية التي ستكون ضحية للظرف العام للجزائر، بمعنى أن العزوف عن الاقتراع بالنسبة لتبريرات مثل هذه الفئة المبحوثة هو تعبير عن رسالة لحالة البلد بصفة عامة و ليس رسالة عن حالة البلدية، و هذا ما يؤدي بالمنتخب المحلي لأن يكون ضحية سياسية محلية لسياسيات وطنية غير مجدية.

نسوق في هذا الإطار بعض التصريحات للمنتخبين و التي تندرج في خانة هذه الرؤية، منها تصريح لممثل عن التجمع الوطني الديمقراطي من غليزان الذي يقول :

"إذا كانت تصريحات وزير الداخلية قد أرجعت ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات إلى أسباب متعلقة بالأحوال الجوية حرارة مرتفعة أو عواصف مطرية فأنا أعتقد أن أمور تتجاوز ذلك بكثير، فالواقع الاقتصادي يفرض منطقه على المواطنين و المشاكل ذات الطبيعة الاقتصادية أكبر من أن يستوعبها المنتخب المحلي أو البلدية... الناس ليسوا بحاجة للطريق رغم أهميتهما لكنهم بحاجة للعمل، و ليسوا بحاجة للإنارة العمومية فحسب، ولكن هم بحاجة إلى قدرة شرائية مقبولة ".

وفق التصريح هذا المنتخب – المناضل، فإن أسباب "المقاطعة" الانتخابية ناجمة عن فقدان الأمل لدى العديد من المواطنين في السياسات الماكرواقتصادية و اجتماعية الوطنية التي تنعكس ميدانيا و محليا في شكل نسب مرتفعة للبطالة و حالات تدني القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، يضاف هذان العنصران إلى عامل آخر يتمثل في ضعف قدرة البلدية (كميزانية، كمنظومة للتسيير المحلي و كفاعل اقتصادي واجتماعي) على مواجهة مشاكل البطالة، السكن و مشاكل التنمية المحلية. خطابات هذه الفئة من المنتَخَبِين المحليين المبحوثين لا تعتبر "المقاطعة أو العزوف مجرد معاقبة من طرف الهيئة الناخبة نتيجة لطرق التسيير الكارثية للمنتخبين السابقين (لا يعاقبون الخطابات السياسية للأحزاب السياسية محليا) فحسب و إنما يبعثون برسالة صريحة للتعبير عن عدم رضاهم عن السياسة الاجتماعية الوطنية الحالية، لذا ستكون بذلك الانتخابات المحلية ضحية فشل السياسات الماكرو اقتصادية واجتماعية في معالجة الفقر، البطالة و أزمة السكن و غيرها من المشاكل.

لا يغيب التأكيد على هذه الفكرة في حالة انتقلنا من ولاية غليزان إلى ولاية وهران، إذ يعود منتخب آخر من بلدية وهران ليثير التفسير نفسه قائلا :

"الذين لم يصوتوا في الانتخابات المحلية أرسلوا رسالة عدم رضا على أوضاعهم الاجتماعية وعلى رفضهم للسياسات المطبقة" (RND).

 يلحق منتخب حزب العمال من بلدية سيدي بلعباس رأيه بما سبق ذكره، ويعيد طرح تساؤل يعتبره جذريا حول سبب عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات المحلية و التي يحصرها في مشكل البطالة بصفة عامة. يصرح هذا الأخير قائلا :

"الشباب في بلديتنا لم يصوتوا لأنهم يريدون عملا و لا يريدون انتخابات".

ما يجب التذكير به من خلال كل ما طرح من أسباب حول العزوف الانتخابي في البلديات مقر الولاية هو أن هذه الأخيرة التي تمثل رهانا انتخابيا مهما بالنسبة للأحزاب السياسية محليا (رهان التواجد على مستوى البلدية الكبرى من حيث الهيئة الناخبة و القريبة من مصادر السلطة المحلية المتجسدة في المديريات التنفيذية و الغنية من حيث الجباية مقارنة مع باقي البلديات الأخرى، ...) لا تمثل الشيء ذاته بالنسبة للهيئة الناخبة.

الانتخاب بالورقة الملغاة ظاهرة تميز البلديات مقر الولاية

تأخذ مشاركة المواطنين في الانتخابات أشكالا متعددة، يمكن أن تجري من خلال مشاركة مباشرة للناخب، أو عن طريق الوكالة بوصفها إجراء إداري مسموح به قانونا، أو عن طريق الامتناع عن التصويت، أو يمكن أن يلجأ الناخب إلى التصويت باستعمال الورقة الملغاة. هذه الأشكال المعمول بها في ممارسة الفعل الانتخابي يمكن النظر إليها كآلية لقياس "الإرادة الجماعية" للهيئة الناخبة التي تتحوّل يوم الاقتراع إلى قاض يصدر أحكامه على البرامج، على الخطابات، على المرشحين، و حتى على أشكال التسيير السابقة و البرامج السياسية والاقتصادية الوطنية و طرق تجسيدها على المستوى المحلي.

تمثل ظاهرة الأوراق الملغاة حالة إنتخابية تستوجب الوقوف عندها لعدة أسباب، لذا فمحاولة فهم المعاني السياسية لها و مجالها (البلديات مقر الولايات المبحوثة خصوصا) يعتبر محطة مهمة في إعداد هذا التقرير. يقدر عدد الأوراق الملغاة على المستوى الوطني وفقا للأرقام الرسـميـة لوزارة الداخلية و الجمــاعــات المحـلـية، بـ 880467 أي ما يعادل نسبة 10,82 % من مجموع الناخبين.

من خلال مقارنة عدد الأوراق الملغاة مع عدد الأصوات المحصل عليها من طرف الأحزاب، نلاحظ أن عدد الأوراق البيضاء يأتي في المرتبة الثالثة، بعد عدد الأصوات المحصل عليها من قبل حزب جبهة التحرير الوطني أي:(2094964)، ثم الأصوات التي سجلها حزب التجمع الوطني الديمقراطي و البالغة (1602044).

يعبّر المنتخبون بالورقة الملغاة بشكل نشط عن معارضتهم، وامتعاضهم عن الخطاب الذي تتبناه الأحزاب السياسية و عن فقدان الثقة في خطابات و ممارسات ممثلي الأحزاب و حتى الأحرار من خلال حكمهم عن تجارب سابقة. وضع الورقة البيضاء الملغاة تعني – من بين ما قد تعني - أن الناخب لم يجد في الخيارات المطروحة أمامه ما يرى أنه جدير بالتصويت عليه (الحزب، المترشح، البرنامج).

الجدول رقم04: ترتيب الأوراق الملغاة ضمن الأصوات المعبر لبعض الأحزاب السياسية

PT

HMS

FNA

Bultins nuls

RND

FLN

 

586 367

842 644

836 305

880 467

1 602 044

2 094 964

عدد الأصوات المحصل عليها

958

1495

1578

-

3426

4 201

عدد المقاعد

 

لا حظنا من خلال عملنا على الانتخابات المحلية في الولايات الثلاث أن ظاهرة اللجوء إلي أسلوب التصويت بالورقة البيضاء أو الظرف الفارغ المؤدي إلى إلغاء الصوت إنما هي ظاهرة تميز بالأساس البلديات مقر الولاية، ففي بلدية وهران و من ضمن 122467 ظرفا انتخابيا، هناك 36069 ظرفا ملغى و هو ما يعادل نسبة %29,45، بينما تنخفض نسبة الأوراق الملغاة في البلديات الأخرى من الولاية نفسها إذ لم تبلغ سوى نسبة 07,67 % في بلدية بطيوة و نسبة 09,36 % بلدية بوسفر، و08,68 % ببلدية سيدي بن يبقى.أما بالنسبة لعدد عدد الأوراق الملغاة في بلدية سيدي بلعباس فقد بلغت 14863 أي ما نسبته 26,35 % من مجمل الأصوات في البلدية المذكورة، بينما تنخفض هذه النسبة بشكل كبير في البلديات الأخرى إذ لم يلغ سوى 189 صوتا في بلدية بلعربي أي ما يعادل 4,99  %.

البلديات الأخرى: مشاركة انتخابية واسعة مع رهانات أخرى

شهدت البلديات الأخرى عكس البلديات مقر الولاية نسب مشاركة انتخابية مرتفعة مقارنة بمتوسط النسبة المسجلة على مستوى الولاية و متوسط النسبة الوطنية، (تبقى هذه الملاحظة مرتبطة بالولايات الثلاث التي شملتها الدراسة).

تحيل هذه النتيجة الإحصائية الناتجة لقراءة في نسب المشاركة الإنتخابية في كل بلديات الولايات الثلاثة المبحوثة إلى القول أنه كلما قلت الهيئة الناخبة على مستوى بلديات الولاية، كلما زادت نسبة المشاركة (حال البلديات ما عدا البلدية مقر الولاية)، و كلما زاد حجم الهيئة الناخبة محليا كلما ضعفت نسبة المشاركة الانتخابية. هذا الانطباع يؤكد على العلاقة العكسية التي وجدت بين تعداد الهيئة الناخبة (المتغير الأول) و نسبة المشاركة المصرح بها رسميا (المتغير الثاني).

تبيّن الأمثلة التالية ما خلصنا إليه من خلال مقارنة الفعل الانتخابي المحلي بين البلدية مقر الولاية (رهاناتها، خطابات منتخبيها، نسب مشاركة ناخبيها) و باقي البلديات (رهاناتها، خطابات منتخبيها، نسب مشاركة ناخبيها).

ففي ولاية وهران، بلغت نسبة المشاركة الانتخابية في الانتخابات البلدية في سيدي بن يبقى التي يبلغ تعداد هيئتها الناخبة 4020 ناخبا 78.45%، و في بلدية بطيوة التي يبلغ تعداد ناخبيها 12199 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية المحلية 67.30 % في حين أن بلدية وهران بهيئة ناخبة تقدر بـ 493723 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية فيها في الانتخابات البلدية نسبة 24.8 %.

يمكن ملاحظة الشيء نفسه فيما يخص بلديات المطمر، الحمري وبني زنطيس في ولاية غليزان، فالبلدية الأولى في ترتيب المذكور البالغ تعداد هيئتها الناخبة 4751 ناخبا، بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها 57.82%، و البلدية الثانية وفقا للترتيب المذكور المقدر تعداد هيئتها الناخبة بـ 7730 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها نسبة 60.28 % و البلدية الثالثة في ترتيب الذكر البالغ تعداد ناخبيها 4357 ناخبا بلغت نسبته المشاركة فيها 56.97%  في حين أن البلدية مقر الولاية البالغ تعداد ناخبيها 62636 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها 26.69%.

لا تمثل بلديات سيدي بلعباس - ما عدا البلدية مقر الولاية - استثناء يسري عليها الأمر مثل نظيراتها أي بلديات و لايتي وهران وغليزان، ففي بلدية تلاغ البالغ عدد ناخبيها 15548 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها نسبة 49.21 %، و في بلدية مرين البالغ عدد ناخبيها 4898 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها نسبة 72.49 %، و في بلدية تاودموت البالغ تعداد ناخبيها 1468 ناخبا بلغت نسبة المشاركة الانتخابية البلدية فيها 69.95 %.

الجدول رقم 05 : التفاوت في نسب المشاركة بين البلدية مقر الولاية و البلديات الأخرى

 

ولاية وهران

بلدية سيدي بن يبقى

78.54 %

4020 ناخبا

بلدية بطيوة

67.30%

12199

بلدية بوسفر

67.57%

7537

 

ولاية سيدي بلعباس

بلدية مرين

72.49%

4898

بلدية تاودموت

69.95%

1468

بلديةتلاغ

49.21%

15548

 

ولاية غليزان

بلدية الحمري

60.28%

7730

بلدية المطمر

57.82%

4751

بلدية بني زنطيس

56.97%

4357

عندما نقرأ النسب المرتفعة مقارنة مع النسب الوطنية و حتى الولائية للمشاركة في البلديات غير البلدية مقر الولاية يبدو لنا و كأن البلديات ما عدا البلدية مقر الولاية، هي البلديات الأكثر تعبئة سياسية وأكثر قبولا لمختلف الخطابات السياسية، كما قد تبدو لنا أن ممارسات المنتخبين السابقين لم تؤثر سلبا على المشاركة و هذا عكس خطابات المنتخبين في البلديات مقر الولاية الذين أثاروا مثل هذا السبب، كما قد تبدو لنا أيضا أن هذه البلديات غير معنية بالظروف الماكرو سياسية و اقتصادية و اجتماعية (عكس ما صرح به من المنتخبين المحليين في البلدية مقر الولاية).

من خلال هذه النسب التي تعكس ارتفاعا في المشاركة الانتخابية في مختلف البلديات ما عدا البلدية مقر الولاية، قد نجد أن التفسيرات التي قدمت حول أسباب العزوف في البلديات مقر الولاية لا تنطبق على البلديات الأخرى في الولايات محل الدراسة و لو تم أخذ تلك التصريحات المقدمة من طرف المنتخبين كمسلمات حول " أسباب العزوف و المشاركة الإنتخابية" لوجدنا أنفسنا أمام انطباع مفاده أن حالها أحسن اجتماعيا، اقتصاديا و سياسيا من نظراتها– أي بلديات مقر الولاية- و لذا جاءت نسب المشاركة مرتفعة.

لقد كشفت لنا تصريحات المنتخبين المحلين لهذه البلديات أن نسب المشاركة المرتفعة في الانتخابات المحلية و ارتفاع درجة التعبئة الانتخابية محليا في هذه البلديات تعكس عناصر شديدة الأهمية ليس لها علاقة بالأسباب التي تم ذكرها من طرف منتخبي البلديات مقر الولاية.

فعندما تم طرح السؤال التالي على المبحوثين التابعين للبلديات المعنية بالدراسة: "كيف تفسر المشاركة القوية للناخبين في بلديتكم مقارنة مع البلدية مقر الولاية ؟ "لاحظنا أن الإجابات تعطي الأهمية لفعالية عاملي الجوار و التضامن الميكانيكي على حد تعبير دوركايم في هذه البلديات التي تتميز عموما بمحدودية التقسيم الاجتماعي للعمل وضعف الكثافة الديمغرافية مقارنة مع البلدية مقر الولاية.

ينبغي في البداية أن نشير إلى النجاح الذي طبع الحملة الانتخابية الجوارية حسب تصريحات المنتخبين المحليين في مثل هذه البلديات خصوصا من خلال استعمال بعض الدعامات التي توصف "بالتقليدية" مثل استغلال الوعدات، حفلات الأعراس و الولائم وحتى الجنائز لتمرير الرسالة الانتخابية و هذا في ظل تقلص دور الدعامات "الحديثة" مثل: المنشورات و القنوات السمعية البصرية لضمان فعالية الحملة الانتخابية.

يصرح أحد المنتخبين من بلدية بلعربي بسيدي بلعباس حول هذا المعطى قائلا :

"لقد أجرينا حملة انتخابية جوارية... ففي بلديتنا لسنا في حاجة للوحات الاشهارية للمنتخبين لأن الكل يعرف الكل و وجوهنا معروفة عند كل سكان البلدية" (RCD).

يؤكد أحد المنتخبين المحليين من بلدية بني درقن (غليزان) اللجوء لهذا الشكل من التسيير للحملة الانتخابية قائلا :

"الناس تعرف بعضها جدا في منطقتنا، والانتخابات البلدية هي قضية أشخاص أكثر و وجوه أكثر منها قضية أحزاب سياسية" (RCD)

و سواء تعلق الأمر بغليزان، سيدي بلعباس أو وهران، فإن ممارسة الحملة الانتخابية على هذه الشاكلة متواجد في مختلف المناطق التي خضعت للدراسة، ولعل التصريح الذي أدلى لنا به أحد المنتخبين من بلدية السانية يوضح ذلك أكثر:

"لقد ركزنا حملتنا الانتخابية على الحساسيات المحلية الموجودة في بلدية السانيا و ركزنا أيضا على شعبيتنا لكوننا جد معروفين من طرف الناس، ... لقد أعطينا لكل عرش و جماعة محلية المال لتنظيم عشاء و من خلاله مررنا رسالتنا الانتخابية و حفزنا الناس على المشاركة الانتخابية، و في يوم الانتخاب انتدبنا العديد من حافلات النقل لتسهيل عملية التنقل لبعض مكاتب الاقتراع" (FLN).

لا يمكن تفسير قوة المشاركة الانتخابية بطريقة إجراء الحملة الانتخابية و بالعمل الجواري فقط، بل لعبت الاستراتيجيات الانتخابية التي اتبعها رؤساء القوائم الانتخابية في بناء و تركيب القائمة الانتخابية دورا أساسيا في ذلك، فقد تم التركيز في ذلك على عاملي الجوار وترتيب المترشحين حسب انتماءاتهم العروشية (عرش، دوار، حي ذو هيئة ناخبة كبيرة،...).

كشف لنا التحليل الذي أجريناه على القوائم الانتخابية في البلديات محل الدراسة أن الاعتقاد السائد الذي يرى أن الانتخابات المحلية في البلديات غير البلديات مقر الولاية هي انتخابات عروشية اعتقاد خاطئ على الأقل بالنسبة لمجتمع بحثنا، ففي تحليلنا لمختلف القوائم الانتخابية في تلك البلديات وجدنا أن العرش "س" لم يقدم مترشحا واحدا في قائمة حزبية أو قائمة مستقلة واحدة، و إنما قدم مترشحين متوزعين بطرق مختلفة على بعض أو كل القوائم، كما كان الصراع لإكساب ثقة ناخبي العرش أو الحي شديدا لأن رهان التواجد في القائمة الانتخابية هو رهان إثبات شعبية المترشح في عرشه، دواره أو حزبه أكثر من رهان عرش في حد ذاته أو الدوار معين.

لقد "انفجرت" العديد من القوائم الانتخابية محليا ليس لأسباب عروشية بل من أجل احتلال المراكز الأولى في القوائم المعلنة للناخبين، و لم نشهد ضمن مجتمع بحثنا تواجد قائمة بعينها تابعة كليا لعرش معين أو لدوار معين[5]، و هذا ما يؤكد أن ما نتصوره نظاما تقليديا مغلقا مجرد وهم، بمعنى أن التنافس كان بين الأفراد أكثر مما كان بين الأحزاب والعروش و الدواوير المشكل للهيئة الناخبة[6].

المكانة التي تحتلها البلدية ضمن ترتيب البلديات ذات الهيئات الانتخابية التي يتعدى تعدادها بضعة آلاف قد تكون المفسر لذلك، ففي بعض المناطق لا تتجلى معالم الدولة سوى من خلال دار البلدية، مكتب البريد، مكتب الدرك الوطني والمدرسة أو المتوسطة على أكثر الأحوال، وهذا ما يجعل الطموحات المتعلقة بالبلدية و سلطتها عنصرا تعبويا للمشاركة. يصرح أحد منتخبي بلدية بلعربي :

"لا يعرف الناس هنا سوى البلدية و رئيس البلدية، فهي التي تقدم مناصب العمل في إطار الشبكة الاجتماعي و هي التي تقدم المساعدات للبناء الريفي و هي التي تقدم قفة رمضان، الناس هنا يعتبرون البلدية و رئيسها ممثلين للدولة يوزعون ما تقدمه الدولة للمنطقة" RCD

يقدم منتخب من بلدية الرمكة في تصريحه التالي القراءة نفسها حول أسباب المشاركة المرتفعة قائلا :

"ليست لدينا مشكلة فيما يخص مشاركة الشباب في الانتخابات، الرجال و النساء انتخبوا سواء منهم من خاف أن يحرم من مساعدات البلدية أو من أراد أن يدعم ابن عمه أو أراد أن يدعم جاره. يعني أن الانتخاب الاستفادة من كل ما تقدمه الولاية من مساعدات في بناء السكن الريفي، الشبكة الاجتماعية و تشغيل الشباب" FNA

يحتاج البحث للكثير من التعميق لدراسة خطابات المنتخبين حول النسب المرتفعة للمشاركة الانتخابية مقارنة مع النسبة الولائية والوطنية (قد يكون موضوعا مستقلا بذاته عن هذه الدراسة)، لكن ما يمكن قوله أن الانتظارات الاجتماعية وأشكال الاستفادة منها قد تكون محفزا فاعلا من بين محفزات أخرى.

التشكيلات السياسية المشاركة في البلديات محل الدراسة

يسعى الحزب السياسي باعتباره منظمة لممارسة السلطة على مستوى مركزي أو محلي أم هما معا، فيقدّم نفسه من خلال مرشحين يحملون برنامجا انتخابيا يعمدون إلى الدفاع عنه أثناء الحملة الانتخابية، وعندما يتعلق الأمر بالمستوى المحلي كما هو الحال بالنسبة لدراستنا الميدانية، فإن الرهان الرئيسي بالنسبة لأي حزب سياسي هو أن يكون ممثّلا من خلال قوائم مرشحين أولا ثم من خلال منتخبين محليين في حالة الفوز بمقاعد في المجلس الشعبي البلدي أوالولائي.

هناك شروط قانونية تحدد من الناحية المبدئية الأحزاب السياسية المعنية بالمشاركة في الانتخابات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007، وخاصة منها التعديلات[7] التي تمت وفق ما جاء في المادتين 82 و 109 من قانون الانتخابات، كما تفرض تلك الشروط على بعض الأحزاب التواجد في ولايات والغياب في أخرى.

فلو أخذنا حزبا سياسيا مثل حزب عهد 54 نجده حاضرا بقوائم مرشحين في ولاية غليزان لكنه يغيب في ولاية سيدي بلعباس لأنه استوفى في الولاية الأولى الشروط القانونية المنصوص عليها في المادتين المذكورتين سابقا ولم يستوفيها في الثانية، يضاف إلى هذا المعطى القانوني شروطا موضوعية تحدد حضور الحزب من غيابه في الانتخابات على المستوى المحلي وتتعلق أساسا بمدى تواجده التنظيمي الفعلي المسبق في البلدية أو مدى درجة انخراط الفاعلين المحليين في نشاطه.

عندما نطّلع على مجمل قوائم المترشحين المقدّمة في الولايات محل الدراسة، نلاحظ وجود شكلين من حضور الأحزاب وتمثيلها على المستوى المحلي :

  • حضور كلي، أي أن هناك أحزابا قدمت قوائم مترشحين في كل البلديات مضافا إليها قائمة مترشحي المجلس الشعبي الولائي. يتعلق الأمر هنا بحزبين فقط،هما حزب جبهة التحرير الوطني و التجمع الوطني الديمقراطي اللذان قدم كلا منهما 26 قائمة بلدية في ولاية وهران، 52 قائمة في ولاية سيدي بلعباس و38 قائمة في ولاية غليزان.
  • حضور جزئي انتقائي، حيث لاحظنا مشاركة أحزاب سياسية في بلديات دون أخرى بناء على اختيارات منها أو صعوبات واجهتها في تشكيل قوائم مترشحيها محليا، ففي ولاية وهران نجد أن 11 حزبا سياسيا قدموا قوائم مترشحين تفاوت هذا الحضور من قائمة واحدة إلى 25 قائمة بلدية، بالإضافة إلى وجود قائمة بلدية واحدة لمترشحين مستقلين ببلدية المرسى الكبير، كما سجلنا بالنسبة لولاية سيدي بلعباس تواجد 09 أحزاب سياسية تفاوت عدد قوائمها البلدية من قائمة واحدة إلى 49 قائمة، مع وجود قائمة واحدة للمترشحين المستقلين ببلدية سيدي لحسن، أما في ولاية غليزان فقد قدّمت 10 أحزاب سياسية قوائم إنتخابية تفاوت عددها ما بين قائمة واحدة إلى 34 قائمة، فضلا عن تواجد 03 قوائم لمترشحين أحرارا في بلديات سيدي خطاب، جديوية ودار بن عبد الله.

الجدول رقم 07: جدول يوضح توزيع حضور الأحزاب السياسية محليا

ولاية وهران

ولاية سيدي بلعباس

ولاية غيليزان

الأحزاب المشاركة

عددالقوائم البلدية

الأحزاب المشاركة

عدد القوائم البلدية

الأحزاب المشاركة

عدد

القوائم البلدية

FLN

26

FLN

52

FLN

38

RND

26

RND

52

RND

38

PT

25

FNA

49

FNA

34

HMS

24

HMS

36

HMS

31

FNA

21

PT

26

PT

34

M.ISLAH

10

MI

14

MI

17

FFS

12

FFS

09

RCD

13

RCD

01

RCD

08

NAHDA

10

NAHDA

13

NAHDA

01

المستقلون

03

AHD 54

05

المستقلون

01

M.INFITAH

03

MEN

03

AHD 54

04

ANR

01

FND

01

المستقلون

01

 

يدفعنا هذا التمايز في شكل تواجد القوائم البلدية للأحزاب السياسية إلى التساؤل حول المنطق السياسي والاجتماعي الذي يحكم هذا التوزيع الجغرافي للخريطة السياسية المحلية من خلال القوائم البلدية، و قد تطلبت هذه النقطة الوقوف عند المحددات السوسيوأنثروبولوجية التي من شأنها تفسير فعل ميلاد قائمة حزب سياسي أو لون أيديولوجي في مجتمع محلي. قد يمكن اعتبار ميلاد القائمة الحزبية المترشحة بلون سياسي أو بدونه (أي قائمة مترشحين أحرارا) إلى البعد السياسي الذي يمكن أن نلخصه في النقاط التالية:

  • تعدد الألوان الأيديولوجية المتواجدة في البلدية.
  • تعدد البرامج المقترحة على المستوى المحلي.
  • تواجد تأطير سياسي قوي وعدد معتبر لمناضلي الأحزاب المشاركة بقوائم مترشحين في البلدية.

كما قد يمكن أن يفسر حضور التشكيلات السياسية على المستوى المحلي انطلاقا من معطيات أخرى لا تتعلق بالبعد السياسي فقط ولكن:

  • لحل مشكلة ترتيب داخل القائمة البلدية أو الولائية بالنسبة لفرد أو مجموعة أفراد الذين لم يتم وضعهم في مقدمة بعض القوائم مما يزيد من فرص نجاحهم في الانتخابات، الأمر الذي يدفعهم إلى استحداث أو البحث عن صفة منتدب لحزب آخر في محاولة لطرح قوائم جديدة باسم أحزاب أخرى تستخدم أوراقها الرسمية كأداة للترشح.
  • كما قد تكون محاولة من أفراد تسعى تأكيد شعبيتها ومكانتها ووزنهم الانتخابي على المستوى المحلي أمام رفضهم للترتيب الذي فرض عليهم من طرف الحزب السياسي محليا.
  • كما قد يكون الطموح الشخصي لأفراد يدفعهم إلى البحث عن موقع لهم داخل الفضاء العمومي على المستوى المحلي كشخصية سياسية لها تأثيرها في محيطها القريب في انتظار الحضور في مجال آخر أوسع و هو المجال الوطني من خلال الترشح لعضوية مجلس الأمة على سبيل المثال.
  • كما قد يكون حلا لمشكلة لدى بعض الأفراد التي تسعى لإعادة صياغة مكانة لها داخل العرش أو الجماعة الأولية من خلال التموقع داخل المجلس البلدي على المستوى المحلي تحت قبة حزب معين.

هناك متغير آخر يساعدنا على تفسير حضور وتواجد التشكيلات السياسية محليا، يتعلق الأمر بعدد قوائم المترشحين في كل بلدية مقارنة بحجم الهيئة الناخبة فيها، فعندما نقارن بين عدد القوائم المقدمة في البلديات محل الدراسة نسجل الملاحظة التالية: كلما كان حجم الهيئة الناخبة صغيرا، كلما كان عدد قوائم المترشحين كبيرا والعكس صحيح، أي كلما كان حجم الهيئة الناخبة كبيرا، كلما قلّ عدد قوائم المترشحين المقدمة في البلدية.

ففي ولاية غليزان على سبيل المثال، نلاحظ في بلدية مثل الرمكة التي لا يزيد عدد هيئتها الناخبة عن 2928 ناخبا تواجد 08 قوائم لتشكيلات سياسية مختلفة، وفي بلدية بني درقن نسجل هذا العدد الكبير لقوائم المترشحين -أي 08 قوائم- بينما لا تزيد الهيئة ناخبة عن 5509 ناخبا. هاتان البلديتان لا تمثلان استثناء، بل نجد أنه في 29 بلدية لا تزيد هيئتها الناخبة عن 10000 ناخبا، عرفت 23 بلدية حضورا لعدد معتبر من قوائم الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية حيث لا يقل العدد عن 07 قوائم في كل بلدية، في حين أنه في بلدية غليزان مقر الولاية حيث تواجد أكبر هيئة ناخبة على مستوى الولاية نسجل عددا أقل من قوائم الأحزاب المشاركة حيث لا تزيد عددها عن 05 قوائم بلدية نفسها.

نسجّل في ولاية سيدي بلعباس الملاحظة نفسها، ففي بلدية مثل بلدية بلعربي التي لا يزيد تعدادهيئة ناخبة فيهاعن 5284 نسجل تواجد 07 قوائم لأحزاب سياسية، وتتكرر الملاحظة في بلديات أخرى مثل سيدي علي بوسيدي (5860 ناخبا) أو شتوان البلايلة (4203 ناخبا) حيث لا يقل عدد الأحزاب التي قدمت قوائم مترشحين عن 07 أحزاب، في حين أنه في بلدية سيدي بلعباس مقر الولاية حيث تسجل نسبة الهيئة الناخبة فيها ما يقارب 50% من عدد الهيئة الناخبة في كل الولاية لا يتجاوز عدد الأحزاب المشاركة بقوائم فيها الـ 07 قوائم بلدية.

و يسري المنطق نفسه على ولاية وهران أيضا، ففي بلدية مثل بلدية وهران مقر الولاية، بالحجم الذي تمثله هيئتها الناخبة لا على المستوى المحلي فقط بل على المستوى الوطني حيث يصل عدد هيئتها الناخبة إلى 493723 ناخبا، لم تعرف مشاركة أكثر من 05 قوائم لأحزاب سياسية، في حين نلاحظ في بلديات بحجم هيئة ناخبة أصغر بكثيرمن العدد أعلاه مشاركة عدد معتبر من قوائم المترشحين، فمثلا عرفت بلدية بطيوة مشاركة 10 أحزاب سياسية من أجل هيئة ناخبة لا يزيد عددها عن 12199 ناخبا، و ينطبق الأمر نفسه على بلدية المرسى الكبير التي عرفت حضور 09 تشكيلات سياسية من أجل هيئة ناخبة لا يزيد عددها عن 10300 ناخبا.

الجدول رقم 08: توزيع عدد القوائم الإنتاخبية حسب عدد البلديات

الولايات

من 2 إلى 3 قوائم حاضرة

من 4 إلى 6 قوائم حاضرة

أكثر من 7 قوائم حاضرة

مجموع البلديات

عدد بلديات ولاية غليزان

4

16

18

38

عدد بلديات ولاية سيدي بلعباس

8

39

5

52

عدد بلديات ولاية وهران

00

11

15

26

 

لا تفسر خطابات المنتخبين المحليين الأرقام المسجلة فيما يخص عدد القوائم الحزبية المشاركة بما أوردناه في الصنف الأول من الفرضيات المذكورة أعلاه والتي قلنا فيها بأنه ربما تكون كثرة وتعدد القوائم الانتخابية راجعة لتعدد الألوان الأيديولوجية أو البرامج الاجتماعية أو حضور التأطير السياسي على المستوى المحلي، بل اتجه التفسير نحو الصنف الثاني من الفرضيات التي تضع استراتيجيات الأفراد على المستوى المحلي في مركز التحليل حيث يصبح الحزب السياسي مستخدما استخداما أداتيا من طرف الفاعلين الاجتماعيين المحليين.

لقد أشارت جل خطابات المنتخبين[8] إلى أن تفسير التواجد المعتبر لقوائم الأحزاب على مستوى بلديات ذات حجم انتخابي صغير يعود أساسا إلى تلك الصراعات حول ترتيب المترشحين أثناء تشكيل القوائم البلدية والتي تعرفها الأحزاب المسماة كبيرة والمعروف عنها بالتواجد والتأطير التنظيمي وطنيا ومحليا، الأمر الذي يدفع بالمترشحين الغاضبين أو المغضوب عليهم من الحزب والذين أقصوا أثناء تشكيل القوائم إلى استخدام الاعتماد القانوني لحزب آخر منافس والترشح باسمه على المستوى المحلي.

تغيّر الخريطة السياسية المحلية: تنافس أحزاب سياسية أم حراك منتخبين

تعطي القراءة في التغير الذي طرأ على الخارطة السياسية المحلية (تراجع أو زوال كلي لعدد من المنتخبين من لون سياسي و بروز ممثلين من قوى سياسية أخرى)، الفرصة لتتبع تجليات الاستراتيجيات الانتخابية المنتهجة من طرف مختلف فاعلي الحقل الانتخابي المحلي (حزب سياسي، منتخب محلي، إدارة محلية)، سواء تعلّق الأمر بأحزاب متواجدة على المستوى المحلي قبل الاستدعاء الرسمي للهيئة الناخبة الوطنية أوالأحزاب التي تم جلب اعتماداتها الرسمية من طرف المنتخبين الطموحين للترشح.

 يلجأ هؤلاء لهذه الممارسة إذا لم يجدوا لأنفسهم مكانا ضمن قائمة الحزب الذي ينتمون إليه و المتواجد على مستوى البلدية أو إذا تم إقصاؤهم أو رفضهم، أو وضعوا في ترتيب غير مرض على القائمة النهائية. لقد كشفت دراسة التغير في الخريطة السياسية المحلية تغير في تواجد الأحزاب السياسية على مستوى المجالس المنتخبة، كما كشفت في الوقت ذاته أن هذا التغير غالبا ما كان نتاج وجود حراك للمنتخبين بين مختلف التشكيلات السياسية عشية الصياغة النهائية للقوائم الانتخابية.

أ.تغير الخريطة السياسية المحلية: قراءة في نتائج الانتخابات المحلية

نحاول من خلال قراءة أولية للمعطيات الإحصائية حول نتائج الانتخابات المحلية لسنتي 2002 و2007 في البلديات محل الدراسة أن نقدم تفسيرا لمعنى التغيير في الخارطة السياسية محليا و الذي يحدثه الفعل الانتخابي على مستوى فاعلي السلطة المحلية في فترتين انتخابيتين، حيث نسعى إلى الإجابة عن السؤال التالي: هل التغير في الخارطة السياسية محليا مرده بروز اختيارات أيديولوجية جديدة لدى المواطنين على المستوى المحلي و بروز القناعات إنتخابية أدت إلى تجلي القوى السياسية الجديدة محليا في البلدية أم أن التغيير لا يعدو كونه تغيير تسميات حزبية و ليس تغير أفراد (ظاهرة المنتخب الرحّال) ؟

تشير نتائج الانتخابات المحلية لانتخابات 2007 في الولايات الثلاث محل الدراسة إلى تواصل سلم التفاضل الذي أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في 17 مايو من العام نفسه. لقد أظهرت الإحصائيات فوز حزب جبهة التحرير الوطني بأغلب المجالس البلدية للولايات الثلاث[9]، بينما حافظ حزب التجمع الوطني الديمقراطي[10] على عدد من البلديات، في حين لم تستطع حركة مجتمع السلم أن تضيف جديدا إلى العدد المحدود من البلديات التي كانت تحت إشرافها سابقا حيث لم تزد عن بلديتين في الولايات محل الدراسة[11].

لكن أهم ما كشفت عنه هذه النتائج هو بروز حزب مثل الجبهة الوطنية الجزائرية بعدد معتبر من المقاعد وحتى الفوز برئاسة عدد من المجالس البلدية[12] فضلا عن تسجيل تصاعد حضور حزب العمال[13] محليا بعدد محسوس من المقاعد بل وبتسيير عدد من البلديات، كما أظهرت النتائج كذلك بروز أحزاب لم يسبق لها أن تواجدت في الولايات محل الدراسة في انتخابات ماضية مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية[14]، عهد 54 أو حركة الانفتاح. هذه الأحزاب استطاعت أن تحوز على أغلبية المقاعد في عدد من البلديات أغلبها نائية و لا يتعدى حجم هيئتها الناخبة الـ 5000، مثلما هو الحال في بلدية بلعربي بسيدي بلعباس حيث سجلنا فوز التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بعد أن كانت الأغلبية في 2002 من حزب الإصلاح ذي التوجه "الإسلامي".

بالنسبة للبلديات محل الدراسة تبدو مؤشرات التغير في الخريطة السياسية محليا انطلاقا من مقارنة نتائج 2007 بنتائج 2002 ذات دلالة، من ناحية محاولة تحليل تغير مستوى التواجد التمثيلي للأحزاب السياسية، وهو تغير يمكن أن يتأسس على اختيارات الناخبين من جهة، وشكل الممارسة السياسية على مستوى المحلي من جهة أخرى، و ذلك من خلال ما يمكن أن يفرزه ما لاحظناه من استخدام أداتي للأحزاب السياسية وتحوّلها إلى مجرد إطار قانوني للترشح والفوز بمقاعد.

فرغم استمرار الحضور الجلي للأحزاب المصنفة الكبرى وفوزها بعدد معتبر من البلديات، إلاّ أننا سجلنا كما أسلفنا بروزا لأحزاب مثل الجبهة الوطنية الجزائرية FNA، حزب العمال PT، الانفتاح و حضور تمثيلي لأحزاب أخرى ما كانت لتظهر في انتخابات سابقة سوى على مستوى منطقة خاصة وأنها توصم أيديولوجيا "بأحزاب الأقلية اللغوية والجهوية" مثل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية RCD.

بالنسبة للبلديات التي اختيرت موضوعا للملاحظة والدراسة في وهران أي بلديات وهران، السانيا وأرزيو فإننا نسجل فوز حزب جبهة التحرير الوطني في البلدية مقر الولاية كما هو الحال في انتخابات 2002، و اقتسم مقاعد المجلس الشعبي البلدي لأرزيو مع حركة مجتمع السلم بـ 04 مقاعد لكل منهما رغم أنه افتك رئاسة المجلس انطلاقا من تحالفات مع الأحزاب الفائزة، إلاّ أن ّهذا الحزب فقد الأغلبية التي كانت لديه في بلدية السانيا لصالح حزب التجمع الوطني الديمقراطي، كما نسجل من جهة أخرى، البروز الجلي لأحزاب مثل حزب العمال والجبهة الوطنية الجزائرية.

حاز حزب جبهة التحرير الوطني في الانتخابات البلدية على 13 مقعدًا في حين كانت عدد المقاعد المحصل عليها 16 مقعدًا سنة 2002، كما حاز حزب العمال على 06 مقاعد و هو الحزب الذي كان غائبا عن الانتخابات نفسها (2002)، بينما حافظت حركت تجمع السلم على العدد نفسه من المقاعد (5 مقاعد) و شهدت العملية الانتخابية بروز FNA بـ 5 مقاعد و ضمور حركة الاصلاح (0 مقعد بعدما كانت متواجد بـ 09 مقاعد في 2002).

الجدول رقم 09 : تغير الخارطة السياسية محليا بين الانتخابات المحلية 2002-2007

ولاية وهران

FLN

ISLAH

RND

HMS

FNA

PT

FFS

Nahda

المستقلون

بلدية وهران 2002

16

09

03

05

00

00

00

00

00

بلدية وهران 2007

13

00

04

05

05

06

00

00

00

بلدية السانيا 2002

06

04

03

02

00

00

00

00

00

بلدية السانيا 2007

04

00

06

01

02

00

02

00

00

بلدية أرزيو 2002

04

02

00

00

00

00

00

00

09

بلدية أرزيو 2007

04

00

02

04

01

00

02

02

00

 

بالنسبة للبلديات محل الدراسة في سيدي بلعباس يوضح الجدول التالي التغير الذي حدث بين العهدتين الانتخابيتين في كل من بلديات سيدي بلعباس، سفيزف و بلعربي، فقد سجلنا استمرار سيطرة حزب جبهة التحرير الوطني على البلدية مقر الولاية و حضور جلي للجبهة الوطنية الجزائرية FNA في البلدية الثانية من ناحية حجم الهيئة الناخبة أي سفيزف[15]، وفوز حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في بلدية بلعربي لأول مرة في تاريخ الانتخابات المحلية في ولاية سيدي بلعباس منذ أول انتخابات تعددية سنة 1990.

الجدول رقم 10:  تغير الخارطة السياسية محليا بين الانتخابات المحلية 2002-2007

 

ولاية سيدي بلعباس

FLN

HMS

 

RND

ISLAH

PT

FNA

 

AHD54

MNJA

RCD

UDL

 

بلديةسيدي بلعباس 2002

12

04

00

07

X

 

X

X

X

X

بلديةسيدي بلعباس 2007

10

02

04

x

03

04

X

X

X

X

بلدية سفيزف 2002

04

02

01

02

X

01

X

X

X

01

بلدية سفيزف 2007

03

01

02

X

02

03

X

X

X

X

بلدية بلعربي 2002

02

01

01

02

X

01

01

01

X

X

بلدية بلعربي 2007

02

X

01

01

0

01

X

X

02

X

 

وفيما يتعلق بالبلديات محل التحقيق الميداني بولاية غليزان، يبيّن الجدول التالي تغير الخريطة السياسية محليا بين فترتي الانتخابات المحلية ويشير إلى الملاحظات التي تمت الإشارة إليها سابقا خاصة ما يتعلق منها ببقاء البلديات مقر الولاية موضع تحكّم من طرف حزب جبهة التحرير الوطني لكن بعدد أقل من المقاعد مقارنة بانتخابات 2002، كما سجلنا بروز حزب الجبهة الوطنية الجزائرية وظهور حزب مثل الـ RCD في بلدية صغيرة من ناحية حجم الهيئة الناخبة مثل بني درغن.  

الجدول رقم11:  تغير الخارطة السياسية محليا بين الانتخابات المحلية 2002-2007

ولاية غليزان

FLN

RND

HMS

FNA

PT

RCD

PRA

INFITAH

El adl

بلدية غليزان 2002

10

02

06

-

-

-

-

-

05

بلدية غليزان 2007

07

05

03

05

03

-

-

-

-

بلدية بني درغن 2002

03

01

02

-

-

-

02

-

-

بلدية بني درغن 2007

04

01

02

01

-

02

 

-

-

بلدية الرمكة 2002

02

03

-

01

-

-

01

-

-

بلدية الرمكة 2007

01

02

-

03

-

-

-

01

-

 

لكن ما ينبغي أن نقف عنده ونحن بصدد الحديث عن تغير خريطة الأحزاب السياسية من ناحية التواجد والمشاركة والتمثيل في المجلس البلدي بل وميلاد أحزاب جديدة في البلديات الصغيرة النائية منها خاصة، و محاولة فهم طبيعة هذا التغير يتطلب طرح السؤال التالي: هل يتعلق الأمر بتغير مواقف واتجاهات الناخبين من برامج وخطابات أيديولوجية للأحزاب أم أنه يتعلق بحراك مترشحين أو منتخبين سابقين من حزب لم يجدوا مكانة للترشح مع الحزب نفسه في إنتخابات 29 نوفمبر 2007 مما دفع بهم إلى البحث عن غطاء قانوني أخر للترشح (حزب آخر) تم استخدام اعتماده القانوني بشكل أداتي كوسيلة لدخول الانتخابات[16]؟

  • جذور الحراك لدى المنتخبين

كشف فريق البحث ميدانيا عما تـحدثت عنه الصحافة و المتمثل في الحراك دائم لدى المنتخبين والتنقل المستمر بين الأحزاب عشية كل موعد أنتخابي، و هذه الظاهرة لم تسلم من إنقادات بعض القيادات الحزبية التي أتهمت أحزابا بعينها بفتح الأبواب على مصراعيها "للمنتخبين المتجولين" الذين يجسدون حسبها صورة لإنتهازية الإنتخابية، ولكن فوق هذه الانتقادات التي تندرج ضمن التنافس الإنتخابي بين الأحزاب نفترض أن هناك واقع موضوعي يؤدي إلى وجود مثل هذه الممارسات.

نقترح في هذا المسعى قراءة في المعطيات التي تم تحصيلها من خلال العمل المباشر مع المنتخبين و الذي سيسمح في رأينا بتوضيح الأسباب الكامنة وراء هذه التنقلات للمنتخبين و التي تغيّر باستمرار وجه الخريطة السياسية المحلية غداة كل استحقاق انتخابي أحينا دونما إحداث تغيير في الأوجة أحيان أخرى.

لا نعلم في حقيقة الأمر إن كان هذا التغير في الخريطة السياسية المحلية هو نتيجة للتنافس السياسي الذي خاضته التشكيلات السياسية عن طريق الحملات الانتخابية مستعملة في ذلك التميز في خطابها السياسي و العرض المقنع لبرامجها، أم هذا التغير حدث نتيجة "كاريزما" الأفراد و أخذت بذلك شعبية المرشحين الصدارة في العملية عوض الحزب السياسي محليا، بمعنى آخرهل نحن أمام تنافس الأحزاب و البرامج السياسية؟ أم نحن أمام تنافس لأفراد يستثمرون شعبيتهم في المواسم السياسية، هذه الشعبية التي تشكلت في حقول أخرى غير الخبرة السياسية و القدرة على التسيير ؟

لئن كنا نهتم بهذه المسألة، فذلك يعود إلى كثافة التنقلات الملاحظة على عينة الدراسة، حيث من بين التسعة و الثلاثين منتخبا تم استجوابهم، هناك ثمانية عشرة منهم غيّروا ألوانهم السياسية، والجدول التالي يوضح هذه التنقلات:

جدول رقم 12 : يوضح انتقالات الحزبية للمنتخبين المحليين

 

بلدية الرمكة

الحزب الثالث

الحزب الثاني

الحزب الأول

مهام المنتخب

الجبهة الوطنية الجزائرية

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب جبهة التحرير الوطني

رئيس مجلس شعبي بلدي

 

الانفتاح

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

بلدية غليزان

 

الجبهة الوطنية الجزائرية

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

 

حزب العمال

حزب التجديد الجزائري

عضو

بلدية بني درقن

 

التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

عضو

 

حزب جبهة التحرير الوطني

حزب التجديد الجزائري

عضو

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب التجديد الجزائري

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

عضو

بلدية بلعربي

 

الجبهة الوطنية الجزائرية

حزب جبهة التحرير الوطني

نائب رئيس

 

التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية

الجبهة الوطنية الجزائرية

رئيس مجلس شعبي بلدي

التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب جبهة التحرير الوطني

نائب رئيس

حزب جبهة التحرير الوطني

عهد 54

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

بلدية سفيزيف

 

حزب العمال

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

نائب رئيس

 

الجبهة الوطنية الجزائرية

التجمع الجزائري

عضو

             

 

بلدية سيدي بلعباس

حزب جبهة التحرير الوطني

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

 

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

بلدية تلاغ

 

حماس

الجبهة الإسلامية للإنقاذ(المحلة)

عضو

بلدية السانية

 

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

حزب جبهة التحرير الوطني

نائب رئيس

 

الجبهة الوطنية الجزائرية

حزب جبهة التحرير الوطني

عضو

بعض أسباب تغيير المرشح للحزب قبيل الانتخابات

تسمح لنا دراسة المسارات السياسية للمنتخبين مثلما يعكسها الجدول أعلاه، بالوقوف على تنقلات المترشحين، إذ من بين تسعة و ثلاثين منتخب هناك ثمانية عشر غيروا الألوان السياسية، تأتي هذه التغييرات بشكل مكثف قبيل الاستحقاقات الانتخابية، فهذه التحركات ليست خاصة بانتخابات 2007، و لكن أصبحت ممارسة مجسدة في الممارسة الإنتخابية منذ بروز ظاهرة الإنقسامات السياسية للأحزاب و ظهور موجات الحركات التصحيحية التي لا ترى ضرورة للتصحيح إلا عند بداية المواسم الإنتاخبية أو الإنتهاء منها.

يدفعنا هذا إلى البحث في أسباب هذه التحركات و ننطلق من فكرة - حتى و إن بدت ساذجة بعض الشيء- مفادها أن النضال السياسي يرتبط بشكل وثيق بالالتزام الايديولوجي للمرشح، و إخلال أحد الطرفين سواء الحزب أو المناضل بهذا الالتزام يؤدي إلى فض العلاقة بين الطرفين. بإمكاننا أن نختبر هذه الفرضية انطلاقا من قراءة في تصريحات المنتخبين. يكشف التصريح التالي لأحد المنتخبين الذي غير القبعة السياسية أن ذلك لم يكن سوى لرفض ترشحه في قائمة الحزب نفسه بمناسبة الإنتخابات المحلية لـ 29 نوفمبر 2007، و مثل هذه التصريحات بإمكانها أن تكشف لنا أشكال التفاوض، مدى الإنظباط التنظيمي محليا بالنسبة لجميع الأحزاب السياسية سواء صنفتها الكتابات الصحفية في خانة الأحزاب الكبيرة أو في خانة لأحزاب الصغيرة. التصريح التالي لأحد المنتخبين من بلدية السانيا يعطي صورة عن أسباب تغيير التشكيلة السياسية.

 "بما أن حزب جبهة التحرير الوطني رفض ترشيحي وفضل آخرين عني، قدمت استقالتي من الحزب، و استجبت لطلب قدم لي من قبل الجبهة الوطنية الجزائرية، اقترحوا علي رأس القائمة أو المرتبة الثانية، و لكن كان هناك رئيس بلدية سابق وضعوه على رأس القائمة و وضعت أنا في المرتبة الثانية"(وهران، السانية، 42 سنة).

تبين لنا هذه الحالة أن سبب الانتقال ليس نزاعا ايديولوجيا أو نزاع مواقف، وإنما الأمر يتعلق بفشل المفاوضات بين المرشح و الحزب محليا، و ليست هذه حالة معزولة، فخطابات المبحوثين الذي غيّروا إنتماءات الحزبية عشية إعداد القوائم الإنتخابية تثير الأسباب نفسها. التصريح التالي لأحد المنتخبين المحليين من غليزان يكشف عن المسار نفسه:

" أنا مقاول و لم أتحصل على أي مشروع خلال عهدتي الأولى كعضو ممثل لحزب التجديد الجزائري خلال العهدة 2002-2007، والآن أنا عضو ممثل لحزب التجمع الوطني الديمقراطي"(غليزان، بني درقن، 45 سنة).

ترك العضو المعني في أول مرة التجمع الوطني الديمقراطي لسبب رفض أعضاء المكتب البلدي منحه فرصة الترشح خلال انتخابات 2002، ترشح بإسم حزب التجديد الجزائري و فاز بمقعد ضمن مجلسه المنتخب ، و قبل انتخابات 2007 علم بأن حزب التجديد الجزائري لن يدخل لانتخابات المحلية 2007 لذا باشر "عملية تصحيحية" في البلدية مقر الترشح أفضت إلى طرد أعضاء سابقين من حزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد أن جمع مائتي توقيع كوعود إنتخاب لصالحه إذا تقدم كمرشح.

تكاد تكون النزاعات على تصدر القوائم الإنتخابية و على الترتيب ضمنها و / أو إعادة الترشح لعهدة أخرى من بين الأسباب التي تتحكم في ظاهرة الترحال السياسي محليا، كما تكاد تكون الأسباب نفسها هي التي تتحكم في عملية إنقسام القوائم الحزبية في البلديات غير البلديات مقر الولايات المبحوثة التي شهدت عددا مرتفعا للقوائم الإنتخابية مقارنة مع البلدية مقر الولاية رغم قلة هيئتها الإنتخابية. سلسلة التصريحات التالية تعطي لنا صورة حول خطابات المنتخبين الذي غيّروا إطار الترشح من حزب إلى أخر.

 " تركت أنا و أربعة من زملائي حزب جبهة التحرير الوطني بعد أن رفض هذا الأخير ترشحنا، بينما اقترحت علينا الجبهة الوطنية الجزائرية المراتب الأولى عل القائمة الانتخابية" (الجبهة الوطنية الجزائرية، غليزان، 44 سنة).

و يقول آخر في هذا الشأن:

" تقدمت تحت ألوان التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية بعد أن رفض كلا من حزب جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي و حماس ترشحي" (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، بني درقن، 55 سنة).

خلاصة

جسدت الانتخابات المحلية التي جرت في نوفمبر 2007 ظاهرة ترحال المنتخبين بين مختلف التشكيلات السياسية محليا بحيث لم نعد أمام نموذج واحد من المنتخبين المحلين و من المترشحين، فالإضافة للمنتخب المناضل على المستوى المحلي الذي بدأ عدده يتقلص تدريجيا مع تراكم الاستحقاقات الانتخابية، اكتسح المحلي نموذج أخر- كي لا نقول جديدا – غايته الترشح في القائمة التي تضمن أكبر حظوظ للفوز بغض النظر عن الخطاب السياسي للحزب، بغض النظر عن إيديولوجيته و بغض النظر عن الالتزامات النضالية السابقة، منتخب يحسن التفاوض مع العناصر الفاعلة في المجتمع المحلي سواء كانت أعوان الإدارة العمومية بكل أطيافها الأمنية والمدنية، فاعلي الحقل الاقتصادي (المقاولون) و فاعلي الحقل الثقافي (الزوايا والجمعيات الوطنية و المحلية).

يتفتت الخطاب الأيديولوجي و السياسي للحزب السياسي محليا ليصبح هذا الأخير لعبة في يد "المحلي" تتحكم فيه الرهانات الفردية و جماعاتية بعيدا عن دور التنظيمي الذي يجب أن يلعبه الحزب محليا، و إذا كانت حالة عدم الإنضباط التنظيمي داخل الحزب مطروحة على مستوى القمة الهرمية له، فإن الحالة نفسها تكاد تكون صورة الشائعة للحزب السياسي محليا.

 الهوامش

[1] لقد واجهتنا عراقيل أثناء عملية جمع المعطيات من مديريات التنظيم و الشؤون العامة لذا عوضنا ما اعتبرناه غير تام من المعطيات المقدمة لنا من طرف هذه الهيئة بمحاضر الفرز الموقعة رسميا و الموجودة على مستوى أرشيف بعض الأحزاب السياسية في بعض البلديات محل الدراسة.

[2] لم تشارك الأحزاب فنسها في بلديات الولايات محل الدراسة، فقد لمسنا تواجدا للبعض في كل بلديات الولايات ميدان الدراسة، كما شهدنا على تواجد انتقائي لبعض الأحزاب السياسية في بعض البلديات. يمثل نطاق تغطية البلديات من طرف الأحزاب السياسية محليا حدثا يتطلب تتبع مسار تواجده و استراتجياته على اختلاف البلديات و الولايات.

[3] أنظر في الملحق جدول رقم 01 حول المنتخَبين الذين تم معهم التحقيق الميداني في بلديات الولايات الثلاث في شهر فيفري 2008.

[4] لم نقدر على الحصول على القائمة التي تمكننا من معرفة سن، نوع و مكان السكن بالنسبة للذين لم يشاركوا في الانتخابات المحلية، و نعتقد أن هذا النوع المعطيات الكمية كفيل بتوضيح الرؤية حول من هم الذين لا يشاركون في الانتخابات و الإجابة عن هذا السؤال بإمكانها أن تحدد الملامح الكبرى للمشاركين و غير المشاركين بغية القيام بالعديد من التحقيقات ذات المقاربة الكمية.

[5] حالة الانتخابات المحلية في غرداية تمثل حالة مهمة للدراسة لأنها تقدم لنا قوائم انتخابية جماعاتية، ليست عروشية (بعض النتائج الأولية لمشروع البحث : غرداية رهانات الجماعاتي و المجمعي)، مركز البحث فقي الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية.

[6] كشفت لنا الدراسة التي نحن بصدد القيام بها ضمن مشروع البحث المعنون "غرداية، رهانات الجماعاتي والمجتمعي" المسجل ضمن بحوث المركز الوطني للبحث في الأنثبولوجيا الاجتماعية أن الإنتخابات المحلية والبرلمانية لسنتي 2007 و 2012 خاضعة للمنطق الجماعاتي و لجل الإتفاقات التي تحكم الجماعة الإباضية في ولاية غرداية في العموم. ضمن هذه الحالة لسنا أمام ما قد يمكن أن يسمى إنتخابات عروشية بل جماعاتية. نتائج هذه الدراسة ستكون موضوع للنشر مستقبلا.

[7] تنص المادة 82 من قانون الانتخابات على: فضلا عن الشروط الأخرى التي يقتضيها القانون، يجب أن تكون القائمة المشار إليها في المادة 81 من هذا القانون مقبولة صراحة من حزب أو عدة أحزاب سياسية، إما من الأحزاب السياسية، التي تحصلت خلال احد الانتخابات التشريعية الثلاثة الأخيرة على أكثر من 4 بالمائة من الأصوات المعبر عنها موزعة على خمسين في المائة زائد واحد، من عدد الولايات على الأقل، دون أن يقل هذا العدد عن 2000 صوت معبر عنها في كل ولاية. وإما من الأحزاب السياسية، التي تتوفر على 600 منتخب على الأقل في مجالس شعبية بلدية و ولائية ووطنية موزعين على 50 بالمائة زائد واحد من عدد الولايات على الأقل، دون أن يقل هذا العدد عن 20 منتخبا في كل ولاية. وعندما تقدم القائمة بعنوان قائمة حرة، يجب أن تحصل على 3 بالمائة من توقيعات الناخبين المسجلين في الدائرة الانتخابية في الولاية، يجب أن تكون التوقيعات موزعة على 50 بالمائة زائد واحد من عدد البلديات على ألا يقل عدد التوقيعات في كل بلدية عن 3 بالمائة من عدد الناخبين المسجلين في البلدية.

و تنص المادة 109، على أنه تقدم كل قائمة مترشحين إما تحت رعاية حزب سياسي أوأكثر، وإما كقائمة مترشحين أحرارا. عندما تقدم القائمة الخاصة بالمترشحين الأحرار، يجب أن يدعمها على الأقل أربعمائة (400) توقيع من ناخبي الدائرة الانتخابية المعنية، فيما يخص كل مقعد مطلوب شغله.

[8] من أمثلة خطابات المنتخبين حول هذا الموضوع ما جاء في تصريح لمنتخب من بلدية الرمكة بغليزان عن حزب الانفتاح (وقد صرح أنه كان مناضلا في حزب جبهة التحرير الوطني غداة الانتخابات المحلية) قوله: " صحيح أن 08 قوائم كثير بالنسبة إلى بلدية صغيرة لكننا وجدنا صعوبة في تقديم الشباب وفرضهم في مقدمة الترتيب داخل قوائم حزب جبهة التحرير الوطني الأمر الذي دفعنا إلى الاستعانة بحزب الانفتاح من أجل تجسيد طموحنا.." (27 سنة، ولاية غليزان).

وجاء في تصريح آخر لمنتخب من بلدية بلعربي بولاية سيدي بلعباس قوله: " فيما يتعلق بي، كنت مناضلا في الأفانا (الجبهة الوطنية الجزائرية) منذ أربع سنوات وعندما اقترحت نفسي على رأس قائمة الحزب بالبلدية بدأت المشاكل وبدا رفض مسؤولي الحزب على مستوى الولاية فخرجت من الحزب واتجهت نحو أحزاب أخرى كان آخرها الأرسيدي (حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) فترشحت من خلاله على رأس القائمة" (39 سنة، ولاية سيدي بلعباس)

[9] على سبيل المثال، حاز هذا الحزب في ولاية سيدي بلعباس على أغلبية المقاعد في 26 بلدية من مجموع 52 حيث فقد 03 بلديات مقارنة بنتائج 2002، وفي ولاية غليزان حازا الحزب على الأغلبية في 16بلدية.

[10] فاز هذا الحزب على سبيل المثال في ولاية سيدي بلعباس بالأغلبية في 12 بلدية وفي ولاية غليزان حاز على الأغلبية في 09 بلديات.

[11] تقدم هذا الحزب على سبيل المثال بأغلبية المقاعد في بلديتين بولاية سيدي بلعباس.

[12] على سبيل المثال استطاع هذا الحزب الفوز بأغلبية المقاعد في 05 بلديات في سيدي بلعباس كما حاز على 82 مقعدا متفرقا بين بلديات شتى. وفي ولاية غليزان فاز بأغلبية المقاعد في 06 بلديات كما حاز علة 62 مقعدا في مختلف المجالس البلدية الأخرى.

[13] حاز هذا الحزب على سبيل المثال على أغلبية المقاعد في 04 بلديات في سيدي بلعباس وعلى 32 مقعدا متفرقا بين مختلف المجالس البلدية، كما فاز في بلديتين بغليزان وبعدد مقاعد يصل إلى 34 مقعدا في بلديات أخرى.

[14]حاز هذا الحزب على سبيل المثال على أغلبية المقاعد في بلديتين في سيدي بلعباس وعلى 08 مقاعد متفرقة بين مختلف المجالس البلدية في غليزان.

[15] في الفترة التي أجري فيها تحقيقنا لم يكن ليفصل بعد في الحزب الفائز بالبلدية بحكم تساوي عدد المقاعد بين الFNA و الFLN بثلاثة لكل منها مما أدى إلى انسداد المجلس في انتظار تحالفات بين الأحزاب الفائزة.

[16] من الحالات التي يمكن أن تدرج في هذا السياق كمثال تغير الخريطة السياسية المحلية في بلدية مثل بلعربي عندما انتقلت رئاسة المجلس البلدي فيها من حزب الإصلاح " الإسلامي" في 2002 إلى حزب الRCD في 2007 هل يفهم منه تغير إرادة وموقف الناخب في هذه البلدية من أيديولوجية "دينية "إلى أخرى "علمانية أو جهوية" أم أن الأمر يتعلق بحراك أفراد من حزب لآخر استخدم فيه الحزب كأداة للترشح ؟