Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمة

إن تأخر ظهور أنثروبولوجيا المواطنة[1] مرده إلى أن الفلسفة الغربية المرتبطة بعصر الأنوار أحدثت فصلا بين المجتمع الطبيعي (الحالة الطبيعية) وبين المجتمع المدني (الحالة السياسية). وكان لا بد حينها من اعتبار الحالة السياسية وضعا جوهريا وأساسيا، حتى بالنسبة للمراحل الأولى من عمر البشرية. ويتفق الباحثون على أن الأنثروبولوجيا السياسية " ترجع إلى ماين[2] Maine 1861 ومورغن Morgan 1877 [...] إن فكر ماين يدور حول نقد فلسفة الأنوار، وخاصة الخطاب الثاني لـ روسو، وإدانة ما يعتبره البناء المبالغ فيه للتاريخ الإنساني [...] مُبرهنا على أن التنظيم السياسي (الحالة المدنية) هو معطى جوهري في العصور القديمة على خلاف الفلاسفة"[3]. إن هذه الرؤية الجديدة جعلت الأنثروبولوجيا تأخذ منحا "غيريا"، متجاوزة "النظرة الغرائبية"[4] التي تشكل عائقا ابستملوجيا.

كما يلاحظ أيضا تأخر العلوم السياسية في دراسة الأحزاب السياسية، فقد لاحظ بيار أفريل مدى "التأخر في إدراج الأحزاب ضمن الدراسات المتعلقة بنظم الحكم"[5] إلى أن نشر موريس دوفرجيه كتابه الموسوم "الأحزاب السياسية"[6]، الشيء الذي مكّن من دمج الأحزاب في دراسة النظم السياسية. ومن ثم اعتبرت الأحزاب أكثر أهمية من الدستور ذاته، لأن عددها، تآلفها وتوجهاتها، له تأثير لا يستهان به في الحياة السياسية[7]. ويتبين أن نشاط الحزب يبدأ من الفضاء العمومي، تحت غطاء شرعية نشاط الحركات "الجمعوية"، والتي يكون هدفها متصل بإحداث التغيير الاجتماعي، لا التمركز أو أخد السلطة مثلما هو شأن الحزب[8]. إن الحزب ليس مهيئا لأجل إنتاج خطاب حول المواطنة، بقدر ما هو مهيأ لاختزال السياسي والهيمنة على المجتمع المدني وعلى الدولة. 

ولكن الحزب لا يولد حزبا، إنه نتاج صيرورة من العمل الطويل، حيث "يظهر فضاء الحزب عندما يصبح المجتمع مسيسا، أي عندما يستيقظ مجمل الشعب للسياسة"[9]. وفي ظل الديمقراطية يعمل المواطنون على إنشاء الأحزاب التي تناضل من أجل الدفاع عن حقوق المواطن، وضمان آلية التداول على السلطة بطريقة تنافسية تحصل من خلالها على أصوات المواطنين المؤمنين بمبادئها. ومنه، فإن "الفرضية المقدمة حول أن فهم مفهوم الحزب صعب جدا، تعود إلى أن ذلك يمر من خلال دراسة الفعل السياسي السابق الخاص بالحركة/الرابطة. إن الحزب ليس مناقضا ببساطة للحركة، ولكنه يتابع مسارها إلى الحد الذي تصير فيه الحركة حاضرة بشكل كموني في الحزب"[10]. والأحزاب تطور مع الزمن داخل مؤسساتها وهياكلها موقفا معارضا للديمقراطية، وذلك حتى بالنسبة للأحزاب ذات البرامج الديمقراطية القصوى[11]، حيث أن "دمقرطة" الأحزاب مهمة صعبة[12]. وقد تبين أن "الحكم المباشر للجماهير يفقد أرضيته لصالح سلطة المجالس. وتظهر هكذا الحاجة إلى تعويض القادة الظرفيين بالقادة المحترفين"[13].

حول مفهوم المواطنة ورهاناتها: تتجلى المشاركة الجماعية في شؤون المدينة عبر التاريخ من خلال "الأغورا اليونانية، اللجان القروية التقليدية الأمريكية، مجالس العمال، النوادي والصالونات في القرن 18م"[14]. والمواطنة في نظر متيو جياني هي "الإجابة عن سؤال من أنا؟ وماذا يجب علي أن أفعل؟ عندما يتم طرحهما في الفضاء العمومي"[15]. ويمكن اعتبار المواطنة مجموعة من الضوابط المتعلقة بالفضاء العمومي المشترك، وهي تتجلى في أربعة مستويات: الانتماء (الهوية)، الحقوق، الواجبات (المعايير والقيم)، والمشاركة في الفضاء العام (المؤسسات). وإذا كان "التفاوض" وسيلة لتجاوز الخلافات، فإنه في مجتمع ديمقراطي لا يمكن التفاوض على المواطنة ذاتها باعتبارها وضعا قانونيا، والتي تصير بسبب ذلك "هوية سياسية" تتجلى من خلال "وطنية الدستور".[16]

بدأت المؤسسات اليوم تتغير وتتطور، في اتجاه تَحوٌلها إلى "هياكل - خدمات"، بدل بقائها مجرد مؤسسات منتجة أو عاكسة للهوية[17]. إن هذا التغير الذي لحق وظيفة المؤسسات ناتج عن الحداثة، حيث لا يتعلق الأمر بالنسبة للمؤسسة بالتفاوض ومناقشة مضمون "الحياة الجيدة"، وإنما تصبح مسيرة ومديرة للشأن السياسي، وهي الضامن المحايد أمام جميع الفئات الاجتماعية، حيث تٌعامل الناس بغَض النظر عن دينهم وعرقهم. والطابع الإجرائي لهاته المؤسسات يسهم في جعلها قابلة لأن تَتَفاوض وتفاوض. 

وإذا كانت المجتمعات الليبرالية اليوم تعتبر أن القانوني والتشريعي الوسيلة المفضلة للضبط الاجتماعي وليس فضاء المواطنة، فإن ذلك راجع إلى اعتقادها أن المراقبة الجذرية للسياسي عن طريق المبادئ التشريعية والدستورية (ضمان الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين)، تقضي على القضايا المطروحة في النقاش السياسي، والتي تكون مصدر الصراع. إن في ذلك دعوة صريحة من أجل نزع السياسة عن السياسي[18]. ولكن هذا لا يصلح إلا في مجتمع التعددية، الذي تكون فيه الحركية قائمة على تفاعل الأشخاص الحاملين لتصورات معقولة حول "الحياة الجيدة"، والقابلة افتراضيا للتفاوض[19]. وهذا النموذج يفشل في مجتمع متعدد الثقافات يعرف صراعات حادة حول الهوية والثقافة، إذ الحل في مثل هذا الوضع هو "إعادة تسييس السياسي"، لأنه في سياق اجتماعي متأثر بالصراعات الهوياتية والثقافية يصير من غير المجدي فرض "مضمون مواطنة" غير قابل للتفاوض، وذلك حتى يتمكن المجتمع من إعادة تحديد معنى "الانتماء الجماعي"، تحقيقا لوحدة معقدة.

وإذا كانت المجتمعات الغربية قد حققت "التوافق"، فإن المجتمعات غير الغربية تبقى في نظر بادي "ممزقة بين منطق التكيف ومنطق التجديد، فالمنطق الأول معروف بأنه واقعي وعقلاني على المدى القصير. أما المنطق الثاني فينخرط فكريا في المدى البعيد الناضج فكريا".[20] إن المجتمعات التقليدية (الكمونية، الطائفية...) تتميز بسيادة الولاءات المحلية وفاء للهويات الخاصة، ويمكن أن نضيف فيما يخص الثقافة الإسلامية أنها " تتحدد بالنظر إلى الكوني المنخرط في الوحي، وهي تتجه نحو التصدير بدل الاستيراد "[21]. ولكن تأسيس الدولة الوطنية الحديثة يشترط زوال الولاءات الخاصة، فالسياق العالمي الجديد يضعنا أمام معطى "الانتماء المواطني العام"[22]، الذي يسهل عمل السلطة الإدارية. ومنه، فإن "الدولة هي الشكل الوحيد من الحكومات التي ترفض كل هوية ذات خصوصية"[23]، بالاتجاه نحو لا تسييس المجتمع أو لا تسييس الفضاء العمومي، لأن "الفضاء العمومي فيه ديناميكية، واختراع الدولة نابع من قدرتها على تخليص المجتمع من السياسة وبنائه خارجها، في فضاء خاص"[24].

وما كان ينقص المسلمين لاستكمال الشروط المحققة للمواطنة هو ما تعلق بالمشاركة في "الفضاء العمومي" الذي يسمح بـ "التفاوض" حول القواعد التنظيمية للحياة المشتركة[25]. وذلك أن السياق التاريخي للمسلمين آنذاك حدد نمطا معينا من إدارة شؤون "المدينة"، حيث كانت "الأخوة"[26] من الأحاسيس الإنسانية الداعمة للوحدة والانتماء.

وعندما بدأت الفتوحات بالتراجع، ظهر غزو مضاد ومعاد من خلال تعاقب عدد من المستعمرين، والذي كانت له آثار بالغة، متعلقة بنقل المجتمع من وضعية اجتماعية، اقتصادية وسياسية "بدائية" إلى مستوى حداثي وتحديثي يتوافق مع مستوى المستعمر وتوجهاته، "فكما في كل البلدان المحتلة، فإن الاستعمار هو الذي يقوم بالعمل الثوري الذي لا يستطيع المجتمع القيام به "[27].

إن قوانين 14 جويلية 1865 المعروفة بـ: Sénatus-consulte ، قد وضعت "الأهالي" خارج مشروع المواطنة الفرنسية. وهذه الوضعية تعتبر في نظر كثير من دارسي القانون "بشاعة قانونية"[28]، إذ كان هدف السلطات العسكرية مقتصرا على إخضاع الجزائريين لرقابة وتنظيم القوانين المدنية والسياسية الفرنسية[29]. وقد "حاولت الدولة الاستعمارية تهميش اللغة العربية من أجل القضاء على كل محاولة لتسييس الإسلام"[30]، التسييس الذي قد يؤدي إلى خلق المقاومات وتأجيجها، بدافع صد الكافر. لقد مس التدخل الاستعماري الملكية الفردية، ومس أيضا الجنسية وشرعية الانتماء إلى البيئة الأصلية:

إذ، و"من أجل التحكم في المجتمع الجزائري ومن أجل الحد من اندماجه/تفاهمه الاجتماعي التقليدي، فإن المستعمر نفد فعليين إداريين: أولهما الإقرار بالملكية الفردية للأرض والذي لا يتوافق مع تقليد الترحال الخاص بالجزائريين [...] أما القرار الثاني فيتعلق بمرسوم كريميو لـ 24 أكتوبر 1870، والذي منح 35000 يهودي الجنسية الفرنسية، ما أدى إلى انقسام اجتماعي بين الجزائريين المسلمين واليهود، في حين أن هؤلاء كانوا يعتبرون جزءا من المنظومة الاجتماعية الأصيلة "[31].

وجاءت قوانين سنة 1919 لتصحح الوضع جزئيا، باعترافها بالحقوق السياسية لـ "الأهالي"، لتؤكد المعنى العالمي للمواطنة ولتقرب بين السياق الجزائري وسياق الحاضرة الفرنسية. فلم تشترط تخلي "الأهالي" عن وضعهم الخاص المتمثل في الإسلام. وهذا مكن الجزائريين في البداية من تأسيس الجمعيات، الرابطات والحركات المدافعة عن حقوقهم في بعدها الهوياتي. إن اللائكية وفق الدستور الفرنسي تعني:

 "تساوي جميع المعتقدات أمام القانون [...] إلا أن عددا من القرارات المتخذة ما بين 1830 و1851 جسدت سيطرة الدولة على الإسلام الجزائري من أجل وضع قطيعة بين السلطة العثمانية وتعاقب الدولة الفرنسية. إن المساجد الأساسية وكذا الحبوس، قد تم إدماجها في ممتلكات الدولة [...] كما قام  قرار 30 أفريل 1851 الوزاري، المتبوع بعدد من مناشير الحكومة العامة للجزائر بتصنيف أشخاص وأماكن العبادة الإسلامية من أجل عقلنة مراقبتها وتمويلها"[32].

إن هذه الإجراءات لا تتوافق مع مبدأ فصل الدين عن الدولة، وكذا مبدأ حرية المعتقد وتساوي جميع المعتقدات، ذلك أن " قانون 1905 في جانبه الجيو- سياسي لم يطبق في المستعمرات الإفريقية، فقد تم تطبيقه في الجزائر كمبدأ ولكن ليس كممارسة، حيث أن اللائكية اصطدمت بالضرورة الاستعمارية الخاصة بمراقبة الدولة للمعتقد الإسلامي، هاته الحالة الاستثنائية مبررة بأن الشعوب المعنية ليس لها تجربة فيما يخص اللائكية "[33]. ورغم ذلك فإن، "المؤرخين الفرنسيين قد تغاضوا عن تطوير الاستعمار للا-مساواة وللفوارق خلال قرن من الزمن تجسيدا لواقع الهيمنة، واكتفوا بذكر محاسنه "[34]. وقد أدى ذلك إلى انتقال الجزائريين من النضال العسكري أو ما يعرف بالمقاومات إلى النضال السياسي.

في هاته الأثناء إذا، كان" الجزائريون يواجهون الاستعمار بواسطة حب الوطن Le patriotisme وكانوا يواجهون النزعة الاستـعمارية بالوطنية  Le nationalisme"[35]. وإذا كانت بوادر المقاومة قد ظهرت في الريف بقيادة الفلاحين و "رجال الدين"، فإن ذلك راجع إلى أن" الفلاحين هم الذين عانوا أكثر من غيرهم من الاستعمار الذي سلبهم أراضيهم"[36]. وبعد ذلك انتقلت المقاومة إلى المدينة، حيث تجسدت في فئة العمال والشخصيات الوطنية "العلمانية". والمدينة أيضا فضاء خصب لظهور الجمعيات، النقابات والأحزاب السياسية التي تعتبر أساس الحركة الوطنية الجزائرية. وقد تلاقى أخيرا الطرفان محققين "الوحدة الوطنية". يقول عبد الكريم بزاز: "بدأت المقاومة من الريف ثم انتقلت إلى المدينة ومنها عادت إلى الريف الذي لم يعد كما كان في بدأ الاستعمار بفعل التحديث - أي المكننة، تقسيم العمل، التركيز على زراعة الكروم - الذي أحدثه الاستعمار في الأرياف"[37].

 وقد تم لاحقا "إعلان الحرب ضد فرنسا من أجل تأسيس الدولة الجزائرية، حيث أن الهدف الرئيسي كان الاستقلال الوطني بواسطة: تأسيس الدولة الجزائرية ذات السيادة الديمقراطية والاشتراكية، القائمة على المبادئ الإسلامية واحترام كل الحريات الأساسية بدون تمييز بين الأعراق والأديان. أما الأهداف الداخلية فكانت تتمثل في إعادة الحركة الوطنية الثورية في مسارها الصحيح بالقضاء على الرشوة والنزعة الإصلاحية التي تمثل أسباب تراجعنا الحالي. وكذا توحيد وتنظيم كل طاقات الشعب من أجل تصفية النظام الاستعماري."[38].

 وبذلك، يمكن القول أن الوطنية مفهوما وممارسة ناتجة عن حيثيات الحقبة الاستعمارية، وفي "سنة 1906 أصدر فكتور دومنتاز Victor Demontès كتابا بعنوان: الشعب الجزائري Le peuple algérien، إذ يتعلق الأمر بالأوروبيين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم جزائريين"[39]. إن "عددا من المنظرين الكبار أمثال Elie Kedourie وHans Kohn يرون أن البلدان المستعمرة لم تتبنى سياسة وطنية، ولم تتمكن من التعبير عن هويتهم الوطنية إلا بفضل التأثير السياسي الغربي الذي خضعوا له من خلال الاستعمار الأوروبي في القرنين 19 و20"[40]

لقد كان المناضلون الجزائريون يطرحون سؤال الهوية، أي السؤال الذي يبحث عن من هو الجزائري؟ وفي هذا الشأن ظهرت ثلاث اتجاهات أساسية أجملت فكر الحركة الوطنية من هذه المسألة، فبالنسبة لـ ابن باديس تتميز الجزائر المسلمة باللغة العربية وبالدين، من غير أن يعترض على الجنسية الفرنسية السياسية  المتميزة عن الجنسية الوطنية La nationalité nationale. إن مبادرته ترتكز على سابقة مرتبطة بالإمبراطورية العثمانية المتعددة المعتقدات. أما بالنسبة لـ مصالي الحاج، فقد كان له نفس التعريف للوطن، ولكنه في المقابل كان رافضا لأي جنسية أخرى ما عدا الجنسية الجزائرية. وقد رأى فرحات عباس بأن الجنسية تتأسس على اتفاق حر وإرادي، وكان يعتبر أن كل من الاستعمار والقومية الإسلامية عائقين أمام ولادة جنسية جزائرية. وبالتالي، نبع خوف من التداخل بين الجماعة الدينية و الوطن La nation[41]. ولكن الحوار والنقاش حول الهوية لم يكتمل، ولم تتمكن هاته المواقف المتباينة من أن تتوصل إلى الإجماع، و" لا إلى تطوير فعل داخل النظام الاستعماري"[42]، إلى أن تبنت الحركة الوطنية ممثلة في [43]PPA[44]/MTLD للعنف كخيار. وقد سمح ذلك بـ "ولادة جبهة التحرير الوطني في مناخ ارتجالي يفتقد للوجهة وللبرنامج"[45]، وكأن الأمر لا يتعلق بتطور تاريخي بل بطفرة. واتضح أن أنصار الوطنية الإثنية والثقافية عاجزين عن التفكير في الوطن بدون إخفاء الاختلافات التاريخية والاجتماعية للشعوب التي يتكلمون باسمها. "إن النزعة الأحادية/الوحدوية L'unanimisme تأسست كطابو، وكان لها تأثيرات سلبية، فقد كانت تحيل إلى التدين. إن الشعب دائما "واحدا"، ليس لأنه محب لوطنه بقدر ما أنه مسلم. لقد تم إفراغ دولة المواطنين من اعتقاداتها وانتماءاتها المتعددة [...] لقد توقفت السياسة على أن تكون حلا وسطا  بين منافع متباينة "[46].

المواطنة من منظار حزب جبهة التحرير الوطني

 إن " بيان أول نوفمبر"[47] خطاب سياسي يقول ثلاثة أشياء:

  1. يوجد فوضى اجتماعية وسياسية غير مقبولة من حيث أن الحركة الوطنية في مأزق، لأن روح الإصلاح أدت إلى التخلف، إضافة إلى إخفاق العمل المشترك بين تونس، المغرب والجزائر، وبالتالي فقد وجدت الحركة الوطنية نفسها مدمرة.
  2. اتخاذ إجراء يصحح هذا الوضع المأساوي من خلال التطهير السياسي، إنقاذ البلاد والعمل على استرجاع حريتها.
  3. تم تحديد الإجراء المطبق، وذلك انطلاقا من العمل الداخلي المرتبط بالميدان السياسي والعمل المحض وكذا العمل الخارجي.

لقد احتوى البيان على 900 كلمة، وقد تكررت فيه الوطنية والوطني 13 مرة، الجزائر، الجزائري والجزائرية 20 مرة، تكرر الكفاح 08 مرات، وتكرر الشعب 07 مرات، أما جبهة التحرير الوطني فتكررت 04 مرات. ومنه، تتبين لنا الميزة الوطنية الغالبة على البيان، ترجع إلى حرمان الجزائريين من المواطنة ومن الجنسية معا. ونظرا لهذه الظروف ظل تحقيق المواطنة مرهونا بابتلاع وسائل الكفاح المسلح ومناهضة الإمبريالية، حيث أن هذه الوسائل موضوعة لخدمة هدفين رئيسيين هما:

أولا: الاعتراف بالجنسية الجزائرية في علاقتها باللغة، الدين والعادات.

ثانيا: تحقيق السيادة والاستقلال عن طريق الكفاح المسلح.

إن السيادة أساس البيان كله، فالجزائر، جزائري وجزائرية من المصطلحات الأكثر تكرارا، ما يدل على إرادة قوة لاستعادة الهوية المفقودة، والشعور بالوطنية، كما أن الوطن والوطنية هما ثاني أهم المصطلحات. أما الوسيلة التي تمكن من تحقيق ذلك تبقى متمثلة في الكفاح الذي يمثل ثالث أهم مصطلحات البيان. ولقد ترسخت ممارسة "العنف" كوسيلة لحماية الوطنية واسترجاع السيادة، فالعنف ملازم عموما للسلطة السياسية[48]. وما يعنينا هنا هو هذا الأثر الممتد إلى مؤسسات الدولة بعد الاستقلال، مضافا إليه إيديولوجيا الدولة، ممثلة في الاشتراكية كخيار للحزب الواحد، فكل من " جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني عبر كل تطوراتهما، طورا ممارسة دمج المجتمع في مشروع خلق الدولة الوطنية تبعا لصيرورة سياسية محضة، خالية من أي تغيير اجتماعي"[49].

وبعد الاستقلال تم تحديد تصور حول المواطنة من خلال عدد من الدساتير، حيث يعبر الدستور عن قدرة الحزب على صياغة مبادئه، تطلعاته ونظرته للحياة، وذلك بطريقة قانونية ومحكمة. ومن خلال كتابة الدساتير وتعديلاتها ينضج الحزب سياسيا، خطابيا وقانونيا وتزيد معرفته بالمجتمع. إن الدستور وثيقة مكتوبة تلزم الحزب ومؤسسات الدولة، ما يسمح بالكشف عن مدى هشاشة الحزب أو صلابته سواء من حيث التنظير أو التطبيق. ومن خلال الدساتير، وكذا التعديلات الدستورية يمكن أن نلمس مدى اتساع أو ضيق "الفضاء العمومي" كمجال للمواطنة، وفي السياق الجزائري اعتاد السياسيون والمشرعون على استخدام "المركزية" و"اللامركزية" كسياستين وطنيتين معبرتان عن طبيعة العلاقات السياسية، الاجتماعية والإدارية من منطلق احتكار أو تعميم وتقريب السلطة إلى المواطن، والذي ارتقى اليوم إلى ما يسمى "الحكم المحلي" و"المؤسسات الجوارية".

يحدد دستور 1963[50] صلاحيات كل من الحزب، الشعب ومجلس الشعب، إذ أن "العقد الاجتماعي" الذي سيقام عليه المجتمع الجزائري بعد الاستقلال امتداد لنفس السياسة التي بادرت إليها الجبهة من خلال بيان أول نوفمبر. وهذا العقد يحدد ثلاث أفعال: المبادرة، المصادقة والموافقة. وهاته الأفعال تمنح الفاعلين هوية خاصة، وفقا لمنطق تراتبي يظهر بوضوح على الشكل الآتي:

 يملك الحزب باعتباره السلطة المركزية، صلاحية المبادرة والاقتراح[51]، ويملك مجلس الشعب ANC صلاحية القرار، المداولة والمصادقة. أما الشعب ممثلا في "الجماهير الكادحة"، فليس له إلا صلاحية الموافقة. 

يطرح دستور 1963، المواطنة انطلاقا من النموذج الاشتراكي، بغرض تطوير الحياة الاجتماعية على أساس مبدأ المساواة التي تشمل قطاعات الصحة، التربية، الثقافة الوطنية، والسكن هادفا إلى تحرير المرأة ورفع مستوى عيش العمال. ولقد تمّ الاعتماد في ذلك على المنهج الثوري[52]، والتغيير الجدري. وفيما يتعلق بالهوية فقد تمّ التركيز رسميا على اللغة العربية، فالجزائر تستمد قوتها الروحية من الإسلام أساسا، ولكن الجمهورية تضمن لكل واحد احترام آرائه، معتقداته وممارسة معتقداته بحرية[53]. ارتكز التنظيم السياسي على "المركزية الديمقراطية"، إذ كان الهدف الأساسي في تلك الفترة هو استقرار المؤسسات السياسية، من خلال سيادة الشعب والحزب الواحد[54]. والممارسة السياسية المتجسدة في شكل "المركزية الديمقراطية" تتجه من القمة إلى القاعدة (الحزب ← مجلس الشعب  ← الشعب).

لقد تأسست المواطنة في هاته الفترة حول فئات اجتماعية محددة، وبالتأكيد هناك تغييب لفئات اجتماعية أخرى مثل: الجماهير غير الكادحة، المثقفون غير الثوريين، الشباب، البرجوازية، الرأسماليون. وفي الحقيقة ظل فضاء المواطنة ضيقا بالنظر إلى الفئات الاجتماعية المشاركة في الثورة بمجالاتها المتعددة، وبالنظر إلى سيطرة الديمقراطية التمثيلية بدل تفعيل المجتمع المدني والعمل الجمعوي، إضافة إلى سيطرة تمثلات الدولة الوطنية وإرادة تعميم الشعور بالوحدة من خلال وحدة الشخصية الوطنية، وحدة الحزب ووحدة الأهداف. والسعي وراء الوحدة، يعتبر في نظر الكثيرين عائقا أمام الحراك الاجتماعي.  

"إن المدرسة الوطنية ذات النزعة الوطنية تميل إلى التبسط عندما تصنف الجزائريين إلى مجموعتين: المحبين للوطن Les patriotes والخونة، جاهلة هكذا أن القبائل لها تاريخ ليس واحد بالنسبة للجميع وليس ذو طابع وطني. إنها تحرم نفسها هكذا من كل تفكير حول طابع المجتمعات البدوية، التعارض بين الجزائريين، والعقبات التي يشكلها المنطق القطاعي من أجل مركزية النظام وتجانس مجتمع سياسي"[55]

ومن ثم كان الفضاء العمومي (السياسي) محصورا وضيقا، وبالتالي كانت السلطة الإدارية أقوى من السلطة التواصلية.

وفي دستور 1976[56] يتبين أنه، إذا كان الخطاب السياسي لـ 19 جوان 1965 قد قدم وعدا وعهدا رسميا[57]، فإن السياسي ينتقل لاحقا من لغة الوعد ولغة القرار إلى لغة التبرير، لأن التغيير و"التصحيح السياسي" استدعيا إعادة الشرعنة، انطلاقا من الدعوة إلى تقوية المثل المتضمنة في بيان أول نوفمبر. وانتقل الخطاب إلى مستوى لغة الإخفاء، أي إخفاء الطابع اللا-دستوري للإجراء التصحيحي، وذلك لاجتناب نقد الخصوم، وتفاديا للآثار المدمرة للخبر الإعلامي. ومن أجل كبح الحركات الاجتماعية تم استخدام استراتيجيات الضبابية والصمت. إن دستور 1976 يتيح لنا تحديد مجال الفضاء العمومي والفاعلين فيه، فهو يبدأ بالتركيز على ضرورة "بناء الدولة وتشييد مجتمع جديد بالقضاء على استغلال الإنسان من طرف الإنسان، وغايته -في إطار الخيار الاشتراكي- تطوير الإنسان وترقية الجماهير الشعبية. وقد أكد الدستور على أن الخيار الاشتراكي لا رجعة فيه، فقد تم الانخراط النهائي في الاشتراكية وإنشاء قاعدة مادية لها"[58].

إن استفتاء 27 جوان 1976 حول الدستور، يعكس إرادة إعادة الاعتبار للشعب وللرأي العام توافقا مع الديمقراطية[59]، لألا يصبح "الجمهور" مجرد "موافق" على قرارات تصدر من سلطات عاليا. ليس من الضروري تركيز السلطة في أجهزة بعينها، إذ أن "مجلس الشعب هو المؤسسة القاعدية للدولة، وهو يشكل الإطار الذي تعبر الإرادة الشعبية عن نفسها فيه، والذي فيه تتحقق الديمقراطية. إنه القاعدة الأساسية للامركزية، بالإضافة إلى مشاركة الجماهير الشعبية في إدارة القضايا العمومية على كل المستويات"[60]. وقد أتيحت الفرصة للفلاحين والعمال أن يكونوا جزءا أساسيا من المجالس الشعبية[61]، إذ أن "الدولة تستمد سلطتها من الإرادة الشعبية".[62] ومنه فإن، هذا الدستور يعترف بضرورة تقريب المؤسسات من المجتمع المدني، لتحديد متطلباته أو احتياجاته، وللتمكن من "محو الفروق الموجودة بين المدينة والريف".[63] وتحـقيقا لـ "سياسة التوازن الجهوي كخيار أساسي".[64] ومن أجل بلوغ هاته الأهداف، لا بد من تغيير طريقة تنظيم مؤسسات الدولة، أين كان كل شيء يقرر ويبحث على مستوى القمة. بدل ذلك لا بد من التركيز على دور المجالس الشعبية المنتخبة محليا، حيث "يجب أن يكون تنفيذ المخطط الوطني لا مركزيا من غير المساس أو الإخلال بالتنسيق المركزي على مستوى الهيئات العليا للحزب وللدولة"[65]. هناك اعتراف بالخصوصيات المحلية للجهات والمناطق، ووعي بالتعددية. ومن جهة أخرى تمسك قوي بالوحدة الوطنية، التي يضمنها التنسيق المركزي على مستوى أجهزة الدولة العليا، فـ " اللامركزية مؤسسة على  توزيع ذكي للمهارات والمهام يتوافق مع تقسيم عقلاني للمسؤوليات داخل إطار الوحدة الوطنية "[66]. وقد أسهم الفكر اللا-مركزي في إشراك واسع للقواعد الشعبية في الحياة العامة، إضافة إلى الاعتراف بحق إنشاء الجمعيات،[67] التي تفعل بدورها المبادرات الفردية والجماعية على المستويات المحلية، مشعرة المجتمع المدني بوجوده وبكيانه المستقل، حتى وإن كان الدستور لم يتضمن إحالة مباشرة إلى مفهومي المواطنة والمجتمع المدني. 

 وفيما يتعلق بالموقف من الإسلام، فإن دستور 1976 يعود إلى هاته المسألة في إطار حديثه عن أهداف الثورة الثقافية التي يجب أن تحافظ على "الهوية الوطنية"[68] وتحافظ أيضا على الإسلام، من خلال "تبني نمط عيش منسجم مع الأخلاق الإسلامية"[69]. ويظهر أن هذا النص " يغامر" بطرح يوحي للكثيرين بتصورات تجر إلى تبني أنماط راديكالية أو أصولية لـ "أسلمة" الدولة والمجتمع معا، لأن " نمط العيش" يشمل الحياة العمومية والحياة الخاصة، المفترض بهما وفق الدستور أن تكونا منسجمتين مع الأخلاق الإسلامية، الشيء الذي يهدد مبدأ الفصل بين الدين والدولة، ويهدد الحريات الشخصية والأساسية [حقوق الإنسان] التي يضمنها الدستور نفسه[70]. وقد ربط الدستور بين الديني والوطني، فـ "الدستور الوطني المعروض على الاستفتاء في 1976 يمثل المذهب الرسمي بامتياز، والذي يترجم الترابط بين الواقع السياسي الاشتراكي والثقافة التقليدية الجزائرية العربية الإسلامية"[71].

هناك بالفعل سعي للدمقرطة وللاعتراف بالمجتمع المدني، وفي نفس الوقت يصبح مصير المواطن مسؤولية الدولة ذاتها، فهي تضع نفسها "وصية" على المجتمع بجميع فئاته، فهي "مسؤولة عن جميع شروط وجود أي مواطن [...] وهدفها تحرير المواطن من الاستغلال، البطالة، المرض والأمية. وهي تضمن حماية مواطنيها بالخارج".[72] أضف إلى ذلك أن "الدولة تحمي الأمومة، الطفولة، الشباب والشيوخ من خلال سياسة ومؤسسات ملائمة"[73]. إن هذه المسؤولية موجهة بفكرة المساواة أمام القانون[74]، في نفس الوقت يخلق هذا دستور طبقية اجتماعية لا تتوافق مع الإسلام والاشتراكية، لكنها مرتبطة بالنضال الوطني، ونابعة من حب النضال والوفاء له، ما يجعل "المجاهدين وعائلاتهم  موضوع عناية أو حماية خاصة من طرف الدولة".[75] ولكن ألا تعني العناية الخاصة، تفضيل فئات اجتماعية؟ كما تم توريث قيم النضال ونقلها من الماضي إلى الحاضر، وضمان حياة أبدية لها[76]. لقد تم تدارك ما تغاضى عنه دستور 1963 وتأهيل الديمقراطية، الشعب، العدالة الاجتماعية، المساواة القانونية، اللامركزية، الإسلام، النقابة[77]، المجاهدين وجيش التحرير بطريقة متناقضة.      

وقد تضمن دستور 23 فيفري 1989 تعديلا وفقا لاستفتاء 03 نوفمبر 1988، بعد أحداث 05 أكتوبر 1988. وقد مكن هذا الاستفتاء من إعادة ترتيب السلطات بين الشعب، الحزب ومجلس الشعب، معتبرا أن "السيادة الوطنية هي ملك الشعب [...] الشعب يمارس سيادته من خلال الاستفتاء، ويمارسها أيضا بواسطة ممثليه المنتخبين [...] ورئيس الجمهورية يمكنه الرجوع مباشرة إلى إرادة الشعب"[78]. ولأول مرة يوضع الشعب في أول القائمة قبل الحزب وقبل مجلس الشعب. ومبادرة سن القوانين أو التشريع لم تعد حكرا على الحزب بل هي متقاسمة تزامنيا بين المجلس الشعبي الوطني ورئيس الجمهورية[79]، الذين أصبحا متحررين من الحزب الواحد. إذا، وبالنظر إلى دستور 1963، فإنه قد تم إعادة تأهيل الشعب وجعله في الصدارة، وفي المقابل زحزحة الحزب الواحد عن الصدارة، استجابة للمطالب الشعبية لأحداث 05 أكتوبر 1988، والتي تم بعدها الاعتراف بالتعددية الحزبية وحق التداول على السلطة.

يمكن القول إذا، أن دستور 23 فيفري 1989 قد فتح الباب أمام الانفتاح الديمقراطي، لأنه "يعترف بوجود منافع مختلفة ومتناقضة داخل المجتمع، وبأن هناك تعددية في الحساسيات السياسية. ومجيء التعددية النقابية يندرج داخل هذا المنطق، حيث يفترض ولادة قوى نقابية حقيقية مضادة للنظام، على خلاف ما كان يوجد أثناء فترة الوحدة النقابية"[80]. لقد تمكن دستور 1989 من تجاوز الممارسات السابقة التي تعلي من شأن القرار الجماعي على حساب الفرد، فـ " الدستور الجديد لسنة 1989 جسد احترام الحريات الفردية والجماعية، إلغاء قضاء أمن الدولة، تعديل قانون العقوبات، مصادقة المجلس الشعبي الوطني على الاتفاقية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية وعلى الاتفاقية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية وعلى الاتفاقية الخاصة برفض التعذيب أو المعاملات اللا-إنسانية [...] كل ذلك شكل مكاسب ديمقراطية تشرف الجزائر في مجموعها "[81]. ولكن هذه المكاسب قد أحيت من جديد الصراع السياسي بين التيارين الوطني والإسلامي، الصراع الذي ظل قائما منذ استقلال الجزائر، ولكنه لم ينقل إلى الفضاء العمومي بل ظل دائرا في أوساط ضيقة، وهذا ما جعل  سليمان مظهر يعتبر "أن تراجيديا سنة 1992 هي امتداد للمواجهة السياسية والاجتماعية التي اندلعت بعد الزلزال السوسيولوجي لأكتوبر 1988".[82]

أما بالنسبة لدستور 08 ديسمبر 1996 المعدل بقانون 14 أفريل 2002[83]، فقد تم التركيز على  الكلمات المفتاحية الواردة في الديباجة وهي كالآتي:  

العودة إلى الحدث المؤسس المتعلق بأول نوفمبر، جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية. أما على مستوى الحاضر، هناك بادرة وعي بالمواطنة كوسيلة لتجاوز الصراعات السياسية، بدعوة المواطن إلى "المشاركة في إدارة القضايا العمومية"[84]. وتنحصر الأهداف العامة في تجسيد العدالة الاجتماعية، المساواة والحرية توفيقا بين البعد الاشتراكي والبعد الديمقراطي. ومن أجل ترسيخ أسس الدولة الحديثة أو الدولة الديمقراطية، فقد تم الإشارة إلى أن "الدستور فوق الجميع" للدلالة على أن الحياة الاجتماعية مؤسسة على التعاقد، فليس هناك أي سلطة تعلو على الإرادة الشعبية، وبدل الاحتكام إلى التشريعات الإلهية يتم الاحتكام إلى الدستور باعتباره مصدرا للتشريع. وبدل أن تكون الجزائر دولة الإسلام - كما تريدها الأحزاب الإسلامية أن تكون- فإنها ستصير "أرض الإسلام"[85]. وللفصل بين المعطى الاجتماعي للإسلام والمعطى السياسي للدولة الحديثة، كاعتراف غير مباشر باللائكية، تم تجاوز العبارة السائدة في الدساتير السابقة والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة". والمادة التاسعة تمنع على المؤسسات "الممارسات المناقضة أو المخالفة للأخلاق الإسلامية ولقيم ثورة نوفمبر". إن إلزام المؤسسات بالأخلاق الإسلامية، هو لصالح الاعتراف بالحريات الفردية وبحرية المعتقد، بحيث لا يمكن جعل كل الأفراد ملتزمون بالأخلاق الإسلامية، لأن المجتمع يحوي تعددية (القبائل- الشاوية- بني مزاب- الطوارق...) يحميها الدستور[86]. في حين أن المؤسسات الجزائرية (مؤسسات الدولة: البرلمان، الإدارات، السفارات، المؤسسات التربوية والتعليمية...)، باعتبارها "هيئات عمومية" ملزمة بأن تكون خاضعة للأخلاق الإسلامية، وكأن الإسلام يصير بالفعل خُـلُق مؤسسات الدولة وليس خلق المجتمع. مع العلم أن مفهوم "أخلاق إسلامية" لا يتجاوز فضائل السلوك العامة (الاحترام، التحية، الاحتشام، الأمانة[87]، ضوابط المأكل والمشرب، أداء القسم...). وهذا يشكل فرقا جوهريا بالمقارنة مع  دستور 1976 في مادته 19، والتي تربط الأخلاق الإسلامية بنمط العيش نفسه (المؤسسات والأشخاص).

وبهذه الزحزحة اللغوية أو "اللعبة اللغوية"، يتم تضييق فعالية الأحزاب والحركات الإسلامية، ونقل الممارسات الإسلامية من المستوى العمومي المرتبط بأفراد المجتمع الذين يمكن ملاحظتهم ومراقبتهم في الفضاء العمومي إلى المستوى الضيق، أي مستوى المؤسسات وأجهزة الدولة التي يصعب مراقبتها ومساءلتها عن توافق أو عدم توافق سيرها وسلوك أفرادها وهم يؤدون عملهم مع الأخلاق الإسلامية.

يعترف دستور 1996 بمقدسين أساسين: الإسلام (مقدس ديني) وثورة نوفمبر (مقدس وطني). تعمل الذاكرة الجماعية على إعادة بناء هذين المقدسين وتركيبهما بما يتلاءم مع رهانات الحاضر. يزداد المقدّس الوطني اتساعا، من حيث أن الاعتراف ليس مقتصرا على ثورة نوفمبر و ج ت و، بل أيضا يشمل الحركة الوطنية التي اعتبر بيان أول نوفمبر نشاطها الإصلاحي غير ذي جدوى، إضافة إلى الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية[88]، والاعتراف بسلطة الشعب مصدرا للسلطة والمؤسسات[89]. وفي الوقت نفسه، وبسبب التجربة السياسية التي أعقبت 1988، فإنه قد تم الحد نهائيا من إمكانات تسييس الديني، الشيء الذي جعل الفضاء مفتوحا أمام الإديولوجيا الوطنية، إلى حد أنه يشترط من المرشح للرئاسة والمولود قبل 1942 أن يبرر مشاركته في الثورة، أما المرشح المولود بعد جويلية 1942، فعليه أن يبرر عدم تورط أهله أو عائلته في عمليات معادية للثورة[90]. كما أن المادة 76 تقنن إدلاء رئيس الجمهورية بالقسم على الصيغة الآتية : "بسم الله الرحمن الرحيم، وفاء للتضحيات الكبرى، ولأرواح شهدائنا الأبرار، وقيم ثورة نوفمبر الخالدة، أقسم بالله العلي العظيم، أن أحترم الدين الإسلامي وأمجده".

إن ما يؤدي إلى احترام الدين الإسلامي وتمجيده هو الوفاء للتضحيات الكبرى (مليون ونصف المليون شهيد) وقيم ثورة نوفمبر الخالدة. وبالتالي، فإن للوطني أسبقية على الديني، وكأنه ولو لم تحصل التضحيات، فإن ذلك لن يضمن احترام أو تمجيد الدين الإسلامي. 

إن دراسة إحصائية للمفاهيم الأساسية[91] المستعملة في دستور 1996 تبين أن الغرض من الدستور ليس مواصلة المسار الديمقراطي - فالديمقراطية لم تذكر إلا مرة واحدة- بل مراجعته، إن لم نقل وقفه والانكفاء على الإرث الوطني والشرعية الثورية[92]، وقد تقلصت الكلمات المُحيلة إلى الإسلام إلى 05،  الدين إلى 03 والله إلى 01. وباعتبار أن المجتمع كان يمر بأزمة عنف، فإن التماسك والوحدة أصبحا يتحققان من خلال الإحالة إلى مفهوم الأمة الذي تكرر 58 مرة.  

إن الدراسة الإحصائية لتكرار المفاهيم[93] في مشروع ح ج ت و[94] لسنة 2005 تؤكد هي أيضا على انكفاء الحزب على نفسه. لقد أحال الحزب إلى نفسه 189 مرة، ولم يحيل إلى الديمقراطية ولا إلى الحرية ولو مرة واحدة، أما مفهوم المواطنة، فلم يذكر إلا مرة واحدة، حيث تم الربط بين "المواطنة الكاملة" وبين حصول المواطن العاطل عن العمل على تأمين اجتماعي يحفظ كرامته[95]. أما الإسلام فقد تكرر 03 مرات. وفيما يخص القانون الأساسي لـلحزب، فقد جاء في أسس ومبادئ الحزب أن "ج ت و تنظيم سياسي وطني ديمقراطي مبني على أسس ومبادئ بيان أول نوفمبر وثورته الخالدة"[96]، فالبعدين الوطني والديمقراطي هما المرجعيتان الإيديولوجيتان للحزب المرتبطتان بتاريخ النضال الثوري. أما فيما يخص الثوابت الوطنية، فإن البيان يشير إلى ما يلي: "يتمسك ح ج ت و بالثوابت المذكورة أدناه : الإسلام دين الدولة، اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية واللغة الأمازيغية لغة وطنية، مبادئ ثورة نوفمبر وقيمها، صون الاستقلال الوطني ودعمه، النظام الجمهوري، وحدة الشعب ووحدة الوطن، حرية اختيار الشعب، سلامة التراب الوطني، العدالة الاجتماعية ببعدها الشعبي في إطار القيم الإسلامية"[97]. أما ما تعلق بأهداف الحزب، فهي متضمنة في الدفاع عن تلك المبادئ وتجسيدها[98]. وإن إحصاء الكلمات والمصطلحات[99] الواردة في القانون الأساسي للحزب، تبين هي أيضا ما يلي:

الاستعمال المحدود لمصطلح "الحرية" الذي تكرر مرة واحدة،  و"الديمقراطية" تكررت مرتين، في مقابل الإحالة الكثيفة لـ "الحزب" الذي تكرر 50 مرة، وقد تكررت "الوطنية" 07 مرات، في حين أن "الإسلام" تكرر 04 مرات ولم يتم ذكر مفهوم أو مصطلح "المواطنة". في حين أن المواطنة تعني قدرة "المجتمع المدني" كسلطة تواصلية على التفكير، التداول، الحوار والتشاور في استقلالية تامة عن الدولة كسلطة إدارية. ما نلاحظه هو عكس ذلك، إذ ليس هناك أي نشاط للجمعيات، لجان الأحياء والمنظمات غير الحكومية بمعزل عن الرعاية السامية للشخصيات السياسية مثل الوالي، الـوزيـر ورئـيـس الجمهورية... لقد أصبـحـنا أمـام ظـاهـرة "الـتـأمـيـم"La nationalisation الشامل لجميع القطاعات الاجتماعية، "إن تأميم المساجد يتوافق مع الحد من حرية تعبير أئمة المساجد الخاصة، الذين عليهم بمناسبة خطبة الجمعة الخضوع إلى تعاليم الحكومة الموجهة لزملائهم في مساجد القطاع العام"[100]. هذا هو الشأن في مصر وأيضا في الجزائر، وخاصة بعد الإصلاحات الخاصة بإعادة تنظيم أماكن العبادة. نفس الإجراء ينطبق على النقابات، فـ "يمكن بالمناسبة الإشارة إلى الإجراءات الخاصة بالنقابات المهنية (مهندسين، محامين، أطباء...) ذات التوجه الإسلامي الغالب، بهدف فرض مراقبة حكومية حازمة على نشاطاتها"[101].

هناك جدلية قائمة بين النشاط السياسي والنشاط النقابي، فلقد تم إنشاء الاتحاد العام للعمال الجزائريين U.G.T.A سنة 1956 من طرف ج ت و. وهذا التنظيم كان مُـنَافسا منذ ولادته من قبل نقابتين، الأولى هي الوحدة العامة للنقابات الجزائريةU.G.S.A  ذات التوجه الشيوعي. أما الثانية فهي الوحدة النقابية للعمال الجزائريين U.S.T.A ذات التوجه المصالي. وبالتالي، "لم يتوقف عالم الشغل قبل الاستقلال وبعده من أن يكون مكانا ورهانا للمواجهات السياسية والعسكرية [...] وانتقال بعض الشخصيات من النضال النقابي إلى أن يكونوا قادة وطنيين [...] وقد كانت بعض العناصر الراديكالية من التيار الإسلامي في البداية نقابيين مثل ما هو حال عيسى مسعودي الملقب بـ طيب الأفغاني"[102]. من المهم التنويه في هذا الصدد إلى الوضعية الخاصة للأجير في المجتمعات الاشتراكية ذات العمق أو الخلفية الوطنية، فقد اعتبر غاليسو "أن تبعية الأجير بالنظر إلى الدولة الوطنية ستتضاعف أكثر في الدولة الاشتراكية"[103]. ويمكن القول أن هاته العلاقة، أي علاقة العمال بالدولة كانت في اتجاه واحد، من حيث أن الحركة النقابية كانت أداة سياسية لا تدافع عن العمال بل كانت تمنح الشرعية للسياسيين، ويتبين ذلك من خلال "مساندة U.G.T.A لـ عبد العزيز بوتفليقة المرشح المدني للسلطة/النظام العسكري في رئاسيات 15 أفريل 1999"[104]. ويتوصل عمار بن عمروش إلى أن "النقابة العامة للعمال الجزائريين U.G.T.A  كانت وليدة النظام السياسي وليست وليدة تسييس صراعات العمل"[105]. وما يطلق عليه اليوم "الثلاثية" المجسدة في: الحكومة، أرباب العمل الخواص والاتحاد العام للعمال الجزائريين قد "أيدت حتى الآن برامج  الحكومات المختلفة [...] وU.G.T.A تحتل مكانة خاصة في النظام السياسي الجديد"[106]. والتاريخ يبين أن المؤتمر الأول لـU.G.T.A  سنة 1963 كان فرصة بالنسبة للحكومة من أجل وضع يدها على النقابة. وبالتالي، فإن "دراسة العلاقات الموجودة بين الدولة والمجتمع المدني تبين أن مطلب البناء الوطني يؤدي إلى استيعاب الدولة لبعض شرائح وأجزاء المجتمع التي كان يمكنها في ظروف أخرى أن تعطي حركية  واستقلالية أكبر"[107].

يرى غاليسو "أن الجزائر تشكل نموذجا، لأنه قد تم ترسيخ معنى العمومي ومعنى الوظيفة الاجتماعية أكثر من أي مكان آخر، وخاصة في مرحلة بومدين. والتخلي عن الخطاب الاشتراكي في الثمانينات سَيُظهر ممارسة الزبائنية في سير الأجهزة التابعة للدولة".[108] إن حضور الدولة وهيمنتها على جميع الأجهزة وجميع الأنشطة يخنق ولا شك المجتمع المدني، ويخلق فيه روح الاتكال على الدولة. وسيزداد الوضع تأزما في ظل توجه اشتراكي يكرس قيم التضامن، الدعم، المجانية ويحارب أشكال التفرد والرغبة في الاستقلالية والتملك.  

ويمكن أن نستخلص أن ج ت و، قد قضت على التعددية التي كانت موجودة في الجزائر حتى قبل اندلاع الثورة. ونحن نعيش اليوم بالتحديد على ما يعرف بسياسة التحالفات، التي قوضت هي الأخرى التعددية التي نشأت بعد 1988. وقد تبين أنه "يوجد علاقة بين الاحتجاجات الجماعية ومحاولة مجموعة محتجة الدخول في النظام السياسي. وهذا البناء لا ينفي إمكانية التحالف بين مجموعة أو بين عدد من المجموعات المحتجة وبين أفراد من النظام السياسي وفي بعض الحالات مع الحكومة نفسها "[109].

بالإضافة إلى "هيمنة" الدولة على النقابات والأحزاب السياسية، امتد تأثيرها ليمس الجمعيات، ويتبين ذلك من خلال دراسة الصفة المهنية والخبرة التأطيرية لرؤساء التنظيمات التي قدمت مشروع برنامج تعاقدي للتمويل ما بين 1994 و1999.

ويظهر من خلال الجدول رقم 8 "أن التشكيلة البشرية لرؤساء هذه التنظيمات تتمتع بخبرة ميدانية في العمل التنظيمي، باعتبارها مارست هذا العمل في ظل نظام الحزب الواحد، لذلك فعند ظهور التعددية السياسية وحرية تكوين وتأسيس الجمعيات، بادرت من اللحظات الأولى إلى تكوين، أو بتعبير أصح إلى رئاسة التنظيمات الوطنية، لأن العمل على المستوى المحلي لا يعطي لصاحبه مجال الظهور واحتلال الصدارة، وهذا ما جعل برامج وأهداف هذه التنظيمات تكرار لما سبق من تأطير واحتواء لمختلف الشرائح الشبانية"[110].

ولا تقتصر استراتيجية احتواء المجتمع المدني على مرحلة الانفتاح الديمقراطي، أي بعد 1989، بل إن ذلك متجذر في كامل تاريخ الدولة الوطنية، حيث أن  مرحلة ما بعد الاستقلال إلى غاية 1989 "اتسمت هذه المرحلة بعملية دولنة المجتمع، أي سيطرة الدولة واحتكارها لمختلف المؤسسات والهياكل الاقتصادية وفضاءات التنشئة الاجتماعية، وتأميمها بواسطة خلق جهاز تشريعي وقانوني قهري وتمايزي يبطل كل المحاولات التنظيمية غير الرسمية التي تنشط خارج إطار المؤسسات والحزب الواحد"[111].                 

المواطنة عند جبهة القوى الاشتراكية FFS

لقد ظهرت جبهة القوى الاشتراكية في سبتمبر 1963، حيث تم الاعتراف بها من طرف حزب جبهة التحرير الوطني في 16 جوان 1965، وهذا الاعتراف لم يدم إلا ثلاثة أيام. ولم تتمكن من مزاولة نشاطها بعد ذلك إلى غاية عودة آيت أحمد إلى الجزائر في 15 ديسمبر 1989. ومن المواقف السياسية للحزب نذكر الآتي: "لقد قاطع أول انتخابات تعددية محلية في تاريخ الجزائر سنة 1990، قاطع الدور الأول للانتخابات التشريعية سنة 1991، عارض وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992، قاطع انتخابات 1995، شارك في محليات تشريعات 1997، شارك في رئاسيات 1999، حيث أن آيت أحمد وخمس مرشحين آخرين انسحبوا عشية اليوم السابق لعملية الانتخاب، قاطع تشريعات مارس 2002، وشارك في الانتخابات المحلية التي جارت في نفس السنة...

إن حزب جبهة القوى الاشتراكية يبقى دائما عضو في الاشتراكية الدولية، وله توجه اشتراكي- ديمقراطي ولائكي [...] وهو موجود في 32 ولاية ويضم 890 منتخبا عبر التراب الوطني، ويسير باشتراكات المنخرطين"[112]. وعلى العموم، فإن جبهة القوى تفضل المشاركة في الانتخابات المحلية البلدية، من منطلق أن المواطن يمكنه أن يتقرب من المجالس المنتخبة ويتفاعل مهما عبر الحوار، النقاش والعضوية في حين أن المجالس الأخرى (الولائية، البرلمانية...) ومراكز السلطة (المناصب الوزارية، الرئاسة...) فهي بعيدة عن متناول المواطن، وبالتالي فإن التربية على الديمقراطية تبدأ من القاعدة.

هذا ما جعل آيت أحمد يعلن عند عودته إلى الجزائر بأنه من "المهام العظيمة للحركات الوطنية هي التربية السياسية، والمنافسة بين الأحزاب السياسية لا يجب أن تكون منافسة متوحشة [...] فالديمقراطية مسار طويل من التعلم، وهي هشة وصعبة [...] المهم أولا وقبل كل شيء هو السلم المدني وتقوية هذا السلم"[113]. ومنه، يتبين لنا أن هناك وعي مسبق بأهمية السلم المدني كشرط للوصول إلى مجتمع المواطنة، حيث أن العنف الذي عرفته الجزائر أثبت بالفعل أنه لا مجال للمواطنة في ظل الخوف والرعب. هناك من جهة أخرى، إدراك لأهمية التربية على الديمقراطية، وما يحتاجه ذلك من وقت وجهد، خاصة وأن ممارسات الحزب الواحد قد رسخت تبعية الفرد واتكاله على الدولة لما يقارب 30 سنة، في حين أن الديمقراطية تقوم على المبادرة الفردية، على استقلالية المجتمع المدني وعلى احترام، القبول والاعتراف بالآخر المختلف. وقد رأى أن الحزب الذي يقوده ليس في كل الأحوال وبالضرورة معارضا للنظام السياسي. وبالنسبة له فإن المواطنة الكاملة تحقق من خلال إعادة النظر في وضع المرأة، التي لم يكفل لها الدستور نفس الحقوق التي كفلها للرجل، الشيء الذي جعل "قانون العائلة بصمة عار بالنسبة للجزائر"[114]، ما يدل على رغبة في تحقيق المساواة بين الرجال والنساء، توافقا مع ما هو حاصل في المجتمعات المتقدمة. 

ويصرح آيت أحمد سنة 1999[115] بضرورة "تجاوز أفق الانتخابات الرئاسية"، بمعنى عدم حصر نشاط الحزب في النضال من أجل الفوز بمنصب الرئاسة، بل توسيع نشاطه عبر حوار دائم ومستمر حول الأزمة التي تهلك أبناء الوطن منذ 07 سنوات. وهذا يدل على أنه يعتبر أن السلطة والرئاسة وسيلة وليست غاية، فلا يهم من يحكم[116]، ولكن المهم هو تجاوز الأزمة ووضع حد للعنف المستفحل من خلال تفعيل النقاش داخل المجتمع المدني. إذ لا يمكن البحث عن الشرعية في ظل العنف (ثقافة المواطنة، الديمقراطية، التداول على السلطة...)، بقدر ما نبحث عن الاستقرار.

إن الحزب يُدين في الآن نفسه العنف والسلطة، وهذا ما جاء في التصريح المشترك لـ آيت أحمد، عبد الحميد مهري وملود حمروش فيما يخص التخوف من تفاقم العنف، إذ يقول هؤلاء: "إننا ندين كل العمليات الإجرامية وإننا نقاسم عائلات الضحايا ألامهم ونعبر لهم عن تضامننا [...] ونحن متأكدون من أن وضع خطة لدمقرطة النظام، دمقرطة ممارسته ومراقبته سيشكل طريقا نحو الأمن الوطني والاستقرار والأمل"[117]. ويتبين أن الحزب لا يمانع من الانضمام إلى الحركات والأحزاب التي تشاركه نفس المواقف، ليكون له ثقل أكبر في الحياة السياسية، فعندما أدرك المتنافسون- مجموعة الخمسة - أن الانتخابات الرئاسية لسنة 1999[118] لن تكون نزيهة، وأن نتائجها ستكون معروفة مسبقا، قرروا الانسحاب الجماعي[119].

تشكل المسألة الأمنية في الجزائر والخطابات السياسية التي أفرزتها انتكاسة حقيقية لمشروع المواطنة المنفتح من خلال التجربة الديمقراطية والتعددية السياسية. أصبحت الغايات السياسية تصب في إطار استرجاع الأمن الاجتماعي، في البداية عن طريق محاربة الإرهاب ثم عن طريق المصالحة. وقد رهنت جبهة القوى الوئام والصلح الوطني[120] بمدى قدرة السلطة على المصارحة والمكاشفة، وبمدى قدرتها على محاسبة الجناة. وتستدعى المصالحة إجماعا وتشاورا سياسيا، في حين اكتفى النظام - نظام الجزائر العاصمة- بإصدار نص بخصوص قانون الوئام المدني، والذي تم استفتاء الشعب الجزائري حوله في سبتمبر 2005. ويتضمن النص إعلانا عن عدم محاسبة المجرمين، ويلزم عائلات الضحايا الصمت والنسيان مقابل تعويض مالي. إن "سياسة النسيان الإجباري" في نظر جبهة القوى اعتراف صارخ بمسؤولية النظام. ولا يمكن للسلم وللمصالحة أن يتحققا من غير الحقيقة، إذ أن "العفو يتطلب نقاشا!"[121]  حيث أن تسامح اليوم بعيدا عن فضيلة الحقيقة سيحضر لكوارث الغد[122].

لقد صرنا أمام "مصالحة مفبركة"، وليس أمام مصالحة حقيقية، ما سيؤدي إلى نقل الجزائر من الصراع المسلح إلى العنف الاجتماعي.  يقول هواري عدي[123]: "من أجل طي الصفحة نهائيا وضعت السلطات لاستفتاء 29 سبتمبر 2005 مشروع مصالحة وطنية قبل بشكل رسمي من طرف أغلبية ساحقة من المنتخبين [...] ويظهر أن شعار النظام اليوم يتمثل في دفع الناس إلى ممارسة التجارة والامتناع عن ممارسة السياسة. هذا التطور نحو إسلام التجارة L’islamobusines ليس خاصا بالجزائر فقط، فلقد لاحظ باتريك هني Patrick Haenni نفس الظاهرة في
مصر"[124]. إن هذا المنحى "اللا-ديمقراطي" الساعي إلى إبعاد الناس عن الحياة السياسية، مرتبط بإخفاق التجربة الديمقراطية في التسعينيات، وما نتج عنها من فوضى وعنف. وقد أصبحت الأولوية جراء ذلك متمثلة في استتباب الأمن، والاهتمام أكثر بالأجهزة الأمنية، وتوجيه كافة الإصلاحات الاجتماعية والسياسية نحو تلك الغاية. و"عندما تدخل هذه الإصلاحات قيد التنفيذ، فإن أجر شرطي مع المنح ستتجاوز أجر طبيب مستشفى أو أجر أستاذ جامعي [...] إن مديرية الاستعلامات والأمن لها ست أو سبع وزراء في الحكومة، بما فيهم الوزير الأول الذي لا يخضع لسلطة الرئيس، وقد وضع في كل وزارة كولونيل مهمته الرسمية مراقبة الوزير والموظفين"[125]. الشيء الذي يطرح من جديد إشكالية العدالة الاجتماعية في ارتباطها بالاستحقاق والكفاءة. لقد صار الولاء للنظام ولصانعي الثورة، هو الشرط الأول والأخير من أجل التمتع بالحقوق والمزايا الاجتماعية.وبالتالي، فإن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تتحقق في ظل توزيع غير عقلاني للثروة، وفي ظل اقتصاد وطني قائـم على التجـارة فـي شكـلـها التـبـادلي البـسـيـط وغـيـر الـشــرعـي أو مـا يـســمـى بـ "التراباندو"، وفي ظل أسبقية المسألة الأمنية على ما يعرف بـ "الحراك السياسي".

لقد أشعرت "العشرية السوداء" الجزائريين بأهمية الأمن كشرط ضروري لإقامة فضاء المواطنة، ولكن هذا لا يعني إخضاع السياسة لأجهزة ومؤسسات الأمن، لهذا السبب يرى محمد مقران شريفي[126] أنه "لابد من دولة أقل، ولكن لا بد لنا في المقابل دولة جيدة"[127]، وبالنسبة للاقتصاد فهو يدعو إلى الحذر من الاقتصاد الليبرالي والشركات الأجنبية التي تهدف إلى المنفعة فقط. وبالتالي لا بد من ربط المواطنة بالسيادة الاقتصادية التي لا تتحقق إلا عن طريق القيم والثوابت الوطنية.  

وبمناسبة الذكرى الخمسون لاندلاع الثورة، تمكن كل من آيت أحمد ومهري وحمروش من تحقيق حضور سياسي كبير[128]، فقد جرى بهذه المناسبة نقاش سياسي بين هؤلاء للدفاع عن الحريات والتعددية وحق الجزائريين في امتلاك أدوات الديمقراطية الحديثة واختيار نمط الحكم والتأثير على القرار. ورأى رئيس المنظمة السرية (OS) سابقا أن:

"سيادة الدولة المؤسسة على سيادة الشعب والأفراد هدف لم يتحقق بعد "[129]. أما حمروش  فقد رأى أنه "بعد الاستقلال تم تأسيس نظام سياسي ولم يتم بناء دولة، وأنه بعد 1991 لم يتم تبني أي قانون يعزز الحريات [...] فكم كانت الثورة عظيمة، وكم كانت الدولة صغيرة [...] لقد كان نوفمبر حدثا سياسيا هاما ولا يمكن الاحتفال به من غير مساءلة الحاضر عن القيم التي كان يتضمنها "[130]. ويؤكد آيت أحمد أن "الثورة الجزائرية ستظل أسطورة ما لم تتحقق أهدافها [...] لقد جعل المسؤولون السياسيون المشرعين والقضاة مجرد موظفين [...] وتظل القبائل تشكل قلعة الديمقراطية"[131].

ولقد تمكنت جبهة القوى الاشتراكية من أن يكون لها تمثيل سياسي في منطقة غرداية، رغم خصوصيات هذه المنطقة. يقول محمد جلماني[132] أنه "في 1988 لم يحصل انضمام كبير إلى الحزب الإسلامي للإنقاذ FIS، لأن خطاب هذا الأخير كان حاملا لمقدمات عنف غريبة عن مجتمعنا [...] وبعد تفكير اخترنا FFS التفافا حول قيم: الأمازيغية، العروبة، الإسلام والحداثة [...] وبالنسبة لانتخابات 2002 تحصلنا على مقعدين في البلدية [...] وخصومنا حاولوا تجاهل ذلك بتقديم القبائل كمتدخلين في ميزاب M’zab [...] وعندما قامت ولاية بجاية بتقديم هبات ومساعدات، أسبوعا بعد الفيضانات من أجل تغذية الشعب، فقد تم إرجاع الشاحنات المحملة إلى الولاية"[133]. وهذا يدل على أن النقاش السياسي والممارسات في الجزائر لم ترتق بعد إلى مستوى التفكير في المصلحة العامة أو فضاء المواطنة بمعناه التشاركي. وبالتالي، فإن "الجهوية" مازالت فاعلة ومؤثرة في الحياة الاجتماعية والسياسية. ولكن جبهة القوى الاشتراكية -إضافة إلى قوى سياسية واجتماعية أخرى- تحاول مقاومة هاته الجهوية من خلال التواجد في بيئات أخرى غير أمازيغية وغير قبائلية، لأن المواطنة تقتضي تجاوز الولاءات القبلية المحلية والتفكير في المصلحة العامة للدولة الحديثة.       

وفي المؤتمر الرابع للحزب[134] أعاد آيت أحمد التذكير بالأهداف الكبرى التي يجب على الدولة تحقيقها وهي ثلاث: الاستقلال، الديمقراطية وبناء المغرب العربي[135]. وبذلك، فإن جبهة القوى تستمد شرعيتها خارج مقولة "الوطنية"، أي انطلاقا من القيم العالمية وتضع الجزائر في السياق العالمي مباشرة، حيث يقول آيت أحمد في افتتاح هذا المؤتمر:

"إن حزبنا له طموح مشروع لبناء دولة الحق والعدل تبعا لمعايير العالمية، وحكم البلد تبعا للمبادئ الديمقراطية. إن أهداف الألفية من أجل الديمقراطية والتطور كما أعلنت عنها الأمم المتحدة متوافقة مع برنامجنا وقيمنا [...] وحتى وإن كنا في غرف مختلفة، فإننا نعيش في نفس المنزل [...] ومنذ ولادة حزبنا سنة 1963 وهو يتبع شعار قوة السياسة وليس سياسة القوة [...] وحدها سياسة شفافة كان يمكنها أن تجنب الجزائريين العشرية السوداء [...] إن هدفكم يكمن في تشييد الجمهورية الديمقراطية الاشتراكية الثانية الموعودة"[136].

 إن الجبهة تستمد مبادئها من العالمي وليس من المحلي (تاريخ الجزائر ونضالاتها) محاولة جعل السياق المحلي متوافقا مع السياق العالمي (أهداف الألفية). إنها بالفعل تستقي من الاشتراكية والديمقراطية مبدأها القاضي بفصل الدين عن السياسة، كما وأن قوة السياسة تستمد من "الشفافية" أي من الممارسة الديمقراطية التي تكفل للمواطنين حق المشاركة في إدارة شؤون المدينة. إن هناك تعارض حقيقي بين مكتسبات المجتمع الإنساني وبين الخصوصية والأصالة، إذ يرى آيت أحمد أن التحرر كان بفضل الارتكاز على مبادئ حقوق الإنسان، والتي بمجرد ما استقلت الجزائر "أدارت دهرها لذلك باسم الخصوصية والأصالة [...] فالحكومة الجزائرية المؤقتة هي آخر الحكومات المتعددة التي عرفتها الجزائر"[137]. وبالتالي، حري بنا أن نؤسس "هوية مرنة" منفتحة على تطلعات العصر ورهاناته بعيدا عن الانغلاق داخل الخصوصية والأصالة.

وقد أسفر المؤتمر الرابع عن حصيلة من النتائج التي خرجت بها الورشات المجتمعة، فورشة عبان رمضان دعت إلى "تغيير جذري [...] تغيير وليس إصلاح، لأن النظام الدكتاتوري الموجود لا يمكن إصلاحه"[138]. إن هذا الموقف الثوري يعبر على التباين الإيديولوجي الموجود بين حزب جبهة التحرير الوطني وبين جبهة القوى، الشيء يجعلنا أمام جبهتان متصارعتان، جبهة وطنية لها مرجعية تاريخية محلية، تحاول "التصالح" مع الأصالة (الإسلام) وجبهة ديمقراطية لها مرجعية عالمية (غربية) تتجاوز الأصالة. إن كلا الحزبين (جبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية) يُفعلان ميكانزمات العراك والصراع.

وحتى وإن ظهر أن هناك اختلاف في وجهات النظر بين رئيس الحزب وبين مناضلي الحزب، من حيث أن الكلمة الافتتاحية لـ آيت أحمد أكثر تحفظا وتريثا ولكنها هي أيضا تتبنى استراتيجية الحرب والمواجهة العنيفة مع النظام من أجل تغييره، حيث يقول: "إن برنامج الحزب له طموح بناء دولة الحق والعدل [...] وهذا البرنامج يضع لنفسه هدفان رئيسيان هما: حق الجزائريين في تقرير المصير، والاختيار الحر للدستور، للمؤسسات والرجال الذين سيحكمونهم والتعاون مع القوى السياسية والقوى الاجتماعية المستقلة لوضع حد للدكتاتورية [...] إننا سنربح هذه المعركة"[139]. وقد توصلت ورشة قاسم زيدون[140]، إلى تقييم طبقي للوضع الجزائري على أساس أن هناك  إقصاء لأغلبية الجزائريين من دوائر السلطة والثروة. لقد "أصبحت الجزائر مجتمعا مزدوجا، حيث يوجد جزائر الأقلية في الداخل وجزائر الأكثرية في الخارج [...] إن الفقر يتفاقم، والقدرة الشرائية تتضاءل والتفاوت يزيد [...] وأن نكون اشتراكيين يعني أن نبني مجتمعا أكثر عدالة، أن نكون اشتراكيين يعني أن نجهد أنفسنا لمحو اللا-مساواة"[141]. إذا، وانطلاقا من قيم اشتراكية، يعمل الحزب على تفعيل المواطنة بواسطة العدالة الاجتماعية والممارسة الديمقراطية، التي عليها أن تزحزح تمركز السلطة وتوجهها من الداخل إلى الخارج أو من المركز إلى الأطراف للتمكين من تأسيس عقد اجتماعي جديد. وتضمن التقرير التركيبي للملتقى الوطني للمنتخبين المحليين للحزب[142] عددا من المطالب أهمها: الاستقلالية والديمقراطية المحلية، التطوير المحلي والتعاون ما بين البلديات، تلبية متطلبات المواطنين أي العدالة الاجتماعية.

إن التربية على المواطنة تبدأ من القاعدة الشعبية أي مراكز السلطة الأقرب إلى المواطن، فالمجالس الشعبية البلدية المنتخبة تشكل فضاء ممتازا لولوج السياسة والمشاركة في الحياة العامة. وهذا ما يفسر أن الحزب اتخذ منذ 1999 سياسة مقاطعة الانتخابات الرئاسية في حين أنه يشارك بقوة في الانتخابات المحلية. يقول الأمين العام للحزب كريم طابو: "من الممكن ممارسة السياسة بشكل آخر"[143]. وفي نظره، فإن "المجلس الشعبي أصبح من الأماكن النادرة لممارسة السياسة الفعلية [...] ومن واجب المنتخبين أن يحموا أصواتهم، كما علينا أن نتوقف على أن نكون ممارسين ظرفين أو موسميين للسياسة".[144] وفي الانتخابات المحلية البلدية والولائية لـ 29 نوفمبر 2007، فقد كان العقد السياسي بين الحزب والمواطنين قائما على ثلاثة شروط أساسية هي: "الشفافية، الحكم الراشد، المسؤولية. والتركيز على استقلالية المناطق المحلية والديمقراطية المحلية في إطار ما ُيسمى بـ الديمقراطية الجوارية التي تتيح للمواطنين الإمكانيات من أجل الاستفادة من الخدمات الاجتماعية الأساسية"[145].

المواطنة عند حركة مجتمع السلم  HMS

يقول محفوظ بنون: "لقد برزت مسألة الاحتجاج الإسلامي بإلحاح عشية الاستقلال، وإذا كانت قد جرت محاولات لحسم القضية عبر محطات عديدة من تاريخ الثورة، إلا أنها بقيت محل تنازع نخبوي. في هذا الصدد يمكننا أن نتحدث عن مجموعة من المشاريع: مشروع إسلامي، ومشروع حداثي علماني، ومشروع وطني، ينضوي تحت كل واحد منها مجموعات تنظيمية وحزبية"[146]. وعودة هذا الاحتجاج الإسلامي وتجليه للعيان، كان مرتبطا عموما بإخفاق إيديولوجيا "الحزب الواحد" الذي اضطر إلى التخلي عن النهج الاشتراكي، فاسحا المجال أمام ليبرالية متوحشة[147]. وهناك من يرجع هذا الإخفاق إلى البنيات الاجتماعية المقاومة للتغيير، فرغم أن الاشتراكية قد حملت رؤى وطنية وإنسانية من أجل التغيير واستبدال وضع القهر والحرمان الذي عاشه الجزائريون خلال الفترة الاستعمارية، بوضع أفضل على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، إلا أن "تطوير بومدين للاشتراكية أدى إلى انبثاق طبقة عمالية من أصول ريفية [...] والتي كانت محافظة وعدوة للتغيير الاشتراكي الذي كان بومدين يريد القيام به"[148]. وهنا تظهر من جديد الأطروحة التي تعتبر أن الفلاح بحكم ارتباطه بالأرض غير قادر أن يكون له وعي عقلاني يفهم من خلاله العالم، على خلاف العامل المرتبط بالتقنية من جهة وبالنضال النقابي. وأيا تكن أسباب هذا الإخفاق الإيديولوجي، فنتيجته كانت فتح الأبواب أمام التعددية السياسية هربا إلى الأمام من أجل تهدئة الرأي العام الداخلي والعالمي ومن أجل تفادي الطرد من السلطة.[149] ومن بين التنازلات التي اضطرت السلطة إلى تقديمها، هي السماح للأحزاب السياسية الإسلامية أن تقدم ملفات اعتمادها كأحزاب رسمية يحق لها المشاركة في الحياة السياسية والتنافس على السلطة، وفعلا فقد اعتمدت أغلب ملفات تلك الأحزاب. ومنه، فإن "أحدات أكتوبر جاءت لتفتح المجال أكثر فأكثر للحركات الإسلامية التي دخلت مرحلة جديدة من القوة والتمكن".[150]      

ويعتبر "الشيخ" محفوظ نحناح (1942-2003) هو من أسس الحركة، وقد تعلم في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية، وشارك في ثورة التحرير المباركة، وبعد الاستقلال اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية في مقابل المد الثوري الاشتراكي ونشر الثقافة الفرنسية، وشغل مركز التعريب بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة. وكان من الذين أسسوا المسجد الجامعي الأول "مسجد الجامعة المركزية" الذي حاضر فيه الأستاذ المفكر مالك بن نبي. وقد "كان تأسيس مسجد الجامعة محطة مهمة في انطلاق الإسلامية الجزائرية، ومنذئذ رفع الإسلاميون شعار: مسجد في كل حي، مسجد في كل جامعة، وفي كل مكان دراسة وعمل"[151]. وفي سنة 1975، وعندما "انتقل هذا التنظيم بالعمل الاحتجاجي إلى الراديكالية والعنف [...] تم توقيف أبرز عناصره وعلى رأسهم نحناح وبوسلماني، بتهمة محاولة التدبير للانقلاب وتكوين جماعة محظورة"[152]

وقد أدت المرحلة التي تلت سجن الشيخ إلى صياغة جديدة لشخصيته التي صارت جامعة لتجربة ما قبل الاستقلال، تجربة الاستقلال، تجربة الجامعة وتجربة السجن والمعارضة. وفي "ديسمبر 1990 تحول هذا الجناح إلى حزب سياسي باسم حركة حماس مع بقاء أجنحته الاجتماعية والنقابية، ففي الميدان الاجتماعي تبقى جمعية الإرشاد الذراع الحصين للحركة، أما العمل الطلابي فإن الاتحاد الطلابي الحر يبقى وسيلة الحركة في ضخ مناضلين جدد".[153] ومن أهم أطروحات "الشيخ" السياسية نجد: الشورى، الديمقراطية، التسامح، احترام حقوق الإنسان، مشاركة المرأة في مجالات الحياة، الاعتماد على الإصلاح السياسي، الوسطية والاعتدال. ولقد سعى سياسيا للربط بين الوطني، القومي والإسلامي، عبر التأسيس لفكرة المؤتمرات من أجل توطيد العلاقة بين القوميين، الإسلاميين والوطنيين[154]. بدأ "الشيخ" نشاطاته بتأسيس "رابطة الدعوة الإسلامية"، و"جمعية الإرشاد والإصلاح" ثُم أنشأ بعد ذلك "حزب حركة المجتمع الإسلامي"، وقد ترشح للانتخابات الرئاسية سنة 1995[155]. وتحصل الحزب على المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية لسنة 1997 بمجموع 70 نائبا، ليتراجع هذا العدد بعد تشريعات 2002 و 2007. وبعد وفاة "الشيخ نحناح" حلّ محلّه أبو جرة سلطاني.          

يعتبر "الشيخ" جزءا من ظاهرة الحركة الإسلامية المعاصرة، وكان يعتمد على شعار "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، والجزائر وطننا". ومن بين ما تأثر بهم في الداخل، نجد جمعية العلماء المسلمين: عبد الحميد بن باديس- البشير الإبراهيمي- الفضيل الورتلاني، وتأثر كذلك بالأستاذ محمد محفوظي أحد أركان حزب الشعب، إضافة إلى اهتمامه بفكر مالك بن نبي. و أمّا على مستوى المرجعيات الخارجية، فقد تأثّر بمدرسة الإمام ابن تيمية، وحسن البنا و"الإمام" محمد متولي الشعراوي و"الشيخ" محمد الغزالي. ورغم أن التيار الإسلامي في الجزائر له مشارب فكرية متعددة، كجمعية العلماء المسلمين، الإخوان المسلمين، وجمعية القيم[156]، إلا أن المرجعية الإباضية والشيعية هي الأصل المغيب لدى الحركة (حمس)، لحساب الاتجاه السني.

لأنه، حتى وإن كان "الشعب الجزائري مكون من السنة المالكية إلا أن المدرستين الأخيرتين (الشيعة- الإباضية) هما اللتان صنعتا الصورة الخاصة للمغرب. ويعتبر الخوارج في التاريخ العربي الإسلامي دين البربر والقاعدة السياسية والاجتماعية لهم. والخوارج كانوا قبيلة مشاعية كما هو حال قبائل محمد [ص]. والخارجية عالمية تعمل بمبدأ المساواة ولها طابع شعبي، وفي الطائفة الخارجية يوجد أربعة عناصر مفاهيمية هي: حالة المجد، حالة التفاني، التضحية والتقية".[157] 

وقد "أعطت المدرسة الشيعية الصورة الاجتماعية والثقافية للمغرب وللجزائر [...]، وذلك بإدخال عناصر منظمة لا مركزية وحياة دينية صوفية، وخاصة في المناطق الريفية [...] فالشيعة هم القوى المؤسساتية التي دفعت السكان المحليين إلى رفض القوى المسيطرة غير المغاربية"[158]. وبالتالي، فإن هذا الاتجاه بممارساته وقناعاته العقائدية كان عامل تغيير وثورة، فقد قاوم بني ميزاب الإدارة الاستعمارية، ولم يرضوا بتجنيد أبنائهم[159]. فلا يمكن بالتالي التغاضي عن هذا الدور وأهميته في أي محاولة لأسلمة المجتمع، بغرض التطابق مع تجربة تاريخية أولى، وفي حالة ما إذا تم التغاضي عن هاته الهوية الدينية المحلية، يصير من الصعب بلوغ الرفاه، لأن الوسائل والشروط الموضوعة لتحقيقه تكون متوافقة مع تصورنا للهوية، وفي حالة ما إذا تصورنا هوية ليست هويتنا، فإن النتائج العملية تكون مغلوطة وغير مرضية. لكن الملاحظ "أن الإصلاح الإسلامي قد تم إدخاله في الجزائر من طرف شخصيات دينية سنية غير جزائرية مثل المصري الشيخ عبده الداعي إلى ولادة إسلام تقليدي [...] وقامت جمعية العلماء المسلمين بنشر هذه الأفكار في مختلف أرجاء الجزائر"[160].

إن جمعية العلماء هي أول مؤسسة سياسية حديثة لها ثقافة سياسية تعبر عن قواعد الوطنية الجزائرية الحديثة من حيث أن الإسلام هو الدين، العربية هي اللغة والجزائر هي الوطن[161]. وفي الذكرى 18 للتأسيس: المفاتيح العشرة ليفهمها الناس[162]، تم التطرق إلى الأساس المنهجي والمرجعيات:

" أولا- فكرتنا: تتلخص فكرتنا في العودة بالمجتمع كله، ومن ورائه العالم الإسلامي والبشرية جمعاء إلى النبع الصافي [...] لسنا حزبا سياسيا [...] ولسنا جمعية خيرية إصلاحية [...] ولسنا فرقا رياضية [...] لسنا شيئا من هذه التشكيلات فإنها جميعا تبررها غاية موضعية محدودة [...] ولكننا أيها الناس، فكرة وعقيدة ونظام ومنهاج لا يحدده موضوع ولا يقيده جنس [...] وذلك لأنه نظام رب العالمين ومنهاج رسوله الكريم [...] ثانيا- رسالتنا: هي رسالة الإسلام الأولى، الداعية إلى الاعتصام بحبل الله [...] ثالثا- منهجنا: هو منهج السلف الصالح، منهج واضح وبسيط ومتدرج يبدأ بتربية الفرد المسلم والبيت المسلم والشعب المسلم [...] رابعا- مرجعيتنا: وتعني بها الرجوع إلى الأصل [...] خامسا- تنظيمنا: التنظيم شأن داخلي وجهد بشري مستمد من تجارب الذين سبقونا، ومبناه قاعدة أصولية مشهورة تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [...] سادسا- قيادتنا : فقد صار من الفروض الواجبة انتخاب قيادة لكل جماعة [...] سابعا- شرعيتنا: الشرعية عندنا ثلاث مستويات: شرعية السلف الذي صنعته الأجيال تلو الأجيال (أي الأجيال الدينية-المتدينة)، شرعية التنظيم (أي الانتخاب/المؤسسة/الشورى)، وشرعية العواطف: وهي الشرعية التي تنمو في قلوب الرعية اتجاه راعيهم [...] والطريق القويم لبناء المنشودة طريق طويلة وشاقة تبدأ بتربية الإنسان أساسا [...] فالوطن ركن ثالث من أركان كينونتنا السياسية بعد الدين واللغة"[163]

يسجل هذا الخطاب أسبقية الديني على الوطني، حيث يتم إعطاء الأسبقية لكل من الدين واللغة على الوطن. ويمكن إذا، أن نصنف فكر الحركة في إطار "الثقافة التقليدية" التي تفرض نمطا خاصا من الحراك الاجتماعي:

"إن الثقافة التقليدية تدرج في كل مكان طريقة في الوجود والفعل على أساس ميكانزمين أساسيين، من جهة أولى الخوف من الخارج، الإحساس بعار التحولات/الثورات، التخوف من المصير، التأويل السحري للحوادث الاجتماعية، الاتكال، الخضوع، الفصل بين الجنسين وبين الأعمار، الانسياق والرقابة الاجتماعية. ومن جهة أخرى اغتنام الفرص، التكيف مع الظروف، الحيلة، الخبث، التلاعب، الإخفاء، التأثير، الابتزاز، الاكتناز، الأولوية الممنوحة للمصالح الخاصة والكسب المباشر من أجل استهلاك يومي"[164].

 إن هذا الشكل التقليدي في نظر سليمان مدهر، ينجح في الأوقات العصيبة ويفشل في الأوقات الأخرى، ففي المجتمع الكموني أو الطائفي يتم الإعلاء من  شأن القيم الروحية كفكرة "الأخوة في الله" كما لاحظ برهان غليون، ما يسهل التضامن والتكافل الجماعي لمقاومة الأخطار الخارجية والداخلية. في حين أن الوطنية لم تكن لوحدها قادرة على تحقيق نفس النتيجة. ومنه، فإن "القيم الممثلة للمؤسسات في الوسط التقليدي مثل: الوحدة، التجمع، الأخوة، التضامن، التعاون والدفاع عن مجموعات الانتماء، ليست مجدية إلا في الأوقات العصيبة (الندرة-الاجتياح-...)"[165]. إن هاته النجاعة يمكن ملاحظتها بوضوح أثناء الثورة الجزائرية. والوفاء لما هو تقليدي جعل "الإسلاميين يرفضون الديمقراطية وأشكال التنظيم والتسيير المتعلقة بالاقتصاد الليبرالي، فالإسلاميين يدعون إلى تكييف التكنولوجيات الحديثة مع الخصوصيات الثقافية المحلية. كما أنهم يسعون إلى إقامة نظام تيوقراطي من أجل إحياء الأمة"[166].  

وفي الدورة العادية لمجلس الشورى الوطني بالجزائر العاصمة في 11 أغسطس 2009، ومن خلال الكلمة الافتتاحية لرئيس الحركة، أي أبو بوجرة سلطاني يلاحظ في هذا الخطاب التركيز على المؤسسات بدل الأشخاص، حيث أن "كاريزما الأشخاص قد صار من حديث الماضي والكاريزما اليوم لمؤسسات التداول واتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ"[167]. ويذكر رئيس الحركة بالمناسبة بما تعرفه الساحة السياسية من تنكر المنخرطين في الأحزاب السياسية لمبادئ أحزابهم ودفاعهم عن مبادئ أحزاب أخرى لم يتمكنوا بسبب المنافسة السياسية من التواجد على رأس تلك الأحزاب كنواب أو رؤساء مجالس بلدية. إن الحزب السياسي اليوم أصبح مجرد غطاء قانوني من أجل الترشح لمناصب سياسية وإدارية من غير الدفاع عن مبادئ الحزب الذي أوصلهم لتلك المناصب. يقول أبو جرة: "إن كل متنكر رافض للشرعية، أو الانصياع لقرارات المؤسسة يعد منشقا عن الحركة مهما قدم من مبررات"[168].

تميل الحركة إلى "مهادنة السلطة" والتعايش معها، ما يجعلها تشيد بإنجازات السلطة الحاكمة: "إن حركة مجتمع السلم تؤكد أن كثيرا من الخدمات قد تحسنت، وكثيرا من المشاريع قد أنجزت وأن الأزمة المالية قد تم امتصاص صدمتها إلى غاية 2011"[169]. ويتصور مجتمع المواطنة السياسية بناء على "أن دولة الحق والقانون والحكم الراشد هي دولة الحقوق والواجبات وهي أيضا دولة فصل السلطات"[170]. والحركة متوافقة مع الشريعة الإسلامية في نظرتها إلى الإقراض، فبسبب أن "المواطن يجد نفسه بين مطرقة المؤسسات الاستهلاكية وسند القدرة الشرائية [...] وحل هذه المعادلة، في نظرنا، يحتاج إلى قرار آخر أكثر شجاعة، وهو منح المواطنين متوسطي الدخل – ممن تتوفر فيهم شروط الإقراض- قروضا حسنة بلا فوائد"[171]. وتبقى انشغالات الحركة اجتماعية، وكأنها لم تستطع التخلص من منشئها وروافدها الأولى كجمعية (جمعية الإصلاح والإرشاد)، فهناك في نظر رئيس الحركة ثلاث جبهات أساسية هي "الجبهة الاجتماعية وما تنتظره من تواصل ورفع انشغالات [...]، اتجاه المساهمة في التوعية المتعلقة بالحد من توسيع دوائر الآفات الاجتماعية [...] واتجاه إخوانكم وأشقائكم في كل بؤر التوتر في العالم العربي والإسلامي"[172]. أي أن هناك انتقال من الاجتماعي الوطني إلى الاجتماعي العربي (القومي) والاجتماعي الإسلامي. (الوطني ← العربي ← الإسلامي ). 

إن الجانب الأخلاقي والديني حاضر بقوة لدى الحركة، حيث يكتب أبو جرة سلطاني بمناسبة شهر رمضان مقالا حول فضائل هذا الشهر يلخص من خلاله نظرته إلى الحياة من منطلق أن الخلاص الإنساني مرهون بـ " تجديد الحياة مع الله هو الخطوة الأولى التي تفتح لك أبواب استكمال مدارج السالكين بمراجعة علاقتك بنفسك فتتجدد حياتك، ثم علاقتك بالناس ممن خاصمت وهجرت وظلمت وأسأت الظن [...]، فإذا فتحت قلبك وجدتنا في انتظارك نحمل إليك في قلوبنا شعار:  والله إننا نحبك في الله "[173]. إضافة إلى ذلك، فإن أبو جرة يخصص عددا من المقالات المتتابعة حول "فقه الاستحلال" موجها انتقادات إلى المجالس التي يتمحور الحديث فيها "بذكر عيوب الآخرين وكشف عوراتهم"[174]. وقد حدد أربعة مجالس سوء هي: "مجالس الغيبة والنميمة وقول الزور، مجالس الضحك على الناس والتندر بهم، مجالس الكيد لأهل الإيمان والتخطيط للوقيعة بهم، ومجالس الخمر والفجور وهتك المستور"[175]. إن خطاب الحركة ليس خطابا سياسيا بقدر ما هو خطاب ديني ووعظي. والمرجعية الدينية واضحة من خلال المراجع المعتمدة والمصرح بها، حيث يقول: " من أراد الاستزادة يراجع شروح حديثي "أتدرون من المفلس" و"أتدرون ما الغيبة" في الكتب المعتمدة، كما يمكن الاستئناس بما جاء في كتب الرقائق والتربية الإيمانية: إحياء علوم الدين، فقه إحياء الربانية، آفات على الطريق"[176]. وانطلاقا من اعتبارات أخلاقية ودينية، فإن الحركة اليوم ومع زعيمها أبو جرة تنخرط في مشروع المواطنة والتسامح، ففي مقاله حول: "تعلموا ما يسمى: جبر الخاطر"[177]، يدافع "الشيخ" عن ضرورة محبة الجميع، وعدم إيذاء الناس، "وفي كل الأحوال: المؤمن لا يظلم أحدا حتى من كانت بيننا وبينهم خصومة"[178]. وتقتضي الحياة مخالطة الناس "فالقلوب بيد الله، ولكن جبر الخواطر بيدك أنت، وذلك من فضل الله ورحمته: فعاشر بمعروف [...] وسامح من اعتدى [...] وفارق، ولكن بالتي هي أحسن"[179]. إن هذه الرؤى لا تخرج عن نطاق بناء المجتمع على أساس "الأخوة في الله" التي وحدها يمكن أن تضمن التعايش، التآلف والانتماء.

وتمحور الانطباع العام خلال "رسائل الطبعة التاسعة للجامعة الصيفية للحركة"[180]حول الانقسامات الداخلية للحركة وانشقاق بعض الأعضاء عنها، وفي نظر جمال زواوي أحمد فإن، "حملات التشكيك ومحاولات زعزعة القناعات بالحركة ومؤسساتها وقياداتها باءت بالفشل الذريع [...] وقد ثبت وبالدليل العملي كذلك، ومن خلال انطباعات ما يزيد عن 1500 مشارك في الجامعة، أن الضربة التي لا تقسم ظهرك تقويك [...] ولكن مع ذلك تشعر وتلمس أسف الجميع، بدءا من قيادة الحركة مرورا بكل المشاركين على اختلاف مستوياتهم التنظيمية ومواقعهم القيادية، على فقدان الحركة لبعض أبنائها "[181].

وبالتالي هل يمكن للحزب أن ينهض بمشروع للمواطنة في ظل انقسامات داخلية؟

في بيان التحالف الرئاسي، تجسدت محاولة ترقية التحالف الرئاسي إلى شراكة سياسية حقيقية[182]، حيث  أسفر اجتماع التحالف الرئاسي بمقر الحركة يوم الاثنين 22 جوان 2009 إلى النتائج  والإعلانات التالية:

"العرفان المتجدد لفقيد الحركة (محفوظ نحناح)، الروح العالية للمرشحين، نجاح الانتخابات الرئاسية، عظيم التقدير لجميع المواطنين والمواطنات ما يؤكد روح الانضباط العالية والمواطنة الخالصة التي تحلى بها المجتمع في الانتخابات الرئاسية، ترقية التحالف الرئاسي إلى شراكة سياسية حقيقية، الرغبة في توسيع التنسيق الوطني إلى التنسيق المحلي على المستوى الحزبي والمجالس المحلية في إطار التحالف الرئاسي، تجديد المواقف الثابتة للدولة الجزائرية إزاء القضية الفلسطينية واتجاه كل القضايا العادلة، وفي مقدمتها حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، تهنئة الشعب الجزائري بانتصارات المنتحب الوطني لكرة القدم، والتحالف الرئاسي يجدد استنكاره للعنف ويترحم على أرواح ضحايا الواجب الوطني". [183]   

وقد سيطرت أفكار الانقسام في المؤتمر الرابع للحركة[184]، وهذا ما ظهر في العبارة "المندوبين مصرون على الثبات في مواقعهم والدفاع عن مواقفهم والخروج بقرارات حاسمة مهما طالت أيام المؤتمر ولياليه ومهما كانت قوة الضغط على الأعصاب ومهما تنوعت براعة التلاعب بعواطف الإخوان"[185] وتبينت أولويات الحركة عبر ما أطلق عليه أبو جرة بـ " الرباعيات المحفوظة من رسالة المؤتمر الرابع" والتي حددها في: "مرضاة ربنا، وحدة صفنا، سلامة صدورنا، استكمال بناء مؤسساتنا"[186]. ما يدل على الصعوبات التنظيمية التي واجهت الحركة، ولكن لأن "قناعة الجميع بأننا نعمل في إطار مرجعية الجماعة فكرة، ورسالة، ومنهجا وثقافة وأخلاقا، وقناعة الجميع بأن المؤتمر هو أعلى هيئة في الحركة، وقناعة الجميع بأن المؤسسات هي صاحبة الكاريزما"[187]. فقد تمكنت الحركة من تجاوز الأزمة الداخلية، "حتى لا يقال مات الشيخ (رحمه الله) فتخاصم الإخوان قبل أن يبرد في قبره"[188]. ورغم ذلك فقد تواصلت الانقسامات وتغير الولاء، وهذا ما نلمسه من خلال بيان الحركة الذي جمّد فيه عضوية 9 نواب في الكتلة البرلمانية[189]، وقبل ذلك أصدرت الحركة في 12 أفريل 2009 بيانا تستنكر فيه تأسيس إطار جديد خارج الحركة، وصرح أبو جرة قائلا: "بعد انتهاء المؤتمر الرابع وإصدار مؤسسات الحركة قراراتها الشورية في الرجال والبرامج والمناهج والتوجيهات لم يبق أمام أي مناضل إلا الانضباط والعمل وفق القواعد المتفق عليها، ومن اختار غير ذلك ندعو الله أن يوفقه لخدمة البلاد والعباد"[190].     

ومن أهم الانتقادات الموجهة إلى هذا التيار "المعتدل" تتمثل في إدراك أن اعتدال هذه الحركات ومجاراتها للسلطة مجرد إستراتيجية لإعادة اكتساب الثقة بعد انتكاسها[191]، وأنه في حالة الوصول إلى السلطة تظهر إلى السطح المساعي الرامية إلى تطبيق الشريعة. إن الحركة هي اليوم بصدد تهيئ المجتمع وتحضيره تدريجيا للمستقبل، لذلك فهي كحزب يقدم نفسه كحركة وليس كجبهة ونشاطه السياسي مستمر طول السنة وليس مرهونا بالانتخابات أو بالمناسبات السياسية. لقد استفادت الحركة من تجربة جبهة الإنقاذ الإسلامية التي أرادت أن تستولي أولا على السلطة ثم تطبق الشريعة بعد ذلك.  ومنه، فإن "أنصار الدولة الإسلامية ما زالوا أسرى حلقة نظرية/علمية مفرغة، ولم يستطيعوا أن يجيبوا على سؤال ملح، هل يستولون على السلطة ثم يطبقون الشريعة أم يهيئون المجتمع تدريجيا ثم ينتهون إلى تطبيق الشريعة؟"[192]. والمفارقة أن "هاته التعاليم إما أنه استحال تطبيقها رغم خمسة عشر قرنا من التجارب، وإما أن القادرين على تطبيقها أرقى بالضرورة من الأوائل، وعندئذ لا مبرر للعودة إلى الماضي للاقتداء بمن فشلوا [...] والحركات الإسلامية من حيث أنها دينية بطبيعتها، فإنه لا مستقبل لها تاريخيا".[193]

وتبقى الاتجاهات الإسلامية بحركاتها وأحزابها تسعى إلى تحقيق نموذج الحياة الإسلامية الأولى (المجتمع المثالي)، و"يمكن القول أنه بالنسبة لكل المسلمين، فإن مفهوم المجتمع الكامل ليس مجرد فكرة طوبوية أو ميتافيزيقية، فهذا المجتمع المثالي يمكن تحقيقه في وجود تاريخي كما كان الحال خلال حياة النبي محمد"[194].

استنتاج

إن "المسألة الأمنية" المطروحة بحدة في العالم اليوم – ما تعلق منها بمحاربة الإرهاب، النزاعات الإقليمية، السلاح النووي، الهجرة غير المشروعة، الحد من حركة الأشخاص بواسطة الانتقاء والصرامة في منح التأشيرات ومراقبة الأشخاص، الأمراض المعدية - تغطي وتحجب إلى حد ما ممارسة المواطنة. بالنسبة لفرنسا مثلا نلاحظ أن اللا-أمن لم يعد يسمح بانبثاق مجتمع المواطنة، وبدل تنمية هاته الممارسة، هناك توجه صريح نحو تنمية "الوطنية"، كما هو متجلي من خلال إنشاء وزارة للهوية الوطنية، في حين أن هناك انشغالات أخرى لا تقل أهمية عن الأمن، حيث أن "النظام الحكومي يطرح باستمرار أسئلة جديدة بالمقدار الذي لن يتمكن أبدا من معالجتها [...] وبالتالي من الصعب أن نفهم لما تم تسييس اللا-أمن، أي لما تم الاختيار السياسي لخطر مرتبط بالإجرام والانحراف بدل خطر آخر مرتبط بالأمراض القلبية أو حوادث السقوط"[195]. هذا التوجه السياسي للدولة الوطنية سواء في فرنسا أو الجزائر أو غيرهما جعل من "سوق الأمن حقيقة جديدة"[196]، وذلك على حساب "سوق المواطنة" وعلى حساب مبادئ كل نظام جمهوري حقيقي، إذ أن "معالجة مسألة الأمن تجعل النظام السياسي والإداري يهمشان النقد والمعارضة بأشكال مختلفة"[197]. وقد انعكس ذلك مباشرة على مشاركة المواطن في الحياة العمومية المحلية بالخصوص، " فالمجتمعات الغربية تمر بمرحلة عدم المشاركة السياسية والاجتماعية [...] والمشاركة الدائمة في الحياة المحلية مستحيلة، لأن الديمقراطية التشاركية تضعف الطاقات"[198].

لا يمكن أن نفهم المواطنة إلا من خلال الصيرورة والسياق العالمي، الذي يحاول أن يجعل المواطنة بديلا عن الوطنية، تعبيرا عن مواجهة العالمي للمحلي، ولكن هذا التحول يتم عن طريق خطوات ثلاث:

 " إن الخطوة الأولى التي شرع فيها مند سنين عديدة هي في صدد الاكتمال، فالمجتمعات التي شهدت إفلاسا اقتصاديا ولا تملك مرجعيات للتجنيد، تشهد أكثر فأكثر فرار التقنيين المهرة [...] والخطوة الثانية فتتمثل في إقامة مؤسسات (جيش، محاكم، ...) من أجل جعل هيئة الأمم المتحدة حكومة عالمية [...] أما الخطوة الثالثة فهي متوقعة، إذ هدفها يتمثل في إعادة رسم الخارطة السياسية العالمية [...] حيث أنه محتوم على الدول الوطنية الاندثار وخاصة في جانبها التقليدي وذلك لصالح التجمعات الاقتصادية والثقافية (في إطار النظام العالمي الجديد) التي هي في حاجة إلى امتلاك المجموعات السياسية الإقليمية. ونحن نفترض أن هذه الأخيرة سوف تبنى على شاكلة الدول التي شاركت في حرب الخليج الثانية (1990). ويمكن توقع أن كل من المغرب الأقصى، إسرائيل، مصر، سوريا، العربية السعودية واليابان ستمثل المحاور التي ستقام عليها التجمعات السياسية خارج أوروبا وأمريكا"[199].

وبالتالي، فإن مشروع المواطنة يدخل في هذه الاستراتيجية العامة. هذا فيما تعلق بالسياق العالمي، أما ما يتعلق بالسياق المحلي، فهناك تجل واضح لعوائق التعاقد الاجتماعي و" يحدد جيلالي اليابس العوائق التي تمنع مرور المجتمع من وضعية مجتمع القانون إلى مجتمع التعاقد في سببين: أحدهما أنثروبولوجي متعلق بالجوانب الثقافية والاجتماعية، والسبب الآخر مرتبط بالنظام السياسي"[200]، الشيء الذي يجعل وطنيتنا ومواطنتنا تتأسسان حول حب مرجعيات ثلاث: الإسلام، العربية  والوطن.

ويظهر أن الفاعلين السياسيين بمختلف توجهاتهم وأطيافهم لم يتجاوزوا سياسة الحركة الوطنية التي لم تناضل من أجل المواطنة، لأن ذلك يتطلب الوعي بأهمية الفضاء العمومي. وما يمكن قوله أن الحركة الوطنية في الماضي والأحزاب السياسة اليوم ناضلوا ويناضلون من أجل الحقوق المدنية والوطنية فقط.

Bibliographie :

Catherine Neveu., « Anthropologie de la citoyenneté », in Marc Abélés Henri et Pierre Jeudy (sous dir.), Anthropologie du politique. Paris, Armand Colin/ Masson, 1997.

Marc Abélés Henri et Pierre Jeudy (sous dir.), Anthropologie du politique, Paris, Armand Colin/ Masson, 1997.

Pierre Avril, Essais sur les partis politiques, Paris, Editions Payot, 1990.

George A. Taliadoros, La culture politique arabo-islamique et la naissance du nationalisme algérien (1830-1962), Alger, ENAL, 1985.

Loïc Blondiaux et Sandrine Lévêque, « La politique locale à l’épreuve de la démocratie : Les formes paradoxales de la démocratie participative dans le 10ème arrondissement de Paris », in Catherine Neuveu (sous dir.), Espace public et engagement politique, Paris, L’Harmattan, 1999.

Barbara Cassin, « Grecs et Romains : les paradigmes de l’Antiquité chez Arendt et Heidegger », Politique et pensée, actes du colloque Hannah Arendt, Paris, Éditions Payot et Rivages, 1996.

Bernard Badie, L’Etat importé : L’occidentalisation de l’ordre politique, Paris, Fayard, 1992.

Burhan Ghalioun, Islam et politique: La modernité trahie, Alger, Casbah Editions, Décembre 1997.

 Mohamed Harbi et Gilbert Meynier, Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962, Alger, Casbah Editions, 2004.  

Laure Blévis.,  « Les avatars de la citoyenneté en Algérie coloniale ou les paradoxes d’une catégorisation », in Revue droit et société, n°48, 2001.

Rabarh Achi, « Laïcité d’empire: Les débats sur l’application du régime de séparation à l’islam impérial », in Patrick Weil (sous dir.), Politiques de la laïcité au 20ème siècle, Paris, PUF, 1ère édition, 2007.

Abdelkrim Bezaz, Eléments pour une étude sociologique et politique du nationalisme algérien. Thèse de Doctorat de 3ème cycle. Freddy Raphaël (sous dir.), Université des Sciences Humaines de Strasbourg, Faculté des Sciences Sociales, 1980.

Mahfoud Bennoune, Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique. Illustrée par : une stratégie algérienne de sortie de la crise (acceptée, puis abandonnée par un pouvoir inapte), Alger, Editions Marinnor, 1ère édition, 1998.

Abdelkader Lakjaa, « vie associative et urbanisation en Algérie », in « le mouvement associatif en Algérie : réalité et perspectives », Revue publiée par le Centre de Recherche en économie Appliquée pour le Développement, n° 53, 3ème trimestre 2000.

Mohamed Madani., « Les regroupements associatifs : image de soi, de l’Etat et de la société », in « le mouvement associatif en Algérie : réalité et perspectives », Revue publiée par le Centre de Recherche en Economie Appliquée pour le Développement, n° 53, 3ème trimestre 2000.    

Michel Galloux, Finance islamique et pouvoir politique : Le cas de l’Egypte moderne, Paris, PUF, 1er édition, juin 1997.

Amar Benamrouche, Grève et conflits politiques en Algérie, Paris, Karthala-Institut Maghreb-Europe. 2000.

 Mohamed Tahar Ben Saada, Le régime politique algérien : De la légitimité historique à la légitimité constitutionnelle, Alger, ENAL, 1992.

Hassan Remaoun., « A propos de la relation entre sphère du politique et du religieux : en questionnant l’Histoire du monde occidental », in Politique et religion, actes du colloque organisé le 13-14 mai 1993 à Sidi Fredj, Alger, Editions El-Adib, 1998.

Makhlouf Amar, « L’islam et le pouvoir », in Politique et religion, actes du colloque organisé le 13-14 mai 1993 à Sidi Fredj, Alger, Editions El-Adib, 1998.

 Slimane Medhar., L’échec des systèmes politiques en Algérie, Alger, Éditions Chihab, 1999.

Sébastien Roché., Sociologie politique de l’insécurité: Violences urbaines, inégalités et globalisation, Paris, PUF, 2ème édition, juin 1999.

مبارك محمد الميلي. تاريخ الجزائر في القديم والحديث، المجلد الثالث، الجزائر، مكتبة النهضة الجزائرية، 1964.

عروس الزبير، (تنسيق)، الحركة الجمعوية في الجزائر: الواقع والآفاق. دفاتر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، رقم 13، وهران، منشورات Crasc، 2005. 

عمر دراس،  "الظاهرة الجمعوية في ظل الإصلاحات الجارية في الجزائر: واقع وأفاقمجلة إنسانيات، عدد 28، أفريل- جوان 2005.

عائشة باركي، "الحركة الجمعوية في الجزائر و تجربة "اقرأ" "، ضمن دفتر الحركة الجمعوية بالجزائر: الواقع و الآفاق. منشورات مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية، العدد 53، الفصل الثالث 2000.  

عيسى بن الأخضر، "تجربة العمل الاجتماعي و التربوي لجمعية الإرشاد والإصلاح"، ضمن دفتر الحركة الجمعوية بالجزائر: الواقع و الآفاق. منشورات مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية، العدد 53، الفصل الثالث 2000.  

عروس الزبير، "المجتمع المدني: الأداة، الرأي و الفقراء الجدد". ضمن دفتر الحركة الجمعوية بالجزائر: الواقع و الآفاق. منشورات مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية، العدد 53، الفصل الثالث 2000.

الهوامش

[1] Catherine Neveu., « Anthropologie de la citoyenneté ». In  Anthropologie du politique. Sous la dir de : Marc Abélés Henri et Pierre Jeudy. Armand Colin/ Masson, Paris 1997. p 70

[2] Henry Samner Main (1822-1888) est un juriste et un anthropologue britannique qui a été professeur à l’université d’Oxford.

[3] Anthropologie du politique., Op.cit, p 6

[4] Henri-Pierre Jeudy., « L’anthropologie politique en question ». In  Anthropologie du politique. Op.cit, p 238.

[5] Pierre Avril., Essais sur les partis politiques. Édition Payot, 1990. p 8.

[6] Voir Les partis politiques, Armand Colin 1951.

[7] Ibid., p 9.

[8]  Ibid., p  11.

[9]  Ibid., p  20

[10] Ibid., p  10.

[11] Ibid., p 136.

[12] Ibid., p 139.

[13] Ibid., p 137.

[14] Loïc Blondiaux et Sandrine Lévêque., « La politique locale à l’épreuve de la démocratie : Les formes paradoxales de la démocratie participative dans le 10ème arrondissement de Paris ». In  Espace public et engagement politique. Sous la direction de Catherine Neuveu. L’Harmattan, 1999. P 62

[15] Matteo GIANNI., « Multiculturalisme et démocratie ».  In Swiss Political Science Review 1 (4) : 1-39

[16] Le patriotisme constitutionnel et l’union européenne. Sous la direction d’Olivier Costa et Paul Magnette- Politique Européenne n°19, L’Harmattan.

[17] Charles Taylor.,  « Les institutions dans la vie nationale ». In Esprit.

[18] Pierre Bourdieu., Contre la Politique de la Dépolitisation : Les Objectives du Mouvement social européen.

[19] Matteo Gianni., « Multiculturalisme et démocratie ». Op.cit, pp 1-39

[20] Bernard Badie., L’État importé : L’occidentalisation de l’ordre politique. Fayard 1992. p 10

[21] Ibid., p 121

[22] Ibid., p 117

[23] Ibid., p 69

[24] Ibid., p 71

[25] William I. Zartman., « Concevoir la théorie de la négociation en tant qu’approche de résolution de conflits économiques ». In Revue française de gestion, no 153 2004/6   

[26] Burhan Ghalioun., Islam et politique: La modernité trahie. Édition Casbah, Alger - Décembre 1997.

[27] Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962, Casbah Éditions, Alger, 2004.  p 12.

[28] Laure Blévis., «  Les avatars de la citoyenneté en Algérie coloniale ou les paradoxes d’une catégorisation ». In Revue : droit et société, 48- 2001, pp557- 580

[29] مبارك محمد الميلي. تاريخ الجزائر في القديم والحديث، المجلدان الأولان – المؤسسة الوطنية للكتاب بالاشتراك مع دار الغرب الإسلامي (لبنان) 1986. المجلد الثالث، مكتبة النهضة الجزائرية 1964 .

[30] Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962, Op.cit, p 13.

[31] George A. Taliadoros., La culture politique arabo-islamique et la naissance du nationalisme algérien (1830-1962). Entreprise nationale du livre, Alger 1985. pp 43, 43.

[32] Rabarh Achi,  « Laïcité d’empire: Les débats sur l’application du régime se séparation à l’islam impérial ». In  Politiques de la laïcité au 20ème siècle. Sous la direction de Patrick Weil. PUF, 1ère édition 2007, mai. pp 251, 253.

[33] Politiques de la laïcité au 20ème siècle. Op.cit,  p 3.

[34] Abdelkrim Bezaz., Éléments pour une étude sociologique et politique du nationalisme algérien. Thèse de Doctorat de 3ème cycle. Sous la Direction de Freddy Raphaël, Université des Sciences Humaines de Strasbourg. Faculté des Sciences Sociales, 1980. p 71.

[35] Abdelkrim Bezaz., Op. cit, p 91.

[36] Ibid., p  75.

[37] Ibid., p  116.

[38] Mahfoud Bennoune, Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique. Op.cit. p 44.

[39]  Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962, Op.cit. p  15.

[40] George A. Taliadoros., La culture politique arabo-islamique et la naissance du nationalisme algérien. Op.cit, p 8.

[41]  Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Op.cit.  pp  15- 16.

[42]  Ibid.  p 17.

[43]  MTLD = حركة انتصار الحريات الديمقراطية

[44] PPA = حزب الشعب الجزائري

[45] Ibid.,  p.18

[46] Ibid.,  p. 20

[47] بيان أول نوفمبر  1954.

[48] Mohamed Tahar Ben Saada., Le régime politique algérien. Op.cit,  p  35.

[49] Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962, Op.cit. p 18.

[50] Fait à Alger, le 21 Rabie et-thani 1383, Correspondant au 10 Septembre 1963- Ahmed BEN BELLA

[51] Article 24 : Le FLN définit la politique de la Nation et inspire l’action de l’État. Il contrôle l’action de l’Assemblé nationale et du gouvernement". 

[52]  لقد كان شعار الحزب في هذه الفترة هو "الثورة بالشعب ومن أجل الشعب"(المادة 3)

[53] Article 24 : «  L’Algérie se doit d’affirmer que la langue arabe est la langue nationale et officielle et qu’elle tient sa force spirituelle essentielle de l’Islam ; toutefois, la République garantit à chacun le respect de ses opinions, de ses croyances et le libre exercice des cultes. »

[54] « Il appartient au peuple de veiller à la stabilité des institutions politiques… »

[55] Mohamed Harbi et Gilbert Meynier., Le FLN, Documents et Histoire 1954- 1962. Op.cit, p 11.

[56] fr.wikisource.org/.../Constitution_algérienne_du_22_novembre_1976_(version_initiale) -

[57] إن هذا الدستور يرجع إلى" الوعد أو العهد الرسمي المعلن عنه في 19 جوان 1965 والذي هو الآن في صدد التحقق الكلي من خلال الاستمرارية وتقوية المثل النبيلة التي نشطت وأحيت منذ البداية الثورة العظمى لأول نوفمبر 1954".

[58] المادة 195: " لا يمكن لأي تعديل دستوري أن يمس الخيار الاشتراكي"      

[59]  دستور 1976، المادة 27 " الدولة ديمقراطية في أهدافها وفي عملها"

[60] دستور 1976، المادة 07

[61] دستور 1976،  المادة 08

[62] دستور 1976،  المادة 26

[63] دستور 1976،  المادة 20

[64] دستور 1976،  المادة 22

[65] دستور 1976،  المادة 31

[66] دستور 1976،  المادة 35

[67] دستور 1976، المادة 56

[68] دستور 1976،   المادة 19 العنصر (أ)

[69] دستور 1976،  المادة 19 العنصر (ت)

[70] دستور 1976، المادة 39، 110

[71] George A. Taliadoros., Op.cit, p 68.

[72] دستور 1976، المادة 33

[73] دستور 1976، المادة 65

[74] دستور 1976، المادة 40: "القانون واحد بالنسبة للجميع"

[75] دستور 1976، المادة 85.

[76] دستور 1976، المادة 82: "الجيش الوطني الشعبي وريث جيش التحرير الوطني هو درع الثورة و له هدف دائم متمثل في حماية الاستقلال والسيادة الوطنية".

[77] دستور 1976، المادة 60: " الحق النقابي معترف به لكل العمال"

[78]  استفتاء 03 نوفمبر 1988، المادة 5

[79]  استفتاء 03 نوفمبر 1988، المادة 148

[80] Amar Benamrouche., Grève et conflits politiques en Algérie. Karthala- Institut Maghreb-Europe. 2000. p 248

[81] Mohamed Tahar Ben Saada., Le régime politique algérien: De la légitimité historique à la légitimité constitutionnelle. ENAL, Alger 1992. p 12

[82]  Slimane Medhar, L’échec des systèmes politiques en Algérie. Édition Chihab, Alger 1999. p 3.

[83] JORADP n 76 du 8 décembre 1996 Modifié par la loi 02-03 du 10 avril 2002 JORADP N 25 du 14 avril 2002.

[84] من ديباجة 1.1 دستور 08 ديسمبر 1996.

[85] من ديباجة 1.1 دستور 08 ديسمبر 1996.

[86] Mohamed Tahar Ben Saada, Le régime politique algérien: De la légitimité historique à la légitimité constitutionnelle. ENAL, Alger 1992. pp 111- 115.

[87] إن منصب "الأمانة" و "الأمين العام" من المناصب الإدارية، كما أن الرئيس الجديد يؤدي القسم الدستوري واضعا يده على المصحف دليلا على رغبة و علامة على التقيد بالأخلاق الإسلامية. 

[88] دستور 1996، المادة 3

[89] دستور 1996، المادة 6، 7، 8

[90] دستور 1996، المادة 73.

[91] وعددها 8595 كلمة

[92]  حزب التحرير مكرر 6 مرات،  الوطن 12 مرة، الوطنية  12 مرة

[93] 10641 كلمة

[94] إن مشروع البرنامج العام لحزب جبهة التحرير الوطني قد تمت صياغته من قبل اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر الثامن (اللجنة الفرعية للبرنامج العام) وعرضت خلاصة الاقتراحات و الإثراءات التي قدمت من طرف القاعدة على الندوة الوطنية للإطارات المنعقدة بتاريخ 21-22 ديسمبر 2004 انعقاد المؤتمر الثامن بالمركب الأولمبي 05 جويلية أيام 30 -31 جانفي وأول فيفري 2005 حيث عملت لجنة البرنامج العام المشكلة يوم 31 جانفي على دراسة المشروع النهائي وأدخلت عليه الملاحظات والاقتراحات التي جاءت بها التقارير الجهوية ومداخلات المندوبين. وبذلك تصبح هذه الوثيقة النهائية النص الرسمي للبرنامج العام لحزب جبهة التحرير الوطني المنبثق عن المؤتمر الثامن الذي انعقد تحت شعار " وحدة، مصالحة، استمرارية".

[95] برنامج ح ج ت و ، 2005 –  بند الشعب ومحاربة البطالة

[96] القانون الأساسي – المادة 1

[97] القانون الأساسي – المادة 5

[98] القانون الأساسي – المادة6 "يناضل حزب جبهة التحرير الوطني من أجل تحقيق الأهداف التالية: القيم والتعاليم الإسلامية. قيم ومبادئ ثورة أول نوفمبر 1954. دولة الحق والقانون. الدفاع عن الهوية الوطنية بعناصرها الثلاثة: الإسلام، العروبة، الأمازيغية. الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. الترقية الاجتماعية المتوازنة. حماية الملكية العمومية.الأمن و السلم و العدل في العالم".

[99] عدد الكلمات في القانون الأساسي هي 2795

[100] Michel Galloux., Finance islamique et pouvoir politique :Le cas de l’Egypte moderne. PUF 1er édition : 1997, juin. P 5.

[101] Michel Galloux., Finance islamique et pouvoir politique :Le cas de l’Egypte moderne. Op.cit, p 5.

[102] Amar Benamrouche, Grève et conflits politiques en Algérie. Op.cit, pp 11, 12.

[103] Ibid.,  p 8.

[104] Ibid.,  p 14.

[105] Ibid.,  p 245.

[106] Ibid., pp 253- 255.

[107] Mohamed Tahar Ben Saada., Le régime politique algérien. Op.cit, p 172.

[108] Amar Benamrouche., Grève et conflits politiques en Algérie. Op.cit, pp 8, 9.

[109] Ibid., p 266.

[110] أحمد بوكابوس.، مقال: مقاربة سوسيو- تاريخية لوضعية التنظيمات الاجتماعية الثقافية. مرجع سبق ذكره، ص 87.

[111] عمر دراس.، مقال: الظاهرة الجمعوية في ظل الإصلاحات الجارية في الجزائر: واقع وأفاق. مرجع سبق ذكره، ص ص 25، 26.

[112] Mokrane Ait Ouarabi.,  « De Benbella à Bouteflika : le FFS ou l’opposition sans concession au système ».  Article d’El Wattan 04 avril 2006.

[113] Dépêche de l’A.P.S, relatant le retour de Hocine AIT AHMED à Alger –APS 15 Décembre 1989 : http://www.ffs-dz.com/ Hocine-AIT- AHMED- les-mouvements.html 

[114] Dépêche de l’A.P.S, relatant le retour de Hocine AIT AHMED à Alger –APS 15 Décembre 1989.

[115] Propos rapportés dans le Nouvel Afrique-Asie n 114, du mois mars 1999, par le journaliste Farid ZEMMOURI : http://www.ffs-dz.com/ Hocine-AIT-AHMED-Depasser-l.html

[116]Ait Ahmed : " L’élection présidentielle, je m’en fous. Le plus important, c’est de recentrer le débat sur la crise qui dévore nos enfants depuis sept ans…"

[117] Déclaration rendue publique le vendredi 14 septembre 2007 : http://www.ffs-dz.com/Declaration -de-Messieurs-Hocine.html

[118] Hassane Zerrouky, le 15 avril 1999, in Journal l’Humanité : http://www.ffs-dz.com/ Pesidentielle-d-Avril-1999-Algerie.html

[119] Ait Ahmed, Mouloud Hamrouche, Ahmed Taleb, Abdellah Djaballah, Mokdad Sifi et Youcef Khatib.

[120] http://www.algeria-watch.de/fr/article/pol/amnistie/petition_contre_impunite.htm

[121] Hocine Ait Ahmed à Al Jazeera-Live, Bouteflika et Ben Bella critiqués- El Watan, 06 septembre 2006 : http://www.ffs-dz.com/Hocine-Ait-Ahmed-a-Al-Jazeera-Live.html

[122] Zéralda, le 6 septembre 2007 -Hocine Ait Ahmed au 4ème Congres du FFS : http://www.ffs-dz.com/ALLOCUTION-D-OUVERTURE-DE-HOCINE.html

[123] Lahouari Addi professeur à l’Institut d’études politiques de Lyon, chercheur au Groupe de recherche et d’études sur la Méditerranée et le Moyen-Orient (Gremmo), Maison de l’Orient. Auteur notamment de les Mutations de la société algérienne, La Découverte, Paris, 1999.     

[124] Le Monde Diplomatique, Avril 2006, pages 6 et 7 http://www.monde-diplomatique. Fr/2006/04/ADDI/13379

[125] Le Monde Diplomatique, Avril 2006, pages 6 et 7 http://www.monde-diplomatique. Fr/2006/04/ADDI/13379

[126] Mohand Amokrane Cherifi est un docteur en économie à Harvard.

[127] Entretien réalisé par Mohmoud Mamart, paru le 5 mars 2007 dans le supplément économie du quotidien El Watan.

[128] Par K. Selim- In Le Quotidien d’Oran du 02 novembre 2004. http://www.ffs-dz.com/ Cinquantenaire –de-La-revolution.html

[129] Ibid.

[130] Ibid.

[131] Hocine Ait Ahmed à Al Jazeera-Live, Bouteflika et Ben Bella critiqués- El Watan, 06 septembre 2006 : http://www.ffs-dz.com/Hocine-Ait-Ahmed-a-Al-Jazeera-Live.html

[132] Mohamed Djelmani est membre du bureau fédéral du FFS et président du bureau Ligue Algérienne de défense des droits de l’homme de Ghardaïa.

[133] Propos de Mohamed Djelmani recueillis au téléphone par Karimene Toubbiya "Alger républicain" numéro : du 15 novembre au 01 décembre 2004.

[134] Zéralda, le 6 septembre 2007 -Hocine Ait Ahmed au 4ème Congrès du FFS. http://www.ffs-dz.com/ALLOCUTION-D-OUVERTURE-DE-HOCINE.html

[135] Ibid.

[136] آيت أحمد، افتتاحية المؤتمر الرابع لجبهة القوى الاشتراكية. 

[137] آيت أحمد، افتتاحية المؤتمر الرابع لجبهة القوى الاشتراكية. 

[138] Zéralda, le 07 septembre 2007

http://www.ffs-dz.com/RESOLUTION-DE-STRATEGIE-POLITIQUE.html

[139] Ibid

[140] http://www.ffs-dz.com/Resolutions-du-4e-Congres-du-FFS.html

[141] 4ème congres du FFS : résolutions sur les objectifs du millénaire.

Texte complet de la résolution de l’atelier Kacem Zidoun

Les objectifs du millénaire des Nations Unies pour le développement (PNUD).

http://www.ffs-dz.com/Resolutions-du-4e-Congres-du-FFS.html

[142] Rapports de synthèse des travaux de la conférence  nationale des élus locaux du FFS : http://www.ffs-dz.com/Rapports-de-synthese-des-travaux.html Le 13/07/2007 

[143] Karim Tabbou.,  « Il est possible de faire la politique autrement ». Article paru dans le quotidien " La tribune" dans l’édition du samedi 15 décembre 2007  sous le titre : " Le FFS compte révolutionner la gestion de la cité"; publié par le journaliste Ghada Hamrouche.

[144] Ibid,

[145]  Alger le 7 septembre 07- http://www.ffs-dz.com/Notre-contrat-politique-La.html

[146] الطاهر سعود، الظاهرة الإسلامية: قراءة في تشكل الحركة الإسلامية في الجزائر. مجلة المواقف ص ص 189-200 (عدد خاص بفعاليات الملتقى الدولي الأول حول الظاهرة الدينية)، أفريل 2008 . ص 191.

[147] Mahfoud Bennoune., Esquisse d’une anthropologie de l’Algérie politique. Illustrée par : une stratégie algérienne de sortie de la crise (acceptée, puis abandonnée par un pouvoir inapte). Edition Marinnor, Algérie, 1ère édition. P 88

[148] Ibid. p 74.

[149] Ibid. p90

[150] جيلاني كوبيبي معاشو، مقاربة سوسيولوجية للمد الإسلاموي لجزائر ما بعد الاستقلال، ص ص 215- 225. مجلة المواقف ص ص 189-200 (عدد خاص بفعاليات الملتقى الدولي الأول حول الظاهرة الدينية)، أفريل 2008.   ص 223

[151]   الطاهر سعود، الظاهرة الإسلامية: قراءة في تشكل الحركة الإسلامية في الجزائر. مرجع سبق ذكره. ص 194

[152] المرجع نفسه، ص 197.

[153] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[154]  المرقع الرسمي للحركة.  (نبذة تعريفية بفضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله مؤسس حركة مجتمع السلم)

[155]  الموقع الرسمي للحركة- نبذة تعريفية بفضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله مؤسس حركة مجتمع السلم

[156] جيلاني كوبيبي معاشو، مقاربة سوسيولوجية للمد الإسلاموي لجزائر ما بعد الاستقلال، ص ص 215- 225. مجلة المواقف ص ص 189-200 (عدد خاص بفعاليات الملتقى الدولي الأول حول الظاهرة الدينية)، أفريل 2008   ص ص 217، 218، 219 ، 220. 

[157] George A. Taliadoros.,  La culture politique arabo-islamique et la naissance du nationalisme algérien (1830-1962). Op.cit, pp  28 - 29.

[158] Ibid. p 31.

[159] Ibid. p 48.

[160] Ibid.  pp 49- 51.

[161] Ibid. pp 52- 53.

[162] حمس.نت: في الذكرى 18 للتأسيس: المفاتيح العشرة ليفهمها الناس/ أبو جرة/ 30/ماي/2009

[163] حمس.نت: في الذكرى 18 للتأسيس: المفاتيح العشرة ليفهمها الناس/ أبو جرة/ 30/ماي/2009

[164] Slimane Medhar, L’échec des systèmes politiques en Algérie. Édition Chihab, Alger 1999. p 14.

[165] Ibid. p 14.

[166] Ibid. p 244.

[167] الموقع الرسمي للحزب: http://www.hmsalgeria.net/ar/ من: الدورة العادية لمجلس الشورى الوطني، الجزائر في 11 أغسطس 2009 

[168] المرجع السابق.

[169] المرجع السابق. 

[170] المرجع السابق.

[171] المرجع السابق .

[172] المرجع السابق. 

[173] الموقع الإلكتروني للحزب HMS:  حمس.نت: أبو جرة سلطاني،  فضائل شهر رمضان.

[174] الموقع الإلكتروني للحزب HMS: أبو جرة سلطاني،  هوامش من فقه الاستحلال. 

[175] المرجع السابق. 

[176] المرجع السابق.

[177] حمس.نت: تعلموا ما يسمى: أبو جرة سلطاني،  جبر الخاطر- الأحد 19 يوليو 2009

[178] المرجع السابق.

[179] المرجع السابق.

[180] الموقع الإلكتروني للحزب HMS: جمال زواوي أحمد، رسائل الطبعة التاسعة للجامعة الصيفية للحركة – (الأربعاء 19 أغسطس 2009).

[181] المرجع السابق.

[182] حمس.نت: الثلاثاء 23 يونيو .2009

[183] حمس نت: بيان لأحزاب التحالف الرئاسي الثلاثاء 23 يونيو 2009 الثلاثاء 23 يونيو 2009.

[184] حمس.نت: رسالة العام: بعد مرور عام على المؤتمر الرابع: الرباعيات العاصمة من القواسم / الخميس 30أفريل .2009

[185] المرجع السابق.

[186] حمس.نت: المؤتمر الرابع للحركة

[187] المرجع السابق.

[188] المرجع السابق.

[189] حمس.نت: بيان: الحركة تجمد عضوية 9 نواب في الكتلة البرلمانية / الثلاثاء 14 أفريل 2009.

[190] حمس.نت: بيان: الحركة تستنكر تأسيس إطار جديد خارج الحركة / أبو جرة في 12 أفريل 2009. 

[191] Michel Galloux, Finance islamique et pouvoir politique :Le cas de l’Egypte moderne. Op.cit, p 4.

[192] Makhlouf Amar, «  L’islam et le pouvoir ». In actes du Colloque organisé le 13-14 mai 1993 à Sidi Fredj sur le thème : Politique et religion. Edition El-Adib, Alger 1998. p 25.

[193]  Ibid., pp 27, 28.

[194] George A. Taliadoros, Op.cit, p 25.

[195] Sébastien Roché., Sociologie politique de l’insécurité: Violences urbaines, inégalités et globalisation. PUF, 2ème édition 1999 juin. pp 154, 155.

[196] Ibid., p 167.

[197] Ibid., p 190.

[198] Ibid., pp. 213-214.

[199]  Voir  Slimane Medhar., L’échec des systèmes politiques en Algérie. Édition Chihab, Alger, 1999, pp 146-147.  

[200] Amar Benamrouche., Grève et conflits politiques en Algérie, Op.cit., p. 247.