Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

"مواطنو الجمال.. تعالوا لنرقص..."

جون سيناك

يبدو أن الدراسات العديدة التي تناولت مسألة المواطنة بداية من الفلسفة السياسية لقرن الأنوار - حتى لا نذهب إلى أبعد من ذلك أي روّاد الفلسفة القدامى- لم تتمكن من الإلمام بهذا الموضوع. نقترح من جهتنا في هذا الكتاب إسهامات تتعلق بالجزائر أنجزت خلال السنوات الأخيرة، وذلك في إطار مشروعي بحث، فضلا عن تحقيقين أجراهما فريق مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية[1].

كان الهدف هو صياغة تساؤلات حول الموضوع انطلاقا من تحقيقات مسّت مجالات مختلفة و مؤسسات حسّاسة في المجتمع ، وأهم تلك التساؤلات مايلي:

  • ما المواطنة؟ و كيف تمّ التعامل معها في المجتمع الجزائري؟
  • هل تبلورت المواطنة عندنا؟ هل اتخذت شكلا واضح المعالم؟ و كيف تجلت في المجتمع؟
  • ماهي محفّزاتها، عوائقها ورهاناتها؟

تحيل هذه الأسئلة إلى إرهاصات أخرى من صميم السوسيو أنثروبولوجيا فضلا عن تخصصات العلوم الاجتماعية المختلفة، والتي ستقودنا إلى مراجعة مصطلحات وأطر للتفكير مثل تلك التي تتضمنها الثنائيات المتناقضة: جماعة ومجتمع، سياسة و دين، جنسية و مواطنة، فضاء عمومي و فضاء خاص. كما تحيل إلى مناقشة عناصر أخرى كعلاقة  الثقافة السياسية  بالتحضّر، والتصوّرات التي قد يحملها المجتمع حول الديمقراطية و الفعل الانتخابي، وحول مدى حضور مجتمع مدني من خلال الحركة الجمعوية في علاقتها بالمجتمع السياسي و الدولة، ناهيك عن   مسألة الواجبات و الحقوق المرتبطة بكل نظام جمهوري وموضوع العلاقة بين الجنسين و بروز الفرد.

يتعلق الأمر إذن بورشة مهمة نتوخّى الإسهام فيها دون أن ندعي لأنفسنا الإلمام الشامل بامتداداتها. شارك في العمل عشرة باحثين في تنسيق فيما بينهم، عالجوا الموضوع من خلال اثني عشرة زاوية. سمح لنا ذلك من تحصيل عدد مهمّ من الفصول التي جُمعت في أربعة أقسام كبرى حيث تمّت معالجة كل محور من المحاور وفقا لمقتضيات التحقيق و خصوصية الميدان، وتبلورت مع مرور الوقت إمكانية  المقاربة، و تراءت لنا في بعض الأحيان مسالك جديدة بدت مجدية سنشير إليها لاحقا.

أمّا طبيعة المنهجية المتبعة، و التي سيأتي ذكرها في كل فصل من الفصول، فقد أملاها علينا تشعّب الأسئلة التي تمّت صياغتها وخصوصية الموضوعات التي تمّ طرقها. جمعت الأعمال المنجزة بين المقاربات الكمية و مختلف تقنيات التحقيق،  إذ نجد المقابلات مع أفراد أو مجموعات محددة، الاستمارة التي وُزعت في بعض الأحيان بشكل واسع فضلا عن تحليل محتويات النصوص و الخطابات، كما تمّ اللجوء في أحيان أخرى إلى المقارنة. يمكن   التعرّف أكثر على التقنيات المستخدمة من خلال قراءة مختلف الفصول التي تمّ تجميعها بناء على محتوياتها في أربعة أبواب كبرى هي:

- الباب الأول: المواطنة. مقاربات فلسفية، تاريخية و مؤسساتية (من الفصل الأول إلى الفصل الرابع)؛

- الباب الثاني: المواطنة، الهويات و الحراك الاجتماعي (من الفصل الخامس إلى الفصل الثامن)؛

- الباب الثالث: المواطنة و الممارسات الانتخابية (الفصل التاسع و العاشر)؛

- الباب الرابع: المواطنة و التنشئة من خلال الدين و المدرسة (الفصل الحادي عشر والثاني عشر).

يساعدنا تقديم وجيز للمساهمات الاثنتي عشرة على التحكم بشكل أفضل في التقسيم الذي اعتمدناه، و الذي يضمن التناسق و التكامل  بين مختلف البحوث و بالتالي إعداد هذا الكتاب الذي يتناول مسألة المواطنة من خلال تجربة وممارسة المجتمع الجزائري.

 الباب الأول: مقاربات فلسفية، تاريخية و مؤسساتية

يقدم لنا حسن رمعون في الفصل الأول (باللغة الفرنسية)، و من خلال عرض تمهيدي، عناصر لمقاربة المواطنة من خلال أبعادها النظرية و المفاهيمية فضلا عن الجانب التاريخي انطلاقا من التراث اليوناني وصولا إلى العصور الحديثة. تناول أيضا تاريخ المواطنة في الجزائر منذ الصدمة الاستعمارية إلى غاية بزوغ الدولة الوطنية، محاولا تسليط الضوء على النقاط التالية:

  • إذا كانت مناقشة معنى المواطنة قد تمّت في تاريخ الفكر السياسي من خلال الجمع تدريجيا بين ثلاثة أنواع من الحقوق المدنية: الحقوق المدنية في بعدها القانوني، الحقوق المدنية ذات الطابع السياسي والحقوق الاجتماعية، فإلى ماذا يحيل معنى هذه الكلمة في الفترة الراهنة؟
  • ما هي معاني وتجليات المواطنة في الثقافتين اليونانية والرومانية؟ وكيف تطورت تلك المعاني في الفترة الحديثة والمعاصرة لاسيما في الغرب بداية من القرن الثامن عشر؟
  • ما هي الفرضيات الفلسفية والأبعاد النظرية حول معنى المواطنة؟ وما علاقتها بالثنائيات المتناقضة مثل: الحالة الطبيعية/ العقد الاجتماعي، المجتمع المدني/ المجتمع سياسي، الفضاء خاص/ الفضاء العمومي، العلمنة/لائكية و في الأخير، المواطنة النشطة/ المواطنة الساكنة.

هـ.  كيف تطرح مسألة المواطنة في الجزائر من خلال العودة إلى:

  • وضعية البلاد قبيل 1830 و تأثيرات الصدمة الاستعمارية؛
  • السياسة المنتهجة من قبل الاستعمار الفرنسي في هذه المسألة و الصراعات التي تم خوضها للحصول على مجموعة من الحقوق؛
  • و في النهاية، تصوّر المواطنة لدى الحركة الوطنية و جبهة التحرير الوطني وكيف تمّ طرحه في الدولة الوطنية بعد الاستقلال.

يخلص هذا القسم إلى طرح مفاده أن الثنائية: وطنية /مواطنة قد أفضت سواء على مستوى  الخطاب أو الممارسة الرسمية إلى اتجاه نحو تهميش الكلمة الثانية مما أدّى إلى التأخّر في بلوغ ثقافة المواطنة. وعليه تبقى إحدى أهم رهانات الحالية للمجتمع  هي السعي إلى إيجاد التوازن بين معنيي الوطنية والمواطنة.

 تناول مصطفى مجاهدي في الفصل الثاني (باللغة الفرنسية) الخطاب حول المواطنة من خلال قراءة صحف جزائرية لاسيما إنتاج و استقبال الرسالة الإعلامية. اختار لتحقيق ذلك يوميتين:  أمّا الأولى فهي يومية "المجاهد" الصادرة باللغة الفرنسية، و التي كانت تؤدّي منذ تأسيسها وإصدار  نسختها الأولى خلال ثورة التحرير مهام الصحيفة الرسمية في الجزائر. وأمّا اليومية الثانية فهي جريدة الخبر الصادرة باللغة العربية و التي برزت للوجود  بعد الإصلاحات التي أعقبت مواجهات أكتوبر 1988، بمبادرة خاصة من طرف بعض الصحفيين كان معظمهم في مؤسسات إعلامية تابعة للدولة مثل صحيفتي الشعب و المساء.

لاحظ الباحث إثر قراءته تلك الجرائد أنّ كتابات الصحفيين لا تعكس معنى المواطنة مثلما يتجلى من خلال الكتابات الأكاديمية و إنما المعنى الذي يتوافق مع موقف الجريدة. تحدد الظروف التي حسمت خلالها الجريدة توجهاتها، إنتاج المعنى الذي يُسند للمواطنة، ولا يتم ذلك إلا في إطار التوجهات العامة للخط الافتتاحي. فلئن كانت المواطنة مرتبطة بالحقوق و الواجبات، فإن الكتابة الصحفية تبدو انتقائية وترتبط ارتباطا وثيقا بالأهداف السياسية للجريدة. يُسجَّل من جهة ثانية استعمال معنىً متعددا للمفهوم يتوقف على ظرفية الحدث و يتأثر بسياسة الخط الافتتاحي لكل من الوسيلتين الإعلاميتين. تسعى جريدة المجاهد إلى التعبير عن الاستمرارية في الخط الوطني من خلال الدفاع عن الدولة الضامنة للعيش اللائق للمواطن من وراء انجازاتها، (وبالتالي لحقوقه)، وبالمقابل من واجب هذا الأخير دعمها لاسيما عن طريق المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. تضع "الخبر" ضمن الأولويات، التعبير عن غياب العدالة و "الحقرة" التي قد يعاني منها المجتمع، وبالتالي فهذا الأخير مطالب بفرض احترام حقوقه و الدولة مجبرة على احترام واجباتها.

لم تبيّن المقابلات التي أجريت مع الصحفيين و المراسلين اختلافات فيما يخص المواطنة وفقا للانتساب إلى جريدة أو لأخرى، وبالتالي فإنّ التباين في الرؤى          و التصورات حول معنى المواطنة لدى الجريدتين لا يعكس مواقف الصحفيين وإنّما هي رؤىً مرتبطة إلى حد كبير بمواقف كل جريدة تجاه قرائها. تنعكس تلك المواقف على تلقّي الخطاب من قبل القُرّاء حول المواطنة، فطبيعة اشتغال الجرائد لا تسمح لهؤلاء القرّاء بالولوج إلى ثقافة مواطنة واضحة في مبادئها. تمتلك كل يومية استراتيجيتها الخاصة على اعتبار أنها ليست مؤسسة مكلّفة بمهمة ثقافية فحسب، بل هي أيضا مؤسسة منخرطة في منافسة تجارية. ومن هنا تتدخل عدّة معطيات في اللعبة، منها البحث عن المثير لجلب الانتباه، و الالتزام بالبقاء في حدود التوجهات السياسية، الأمر الذي يؤدّي إلى تغيّر مستمر للمعنى الذي يسند للمواطنة.  ربّما تسمح معالجة عدد أكبر من الجرائد و وسائل الإعلام الثقيلة بصياغة  فرضية حول وجود احتمالات أكبر من التجلّيات المرتبطة بتعدّد المعنى حول المواطنة.

 يعرض محمد بغداد حيرش في الفصل الثالث (باللغة العربية) نتائج دراسة لخطاب الأحزاب السياسية في الجزائر، اختار من بينها حزب جبهة التحرير الوطني، حركة مجتمع السلم و حزب جبهة القوى الاشتراكية.

لم يكن اختيار هذه الأحزاب اعتباطيا، لأن الغرض من وراء ذلك هو تناول التوجهات السياسية الكبرى التي تميز خطابها الموجه للمجتمع، و الموسوم بالوطني بالنسبة لجبهة التحرير الوطني، بالطابع الإسلامي بالنسبة  لحركة مجتمع السلم  والطابع المطلبي الديمقراطي بالنسبة لحزب جبهة القوى الاشتراكية. و لما كان كل حزب من هذه الأحزاب يمتلك هويته الإيديولوجية المتميزة، فإنه من المفترض أن يتجلى ذلك في مقاربة كل منها للمواطنة.

ركز الباحث جهوده على تحليل الخطابات السياسية المنشورة على المواقع الالكترونية الرسمية للأحزاب السياسية الثلاثة. سمح له هذا الاختيار بالولوج سريعا إلى النصوص اقتناعا منه أنّها تحمل بشكل جلي مواقف الأحزاب، قناعاتها و ما تراه موافقا مع توجهاتها.

بدا من خلال التحقيقات، أن الأحزاب الثلاثة لا تستعمل مصطلح المواطنة إلاّ نادرا، و لا يقترح أيّ منها تعريفا لمفهوم المواطنة أو إجراءات عملية لممارسته وتطويره. حتى و إن غاب المصطلح و تعريفه، إلا أنه بالإمكان الوقوف على تصور تقريبي للمفهوم عند تلك الأحزاب.  بالنسبة لحزب جبهة التحرير الوطني، يبرز أولا الشعور بالانتماء ( الهوية) الذي يتضمن البعد الوطني المرتبط بتضحيات الشهداء، يليه بعد ذلك الانتماء للإسلام و العروبة. يتقدّم البعد الوطني، في كثير من الأحيان، عن البعدين الآخرين. وتبقى الحقوق و الواجبات بالنسبة لهذا الحزب من اختصاص الدستور الذي يسعى إلى تحقيق المدنية وتكوين "المواطن الصالح". يبدو أن الجبهة بعد فقدان مكانة الحزب الواحد بموجب دستور 1989، بقيت تتأرجح بين خطاب حزبي خالص، و خطاب النظام السياسي الرسمي.

تعتبِر حركة مجتمع السلم أن الهوية مرتبطة بالإسلام قبل كل شيء، ثم باللغة العربية و بالأمة الجزائرية. لا تنبثق الواجبات من القانون الوضعي المحلي (الدستور الجزائري) أو القانون الوضعي العالمي (الميثاق العالمي لحقوق الإنسان               والمواطن)، و إنما تنبثق مماّ ورد في نصوص القرآن و السنة. لا يبدو خطاب الحركة خطابا سياسيا بقدر ما يتضمّن توصيات دينية في إطار تثبيت العقيدة و صيانة القناعة. تعدّ الحركة الجمعوية في خطاب هذا الحزب فضاءً ناجعا لممارسة المواطنة إلا أنه يغلب على هذه الممارسة الطابع التكويني و التربوي لفائدة الشباب، بينما يتوجه العمل الخيري إلى كافة الطبقات الاجتماعية.

و أما جبهة القوى الاشتراكية فلا يقتصر الشعور بالانتماء في خطابها على العامل اللغوي (العربية أو الأمازيغية) أو العامل الديني (الإسلام)، لأن الهوية معقدة لكونها حاملة لكافة المكونات الثقافية للمجتمع الجزائري. تتوقف الحقوق والواجبات على مدى تحقيق العدالة الاجتماعية و التوزيع العادل للخيرات دون أن يتداخل ذلك مع الولاء للسلطة كشرط لتحقيق المكاسب الاجتماعية و الاقتصادية.ومن هذا المنظور، فممارسة المواطنة لا تكون إلا في محيط بعيد عن مراكز السلطة غير المرنة والبيروقراطية، و لهذا يؤثِر الحزب العمل الجمعوي و تفعيل المجالس المحلية أو الجوارية. يكون الغرض من وراء ذلك هو الإسهام في تقريب المواطن من مدينته و من السياسة من أجل تدعيم دور المجتمع المدني. نلاحظ من خلال ما سبق أن مفهوم المواطنة يجد بعض الصعوبات للحصول على مقاربة توافقية ضمن المجتمع السياسي.

 تناول أعراب ايزروقن  في الفصل الرابع (باللغة الفرنسية)  وضعية الحركة الجمعوية و تطورها منذ نشأتها إلى أيامنا هذه (الفصل الرابع) و يتساءل فيما إذا كان هناك تحضير لانطلاقة جديدة. قدم لنا الكاتب المعطيات المرتبطة بمدى تأقلم التنظيم ذي الطابع الجمعوي بشكله الحديث في الجزائر، و ذلك  منذ صدور القانون الفرنسي سنة1901 و آثار ذلك على المجتمع الكولونيالي.

حاول الباحث التركيز على ما آل إليه حال المجتمع المدني غداة استقلال البلاد    و يقترح علينا مسارا يميز فيه بين أربع لحظات أساسية:

  • مرحلة وضع الحركة الجمعوية تدريجيا تحت وصاية نظام الحزب الواحد بين 1962 إلى 1987 حيث تم تقليص حضورها لتصبح مجرد تنظيمات شبه رسمية لا تمارس سلطتها الفعلية إلا ضمن دائرة حزب جبهة التحرير الوطني و مختلف الوزارات التي انضمت إليها في السنوات الأخيرة بعض الجماعات الملتفّة حول النظام (تنظيم الأسرة، حقوق الإنسان...)؛
  • مرحلة الانفتاح في حدود الرقابة و التي أعقبت أحداث أكتوبر 1988؛
  • أدت هذه المرحلة إلى إحراز مكسبين مع دستور 1989الذي يسمح بهامش للحركة و النشاط، حتى و إن عرف هذا الهامش انتكاسة إثر التطور الذي عرفه السياق الاجتماعي و السياسي (صعود الإسلاموية ، الإرهاب ...)؛
  • أفضى هذا الوضع إلى مراقبة للحركة الجمعوية استمرت من 1991 إلى 2011 مهما اتسعت  الاحتجاجات ضدها. و لا تزال السلطات المحلية إلى اليوم تشير إلى وجود ما يقارب 81000  جمعية، في حين أن عدد الجمعيات التي تستمر في النشاط بطريقة منتظمة لا يزيد عن 5000 جمعية استغلت معظمها تخلي الدولة عن التزاماتها فيما يخص بعض الوظائف الاجتماعية، و يحفز جزء منها ذلك التمويل الذي تقدمه مؤسسات و منظمات غير حكومية متواجدة بالخارج.

لا شك أن رياح الإصلاحات التي فرضتها التطورات الراهنة في العالم العربي ستسهم في تحفيز النشاط الجمعوي. لكن تبقى أهم مشكلة مطروحة حسب الباحث متعلقة بالتوجه نحو المهنية مثلما هو معمول به في مناطق متعددة من العالم و التي من شأنها أن تؤطر العمل التطوعي و النضالي و البحث عن بدائل للوضع الموجود و أنظمة الهيمنة القائمة. و تبقى بالتالي هذه المسائل جميعها محل متابعة و بحث مستمرين.

الباب الثاني: المواطنة، الهويات و الحراك الاجتماعي

يهتم عمر درّاس في الفصل الخامس (باللغة الفرنسية)  بدراسة الحراك الاجتماعي و علاقته بالهوية السياسية في الجزائر. لا يتعلق الأمر بالحراك الخاص بجيل واحد فقط،  و إنما امتد بحثه ليشمل الحراك ما بين الأجيال و مختلف الجماعات الاجتماعية.  يحاول الباحث الوقوف على تأثيرات ذلك الحراك على عملية بناء و تشكيل الهويات السياسية.

 يتمثل سؤال الانطلاق في معرفة ما إذا كان تحليل الحراك الاجتماعي يسمح بالتمييز ما بين جماعات اجتماعية و فئات سوسيومهنية متباينة، و إذا كانت أليات التحويل و أشكال التوزيع في الفضاء الاجتماعي من شـأنها بلورة هويات سياسية متباينة و مختلفة؟ و هل معالم الهويات السياسية التي أبرزتها هذه الدراسة بإمكانها دعم ظهور و تطوّر مجتمع مدني حقيقي و مواطنة نشطة في الجزائر؟

تقدم الدراسة نتائجها انطلاقا من تحقيق ميداني أجري في مدينة وهران، شمل عينة منتظمة و مصنفة قوامها 648 فردا ينتمون إلى ثلاثة مجموعات أساسية (فئة من مستوى مرتفع، فئة متوسطة و فئة دنيا)، و قد تم تقسيم هذه الفئات إلى 15 مجموعة سوسيومهنية، فما هي إذن أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة؟

يبرز اتجاهان كبيران فيما يخص الحراك الاجتماعي:

هناك حراك اجتماعي قوي صاعد بين الأجيال يترجمه حراك هيكلي واضح، فضلا عن وجوب صلابة اجتماعية مهمة نسبيا تظهر بجزء كبير من خلال بطء الحراك البيوغرافي و المهني. أوجدت هاتان الظاهرتان حالة جديدة مهمة للغاية فيما يخص التنظيم الاجتماعي تتمثل في توجه المجتمع الجزائري نحو الطبقة المتوسطة. فبعد تشتت  الطبقات الوسطى ما بين 1990 و 2000، نعيش اليوم توجه نحو إعادة بناء هذه الأخيرة.

تعتبر الفئة الدنيا " الشعبية" المستفيد الأكبر من هذا الحراك الاجتماعي الصاعد، إلا أن اشكال الحراك غالبا ما تكون قصيرة المدى و تسري في محيط ضيق. يظهر من خلال نتائج الدراسة أن المستجوبين بعيدون  كل البعد عن الأحزاب السياسية و لا يرون أي مبرر لوجود هذه الأحزاب في الجزائر. يرافق هذا الموقف ضعف كبير فيما يخص الانخراط الحزبي السياسي، النقابي و الجمعوي، و مع ذلك يبقى حزب جبهة التحرير الوطني بوصفه حزبا تقليديا هو الذي يحتفظ بالريادة دون منازع وصاحب الأفضلية لدى شريحة مهمة من المستجوبين.

تعود أسباب الانسحاب من الحياة السياسية، النقابية و الجمعوية في الجزائر حسب المستجوبين إلى أسباب ذات طبيعتين: غياب الكفاءة لدى المسؤولين السياسيين وإيديولوجية النظام و انعكاساتها على المجتمع. لم يسمح النظام السياسي الشمولي والشعبوي في ظل العلاقة النزاعية بين الدولة و المجتمع ببروز الفردانية و المواطنة النشطة. يرافق ذلك انسحاب جلي من المحيط و انخراط ضعيف في الحياة السياسية ، النقابية و الجمعوية مع تثاقف سياسي يحدث في مواقع أخرى. يبدو أن الانطواء على الدين هو الذي يوفر للفئات السوسيومهنية المعالم التي تحتاج إليها و التي تسمح لها بتحديد معان لوجودها. أنتج كل ذلك مواقف سياسية متباينة و متناقضة لدى مختلف الفئات السوسيومهنية التي تنقسم في مواقفها بين من ينشد مشروع مجتمع محافظ ومن يحلم بمجتمع أكثر انفتاحا، عصرية و حتى تقدمية.

 و يمكن في الأخير أن نلاحظ اختلافات فيما يخص نظام القيم ما بين الجماعات الراقية و الجماعة الشعبية، في حين تنحو المجموعة المتوسطة تجاه مواقف انتهازية، و هو الأمر الذي يؤدي إلى رهانات متباينة فيما يتعلق بالبحث عن المواطنة.

تعالج  نورية بنغبريط رمعون في الفصل السادس من خلال مقالها الموسوم "نساء في الفضاء السياسي: أقلية في حالة انبثاق؟" (باللغة الفرنسية) موضوعا لا يمكن أن يُغيّب في كتاب حول المواطنة لا سيما في مجتمع لا يزال فيه النظام الأبوي            و تهميش المرأة في الفضاء العمومي سمة بارزة و جلية.

لا شك أن النساء في الفضاء السياسي لا يشكلون سوى أقلية، إلا أن الباحثة تعتقد أنها أقلية في طور "البروز". تؤكد ذلك بشكل كبير النتيجة التي حققتها النساء في الانتخابات التشريعيات الأخيرة، إذ 147 منهن وصلن إلى المجلس الشعبي الوطني وهو ما يعادل 31% من مجموع التشكيلة البرلمانية و هي سابقة ليست على المستوى الوطني فحسب بل على مستوى العديد من الدول الأخرى.

تسمح لنا هذه المساهمة التي أنجزت قبل انتخابات 10 ماي 2012 بملاحظة التحولات التي تحدث و تشتغل في المجتمع الجزائري في أيامنا هذه، وهو ما يبدو مسألة بنيوية في المطالب النسوية المتعلقة بالحقوق و تغيير القوانين المرتبطة بوضعية المرأة و التي ترفعها الجمعيات النسوية خاصة. تسعى الباحثة في هذا المقال إلى إبراز كيف كانت هذه التطورات التي حدثت في العمق  سببا في الانتقال من الاحتجاجات النسوية إلى مطالب متعلقة بالحقوق.

تمكننا قراءة المقال من متابعة الحجج المستمدة من التحقيقات الميدانية. يمكن أن نلاحظ كيف أنه في المنطلق ، كانت المساواة الدستورية "دون ضمانات" و بقي تمثيل النساء ضعيفا في هيئات اتخاذ القرار (على الأقل إلى غاية الانتخابات الأخيرة)، إلا أن النساء لم يسلّمن بالمكانة التي أفرزتها الإيديولوجيا المهيمنة بل دخلن بشكل مثير في مختلف أطوار المنظومة التربوية و الجامعية و ناضلن في التنظيمات النسوية وانخرطن في العمل المدني إثر الالتزامات الدولية للجزائر في هذا المجال.

تسمح متابعة مسار حياة و نضال امرأة في محيط صعب و كيف تبلغ منصب رئيس مجلس بلدي في مدينة صغيرة من استخلاص الكثير من الدروس في هذا الإطار.يقدم المقال أيضا نقاشا ثريا حول مسألة "الكوطة" و المساواة في الحياة السياسية ومختلف التحديات المرتبطة بهما.

  في الفصل السابع يذكّرنا بشير السنوسي الذي اهتم بمحور "المواطنة والبيئة" (باللغة الفرنسية)، بأنه من بين الأوليات التي تواجه الانسانية  هي مسألة البيئة ومن ثم كانت المحافظة عليها في صلب الاهتمامات. تبقى هذه الاهتمامات دون شك من اختصاص و صلاحيات المسؤولين المحليين، المسؤولين على مستوى وطني و على مستوى دولي، و لكنها أيضا مسؤولية الأفراد ما دامت البيئة تتطلب صيانة و رعاية بشكل يومي و هو ما يقتضي وعيا و تبنيا لمواقف جديدة و نظيفة على الأقل فيما يخص المخالفات ضد البيئة. و ما دام الأمر يتطلب مسؤولية فردية، فإنه لا يمكن تحملها بشكل كامل إلا إذا تأكدت المواطنة خطابا و ممارسة، وتتمثل أولى الخطوات اللازمة في تملّك الفضاءات الجماعية.

يهتم الخطاب الرسمي في الجزائر دون شك بمسألة البيئة و المحافظة عليها ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتطلب في أيامنا هذه تحسيس المجتمع بحيث يصبح ذلك أحد الأبعاد المشكلة للوعي المجتمعي مثلما لمسنا ذلك في البرامج المدرسية ( التربية المدنية)  التي أخذت هذه المسألة بعين الاعتبار.  يقترح علينا الباحث في مقاربته الوقوف على التفاعل الحقيقي الموجود حاليا في الجزائر بين هذين البعدين، أي المواطنة و حماية البيئة، و ذلك من خلال التركيز على شرائج من المجتمع، و أمثلته في ذلك:

- المدرسون في الأطوار الثلاثة للتربية الوطنية و عليه تمت محاورة 150 معلّما سنحت للباحث فرصة التواصل معهم خلال التربص التكويني الذي نظم حول مسألة مواطنة، و كان الحوار قائما على أساس دليل مقابلة؛

- الحركة الجمعوية من خلال التعامل مع مجموعة من الجمعيات المهتمة بالبيئة؛

- الطلبة الذين شاركوا في تكوين نُظِّم بوهران في إطار الجامعة الشعبية للمواطنة فضلا عن  جمعيتين للطلبة تهتمان بالمحافظة على الطبيعة؛

- روّاد الشبكة العنكبوتية الذين شاركوا في حوار أداره الباحث بنفسه على الشبكة.

تبين النتائج التي تم التوصل إليها أن هناك شرائح من المجتمع بدأت تعي أهمية بعد المواطنة فيما يتصل بتقدير المحافظة على البيئة.

و يلاحظ كذلك أن تأثير التربية لا يزال ضعيفا في هذا المجال بما لا يسمح بوجود تأثير على الفهم و التعبير عن المواطنة.

تتصل الملاحظة الأخرى بمختلف الخطابات المتعلقة بحماية البيئة لاسيما عندما تتعلق بمسألة المواطنة مباشرة. تشير الدراسة إلى أن الخطاب المسيطر هو ذلك الذي يحيل المشكلة إلى الهيئات و الجماعات في مواقع مختلفة و التي كثيرا ما  تتهم بتلويث البيئة أو عدم تنظيف الفضاءات العامة. أما الخطاب الثاني فيظهر في مجموع المواقف التي تحيل بشكل مستمر إلى الدين. و أما الخطاب الثالث فيرتبط بمقومات الديمقراطية و ترقية المواطنة، و يستند إلى الأفكار الكبرى التي تجعل النقاش أكثر متعة و اكاديمية. يسهل هذا الخطاب المرور إلى الممارسة الواقعية  مثل تحديد الفضاءات المشتركة، العمليات الديداكتيكية لفائدة المجموعات الشعبية المحلية و غيرها. يبدو أنها اقتصرت على الإغريق. لكن يبدو هنا أن ممارسة المواطنة لا تزال تبحث عن طريقها من أجل استثمار الورشة البيئية.

  لم يتم إلغاء علاقات المهاجرين بالمواطنة، فقد اختارت أنيسة بوعياد بأن تحدّثنا في الفصل الثامن عن هذه المسألة  في مقالها الموسوم :"متغيرات المواطنة في فرنسا: حالة الجزائريين وأبنائهم في فرنسا. سؤال برهانات متعددة" (الفصل الثامن) انطلاقا من أن الحضور الجزائري هو الأقوى في هذا البلد الأجنبي. تعود بنا الباحثة في تحليلها للموضوع إلى فترة تصل إلى أكثر من قرن من الزمن دون أن تُسقط من الحساب الآثار التي خلفتها الهيمنة الاستعمارية فيما يتصل بعلاقتنا بالمواطنة.

تقدّم لنا من هذا المنظور المهم قراءة لمسار هذا المفهوم، تصوراته النظرية و وضعه حيز التنفيذ في فرنسا سنة 1789. تقف الباحثة أيضا على  فاعلية هذا المفهوم الذي استمر منذ مرحلة الاستعمار ولا زال يمثل هاجسا بالنسبة للجزائريين المهاجرين اليوم الذين يشكّلون أهم جالية مقارنة بباقي الجاليات القادمة من الامبراطورية الاستعمارية الآفلة. يسهم المقال في إثراء النقاش الفرنسي المستمر حول وضع المواطنة وكافة عناصره المتعلقة بالمساواة، الاندماج، مسألة الضواحي و الاخفاق المدرسي، الإسلام و اللائكية، الهجرة غير الشرعية و الهجرة الانتقائية، إضافة إلى مسائل أخرى متعلقة بالهوية الفرنسية والأمن.

تعود بشكل مستمر رهانات الذاكرة الكولونيالية الفرنسية لواجهة النقاش عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين الجزائريين فضلا عن ذوي الجنسية المزدوجة و التي يتم الاحتجاج عليها في البلد الأصلي أيضا. و بصرف النظر عن الاستغلال السياسي لمسألة الهجرة من قبل اليمين و اليمين المتطرف، لا يجب الإنكار أنه، خلال الأزمات الاقتصادية،  هناك ديناميكية فكرية و اجتماعية تجعل من فكرة المواطنة في "حاجة دائمة لإعادة تنشيطها" و أنّها "مفهوم في مرحلة تشكل ضمن تطور مستمر".

الباب الثالث: المواطنة و الممارسات الانتخابية

قدم لنا حسن رمعون، مصطفى مجاهدي، فؤاد نوار و جيلالي المستاري، في الفصل التاسع (باللغة العربية) مقالا تمّ فيه عرض نتائج جزئية حول الانتخابات بوهران، غليزان و سيدي بلعباس بوصفها جزءا من تحقيق وطني خاص بالانتخابات المحلية التي أجريت في 29 نوفمبر2007، و قد تمّ إنجازه  بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية مختلفة.

اعتمد التحقيق على مجموعة من المعطيات لاسيما المقابلات التي أجريت مع 39 منتخبا محليا سنهم يتراوح ما بين 29 و 70 سنة، موزّعين على ثماني  بلديات تابعة لولايات وهران، سيدي بلعباس و غليزان ينتمون إلى  أحزاب مختلفة. تناولت المقابلات مجموعة من المحاور منها الجانب السوسيومهني والسياسي (الانخراط في الحزب، الترشح والموقع ضمن القائمة الانتخابية المقترحة، سير الانتخابات ثم المهام ضمن المجلس الشعبي البلدي..). امتدت المقابلات بطبيعة الحال إلى الخطاب والتمثّلات ذات الصلة بقانون الانتخابات، البرنامج الذي يتبناه المترشح و العلاقة بالحزب، بباقي المنتخبين و الأهم من ذلك كلّه علاقته بالواقع المحلي...

ارتكزت الاشكالية التي تستهدف رهانات الانتخابات المحلية، على فرضيات يمكن أن نختصرها فيما يلي:

  • يتم تحوير الأحزاب السياسية بوصفها مؤسسات حداثية عن طبيعتها على المستوى المحلي أين يمكن أن تسيطر التصرفات الخاضعة لمنطق الانتماء للجماعة أو القبيلة؛
  • يظهر ذلك بشكل جلي من خلال النزاعات التي يمكن أن تسود داخل الأحزاب لاسيما في مرحلة إعداد قوائم الترشيحات و ما يرافقها من ترتيب المترشحين على هذه القوائم؛
  • تدخل المقاولين المحليين فيما يخص أشكال تعيين المترشحين وترتيبهم على رؤوس القوائم.

إذا كانت هذه الفرضيات قد أُثبتت بعد التحقيق بشكل عام، فقد سمحت الدراسة أيضا بالوقوف على ذلك التفاوت بين المواقف الأيديولوجية والسياسية التي تدافع عنها الأحزاب على المستوى المركزي و ترجمتها على المستوى المحلي أين تسيطر اعتبارات أخرى. يبدو أننا أمام مقاولين سياسيين يفاوضون بوعائهم الانتخابي مع الأحزاب الجاهزة للتفاوض على الترتيب في القائمة و ليس على أساس التوجهات و البرامج.

لا يبدو أن مثل هذه الممارسات بعيدة عن الانتخابات التشريعية، حتى و إن كانت هناك رهانات أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار مثل تلك التي برزت خلال انتخابات 10 ماي 2012.

يقترح علينا فؤاد نوار في الفصل العاشر (باللغة العربية) معالجة لمسألة المواطنة من خلال تحقيق يستهدف مؤسسة عمومية للتعدين، Tréfilor ترفيلور      (ENTPL سابقا)، تضم هذه المؤسسة الواقعة بوهران 190 عاملا. تمكّن الباحث من إنجاز مقابلات غير مباشرة مع 15 عاملا (منهم ثلاثة اطارات، خمسة أعوان تقنيين و سبعة عمال)، و مرر بعدها استمارة (85 سؤالا) لكافة مستخدمي المؤسسة.

تعتبر النتائج ذات دلالة حول علاقة العمال و الموظفين بالمواطنة. تشير الدراسة أن نسبة %22 فقط من مستخدمي المؤسسة شاركوا في الانتخابات المحلية سنة 2007، و 2/3  منهم شاركوا بوضع أوراق بيضاء في الصندوق. و من جهة أخرى، فإن نسبة %1,8  فقط منخرطون في أحزاب سياسية و يرون في كل الأحوال أن الأحزاب السياسية لا تهتم بالمؤسسة العمومية. لا يمثل مستخدمو المؤسسة العمومية تريفيلور استثناء فيما يتعلق بالانتخابات مقارنة مع باقي سكان بلدية وهران، بمعنى أن الاندماج الاجتماعي انطلاقا من "العمل في الظرف المأجور في مؤسسة عمومية "لا يؤثر على نسب المشاركة الانتخابية، العزوف و الانتخاب بالأوراق الملغاة، وبالتالي لا يؤدي ذلك إلى الانخراط في الفعل الانتخابي بوصفه ممارسة للمواطنة.

إذا قارنا بين خطابات و تمثّلات " المنتخبين" و" مستخدمي تريفيلور" نلاحظ أن هناك تشابه على الأقل في أربعة نقاط تميز حاليا العلاقة بالفعل الانتخابي.

- بداية، " أضحى الفعل الانتخابي طقسا روتينيا"، فالفاعلون أي "المترشحون / المنتخبون"، "المنتخِبون" و" الأحزاب السياسية" لا يطمحون إلى تغيير الظروف المعيشية سواء على المستوى المحلي (البلدية) أو على المستوى الوطني (المجلس الشعبي الوطني). لا يملك منتخبو المجلس الشعبي البلدي أو المجلس الشعبي الوطني القدرات للتدخل الإيجابي فيما يخص الحياة اليومية، و هذا ينقص من انتظارات المنتخبين.

- يهيكل عاملا "الوصولية و الرشوة" الصورة السلبية للمنتخب وفقا لتصريحات عمال تريفيلور، المنتخبين المستجوبين و المسؤولين الحزبيين المحليين.

- تكرّس إشكالية حياد الإدارة، المحسوبية و انعدام المصداقية (حسب المترشحين و الأحزاب السياسية على المستوى المحلي) ظاهرة العزوف.

لا تمثّل حالة البطالة (نتائج 13 مقابلة بالرمكة – غليزان و السانية وهران)، العمل العارض (نتائج تحقيق حول المآل السوسيومهني للعمال المسرحين من مؤسسة تريفيلور) و العمل في الظرف المأجور في مؤسسة عمومية عناصرمهيكلة للعلاقة بالفعل الانتخابي. إنّ المواطنة المطلوبة من خلال خطاب عمال تريفيلور و خطاب المنتخبين المحليين هي قبل كل شيء مواطنة اجتماعية (الحق في العمل، السكن، الحماية الاجتماعية)، بينما لا تأتي المواطنة في بعدها السياسي سوى في المرتبة الثانية و دون أن تكون هناك صلة بينهما على مستوى التمثلات.

الباب الرابع: المواطنة و التنشئة من خلال الدين و المدرسة

يقترح علينا جيلالي المستاري في الفصل الحادي عشر (باللغة العربية) مناقشة للعلاقة بين الخطاب الرسمي حول المواطنة و مضامين الخطب المنبرية في المساجد، وذلك من خلال العمل الميداني الذي أجراه في الفترة ممتدة ما بين شهري سبتمبر 2008  و جويلية 2009 في ثمانية مساجد بمدينة وهران.

قد لا تثار مسألة المواطنة في الخطاب الديني من خلال الخطب المنبرية بالصيغة التي نعهدها في الكتابات الأكاديمية أو الأدبيات السياسية، إلاّ أن هذه الخطب تحمل مضمونا يتناول موضوعات في صميم المعاملات الاجتماعية ويدعو إلى سلوكيات ومواقف ذات ارتباط بالحياة المدنية. إنّ المسجد بوصفه مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية يعد في الجزائر اليوم "قضية دولة"، فهي مكلّفة بنشر ثقافة المواطنة والتسامح.  تنطلق هذه الدراسة الميدانية من السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن تصب مضامين الخطب المنبرية في سياق مقتضيات الخطاب الرسمي حول المواطنة في الجزائر اليوم؟ وما هي المعاني والدلالات التي يقدمها الأئمة للخطاب الديني حول المواطنة؟

لا شك أن خطب الأئمة عبر المساجد تتقاطع بشكل واسع مع الوقائع الراهنة والمستجدات  السياسية و مختلف الأحداث الاجتماعية، و عليه قد يفرض الظرف حاجة للاحتفال بثورة التحرير، حقوق الانسان أو قانون المرأة، أو قد يفرز سياقا انتخابيا ( مثلما كان الحال خلال رئاسيات أفريل 2009) أو أي ظرف آخر ذو طابع اجتماعي، اقتصادي، قانوني أو سياسي. يكون من المهم الوقوف على الحالات التي يأخذ فيها الإمام صفة ممثل الدولة و يحاول في حالات أخرى التملّص من هذا الدور، فيشرعن للسياسي في بعض الأحيان و ينزع الشرعية عنه  أحيانا أخرى،  إلاّ أنه يضفي في كلا الحالتين الطابع الديني على مواقفه. كثيرا ما يحاول الإمام في خطبه أسلمة المواطنة و يقوم بمثل ذلك مع الوطنية كلما سنحت له الفرصة للقيام بذلك، ولا تكون هذه المهام سهلة و بسيطة دائما، إذ كثيرا ما ينتج  هؤلاء الفاعلون في سعيهم  للتوفيق بين الدين و المواطنة خطابا مبهما و منطقا يصعب فهمه.

لا يتوانى الأئمة عن تقديم الخطاب الديني كنبع لا ينضب، بمقدوره تقديم حلول صالحة لمختلف المشاكل في أي زمان و مكان، فهم يكدّون في البحث عن النصوص الدينية من صور قرآنية و أحاديث نبوية تبرر القول أنّ النص الديني كان له السبق في معالجة مسألة المواطنة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.  ليس الغرض هنا نشر ثقافة المواطنة أكثر من كونه دفاعا عن الدين و تقديمه كخطاب عصري يضاهي الخطابات الأخرى، و مهما كانت الصعوبات الموضوعية التي تواجه الأئمة إلاّ أن الباحث يرى أن هناك بوادر لمجهود يهدف إلى انتاج خطاب حول المواطنة انطلاقا من النص الديني.

يستنتج كاتب المقال إلى أن تناول الإمام لبعض القضايا ذات العلاقة بدلالات الخطاب حول الوطنية والمواطنة لا يعود إلى تغيّر في البنية الداخلية للخطاب الديني في الجزائر اليوم بقدر ما يعود إلى التغيّر الذي عرفه الوضع الوظيفي لناقل الخطاب الديني المنبري اليوم أي الإمام .إنّ موضوعات خطب الجمعة في كثير من المساجد محل الدراسة ما هي إلا انعكاس لخطاب أيديولوجي رسمي حول دلالات المواطنة يعتمد في كثير من الأحيان على الغموض والانتقائية، حيث يتم التركيز أكثر على معاني الشعور بالواجب الوطني اتجاه الأرض والذاكرة دونما الإشارة إلى المعاني ذات العلاقة بالحقوق والحريات المدنية.

 حاول حسن رمعون من جهته في الفصل الثاني عشر ( باللغة الفرنسية)  الاهتمام بالمواطنة مثلما تتجلى من خلال المنظومة التربوية. إذا كانت التربية فيما يتعلق بالمواطنة موسومة بتعدد التخصصات بما أنها حاضرة في مختلف مواد التعليم سواء بشكل جلي أو خفي ، إلا أنها أكثر بروزا في بعض المواد  لاسيما مادة التاريخ التي تطرق إليه الباحث من خلال اسهامات مختلفة سابقة، إضافة إلى دروس التربية المدنية التي سيركز عليها في هذه الدراسة. تمّ إذن تحليل محتويات تسعة كتب مدرسية جزائرية خاصة بالتربية المدنية متداولة منذ 2003 في المنظومة الدراسية ( من السنة الأولى ابتدائي إلى التاسعة متوسط). و قد لجأ الباحث بعد ذلك إلى المقارنة مع الكتب المستعملة في المغرب ( خلال السنوات الست التي تدرس فيها هذه المادة) و في تونس ( خلال السنوات الثماني)[2].

أجريت هذه القراءة بغرض تمييز سبعة مداخل يمكن أن تساعد على حصر مفهوم المواطنة:

  • مدخل يستند إلى التمثلات الهوياتية ( الفردية و الجماعية)؛
  • مدخل الحياة الجماعية، التضامن و القيم الاجتماعية؛
  • مدخل تصورات الإدارة و الخدمات العمومية و الدولة؛
  • مدخل الديمقراطية، الحوار، التسامح و المسؤولية؛
  • مدخل الحقوق و الواجبات؛
  • مدخل التراث الثقافي، العلوم، التكنولوجيا و البيئة؛
  • و أخيرا، مدخل العلاقات الدولية، السلم و الأمن في العالم.

من الملاحظ أنه حتى و إن وجدت العديد من أوجه الشبه بين البلدان الثلاثة، إلا أن هناك اختلافات مهمة في بعض الأحيان ترجع إلى طبيعة العلاقة بالنظام السياسي و إلى الاستعمالات التي تهدف إلى الشرعنة من خلال الديني فضلا عن عناصر أخرى.

كان للتغيرات التي حصلت في الجزائر على الصعيد السياسي بعد أحداث أكتوبر 1988  ثم ظهور الإرهاب تأثيرا جليا على مضامين البرامج في المنظومة التربوية، حتى و إن كانت مسألة  صعود التيار الإسلامي مطروحة بالنسبة للدول المغاربية الثلاث.

ظهر في الدول الثلاث، لاسيما في الجزائر منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي،  توجه لإعادة صياغة البرامج التي يتم تدريسها على أساس إرادة واضحة لدعم الفكر النقدي و الاندماج في العالم العصري. يظهر مع ذلك أنه مهما كان التقدم  الحاصل في هذا المجال إلا أنّ التمثّلات المتعلقة بالمواطنة التي يتم تقديمها للتلاميذ لا يزال يشوبها بعض الالتباس. هل سيحدث تغيير ما بعد موجة "الربيع العربي" التي تهزّ بعض دول المنطقة منذ سنة 2011 ؟

عناصر الخلاصة

لا يدّعي هذا العمل الشمولية في الطرح و لا يمكنه دون شك أن يجيب على كافة الأسئلة التي طرحناها في البداية، فلا يمكن مثلا حصر التحقيق في بعض الجرائد، بينما الصحافة المكتوبة تشكل في الجزائر حقلا شاسعا، دون أن ننسى حجم وسائل الإعلام الثقيلة و تأثير القنوات الفضائية و الأنترنيت. و لا يمكن كذلك أن نكتفي بتحليل خطاب بعض الأحزاب السياسية أو محتويات الكتب المدرسية. كان من الأفضل تنويع التحقيقات التي أجرينها من خلال الاستفادة أكثر من الترسانة المنهجية التي وظفناها. كان من المفيد أيضا أن نفرد  لبعض الظواهر مثل التعمير، العولمة، وحتى العنف الاجتماعي وظاهرة الاحتجاجات اهتماما خاصّا، إلا أن الأمر يتعلق هنا بالمشاريع و ليس بمحاور بحثية، بل يتعلّق الأمر بالأحرى ببرامج بحثية يضمّ كلّ منها عددا من المشاريع.

نشير في هذا السياق أنّ بعض الأسئلة سالفة الذكر قد تناولتها فرق بحث أخرى لا سيما في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية حاولنا والحالة هذه أن ننسق ما بين موضوعات جِدّ متنوعة تتعلق بإشكالية المواطنة باعتبارها ظاهرة ناشئة في مجتمعنا، و لسنا الوحيدين الذين نعيش هذا الوضع و من هنا تأتي أهمية تعدّد الاختصاصات و اللجوء إلى المقارنة مع ما ينجز في دول أخرى و ما ينجز هنا من قبل فرق أخرى. و نعتقد أننا قد توصلنا إلى بعض النتائج التي يمكن الوقوف عليها من خلال قراءة مختلف الإسهامات التي تلي هذه الخلاصة.

يمكن لهذه النتائج أن تسهم في تسليط الضوء و لو جزئيا على الأسئلة التي طرحناها في بداية هذه الخلاصة التمهيدية و تساعدنا دون شك من خلال الإجابات المؤقتة على صياغة أسئلة أخرى.  و من أهم النتائج العامة التي توصلنا إليها مايلي:

تعدّ المواطنة في مجتمعنا أو في مجتمعات أخرى أين برزت للوجود، حقيقة مرتبطة بالعالم العصري و مستلهمة من نظرية العقد الاجتماعي التي جاءت بها الفلسفة السياسية ابتداء من  القرن  السادس عشر، حيث أضحت مطلبا جماهيريا  ثم تأسست تدريجيا في الغرب لاسيما مع الثورات الصناعية و تطور الممارسة الديمقراطية خلال القرنين  الثامن عشر و التاسع عشر.

تبقى المواطنة في كل الأحوال حقيقة تعرف حركية دائمة و تواجه آمالا و قضايا جديدة. يعرف فضاء ممارسة الحريات الفردية و الجماعية مثلا اتساعا مستمرا، و في المقابل تحاول الدول ممارسة الرقابة ليس على الحياة العامة فحسب، بل على الحياة الخاصة كذلك. يمكن أن يترجم هذا بنوع من اللامبالاة داخل المجتمع، أو "التلاشي الديمقراطي" بكل ما ينجر عنه من غياب التعبئة على الصعيد السياسي والعزوف عن الفعل الانتخابي و في بعض الأحيان عن أبسط الأمور المتعلقة بالمدنية.

تصبح الأمور أكثر تعقيدا عندما تطرح المسألة الاجتماعية بقوة، و  يطرح معها عدم التناسب، أو بالأحرى التفاوت بين "الديمقراطية الاقتصادية" و "الديمقراطية السياسية" في عالم لم تعد فيه العدالة الاجتماعية وفق التصور الذي تنشده الاشتراكية ممكنا في العقود الأخيرة أمام هيمنة الرأسمالية في نسختها النيو- ليبرالية.

وجد هذا التعارض بشكل صارخ في الحالة الكولونيالية السابقة أين كانت المواطنة و الديمقراطية عمليات "زرع" مستوردة و وجدت بالتالي صعوبات في قيامها في مجتمعات عرفت السيطرة، إضافة إلى تفكك بنياتها لفترات طويلة. تجد هذه المجتمعات نفسها إلى اليوم في مواجهة المخلفات التي تعيق التحول نحو الديمقراطية و تفتقد في الكثير من الأحيان التحكم في هذه العملية، كما تعاني من حالات التزايد الديمغرافي، النزوح الريفي، التفاوت الاجتماعي و تهميش العمل  و الجهد بوصفهما عمليتان تمكنان من تحقيق الثروة و تجميعها. لا شك أن الوقوف على العلاقة بالمواطنة في الجزائر لا يكون إلا في ظل هذا السياق العام، و هو ما تسعى البحوث المذكورة إلى  إبرازه.

 تبين هذه الأبحاث كذلك أن الاتجاهات القوية التي ظهرت تتسم بمظاهر وحركات متناقضة نوجزها فيما يلي:

  1. 1. أفضت الحركة الوطنية و بعدها النضال من أجل التحرر إلى تأسيس الدولة الوطنية الجمهورية ذات الميزة المركزية و اليعقوبية. إذا كان ذلك قد سمح للجزائريين بالتمتع بالجنسية، فإن هذه الجنسية لم تكتمل بشكل يفضي إلى الحصول على المواطنة الكاملة و الشاملة.
  2. 2. توجد الدولة و المجتمع على حد سواء تحت وطأة مقتضيات الطابع الجماعاتي و الأحلام المجتمعية الحديثة، إضافة إلى صعوبة الفصل بين شرعية مستمدة من المرجعية الدينية و أخرى تنشد المعايير التعاقدية و التشريعية المرتبطة بالوضع الجمهوري و دولة القانون. يمكن أن نلاحظ ذلك على سبيل المثال في خطاب الكتب المدرسية الخاصة بالتربية المدنية، الذي يحاول الجمع بين المرجعية الدينية و التأكيد في الوقت ذاته على المبادئ العالمية. يتجلى ذلك أيضا في الترنّح الحاصل في المجتمع بين تفضيل النظام الديمقراطي من جهة، و قبول تطبيق الشريعة من جهة أخرى، هذا و لا تزال مكانة المرأة و مسألة المساواة في الحقوق تمثّل رهانات كبيرة.
  3. 3. يدلّ مطلب العدالة الاجتماعية، النضال ضد اللاعدالة، الحقرة فيما يتعلق بالحق في العمل و الحماية الاجتماعية على أن المسألة الاجتماعية تبقى المطلب الأساس بالنسبة للفئات العريضة المشكلة للمجتمع الجزائري، وهذا ما يفسر ذلك "الحنين" للمرحلة التي كانت تعلن فيها الجزائر طابعها الاشتراكي.
  4. 4. يبيّن العزوف عن الأحزاب السياسية، النقابات و الحركة الجمعوية بشكل عام، وجود أزمة تصورات تاريخية داخل المجتمع و لدى الشباب خاصة، إضافة إلى غياب النضج لدى النخب المختلفة. فلا تزال هذه الأخيرة، إن وجدت، تواجه صعوبة في بلورة مشاريع تعبوية تجمع بين مكتسب الجنسية و الطموح إلى المواطنة ولا تستطيع بناء مشروع مجتمع قائم على العدالة، على اكتساب و إعادة انتاج المعرفة و على الجرأة في بلورة و اقتراح تصورات تنموية.

5.لم يجن المجتمع الجزائري الذي عانى من آثار العلاقات الأبوية (البطرياركية) و النظام الشمولي فضلا عن الإرهاب و الاستعمال الديني للسياسة، نتائج تجربته الماضية، و هذا ما يحيل فعلا إلى ضعف النضج لدى النخب المنقسمة فيما بينها إضافة إلى ما يتجلّى في الأفق من حدود للمحلي والهويّاتي.  يبقى المجتمع الجزائري، منذ عشرين سنة مترقّبا للتطور الحاصل في العالم من حوله و متطلعا أكثر مما كان عليه من قبل إلى التعبير عن الحقوق و الواجبات المرتبطة بممارسة المواطنة. و تكشف الحركات الموجودة داخل المجتمع الجزائري عن وجود اتجاهات متناقضة تشتغل في العمق. و لعل صدى "الربيع العربي" الذي تلقيناه والأسباب الكامنة وراءه،  إضافة إلى نتائج تشريعيات 10 ماي 2012 تبيّن كلّ ذلك بشكل جليّ.

حسن رمعون

ترجمة:  مصطفى مجاهدي

 الهوامش

[1] المشروع الأول موسوم ب: " أبحاث حول مقاربة  و تطبيق المواطنة: حالة الجزائر (تاريخ، ثقافة ومجتمع)"، 2005-2008 ، أما المشروع الثاني ، فكان تحت عنوان :"المواطنة في الجزائر اليوم: تمثلات وتطبيقات"، 2009-2011.

و أما التحقيقان فيتعلق الأول بـ: " المنتخب المحلي : خطاب ، تمثلات وممارسات"، دراسة للانتخابات المحلية  ليوم 29 نوفمبر 2007.

و يتعلق الثاني بـ: "مشاركة المرأة في الحياة السياسية على المستوى المحلي في الجزائر"، سنة 2009.

[2]- يتعلق الأمر هنا بالنسبة للبلدان الثلاث بالكتب التي انتجت قبل " الربيع العربي" و التيانجزت في تونس ما بين أواخر 2010 و بداية 2011.