Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014، ص.07-08، ردمك: 5-77-813-9931-978 | نص كامل


 

 

خديجة قدار

 

 

تمثل عملية تحديث قطاع البريد و الاتصالات في الجزائر منذ مدة غير بعيدة ضرورة ورهانا سياسا هاما فرضتهما الظروف الاقتصادية المرتبطة بديناميكية القطاع نفسه، وقد سعت هذه العملية إلى تقليص الهوة بين ما يقرّه واقع هذا النشاط وما هو مرجو منه. في هذا الإطار، حددت الاصلاحات القطاعية التي تضمنها القانون 2000-03 الصادر يوم 05 أوت سنة 2000 الأهداف الواجب تحقيقها بوضوح من خلال إعادة تأهيل القطاع وتنمية موارده البشرية وبنياتها التحتية بغية تحسين خدماته.

يظل موضوع الالتزام بتلبية المتطلبات الأساسية للخدمة العمومية في صلب علميات التحديث سواء تعلق الأمر بالخدمات الاعتيادية للقطاع أو تعلق الأمر بالخدمات الحديثة الخاضعة لمنطق المنافسة، و يمكن القول أن هذا الالتزام يعتبر شرطا أساسيا لمواجهة متطلبات الاقتصاد الوطني وتلبية متطلبات الزبائن و مستخدمي القطاع.

تطرح التحديات الجديدة التي يواجها القطاع في الوقت الحالي التساؤل حول مقدرة الوضعية القانونية والتنظيمية الجديدة لمؤسستي بريد الجزائر واتصالات الجزائر على استحداث ثقافة جديدة محفزة لتحسين نوعية الخدمات التي تقدمها على مستوى هياكلها المنتشرة عبر ربوع التراب الوطني، و هذه الدراسة التي أشرف على انجازها المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية (وهران، الجزائر)، بطلب من وزارة البريد و تكنولوجيات الاعلام و الاتصال، تندرج ضمن مساعي تحديد تأثير هذه السياسات القطاعية الجديدة على واقع نشاط المؤسستين، كما تهدف إلى تقييم مدى فعاليتها وتطابقها مع المعايير التي جاءت بها الإصلاحات الجديدة التي تنشد رضا الزبائن بصفتهم الفاعل الأساسي المستهدف في عملية تحسين الخدمات المقدمة.

ترتكز هذه الدراسة على مجموعة من الأدوات المنهجية الإجرائية تمت صياغتها لتتماشى مع مطلب تقييم تأثير السياسات الجديدة على الخدمات العمومية المقدمة من طرف مؤسستي قطاع البريد وتكنولوجيات الاعلام والاتصال، كما تعتمد أيضا على مجموعة من المعطيات الهامة التي تعطي صورة عن ظروف نشاط القطاع.

لا يمكن للملاحظات المتأنية أن تنكر مواطن القوة لدى هذا القطاع، كما لا يمكنها في الوقت نفسه أن تغض الطرف عن تكرار حالات الضعف المسجلة رغم  أن عوامل النجاح والتفوّق تكاد تكون معلومة، و يبدو أن "المنطق الإداري" المسير للقطاع منذ مدة ساهم في حصره ضمن متطلبات التسيير الرسمي للموارد الخاضعة للمراقبة البيروقراطية، بدون وجود علاقة مباشرة مع ما ينتظره الزبائن من خدمات تتميز بالنوعية و دون الخضوع لحتمية تحقيق النتائج الضرورية، و هذه الوضعية التي تشير إلى أن القطاع لم يكن يستجيب لمتطلبات اقتصاد السوق فرضت إعادة هيكلته من أجل تدعيم نقاط القوة ضمنه، و من أجل تقليص وتصحيح مواطن الضعف و القصور، و إذا كانت العوامل التنظيمية و البشرية أساسية بالنسبة لكل عملية تستهدف إعادة البحث عن تموقع حسن غايته تلبية المتطلبات الأساسية للخدمة العمومية فإن الواقع يفرض على القطاع الاعتماد على الذكاء الاقتصادي بغية تحسين الخدمات وفق قواعد الفعالية و النجاعة والشفافية، ولما لا الاقتراب من المعايير العالمية التي تحكم نشاط هذا القطاع الاستراتيجي.

يمثل رضا الزبائن بلا شك مؤشرا على نجاعة أهداف برنامج اصلاح القطاع خصوصا عندما يندرج مطلب نوعية الخدمة ضمن قاعدة الممارسات التي لا يمكن للخدمة العمومية أن تغفل عنها، لذا فكل مجهود مؤسس يجب أن يتجه لتحقيق الرضا حول نوعية الخدمة المقترحة بغية تقليص الهوّة بين التوقعات المفترضة و الواقعية، و عليه يصبح من واجب على مؤسستي اتصالات الجزائر و بريد الجزائر معرفة حاجيات زبائنهم لتحسين خدماتهما المقترحة وللمحافظة على حصتهما الوطنية من سوق هذه الخدمات.

تُطرح عادة الأسئلة نفسها للبحث عن مدى رضا الزبائن على نوعية الخدمات المقترحة، من بينها: "هل تقدم المؤسستان للزبائن الخدمات المرجوة؟"، "ما هي النوعية المرجوة من طرف الزبائن؟"، " ما مدى رضا الزبائن عن نوعية الخدمات المقدمة مع الأخذ بالاعتبار نفسه الوسائل المتوفرة لذلك؟"، و تفترض هذه الدراسة أن البحث في  مدى رضا الزبائن قد يكون محركا للتغيير المأمول على نوعية الخدمات المقترحة، كما أن العلاقة مع الزبائن بإمكانها أن تندرج ضمن سياق تحديث القطاع خصوصا عندما تستعمل المعطيات الأساسية الكمية منها و الكيفية التي تم تحصيلها من ميدان البحث في مراجعة أهداف الإصلاح و تعديل أنماط تسيير الخدمة العمومية.

تبيّن الأدبيات أن موضوع "رضا الزبائن حول الخدمات العمومية أضحى مؤشرا دالا على نجاعة المنظومة" (Warin, 1999)، و هي في الوقت نفسه تعبير عن الأهداف البيّنة المرجوة من كل برنامج للإصلاح، و إذا كان التحجج بالمصلحة العامة غير كاف لتبرير التدخل العمومي من أجل تحسين الخدمة العمومية فإن هذه الاصلاحات يجب أن تلبي تطلعات الزبائن من حيث نوعية الخدمة و آجالها.

نشير في نهاية هذا التقديم إلى أن التحقيق الذي أشرف عليه فريق البحث التابع للمركز و الذي أجري في الفترة الممتدة ما بين نوفمبر 2008 و ماي 2009 شمل 15 ولاية[1] تمّ اختيارها من طرف خبير احصائيات من الديوان الوطني للإحصاء، حُدّد ضمنها مقاييس اختيار المكاتب المعنية بإجراء التحقيق الميداني التابعة سواء لمؤسسة بريد الجزائر أو اتصالات الجزائر، كما أن التحقيق الكمي شمل استجواب 4524 زبونا في حين شمل التحقيق الكيفي اجراء المقابلات مع العديد من مستخدمي الشركتين العموميتين سواء تعلّق الأمر بعمّال الشبابيك أو بالمسؤولين المباشرين على الخدمات المقدمة على مستواها.

ترجمة نوار فؤاد

الهوامش

[1] ولاية الجزائر، وهران، بشار ، سعيدة، سيدي بلعباس، الجلفة، تيارت، تيزي وزو، البليدة، سطيف، قسنطينة، خنشلة، عنابة، بسكرة، ورقلة.