Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.195-215، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


الطاهر رواينية

 

يشكل استثمار التاريخ في الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج رصيدا مرجعيا مهيمنا، إذ لا يكاد أي عمل من أعماله الروائية أن يتحرر من الماضي، وألا ينغمس بطريقة ما في التأمل التاريخي، حيث يتحول هذا التأمل - في الغالب _ إلى حوار بين الواقع والممكن، انطلاقا من الوثيقة التاريخية أو مما ترسب في المخيلة الشعبية، يمكن هذا الحوار الروائي من إعادة رسم خريطة الوجود ومن خلق أوضاع جديدة متخيلة أو ذات حمولات مرجعية تاريخانية، تعد بطريقة ما إعادة قراءة للتاريخ "بوصفه وضعا انسانيا ذا مدلول وجودي"[1] وهو ما يؤكده خطاب المناصصة في الصفحة الأخيرة لغلاف رواية كتاب الأمير، فهي لا تقول التاريخ لأنه ليس هاجسا، ولا تتقصى الأحداث والوقائع لاختبارها، فليس ذلك من مهامها الأساسية، تستند فقط إلى المادة التاريخية وتدفع بها إلى قول ما لا يستطيع التاريخ قوله "وفي هذا إشارة إلى تأويل التاريخ و" إلى جعل علاقة النص والسياق ممكنة"[2]  وبالتالي إلى غلبة المتخيل الروائي على الحقائق التاريخية حيث تم النزوع نحو التأويل  واستدعاء الماضي وإعادة ترهينه من منظور حضاري وثقافي جديد ينتمي إلى مرحلة الأزمنة الحديثة، وهي بالنسبة لرواية كتاب الأمير مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث يكون الرد بواسطة الكتابة متجاوزا للنزعة الحميمية للشهادة والتوثيق، وعاملا من عوامل الحوار من أجل إعادة تشكيل الوعي بالآخر حضاريا وثقافيا، وهذا يقتضي من الكاتب الروائي أن يتحول إلى باحث فيلولوجي بقدر ما يقرأ الوثيقة التاريخية يقيم معها حوارا ينفتح من خلاله على عوالم ممكنة تحكمها بلاغة الصراع التي تستند إلى خطاب العنف والمواجهة والسجال والإقناع، ويبدو أن واسيني الأعرج قد تبنى هذه الاستراتيجية الخطابية التي تسعى إلى إقامة حوار حضاري ثقافي، بدل اللجوء إلى الاحتراب الكلامي، حيث تسعى البلاغة الجديدة إلى اقتراح أدوات وممارسات خطابية تجسر الهوة بين الفواعل المتواجهة، باعتبار أن الحرب الكلامية ممارسة بلاغية في جوهرها، تهدف إلى مجاوزة العنف الجسدي واحتواء المواجهة جسد بجسد في مواجهة كلمة بكلمة، كون الحروب والمواجهات في المتخيل الروائي هي أولا وقبل كل شيء حروب كلامية أو قلمية، وهذا التوجه يعود أساسا إلى التأثير  الواسع للنظريات التداولية و المناويل التفاعلية وفلسفات الوعي التي تهتم بدراسة الخطاب باعتباره موجها وسائرا نحو غاية محددة، وباعتباره عملا لغويا تفاعليا منجزا من قبل فاعل محدد وضمن سياقات محددة، وهو ما جعل مساءلة واسيني الأعرج للتاريخ جديدة ومختلفة، أقرب إلى "درس في حوار الحضارات ومحاورة كبيرة بين المسيحية والإسلام، بين الأمير من جهة ومونسيو ديبوش ونابليون الثالث من جهة ثانية، والتي تفضي إلى إعادة تشكيل وعي كل الذين انغمسوا في حروب القرن التاسع عشر" حيث يبدو واسيني _من خلال الاستراتيجية التي تبناها _ متأثرا بالانقطاعات الإيديولوجية التي ميزت الخطاب الديني في أوربا منذ القرن السابع عشر الميلادي، وكان تأثيرها كبيرا في انجاز خطاب ليبيرالي يحاول أن يذيب كل النزوعات الدوغمائية، وقد وجد هذا الخطاب في مرونة وطواعية الخطاب الروائي مجالا لتلاقح الخطابات وحوار الثقافات والإيديولوجيات، استثمره واسيني الأعرج في إعادة تمثيل السياق التاريخي من منظور بقدر ما يعتني بالوثائق والأحداث والشخصيات والحوارات الرسمية، ينفتح على المخيال الشعبي العجائبي الذي فرخت داخله قصة مقاومة الأمير للاستعمار الفرنسي، ليشيد من خلال تلاقح التاريخي بالمتخيل نصا روائيا بقدر ما يولي المرجع أهمية خاصة ينفتح على فضاءات التخييل مازجا الحقيقة التاريخية بالتخييل، محاورا الماضي من خلال أطروحات الراهن وإكراهاته.

 1. شعرية العتبات

استندت هذه الرواية إلى استراتيجية نصية تجمع وتؤلف بين السيري والتاريخي والمتخيل الروائي، مسهمة بذلك في إنجاز نوع من الحوارية الواسعة، من خلال تشكيل خطابي يحاول أن يتجاوز مقولة الجنس والنص المتفرد والمتعالي، إلى مفهوم الكتاب، وهو ما سجله عنوان الرواية (كتاب الأمير)، وهو مفهوم عام الغاية من توظيفه تتعدى حدود الجنس، وتعيد النظر في مفاهيم الحقيقة والخيال، والذاتي والموضوعي، والأنا والآخر، من خلال كتابة "تلغي الحافات، حافة التاريخ وحافة المتخيل"، أي كتابة تحاول أن تسقط الأسوار التي شيدتها الحروب والإيديولوجيات، وترجمتها الممارسات الإبداعية المنغلقة بنويا وثقافيا في شكل إمبراطوريات من القطائع التي يحكمها مبدأ الاحتراب، ومن هذا المنظور يبدو أن واسيني الأعرج يحاول من خلال هذا الكتاب أن يسقط بطريقة أو بأخرى أسطورة كره الأجانب، وكل ما يرتبط بها من أساطير ذات مرجعيات عقدية أو قومية أو متعلقة بظاهرة الاستعمار، وذلك أنه "في الحرب لا توجد حدود لممارسة العنف"[3]، حيث يعد "كتاب الأمير – مسالك أبواب الحديد" أحد الأعمال الروائية التي استطاعت أن تنقل عدوى فوضى العنف إلى فضاء الأدب، سواء تعلق الأمر بحرب الأمير ومواجهته لقوة وعنف الجيوش الفرنسية الغازية، أو بمواجهته للمنشقين عليه والمتحالفين مع الاستعمار، أو بالسجال الذي انطلق بعد معاهدة الاستسلام، حيث تحول الجدال بشأن حرية الأمير داخل السلطة الاستعمارية إلى حرب من الصعوبة التفكير فيها، وأخذ أبعادا إيديولوجية عنصرية تعد ترجمة لطموح بعض العسكريين الفرنسيين وإلى عدم استقرار السلطة نتيجة كثرة الانقلابات السياسية، وقد تبنى واسيني الأعرج منظورا يتخذ من صوت الكاتب الذي  يعيد قراءة الأحداث والوثائق والمواقف المتناقضة، ويدفع به إلى قول مالا يستطيع التاريخ قوله، وهو بذلك يقوم بإعادة تقييم القول الأدبي بحيث يصبح صوت الكاتب وكلمته في مواجهة صوت وكلام المجتمع والتاريخ، وفي هذا التوجه ضرب من الجدال يتكفل به الكاتب من أجل تشييد عالم  ممكن يتجاوز إكراهات التاريخ ويقفز على تبعاته الراهنة التي ما تزال مشحونة بأسباب الاختلاف والاحتراب السياسي والاجتماعي، ولذلك فإنه على الرغم من غزارة المادة التاريخية والتي تتعلق بالأحداث و الشخصيات والمواقف المثبة في الوثائق والتي تعامل معها واسيني الأعرج تعامل الباحث المتعدد الاختصاصات المعرفية فجاء كتاب الأمير نتيجة لذلك نصا جمعا، وملتقى لخطابات قادمة من  أصقاع معرفية وإنسانية شتى، ولكنه في كل المواقف كان لا يتخلى عن الكاتب الروائي  الغازي لحياض نصه والمتلبس بشخصيات عالمه الخيالي إلى الحد الذي  تتداخل فيه الذوات ويحل الأنا في الآخر من خلال مرآة ذات الكاتب التي بقدر ما تعكس تمثل  وتدج وتؤلف إلى حد يمكن فيه أن تتورط هذه الذات في  تقديم تأويل متواطئ يرتبط بمغالطة قصدية، وهو ما يجعل "خطاب الهوية _ في هذا السياق _ يشي بأزمة في الدلالات والقيم وباهتزاز في المعاني. واللغة تغدو متورطة على أكثر من صعيد، والجسد الناطق بها يصبح هو المجال المعلن عن هذه الأزمة وعن الاهتزاز والتورط"[4]، وقد لعبت عتبة التصدير _ من خلال الاستشهاديين المقيدين بمزدوجتين تؤطران خطابين صيغ الأول بالعربية ونسب إلى لمونسينيو رديبوش :"في انتظار القيام بما هو أهم، أعتقد أنه صار اليوم من واجبي الإنساني أن أجتهد باستماتة في نصرة الحق تجاه هذا الرجل وتبرئته من تهم خطيرة ألصقت به زورا وربما التسريع بإزالة الغموض وانقشاع الدكنة التي غلفت وجه الحقيقة مدة طويلة"، وصيغ الثاني باللغة الفرنسية ونسب للأمير عبد القادر: "si tous les trésors du monde étaient déposés à mes pieds et s'il m'était donné de choisir entre eux et ma liberté, je choisirai la liberté"[5] وهما في الشعريات الحديثة من مشمولات خطاب الكاتب الذي يمنحه القدرة، بالمعنى القانوني، على القول والكتابة[6] _ دورا موجها للقراءة نحو إمكانية تبنى تأويل يتضمن - على الأقل_ حدا أدنى من التواطؤ، كون التصدير بما يتضمنه من استشهاد يعد من مواضعات الكتابة والتأليف حتى وإن جاء تكرارا الكلام الآخرين، فإنه يشكل مركز ثقل في ميزان الكاتب، وكلمته التي يواجه بها كلام القارئ، ويعمل على توسيع أفقه الثقافي من أجل بلورة موقف منسجم مع ما يريد أن يتبناه القارئ من تأويلات ممكنة، ولذلك فإن واسيني الأعرج يتخذ من هذا التصدير بيانا يمهد لإمكانية قيام مصالحة بين الراهن والتاريخ، ويعمل من خلال المواجهة بين فعل الكتابة وفعل القراءة على تبني نوع من السجال المعقلن والمؤنسن، يستند إلى عقد تواصلي بين الكاتب والقارئ ينسجم مع أفق النص، ويدفع إلى ضرورة تجاوز خطاب العنف واحتواء المواجهة في شكل تصالحي.

وقد قفز واسيني الأعرج على أكثر و أشد مكونات الهوية عنصرية وتطرفا وهي اللغة، التي تشكل طرفا إيديولوجيا وثقافيا أساسيا في العلاقة بين الأنا والآخر أو بين الذاتية و الغيرية، وذلك أن كل إنجاز كلامي يستمد خصائصه البنيوية والتشكيلية والثقافية من إنجاز المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها المتكلم بالإضافة إلى القدرات الذاتية وخصوصية التجربة الفردية، أي أن "الفويرقات التي تميز العالم الثقافي لكلام مجموعة ما نجد التعبير عنها في اللسان"[7] الذي يمثل الرصيد اللغوي للمجموعة، وبالتالي فإن كل إنجاز كلامي / خطابي بقدر ما يعبر عن مشاغل الفرد ويحمل بصمته بقدر ما يعبر عن مشاغل المجموعة اللسانية وعن هويتها : وكل محاولة لانتحال لغة الغير يعد ضربا من التهجين الثقافي يتعارض مع الماضي ومع تاريخ الأسلاف الذي يتعامل معه التفكير الأوروبي كمرجعية قوية للابستمولوجيا[8]، وهو أيضا ما عبر عنه راجا راو كاشفا عن التواشج العميق بين ذاتية اللغة وخصوصية التعبير التي تعكس الخصوصيات الثقافية العميقة للذات والمجموعة اللسانية، ومعترضا على محاولة بعض مجتمعات ما بعد الاستعمار استيعاب لغة الآخر المستعمر في التعبير عن خبراتها الثقافية، وعنده أن "تنقل عبر لغة ليست لغتك الروح التي ليست روحك"[9] وقد حاول واسيني الأعرج أن يترجم إشكالية الاستيعاب هذه من منظور مختلف، عده الناقد التونسي محمد القاضي "تعبيرا غير مباشر عن الأريحية ورحابة الصدر و الانفتاح على الغير"[10]، ويمكن أن يكون واسيني الأعرج أراد أن يخرق كل الحدود وكل الحافات، وأن يعلن منذ بدء التخييل عن نزعة حوارية ذات صبغة حلولية تتناسخ في فضائها الذوات واللغات مشكلة أطراسا نصية، ومحققة نوعا من التعايش السلمي، ولكنه يعد بالنسبة للمرجع الواقعي تعايش الأشباح لا الأرواح.

إن هذا الخيار الذي يتبناه واسيني الأعرج كتصدير لنصه يدخل في باب الفتنة وعشق اللسانين، والرغبة في العبور نحو الآخر على الأقل على مستوى اللعبة الجمالية التي تسعى لاستيعاب الذاتية والغيرية في إطار الثقافات والمجتمعات المفتوحة، والتي تبقى محصورة في إطار الرغبة، وذلك أن الكثير من المثقفين المغاربيين الذين يعيشون هذه الازدواجية اللغوية "واعون باستمرار بالخطر المترتب عن استثمار اللغة (الفرنسية) كوسيلة ثقافية[11] وهو ما يحتم على الناقد أن يغير منظوره معتبرا النص المزدوج اللغة مثاليا من وجهة نظر الموسيقي[12] التي يمكن أن تنفتح وتستوعب أنغاما وإيقاعات من مختلف الثقافات".

  • 2. واقعية الماضي التاريخي وإستراتيجية الحكي

شكل التاريخ دائما معينا ومادة ذات طبيعة مرجعية للكثير من المتخيلات السردية/الروائية، انطلاقا من "كفاءة الخطاب ذي الشكل القصصي على تمثيل الواقع"[13]، وقد استثمر واسيني الأعرج هذه الكفاءة في محاولة لقراءة تاريخ الأمير عبد القادر الجزائري من خلال مجموع الوثائق التي توفرت لديه عن حقبة بداية الاستعمار الفرنسي للجزائر والمقاومة الشعبية التي قادها الأمير وانتهت باستسلامه للقوات الغازية لبلده الجزائر، وقد كانت هذه القراءة إلى جانب غزارة وتعدد مراجعها التاريخية أقرب إلى كونها قراءة متأدبة مؤدلجة من كونها قراءة تاريخية غايتها توثيق وتفسير الأحداث والعمليات التاريخية ؛ وقد أشار واسيني الأعرج في أكثر من موضع بدءا بخطاب العتبة الإشهارية في آخر صفحة الغلاف، إلى أن علاقة هذه الرواية بالتاريخ تقف عند حدود استثمار المادة التاريخية في تشييد عالم متخيل يمتح من واقعية الماضي التاريخي من أجل تحيينه وفق رؤية حداثية مفارقة لهذا الماضي، ولكنها ليست منقطعة عنه، تعمل على دمج الأحداث والشخصيات والمواقف التاريخية الماضية في كل مطرد يتعانق مع التجارب الإنسانية في الزمان والمكان، "ويقول أكثر مما تقوله مجموع الجمل التي يتضمنها"[14]، وذلك أن خصوصية بناء الحبكة والتمثيل الرمزي للمتواليات والمقاطع السردية وفق إستراتيجية حكائية ما يسهم في إضفاء طاقة من الدلالة المنفلتة قد تتجاوز حد ما يمكن للغة التعبير عنه.

يتم في هذا السياق إعادة بناء الماضي التاريخي في رواية "كتاب الأمير" بالاستناد إلى المعرفة التاريخية التي عملت على توثيق هذا الماضي الواقعي من ناحية وعلى وظيفة التدلال التي يعمل المحكي المتخيل على إعادة إحيائها وبعثها عندما تقيم القراءة علاقة بين عالم النص وعالم القارئ من ناحية ثانية. أما السؤال المتعلق بإعادة حضور الماضي الواقعي بواسطة المعرفة التاريخية فإنه يتعلق بمدلول مصطلح "الواقعي" الذي نسم به الماضي التاريخي، والجواب من هذا السؤال يشير إلى الاختلاف بين التاريخ و المتخيل[15]، حيث لا يهتم المتخيل بالحقيقة التاريخية أو بما حدث فعلا، وإنما يوظف "المادة (التاريخية) المعطاة في الإدراك والتأمل ويطوعها، ويخلق منها شيئا جديدا"[16]، وهو ما ألح  عليه دائما واسيني الأعرج على مدى المسار السردي العام للرواية، وذلك أنه بقدر ما كان مشغولا بتوثيق المادة التاريخية المتعلقة بالأمير عبد القادر وبسيرته الشخصية، كذلك بشخصية مونسينيور ديبوش أسقف الجزائر وعلاقته بالأمير عبد القادر، وإسهامه في إطلاق سراحه وفاء للعهود التي قطعتها فرنسا الاستعمارية في مقابل ألا يعود الأمير إلى مقاومة الاستعمار، فإنه كان معنيا أكثر بملء الفجوات التاريخية بما لم يقله التاريخ، وهذا العمل يدخل في إطار "تمثيل الأحداث التاريخية واقعيا في خطاب رمزي"[17]  من أجل إضفاء معنى على الحياة الإنسانية يتجاوز حدود الماضي ليتناسل في الحاضر والمستقبل، وليشكل سيرورة دلالية قابلة للترهين من خلال التفاعل المستمر بين قصدية النص وقصدية القارئ وقصدية المؤلف[18]، وفي هذا السياق يشير بول ريكور إلى أن "قصدية المؤلف ومعنى النص يكفان عن التطابق والتمازج في الخطاب المكتوب"[19]، أي أن المؤلف وهو ينشئ نصه ويشيد عالمه المتخيل يمارس لعبة الوصل والفصل بين المرجعي والمتخيل إلى الحد الذي يستقل فيه النص ويعدل عن منطق الأشياء خارجه مع محافظته على المؤشرات "التي تضمن ملاءمة تمثيلاته الرمزية مع الأحداث الواقعية التي يتحدث عنها"[20]، ولكنه ومن خلال عمليات التطويع والتحويل للمراجع الواقعية والوقائع التاريخية وتكييفها ضمن صيغ متميزة من الحياة التاريخية خارج حدود عالم الماضي الواقعي وهو ما جسده واسيني الأعرج في كتاب الأمير ؛ فإن أفق القصة ينفلت باستمرار من حدود أفق مؤلفه، "ويصير ما يعنيه النص الآن أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه"[21]، وهذا انطلاقا من اتساع موسوعة القراءة التي قد تصبح معها قصدية المؤلف مجرد بعد من أبعاد النص، كون استقلالية النص قد تسهم في تشويش العلاقة بين الواقعة والمعنى، ومن هذا المنظور يصبح "أي تمثيل سردي للأحداث الإنسانية هو مغامرة فلسفية جدية، عميقة، بل يمكن القول : أنثروبولوجية"[22]، أو قد تتجاوز هذا الحد فتتلبس بالإيديولوجيا إذا ما عدنا إلى مفهوم "المغالطة القصدية يتشبث بقصد المؤلف معيارا لأي تأويل سليم للنص"[23]، أو كان شبح المؤلف مهيمنا كراوي سيميائي من خلال مجموع المؤشرات النصية الدالة عليه كما هو الشأن بالنسبة لواسيني الأعرج الذي تربطه مؤشرات وقرائن كثيرة بشخصية كل من الأمير عبد القادر ومونسينيور ديبوش، وقد جاءت الفقرة الأخيرة من الخطاب الإشهاري المصاحب للنص على الصفحة الأخيرة من الغلاف تقول ذلك،  ومن خلالها يحاول  واسيني العرج أن يعقد صلة بالقارئ، وكأنه يريد أن يدفعه إلى تبني تأويل بحد أدنى من التواطؤ المؤدلج، حيث تشير هذه الفقرة إلى أنه بالإضافة إلى كون هذه الرواية سردا تاريخيا، فإنها "فوق كل هذا، درس في حوار الحضارات ومحاورة كبرى بين المسيحية والإسلام، بين الأمير من جهة ومونسينيور ديبوش ونابليون الثالث من جهة ثانية، تفضي إلى إعادة تشكيل وعي كل الذين انغمسوا في حروب القرن التاسع عشر"[24].

قد نسلم جدلا بأن رواية كتاب الأمير تضمنت بعضا من الحوار الحضاري والعقدي، تبدو من خلاله الذات/الأمير مستلبة ومنبهرة بالآخر الحضاري والعقدي، وإن كان هناك من درس في حوار الحضارات فهو الدرس الذي يتعلمه المغلوب من الغالب، وإن كان هذا الغالب يحاول أن يتقنع بقناع إنساني مزيف، يخفي وراءه كل بشاعاته وانتهاكه لأبسط حق من حقوق الإنسان، وهو الحق في الحياة، وبالتالي ليس مهما أن تعد هذه الرواية درسا في حوار الحضارات ،أو أن "تعد الأحداث التي تقوم بوظيفة المراجع المباشرة للسرد واقعية أو متخيلة، ما يهم هو هل يمكن اعتبارها إنسانية بصورة نموذجية"[25].

حاول واسيني الأعرج من خلال تبنيه لإستراتيجية حكائية تجمع وتؤلف بين السرد التاريخي والسرد الخيالي من أجل إعادة بناء حقبة زمنية من تاريخ الجزائر الحديث، هي حقبة مقاومة الأمير عبد القادر واستسلامه، وما رافق هذه السيرورة الزمنية من أحداث وتداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية من خلال محاولة الكشف عن البنية العميقة للوعي التاريخي المصاحب لهذه السيرورة، وإعادة تفعيله وبنائه كاستمرارية بطريقة ما في الحاضر، حيث يلعب التحبيك والتأليف الروائي دورا أساسيا في رسم معالم عالم واقعي لم يعد قائما إلا من خلال الوثائق والمرويات التاريخية والمرويات الخيالية والصور النموذجية، للأفراد الذين يمكن استدعاؤه من الذاكرة التاريخية، وقد تبنى الكاتب في تشييد هذا العالم نصيا تمثيلا بنويا يستند إلى هيكل علائقي، وإلى ترسيمة سردية بقدر ما تبدو بسيطة، فهي معقدة وذات بنية سردية إشكالية مصممة بدقة متناهية.

إن أول ما يلفت انتباه القارئ من مظاهر التمثيل البنيوي لنص كتاب الأمير هو الخطة التي تنتظم البنية الهيكلية الكلية l'armature والمجسدة في بنية خطاب المناصصة أو النص الموازي والتي تبدأ بالعنوان الرئيس "كتاب الأمير" والعنوان الفرعي "مسالك أبواب الحديد"، ثم العناوين الداخلية، وتتكون من ثلاثة أبواب، باب المحن، باب أقاس الحكمة، وباب المسالك والمهالك، يتصدر كل باب أميريالية بالإضافة أميريالية رابعة تقوم مقام خاتمة الرواية، يتضمن الباب الأول خمس وقفات (مرايا الأوهام-منزلة الكبير-مدارات اليقين-مسالك الخيبة-منزلة التدوين)، ويتضمن الباب الثاني أربع وقفات (مواجع الشقيقين-مرايا المهاوي الكبرى-ضيق المعابر انطفاء الرؤية وضيق السبيل)كما يتضمن الباب الثالث ثلاث وقفات (سلطان المجاهدة-فتنة الأحوال الزائلة-قاب قوسين أو أدنى)، حيث كثير الخاصية المجازية التي تغلف مجموع هذه العناوين التي تقوم عليها البنية الهيكلية لنص كتاب الأمير إلى أن هذه الخطة مستمدة من كتب التراث الصوفي، وبخاصة من كتب طبقات الصوفية التي تتشابه مع الكتابة التاريخية من حيث القصد الإيديولوجي العام[26]. وتتقاطع مع هذه الرواية من حيث عنايتها باستقصاء المرويات التاريخية والشعبية المتعلقة ببيعة الأمير عبد القادر وبمساره الجهادي وما صاحب البيعة والجهاد من كرامات وخوارق، ثم انقطاعه مكرها عن العالم في قصر أمبواز وما صاحب هذا الانقطاع من انفصام وتأمل روحي وتحلل من كل ما كان يشغله من أمور الجهاد ووحدة الأمة، وكأنه أصيب بنوع من الانكفاء على الذات الذي أوقعه في الوعي الزائف، إلى الحد الذي أصبح فيه لا يهتم إلى بأن تفي فرنسا بتعهداتها تجاهه ؛ وهذا المعنى يشكل البنية الدلالية البسيطة والمرجعية التي يستند عليها محكي الأمير من أجل إنتاج كل من الدلالة المتدرجة والمتجاوزة للمراجع الواقعية والتاريخية.

أما العنوان الفرعي "الأميريالية" الذي يتكرر أربع مرات ويأتي من حيث الرتبة بعد الباب ويزيد على الأبواب الثلاثة بأمرالية رابعة جاء كفضاء موارب وعتبة ختامية مسبوقة ببياض استغراق صفحتين544 ، 545، يمكن عده إعلانا مباشرا عن اكتمال قصة الأمير فبعد إطلاق سراحه وركوبه  السفينة متجها إلى القسطنطينية لم يعد هناك مبرر للسرد، أو أن الراوي أحس أن آلة السرد توقفت وعليه أن يسترد أنفاسه لوضع خاتمة مناسبة لهذه القصة التي جاءت في شكل تمثيل سردي درامي لشخصية ولحقبة من التاريخ الحديث للجزائر أحيطت بالكثير من التساؤلات والتأويلات المتضاربة، وهذا يقتضي من المتلقي ضرورة التمييز بين قصدية الفعل وقصدية التبليغ، وذلك أن "النص التاريخي-مثل كافة أشكال الكتابة-يتأثر بقضايا العصر، ويتلون بالمناخ الثقافي السائد"[27]، أو أن هذا البياض يدخل في إطار خطة النص الذي يمكن أن يشغل المؤلف والقارئ كاستراتيجيتين نصيتين[28]  تسهمان في تأويله بحد أدنى من التواطؤ، بخاصة النصوص ذات المرجعيات التاريخية والسياسية...الخ، كما يمكن أن يشير هذا البياض إلى إمكانية دفع القارئ إلى المشاركة في مواصلة كتابة القصة ضمن مسارات تدخل ضمن اختصاصات القراءة حيث يعد إيكو القارئ النموذجي هو مجموع شروط النجاح المجسدة نصيا من أجل أن يحين النص في أوسع طاقة مضمونية"[29]. لكننا يمكن أن نذهب مذهبا آخر نتعامل من خلاله مع هذا البياض كضرب من ضروب الفصل  disjonction[30] المبرمجة على مستوى النص للوصل والفصل بين قصتين تشكلان مسارين سرديين مركزيين، هما قصة مونسينيور ديبوش وقصة الأمير عبد القادر، وهما قصتان يحكمهما منطق التوازي ؛ تتطوران بالتناوب، وتعد قصة مونسينير ديبوش قصة متحولة عن وظيفة التقديم والتأطير إلى القصة المنوال، منها يبدأ السرد وفي نهايتها يتوقف ؛ تشكل "الأميرالية 1" منطلقا للسرد وفضاء لمراسيم استقبال رفات مونسينيور ديبوش، لإعادة دفنها بالجزائر بناء على رغبة وتوصية منه. يمكن عد قصة عودة رفات مونسينيور ديبوش إلى الجزائر بعد دفنها في مسقط رأسه ببوردو، وما رافقها من أحداث قصة إطارا، تفرعت منها وأحاطت بها قصص وحكايات كثيرة انفتحت على حياته ومأساته، منذ أن عين أسقفا عاما للجزائر، وتقاطعت مع أحداث قصة الأمير، وشكلت منوالا لأغلبها بخاصة وأن مونسينيور ديبوش لم يترك شاردة ولا واردة مما يتعلق بمقاومة الأمير واستسلامه إلا أحصاها وجمعها، وضمنها رسالته إلى نابليون الثالث لطلب العفو عن الأمير عبد القادر، وقد أسهمت مجموع هذه الأحداث والحكايات في تدعيم الميثاق السردي الذي سعى واسيني الأعرج من خلاله إلى إقناع القارئ بأن تحويل ما دونه المؤرخون وما حفظته الذاكرة من أحداث وذكريات تخص مقاومة الأمير عبد القادر إلى محكي روائي، الغية منه إحاطة دراما المقاومة والصراع بمعنى إنساني يتجاوز أي معنى يمكن أن يقوله التاريخ.

وقد كانت هذه القصة الإطار التي اتخذت من الأميرالية نقطة ارتكاز وفضاء بؤري يعود إليه السارد جون موبي بعد أن تكون الأحداث والوقائع التاريخية والمتخيلة قد أخذت مسارات سردية متعددة ومتشابكة في التطور والنمو في حركة بقدر ما تتقدم إلى الأمام تعود إلى الوراء أو تحدث تحريفات زمنية غير متوقعة تجمع بين الاسترجاعات والاستباقات وكأن الكاتب ومن خلال مجموع الرواة المتماثلين أو المتباينين حكائيا بالإضافة إلى مصطفى بن التوهامي الذي يقوم بتسجيل سيرة الأمير أو مونسينيور ديبوش الذي يجمع الأحداث من الصحف والجرائد والرسائل والحوارات مع الأمير عبد القادر أو مع أعضاء المجلس النيابي الفرنسي أو مع بعض الجنرالات الذين شهدوا مقاومة الأمير عبد القادر، أو من خلال  سرد بعض الوقائع التاريخية التي انتصر فيها الأمير أو انكسر، والذي يحاول أن يرسم مسارات سردية انسيابية تتجه نحو تتويج الأحداث بنهاية متوقعة كإطلاق سراح الأمير من سجنه بقصر إمبواز، أو غير منتظرة كموت مونسينيور ديبوش بعد حياة مأساوية ولكنها كانت مليئة بالتضحية من أجل المستضعفين والملهوفين، والرغبة في التسامح حتى مع الأعداء، ولكنه كان يخطط في الوقت نفسه لتعطيل تدفق الأحداث نحو الأمام، حيث كانت مجموع الأحداث مشدودة بأمراس إلى نقطة إرساء زمكانية، ممثلة في الأميرالية التي منها يبدأ السرد وعندها يتوقف كبداية ونهاية للقصة الإطارية التي يمكن وسمها بأنها ذات بنية زمنية دائرية تسهم في إنجاز ديمومة دائرية متمركزة في الزمن الراهن وهو زمن السرد والسارد جون موبي الذي بعد أن بعثر رماد تربة مونسينيور ديبوش في عمق بحر الجزائر وكذلك أكاليل الزهور كما أوصاه مونسينيور ديبوش :"هكذا كان سيدي يشتهي أن يبعثر رماد تربته في كل الأطراف عله يطفئ النيران المشتعلة في أعماق الناس ..."[31]، وقف قرب الأميرالية ينتظر رفقة الصياد المالطي وصول الباخرة التي تحمل رفاته إلى ميناء الجزائر ؛ ويمكن ألا تستغرق ديمومة الانتظار زمنا يتجاوز الساعة أو الساعات القليلة، ولكن الذكريات كانت تستثير الجريان غير المنقطع للماضي داخل الحاضر والمصحوب بالتوتر والكآبة والحزن الذي يحول دون مرور الحاضر وانقضائه، حيث يتوقف جريان الزمن بواسطة عودة الصور الحميمية نفسها، ولكن هذه الديمومة الدائرية تنفتح على أزمنة تاريخية وأساطيرية وسيرية تتضمن ما لا حصر له من الذكريات والحوارات الداخلية ذات الطابع العام أو الحميمي للشخصيات وبخاصة شخصيتي الأمير ومونسينيور ديبوش في لحظات القوة والضعف والانتصار أو الانكسار والنفي والانتظار، وتدفع بها داخل مسارات سردية تاريخية وتخييلية منها تتشكل المفاصل الزمنية لرواية الأمير.

ومن خلال هذه الديمومة الزمنية الدائرية الحاضنة لمجموع أزمنة الرواية يحلو لواسيني الأعرج أن يتدخل ككاتب واقعي عاملا على خلخلة هذا النظام الزمني الدائري من خلال حركة لا شعور الراوي المتماهي مع الكاتب محققا قفزة زمنية  استباقية يشير فيها إلى عودة رفات الأمير أيضا إلى أرضه :"أعرف أنك ستكون سعيدا عندما تسمع أنه هو كذلك عاد إلى تربته الأولى، هكذا البشر مثل الطيور لا تهجع أرواحهم إلا في الأمكنة الأولى التي عجنت أحلامهم وطفولتهم"[32]، وبهذه القفزة الاستباقية يكون واسيني الأعرج قد برمج للرجلين لقاء أبديا في زمن وفضاء لا يخضعان للحد والعد هما زمن وفضاء الأبدية، ومن خلال هذه القفزة الزمنية المتجاوزة لزمن تاريخي سابق والمدشنة لزمن آخر لاحق تنفتح المدونة الروائية على زمن الكتابة وعلى زمن القراءة لتقيم حوارا بين السيرورة التاريخية والأفق الأدبي الذي يرسمه النص وتحققه القراءة وهو ما "يجعل علاقة النص بالسياق ممكنة"[33]، وعبرها يمكن للمؤلف أن يوظف التاريخ بطرائق فنية تجعل ما حدث وكأنه ضرب من الحلم أو التوقع الذي يسبق زمن حدوثه، وعبر هذا الاستباق يعقد الكاتب لقاء في العالم المتخيل بين لحظتين وزمنين ورجلين استطاع كل منهما أن يتحدث عن عدوه بتسامح واحترام ؛ وهي رسالة للقارئ تحاول أن تكرسها آداب ما بعد الكولونيالية ذات المنحى عبر الثقافي من أجل تجاوز الفجوة القائمة بين العوالم[34]، وجعل مبدأ الحوار ينتصر على مبدأ القطيعة والرفض والكراهية.

  • 3. تعدد الرواة واللغات

تكمن خصوصية رواية "كتاب الأمير" في لعبة التناقض والتماهي التي يبرمجها واسيني الأعرج على مستوى التلفظ السردي بوصفه راويا سيميائيا منتجا للعلامات النصية، وقائدا للجوق السمفوني المتعدد الأصوات والإيقاعات داخل الفضاء النصي للرواية، وعلى الرغم من علاقة التعاضد التي تقوم بينه وبين الراوي، فالمؤلف هو من يحدد موقع الراوي الذي سيروي القصة لكن هذا الراوي لا يستطيع أن يتخلص من الآثار المخجلة التي يتركها المؤلف على ملامحه، ولا يمكن للمحكي الذي يرويه أن يخلو من آثار فضول المؤلف[35]، وهو ما يحتم على القارئ أن يحسن الإنصات "وإن من يحسن الإنصات (من يحسن القراءة) لابد وأن يدرك صوت الكاتب، صوت الراوي، صوت الشخصيات وصوت المتلقي، وفي بعض الأحيان حتى صوت المقدم، وصوت المصدر (...) وإن البعد المهم للإنصات هو الصوت الإنساني، وكل الأصوات الأخرى تبقى في مستوى آخر، مستوى ثانوي"[36]، وقد عمل واسيني الأعرج على إعطاء الأهمية لهذا الصوت انطلاقا من تعدد الأصوات وتعدد اللغات، إذ من خلال صوت الراوي المؤطر لكلية الحكي والسرد والذي يتضمن صوت الكاتب وكلامه، أو من خلال التسمية المتفردة للراوي المتماثل حكائيا والمؤطر لقصة مونسينيور ديبوش، جون موبي، أو غيره من الرواة الثانويين، كالقوال الأعمى، أو أصحاب الرؤيا والمنامات كسيدي الأعرج ... وغيرهم، فإننا نسمع صوتا جمعا لا نهائي وغير محدد يتردد صداه على مدى النص،  يجمع ويؤلف بين هذه الأصوات، يبدو متماثلا، ومع ذلك فهو متعدد ومختلف، يحاول أن يلتقط معاني أصوات العالم، ويشكل منها صوتا إنسانيا "والصوت الإنساني ليس فقط صوتا (ولا هو أصوات متعددة ومختلفة)، ولا حتى صوتا شخصيا، إنه كلام"[37] يقول دائما أكثر من اللازم من أجل تحقيق قيمة إنسانية مضافة، حيث تسهم اللعبة السردية القائمة على تعدد الرواة والممثلين واللغات في إعادة تحديد بنية المحكي الروائي كقيمة للتبادل والحوار .

تبدأ لعبة التلفظ السردي في " كتاب الأمير " كلعبة للإعلام يحدد من خلالها الراوي الإطار الزماني والمكاني الذي ينطلق منه السرد في صيغة الغائب ومن موقع خارج حكائي يبدو فيه الراوي رائيا ولكنه عارف بموضوع سرده وبخلفياته التاريخية والإنسانية، :"28 جويلية 1864 فجرا، الرطوبة الثقيلة والحرارة التي تبدأ في وقت مبكر (...) لا شيء إلا الصمت والتموجات الهادئة لبحر مثقل بالسفن والأحداث (...) عندما رأى جون موبي زورق الصياد المالطي يقترب من حافة الأميرالية"[38]. وهو ما يجعل صيغة الغائب تتماهى مع وعي المتكلم، ويتحول الراوي إلى وعي سارد، أو إلى صوت سردي كل المؤشرات النصية تجعله يحيل على الكاتب / الراوي والمبدع لنصه من رحم النصوص والوثائق التاريخية ومما ما يزال محفوظا عن شخصية الأمير في الذاكرة الشعبية، والذي يسرد الأحداث من موقع الباحث العارف بالمرجعيات والخلفيات التاريخية والسياسية، والذي يعيد بناء الوقائع والأحداث والشخصيات وفق تصور ووعي وذكاء مركزي ينتقي دوال المحكي ويموضعها في مواقعها المناسبة بعناية تامة تنم عن خبرة واحترافية تتحول معها الكتابة الروائية إلى بحث، واستقصاء وتجريب يضع فيه المؤلف كل مهاراته وكل مخزونه من  معارف وأفكار في خدمة الرؤية التي يتبناها، وكذلك يفعل واسيني الأعرج في رواية "كتاب الأمير"، حيث يمكن أن نسمع صوته متماهيا مع أصوات كثيرة كصوت الأمير، وصوت مونسينيور ديبوش، وغيرهما من الأصوات التي تتكفل بالرواية والسرد بخاصة إذا تعلق الأمر بحرفة الكتابة ومعاناتها، ونكاد نحس بشبحه يطل علينا بين أسطر الرواية لا على المستوى التقني فقط وإنما على  المستوى الإيديولوجي أيضا، حيث نجده متمترسا خلف بعض الأطروحات، يصرخ منددا بعقوبة الإعدام وبالحجز والنفي والتطرف مهما كان مصدره، متبنيا الحوار مبدأ حضاريا، والتسامح غاية إنسانية قصوى، وهكذا هو "المؤلف العظيم لا يوجد حصرا في العناصر التقنية، ولكنه لا يوجد كذلك خارجها، فوصف هذه العناصر والإشارة إلى رتبها وفهم آلياتها لربما كان أنجع الطرق لمعرفته"[39]، ومن خلال صوته وكلامه الجمع تتناسل أصوات مختلفة وتتوالد لغات متعددة كوسائط للحوار، على الرغم من اختلاف اللون واللغة والدين والتاريخ.

يأتي هذا الراوي العليم، الذي يعرف عما يتكلم وكيف يتكلم متصدرا بدايات السرد الموزع على مدى الفضاء النصي وفق خطة وهندسة معمارية متدرجة من الأبواب إلى الأميراليات إلى الوقفات، حيث يمكن عد الأميراليات بمثابة المداخل التمهيدية والوقفات بمثابة الفصول، ترتبط المداخل بعلاقة عضوية بحاضر السرد والحكي، في حين ينطلق السرد في الوقفات / الفصول من الزمن الذي شرع فيه مونسينيور ديبوش في تحرير رسالته / كتابه دفاعا عن الأمير، في حركة ارتدادية ينفتح فيها انطلاقا من الوثائق التاريخية والرسائل وحوارات مونسينيور ديبوش وذكريات الأمير على زمن المقاومة وما سبقها أو تلاها من أزمنة متعلقة باستسلام الأمير وسجنه في قصر أمبواز، وعبر مجموع المفارقات الزمنية التي يتأسس منها الزمن النصي، وطريقة الراوي العليم في انتقاء الأخبار و الأحداث وتقديمها مسندة بشهادات وتجارب شخصية وتواريخ ترتبط بوقائع محددة، والمباعدة بينها، وتكرار بعض الأحداث والأخبار وإقصاء أخرى أو تغييبها، وتركيز الرؤية والمتطور على بعض المواقف والخلفيات وتجاهل أخرى، ننصت خلال صوت وكلام الراوي العليم / المؤلف إلى مختلف الأصوات المسندة إلى ذوات لها في الغالب _ حضور موضوعي وتاريخي وهوية تنتسب إليها، وكلامها يمكن أن يعد شهادة تاريخية، أو على الأقل تعبيرا عن موقف إنساني، أو إحالة إلى بعض الخصوصيات الثقافية
و الاعتقادية التي يتميز بها المخيال الشعبي.

تسهم هذه الأصوات على مستوى النسيج النصي في تشييد وإنجاز خطابين، أحدهما يؤطر شخصية الأمير عبد القادر كبطل للمقاومة و الثاني يمكن اعتباره حوارا وجدلا بين الذات والآخر .

 1.3. يشترك في إنجاز الخطاب المؤطر لشخصية الأمير كبطل للمقاومة الشعبية للاستعمار مجموعة من الرواة المساعدين الذين يتناقلون أخباره وينشرونها، أو يقومون بإنتاج بعضها واختلاقه، وهو ما يتعلق بالأحلام والمنامات وبكل ما له صلة بالخطابات العجائبية والأساطيرية التي تسهم في الإعلاء من شأن الأمير، على أساس أنه البطل المخلص ووارث سر الجهاد، والذي تتوفر فيه كل صفات البطل الخارق، وقد رسم له القوال الشعبي صورة نموذجية مفتوحة على كل مرجعيات التراث العقدي، ومستلهمة لصورة المسيح :"رجل سيأتي وسيملأ صيته الدنيا قاطبة. رجل لا ريب فيه. رجل يشبه المسيح بن مريم وهو ليس مسيحا. هو مولى الساعة كما يقولون وكما يقول القوال في السوق"[40].

والملاحظ أن عبارة (كما يقولون وكما يقول القوال في السوق) تحيل في مستوى التلفظ على سلسلة من الرواة، أولهم الراوي العليم / المؤلف، وثانيهم القوال، ثم يسند القول إلى سلسلة غير محدودة من الرواة، من أجل إضفاء هالة من التعظيم والتقديس على الذات موضوع الحكي والسرد، تتجاوز زمن السرد، إلى حد يصبح فيه الراوي / المتلفظ بالقول مجرد حلقة في سلسلة من الرواة، ليست في الحقيقة سوى حلية فنية تمكن الكاتب من أن يتكلم دون أن يرى ؛ وأن ينوع مصادر كلامه ومعرفته التي يستثمرها في بناء وتأثيث صورة البطل، بطريقة تقوم على الحجاج والإقناع، انطلاقا مما ترسب في المخيلة الشعبية من تصورات مثالية عن الأنبياء والأولياء والصالحين. وما يرتبط بها من تصديق الإيمان بالقائد والخضوع له، ولتعضيد هذا التصور بما يكمله ويوسعه حتى يكون أكثر إقناعا النزوع نحو التعجيب والإغراب، وتبني أسلوب "الحجاج القائم على الترابط بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة بدءا"[41].

وقد جاء حكي الراوي / القوال الأعمى مجسدا لهذا النوع من التمثيل الحجاجي الذي يستمد عنصري الإقناع والتصديق، مما يحف بالخطاب الديني في المخيلة الشعبية من كرامات وأفعال خارقة، تنسب للأنبياء والصحابة والأولياء الصالحين الذين يهبون عند الحاجة لرفع الغبن والدفاع عن الحق : "الشاب هذا يا سادة يا كرام، عليه بركة سيدي عبد القادر الجيلالي والأولياء الصالحين. عوده مثل البراق، ويطير حصانه للسماء عندما يحاصره الأعداء. سيفه البتار يطفئ البرق من حدة لمعانه. القرآن في القلب وفي يده اليمنى سيفه الذي لا ينزل إلى الأرض ولا ينام. وساسبو ما يخونه أبدا. ناره ما تروح في الفراغ. في موقعة وهران خلاص له البارود. رفد عصاه وحفنة تراب وقال ربي أعني ونوشن صوب عدوه وفتح يده، فتت العدو اللي كان قبالته"[42].

تكررت هذه المقاطع السردية التي تسهم في رسم صورة البطل النموذج ؛ وعلى الرغم من أن خيوط اللعبة السردية يقبض عليها الراوي العليم / المؤلف، ويوجهها كيفا يشاء، إلا أننا نشير إلى أن هذه المقاطع تنسب أيضا لهيئات سردية، رواة وممثلين متعددين ومتنوعين ؛ فبالإضافة إلى القوال الأعمى، هناك الإمام والولي سيدي الأعرج وسيدي محي الدين والد الأمير وغيرهم وهو ما يتضمنه خطاب الراوي: "بعد صلاة الظهر وقف الإمام في المقدمة وخطب في الناس تحت أمطار ثقيلة قليلا ما تسقط بهذه القوة في نهايات الخريف :

-إن الله يسمع من المؤمنين آلامهم، الحمد لله الخير بدأ ينزل علينا، أبشركم أن هاتفا وقف على سيدي الأعرج وسيدي محي الدين وبشرهم بسلطان سينزل من لحمهم، فارس لا شيء يشبهه، فيه من روح الله واستماتة المجاهد وسمة الأنبياء[43].

لم يكتف واسيني الأعرج برصد صورة الأمير عبد القادر كما تبلور نموذجها في المخيال الديني الشعبي، وإنما وسع مدى بحثه ليتجاوز ما هو روحاني وعجائبي، إذ بالإضافة إلى اللغات والخطابات الشعبية والدينية والتي شكلت ضربا من التهجين والحوارية له إيقاعه الخاص داخل الرواية استند إليه الكاتب كمسار سردي يدفع بالأمير إلى واجهة الأحداث لاكتساب صفة البطل الموعود، وتحقيق ما بشرت به الرؤى الدينية الماورائية المندرجة في سياق الكرامات والنبوءات الصوفية ذات المنحى العجائبي ؛ فإننا نجد واسيني الأعرج يحاول أن ينزل شخصية الأمير عبد القادر داخل منظور حداثي، يدفع بهذه الشخصية داخل دائرة الاختلاف، ولذلك فإنه على الرغم من قبوله البيعة والخلافة فإنه بدا مترددا كثير التساؤل، مؤمنا بمبدأ الاختلاف والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلطة المدنية، وعدم الرغبة في الزعامة، وتجاوز النظام القبلي وتعويضه بنظام الدولة الحديثة، وإدراكه للتطور الرهيب الذي حصل في جميع الميادين وعلى رأسها الآلة العسكرية التي يمتلكها العدو، وقد حفل المسار الروائي لكتاب الأمير بمحكيات ومشاهد حوارية كثيرة عبرت عن هذا المنظور الحداثي الذي يتبناه الأمير، وهو ما يعبر عنه هذا المقطع الحواري :"هذه الأرض لم تعد في حاجة لأي أحد، لا يعرفون أن الدنيا تغيرت وأننا على حافة عالم في طريقه إلى الزوال وعالم يطل بخشونة برأسه، لا خيار لنا إلا أن نفهمه وننسجم مع ظروفه أو نظل نغني ولا أحد يسمع أصواتنا إلا الذين نريهم الهزائم انتصارات دائمة، لقد سألت أئمة فاس ولم يقنعوني ومع ذلك أخذت كلامهم مأخذ الجد، هل سيفكرون أبعد من ريح القبيلة ؟"[44].

إن واسيني العرج وهو يحاول أن يرسم المسار التاريخي لشخصية الأمير، فإنه يؤمن بأنه "يستحيل عليه مقاومة نمط من الخطاب السردي لتمثيل ما يحدث"[45]، ولذلك نجده يوسع مجال حوار اللغات والخطابات إلى حد يصبح فيه كتاب الأمير "أتونا ينصهر فيه العنصر التاريخي مع عناصر أخرى تسهم جميعا في بناء الكون التخييلي للرواية"[46] التي اعتنت بتقديم نمذجة ذات سيرورة زمنية لخصوصية التجربة الإنسانية للأمير عبد القادر، تداخل فيها السرد الخيالي مع الكتابة التاريخية، بل إن واسيني يعمل بحرفية ومعاناة على أن "يمحو الخط الفاصل بينهما بالإلحاح على أن كليهما ينتمي إلى مقولة الخطابات الرمزية"[47]، ولذلك فإنه لا يجد فرصة سانحة للتخييل إلا ركبها إلى الحد الذي يمكن القول فيه : إنه يعيد تشكيل صورة الأمير من جديد، وإسقاط ذاته واهتماماته على هذه الشخصية التاريخية، وهو بذلك يخترق النص التاريخي ويطبعه بميسمه الخاص، حيث يصبح الأمير بالإضافة إلى مرجعياته الدينية والفكرية، والتي يستمدها من القرآن والسنة، ومن قراءاته لابن خلدون وأبي حيان التوحيدي وابن عربي وكل التراث الصوفي، فإنه لا يجد مانعا في الحوار الذي يذهب فيه إلى انتقاد الذات وإدانتها، والقبول بمبدأ حوار الأديان، وهو يعلم أن الاستعمار الفرنسي للجزائر كان سياسيا واقتصاديا بقدر ما كان صليبيا ؛ وهذا يمكن عده قراءة وتأويلا وترهينا للتاريخ من منظور مبالغ في التسامح ؛ والانبهار بحضارة الآخر.

  • 2.3. جدل الذات والآخر

إن الحديث عن اللغة  والهوية والذات والآخر، حديث لا يمكن إلا أن يكون مؤدلجا، ويشكل مغامرة لا يمكن الانفلات من سلطتها المرجعية، والتي تصل بنا في بعض الأحيان إلى ضفاف الميتافيزيقا، على الرغم  من وساطة اللغة التي "بقدر ما تشكل أفقنا الوحيد للتفكير، بقدر ما يمكن أن تتكشف لنا كحدود وكإحالة لبعد آخر غيرها، على اعتبار أن هنالك دوما داخل مختلف أشكال الوساطة إمكانية للتواصل وللتنقل من لغة إلى أخرى"[48]، وهو ما أدركه واسيني الأعرج وهو يشيد عالمه الروائي، إذ لم يكن تعدد اللغات داخل نصه الروائي إلا فضاء واسعا لممارسة الاختلاف، ومحاولة بناء جسور للحوار والعبور نحو الآخر، انطلاقا من إدراكنا لحدود الذات وحدود الآخر، وهذه الحدود ليست دائما لغوية أو ثقافية فحسب، حيث "تقودنا النظرة التي نحملها عن الآخر إلى ملتقى طرق إشكالي، كما يتجلى (هذا الآخر) كظاهرة مضيئة بكفاية لنشاطات مجتمع مؤدلج"[49]، أي أننا ننطلق في كل الأحوال من فضاء مرجعي يشكل داخله الأنا والآخر حضورا تحكمه علاقات التعارض، أو المواجهة والصراع تارة، والتكامل أخرى، إذ "الصورة التي نصنعها للآخر هي من ناحية نفي لهذا الآخر، ومن ناحية ثانية امتداد للأنا ولفضائه المرجعي"[50].

يندرج في هذا السياق الحوار الواسع الذي برمجه واسيني الأعرج بين الذوات واللغات  والثقافات، والذي ميز العالم الروائي لكتاب الأمير، وأضفى عليه صبغة خاصة يحاول من خلالها واسيني الأعراج إدانة كل مظاهر العنف والتطرف الاستعماري والعرقي والعقدي، ويحاول من خلال مشاهد الحوار بين الأمير وأصحابه، أو بينه وبين قادة الحرب الفرنسيين، أو بينه وبين مونسينيور ديبوش، وهو الحوار الأهم الذي يتحقق من خلاله الجدل بين الذات والآخر، والذي لا ينزع إلى إبراز مظاهر الاختلاف والتناقض الحادة بين رجلي دين يستند كل منهما إلى تراث روحي وثقافي، تحكمه علاقات الصدام الدموي منذ الحروب الصليبية، والتي تجعل الهوية مفارقة للغيرية مفارقة عقدية دموية، حيث يدفع هذا الجدل نحو التسامح بدل الاحتراب، والتلاقي والتماثل في تبني أطروحات إنسانية من أجل تحقيق المصالحة، ولو على مستوى المتخيل الروائي بين أعداء الأمس التاريخيين، وكأنه يتخذ من شخصية الأمير المتخيلة مرجعا لتأؤيل ممكن، وإعادة تحيين لواقع لم يعد قائما، وهو تأويل يدرك واسيني الأعرج أنه صعب، لكنه قد لا يكون متعذرا، بخاصة إذا انطلقنا من الدور الذي تلعبه شخصية الأمير داخل المسار السردي للرواية، سواء في علاقته بأصحابه في مرحلة المقاومة واختلافه في الرأي معهم وفي رؤية الأشياء، أو في علاقته بالآخر أثناء مرحلتي المقاومة والاستسلام، حيث نجد واسيني الأعرج قد ركز على مجموعة من الشبكات الدلالية التي يمكن من خلالها رصد مجموع مظاهر التشاكل داخل النص بين الذاتية والغيرية، أي بين شخصية الأمير ومونسينيور ديبوش بخاصة، والتي بقدر ما تعمل على إبراز مظاهر الاختلاف والمفارقة بينهما، تعمل أيضا على إبراز مظاهر التماثل، وهو ما يتضمنه أيضا قول مونسينيور ديبوش المتخيل، وهو يشيد بتسامح الأمير حتى مع أعدائه : "عظيم أن تتكلم عن خصمك بهذه الطريقة"[51]، أو ما تتضمنه أقوال الأمير عن مونسينيور ديبوش، والتي تتجاوز حدود الاحترام والتقدير المتبادل بينهما إلى حد الإعجاب والحب، يقول الأمير بعد أن علق صورة مونسينيور ديبوش في مدخل قصر أمبواز : "كانت صورتك السمحة دائما مطبوعة في عمق قلوبنا جميعا، ولن تمحى أبدا، ولكننا سعدنا لوجودها على مرأى من عيوننا باستمرار"[52]، بل إن هذا الحب المتبادل دفع الأمير إلى قراءة الإنجيل لإحساسه بالقرب أكثر من شخصية مونسينيور ديبوش :"كم أشتهي أن أحدثك عن كل ما يجمعنا. بدأت أقرأ كتابكم الإنجيل. وفي فترة إقامتك بجانبي، أتمنى أن تسمح لي بمساءلتك عن بعض القضايا الغامضة (...) سادتنا القدماء فعلوا مثل هذا الأمر بدون أن يختل إيمانهم"[53].

هذا الموقف المبالغ في التسامح والرغبة في الانفتاح على الآخر الحضاري والعقدي، دفع مونسينيور ديبوش إلى الرغبة في تمسيحه، وهي رغبة لا تخلو من تقنيع صليبي، وذلك أن مونسينيور ديبوش هو الأسقف الذي أشرف على تحويل الكثير من مساجد الجزائر إلى كنائس :"عندما دخل على الأمير كان يحلم بتمسيحه، بل إنه وصل إلى التفكير في ضرورة اصطحابه لروما وتقديمه للبابا لتعميده"[54]، ولكن واسيني الأعرج يستدرك على هذه الرغبة بطريقة غير مباشرة ومن خلال الوعي الراوي الذي يعبر صوته عن أطروحات تعايش الأديان التي تنتمي إلى أزمنة ما بعد الحداثة، حيث تعددت قنوات الحوار وانتصرت مبادئ الاختلاف :"لكنه عندما خرج في المرة الثانية، ازداد يقينا أن الأمير جيد في مكانه، وأن كليهما يخدم الناس والله بطريقته وربما بنفس الحماس والعزيمة"[55].

كان يفترض أن يأخذ حوار الأمير مع الأخر المستعمر منحى التغالب والاستعلاء، وأن ينزع نحو التبكيت والقطيعة والتغليط والتضليل، بخاصة من جانب الآخر القوي المنتصر، ولكن واسيني الأعرج أراد أن يقفز خارج الزمان والمكان، وأن يتجاوز الأطروحات التي كانت قائمة على التعارض الحاد في القرن التاسع عشر بين المستعمر الغالب والمستعمر المغلوب، وأن يعيد تحيين التاريخ بما يتلاءم وحوار الحضارات والأديان في نهاية القرن العشرين، وأن يذيب ما يصعب تذويبه، والمتعلق بحدث الاستعمار، وما ترتب عليه من آثار بالغة العنف، لا يمكن لأية دراما فجائعية أن تستوعبها.

ولما كان هدف رواية كتاب الأمير لا يقف عند حدود إعادة بناء حقبة تاريخية لم تعد قائمة خارج الوثائق التاريخية، وهو ما أشار إليه من خلال أكثر من مشهد حواري أو مقام تخاطبي، حيث كان همه ينصب بالدرجة الأولى على القيم الإنسانية التي يجسدها كل من الأمير ومونسينيور ديبوش، ولذلك فقد أعطى للتخييل سلطة مطلقة على التاريخ، مما أسهم في توسيع السجال والجدل بين الأمير وخصومه، سواء أكانوا من قادة الحرب الاستعماريين، أو كل من يخالفه في أطروحاته السياسية والحضارية والتي تتجاوز حدود تصور القبيلة إلى الدولة، وتنفتح على حقوق الإنسان، وتدعو إلى احترام المواثيق والعهود حتى مع الغزاة الاستعماريين، ولذلك فإن سجاله وحربه كانت موجهة ضد الاستعمار مثلما هي موجهة ضد معارضيه من غلاة المتطرفين، وهو ما يشير إليه حواره مع مونسينيور ديبوش :"كنت أقاتل ليس فقط الفرنسيين ولكني كنت أقاتل حالة العمى التي كانت تصيب بعض خلفائي فيظنون أنهم ملاك الحقيقة فيكفرون ويقتلون من يشتهون"[56].

وقد ظل واسيني الأعرج يلح من خلال كل مظاهر السجال والجدل العنيفة منها والسلمية، ويسعى إلى إضفاء الطابع الإنساني على تجربتي الأمير ومونسينيور ديبوش، والتقريب بين هاتين الشخصيتين في معانة النفي، وفي المواقف والآراء، وفي انتصار كل منهما للقيم الإنسانية النبيلة والعادلة، وأعلى هذه القيم قيمة التسامح حتى مع الأعداء، وهو مطلب قد لا يقره الوعي التاريخي الذي يستند إلى أحداث الماضي، لأن كل المؤشرات التي تنتظم سيرورة الماضي في الحاضر، تدفع إلى تبني تأويل قد لا يقر أطروحة التسامح التي يحاول واسيني الأعرج أن يؤسس لها على مستوى المتخيل الروائي، حيث يكون تأويل التاريخ شيئا آخر غير ما يقوله التاريخ، وكل متخيل روائي يحاول أن يتماثل مع أحداث التاريخ، ولكنه ينساق وراء نزوعاته المجازية والاستعارية والشعرية، فيغلف و "يخفي ما يريد أن يظهره، ولكنه بإخفائه هذا ينقل حقيقة أكثر عمقا"[57]، حيث يدفع التخييل الروائي إلى تجاوز اليقينيات الإيديولوجية التي لا تهادن، ولا تريد أن تنسى، مع أن من صنعوا المأساة لم يعودوا موجودين، وأن عالما آخر بدأ يزحف بقيمه الإنسانية وعلاقاته القائمة على الحوار والتبادل ؛ علينا أن نستوعب أطروحاته وننسجم معها.  ويمكن أدراج  هذا التصور في إطار الرؤية الاستشرافية التي يسعى واسيني الأعرج من خلالها إلى إعادة تشكيل وعي كل الأطراف الذين لهم علاقة بالمأساة الاستعمارية – المستعمر والمستعمر- عاملا على تجاوز سياسة الإقصاء وفسح مجال واسع عبر التخييل الروائي، يمكن من الاستيعاب المتبادل بين الأنا والآخر، ولإحلال الحوار محل الاحتراب

 الهوامش

[1] القاضي، محمد (2008)، الرواية والتاريخ، دراسات في تخييل المرجعي، وحدة البحث الدراسات السردية، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، تونس، جامعة منوبة، دار المعرفة للنشر، ط1، ص. 11.

[2] كوزنز هوي، دفيد (2008)، الحلقة النقدية، الأدب والتاريخ والهرمينوطيقا الفلسفية، ترجمة خالدة حامد، حلب، مركز الإنماء الحضاري، ط1، ص. 236.

[3] Murat, Michel (2003), « Polémique et littérature », in la parole polémique (ouvrage collectif), Paris, honoré champion éditeur, p.11.

[4] أفاية، محمد نور الدين (1988)، الهوية والاختلاف، في المرأة، الكتابة والهامش، الدار البيضاء، إفريقيا الشرق، ص. 15.

[5] الرواية، ص. 6.

[6] منصر، نبيل (2007)، الخطاب الموازي للقصيدة العربية، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، ص.5، نقلا عن : Antoine de compagnon, la seconde main, p. 319.

[7] الميساوي، خليفة (مارس 2004)، خطاب الفرد – خطاب الطبقة، أعمال ندوة قضايا المتكلم في اللغة والخطاب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، ص. 72-73، نقلا عن :

Bachmann, C. (1981), langage et communications sociales, Paris, Hatier, p. 123.

[8] أشكروفت، بيل وآخرون (2006)، الرد بالكتابة، النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة د. شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، ص. 67.

[9]  المرجع نفسه، ص. 74.

[10] القاضي، محمد (2008)، الرواية والتاريخ، دراسات في تخييل المرجعي، وحدة البحث "الدراسات السردية"، كلية الآداب والفنون والإنسانيات، تونس، جامعة منوبة، ودار المعرفة للنشر، ط 1، ص. 155.

[11] Gontard, Marc (1981), Violence du texte, la littérature marocaine de langue française, Paris / Rabat, l'Harmattan / ISMER, p. 11.

[12] Ibid, p. 12.

[13] وايت، هيدن (1999)، "ميتافيزيقا السردية – الزمان والرمز في فلسفة التاريخ عند ريكور"، ضمن الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور، ترجمة وتقديم سعيد الغانمي، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، ص. 185.

[14] المرجع نفسه، ص. 190.

[15] Ricœur, Paul (1985), Temps et récit III, le temps raconté, Seuil, p. 203.

[16] وايت، هيدن ميتافيزيقا السردية، م. س، ص. 200.

[17] المرجع نفسه، ص. 201.

[18] إيكو، أمبرتو (2000)، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة وتقديم سعيد بنكراد، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربيط1، ص. 23.

[19] ريكور، بول (2003)، نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، ص.61.

[20] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السردية، م. س، ص. 201.

[21] ص.61.

[22] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السردية، ص. 203.

[23] ريكور، بول، نظرية التأويل، ص. 62.

[24] الرواية، الصفحة الأخيرة للغلاف.

[25] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السرد، ص. 203 .

[26] مفتاح، محمد (1987)، دينامية النص، تنظير وإنجاز، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، ص. 131.

[27] القادري بوتشيش، إبراهيم (2004)، "النص التاريخي بين الدلالة التقريرية والهرمينوطيقا"، مجلة علامات، مكناس، عدد 16، ص. 34.

[28] voir U. Eco (1985), lector in fabula, le rôle du lecteur, Paris, édition Grasset et fasquels, p.75.

[29] Ibid, p.77.

[30] voir Wolfgang, Iser (1985), l'acte de lecteur, théorie de l'effet esthétique, Bruxelles, Pierre Mardaga éditeur, p. 318.

[31] الرواية، ص.15.

[32] الرواية، ص.551.

[33] كوزنزهوي، دفيد، الحلقة النقدية، الأدب والتاريخ والهرمينوطيقا الفلسفية، ترجمة خالدة حامد، ص.236.

[34] بيل أشكروفت وآخرون، الرد بالكتابة، النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ص. 74.

[35] Voir Vladimir, Krysinski (1981), Carrefours de signes, Essais sur le roman moderne, la Haye, Paris, New York, Mouton éditeur, p. 105.

[36] أوسكار طاكا (1988)، أصوات الرواية، ترجمة حسمي مصطفى، الحوار الأكاديمي والجامعي، عدد 4، ص.10.

[37] المرجع نفسه، ص.10.

[38] الرواية، ص.9 .

[39] أوسكار طاكا، أصوات الرواية، ص.10.

[40] الرواية، ص.67.

[41] صولة، عبد الله، (1998)، "الحجاج، أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال "مصنف في الحجاج – الخطابة الجديدة" لبيرلمان وتيتيكان، ضمن أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغريبة من أرسطو إلى اليوم، إشراف حمادي صمود، فريق البحث في البلاغة والحجاج، كلية الآداب، تونس 1، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، ص. 340.

[42] الرواية، ص. 69.

[43] الرواية، ص .71.

[44] الرواية، ص .196.

[45] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السرد، م.س، ص. 195.

[46] القاضي، محمد، الرواية والتاريخ، ص. 150.

[47] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السرد، ص. 195.

[48] أفاية، محمد نور الدين، الهوية والاختلاف، في المرأة، الكتابة والهامش، ص.27.

[49] Bouguebina, Fouzia (2006), « le roman beur entre l'identité et l'altérité », in le roman moderne ; écriture de l'autre et de l'ailleurs, sous la direction de Daoud, Mohamed, Oran, édition CRASC, p. 39.

[50] Ibid, p. 39.

[51] الرواية، ص 129.

[52] الرواية، ص.439.

[53] الرواية، ص.43.

[54] الرواية، ص.433.

[55] الرواية، ص.433.

[56] الرواية، ص. 128.

[57] وايت، هيدن، ميتافيزيقا السرد، ص. 208.