Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.155-180، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


محمد الأمين بحري

 

مقدمة

تسعى نظرية النقد الثقافي المعاصر إلى الإحاطة قدر الإمكان بالجوانب الأنثروبولوجية، و الإيديولوجية، من خلال دراسة المظاهر الميثولوجية و الفولكلورية التي تعتام المحكي السرد لتمنحه تنوعاً فسيفسائياً متداخلاً من الرموز، في صورة لغة متعددة المستويات تعتمد جملة من المهيمنات السردية، و العتبات النصية، والنصوص الموازية المصاقبة لعديد المقامات الخطابية ذات الثيمات الثقافية السائدة في واقع المجتمع.

تتآزر هذه العناصر لتشكل الحقل المعرفي للخطاب الروائي، مشكلة معماراً سردياً، سنسعى إلى تعرف أهم بنياته الدلالية الحافلة بالأنساق الثقافية ذات البعد الأنثروبولوجي و البنى التخييلية بمظهرها اليوتوبي الموازي، و ذلك على امتداد عدة نصوص روائية للطاهر وطار قوامها أربع روايات هي خلاصة ما كتبه الطاهر وطار بداية من مرحلة التسعينيات.و حتى وفاته، و هي: (الشمعة و الدهاليز، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، قصيد في التذلل). حيث شكلت معاً مدونة سردية حافلة بالأنساق الثقافية منها الجاهز من مخيال المجتمع، و منها المصطنع من مخيال الروائي و صنعته الفنية.

أولاً- الفضاء المخيالي و أنساقه الثقافية

1. الفضاء المخيالي

لعل أوسع مفهوم فكري للتخييل هو ما نعثر عليه لدى المتصوفة حينما رأوه بمثابة: "الوجود، لأن الناس كما قيل نيام لا يرون في هذه الدنيا إلا خيالاً، فإذا ماتوا انتبهوا، و قد قرن الفرابي وابن سينا التخييل بالوهم الذي سمي قوة وهمية يستخدمها الخيال و يعارضها العقل(...) بمعنى أن هذه القوة تأخذ الصورة المختزلة في الخيال و تعيد تشكيلها في هيئات جديدة لم يدركها الحس من قبل"[1]. و من ضروب التخييل  حسب حازم القرطاجني في منهاج البلغاء و سراج الأدباء ما يدخل في باب الممتنع العجيب الذي يمتع النفوس، و كلما اقترنت الغرابة و التعجيب بالتخييل كان أبدع[2]، و على العموم فإن ما وضع من حدود للخيال و ما اشتق منه من مصطلحات يتفق في أن المخيَّل من الأشياء في الكلام يقتضي الإيهام بها كما يقتضي التفنن في تقديمها و إبداعها إبداعاً قد يخرج بالمخيل من نطاق المحتمل إلى نطاق الممتنع المخادع للعقل"[3].

من ثم ارتبط المخيال في حده الثقافي عموماً و الأنثروبولوجي خصوصاً بعالم الرموز و لغتها، و دون انحياز لحقل اجتماعي خالص أو نفسي صرف، يتحدد المخيال من وجهة نظر أنثروبولوجية في نظر الباحث الفرنسي جيلبر دوران Gilbert Duran بكونه:"المسار الذي يتشكل فيه و يتقولب تصور شيء ما من خلال الحاجات الغريزية للشخص، و تفسر فيه التصورات المسبقة للشخص في محيط اجتماعي"[4].
و قديماً قامت المجتمعات البشرية في تأسيس وجودها الواقعي و الأسطوري معاً، على مخيالها الخاص. ذلك أن هذا المخيال مهما تميز به فرد عن بقية الأفراد أو مجموعة عن بقية المجموعات، فلا يمكن اعتباره:" نتاج عقلية فرد أو مجموعة يقرأونه حسب المشيئة، بل هو الهوية غير المنظورة التي يكونها المجتمع لنفسه"[5]. ذلك أن المخيال و عبر الصيرورة التاريخية لحياة الإنسان، استطاع أن ينتج مؤسسات اجتماعية متنامية التفكير، باعتباره نسقاً فكرياً متعالياً طالماً زود المجتمع بشروط إمكان وجوده ككل متجانس. و من شأن ظهور أي تغير على مستواه أن يدلل إما على تطور محدث في جوهر المجتمع و بناه العميقة، أو عن وجود  اختلاف نوعي في نمط التفكير بين مجتمع و آخر. ذلك أن تطور المجتمعات و تمايزها مرهون بمقدار الاختلاف الحاصل على مستوى مخيالها الثقافي.

و على هذا الأساس الرمزي يبني المخيال قاعدته الإبستيمولوجية في نظر الأنثروبولوجي الفرنسي كاستورياديس الذي يعتبره توظيفاً رمزياً "يستمد معناه من خارج ذاته، و تشير الرمزية بالضرورة إلى شئ ما ليس برمزي، و ليس مجرد عقلاني واقعي أيضاً(...) هذا الإبداع الخاص بكل فترة تاريخية في طريقتها الفريدة في تأسيس وجودها و إدراكه و عيشه، هذه البنينة الأولية و الفاعلة، هذا المدلول- الدال المركزي، مصدر المعنى الذي لا يطاله نقاش أو نزاع(...) مصدر ذلك التجاوز في الوجود المتعلق بالأشياء الفكرية أو العاطفية أو العملية للتطويق (الفردي أو الجماعي)- هذا العنصر ليس سوى ((مخيال)) المجتمع أو الحقبة"[6]. و بذا يتلخص المخيال باعتباره تخطيطاً ذهنياً لمجتمع افتراضي نابع من مجتمع واقعي، و هو لا يخاطبنا مباشرة، و لا يظهر إلا مقنعاً أو من وراء حجاب: "و بالتالي فهو شئ هارب من التحديد، لأنه بطبيعته يتجاوز ذاته(...)، و بهذه الطبيعة الاختفائية ينتصب المخيال و كأنه مثلث ينظر كل ضلع من أضلاعه إلى: علم الأنثروبولوجيا،
و علم النفس، و الأنطولوجيا(علم الوجود). و لأنه لا يتكلم إلا من وراء حجاب، فإن علينا أن نرصده في السرود و المرويات المتكررة التي يكشف فيها كل مجتمع عن نفسه"[7].

و هذا ما سنقوم به في دراستنا للمستوى السردي، حيث يندرج المخيال ضمن نطاق الضرورة الميتافيزيقة للإنسان التي أنجزت- منذ ظهوره على وجه الأرض، و لا زالت تنجز حتى أيامنا هذه- رؤية الإنسان لوجوده و عالمه الذي دأب على زرعه في حقل المتخيل و متعالياته الذهنية التي سنعالجها في مدونتنا، باعتبارها خطاباً متفرداً بكينونته و منظوره للعالم، و تخطيطه اليوتيبي لمجتمه و مدينته و حالته الحضارية التي يسعى الروائي بكل ما أوتي من متعاليات نصية و ميتانصية إلى الإحاطة بها.

  • 2. الأنساق الثقافية و تمظهراتها الفنية

نعثر في مدونتنا (رواية ما بعد التسعينيات للطاهر وطار)على نوعين بارزين من الأنساق الثقافية؛ أحدهما تم إنجازه- أو تشييده بالأحرى- من طرف الروائي مستخدماً فيه وسائل واقعية مستمدة من بيئته الاجتماعية، يقوم بتركيبها على مستوى الفضاءات السردية بصورة غرائبية متخيلة، لتكون أكثر تجريداً و محايثة للواقع من حيث الصياغة الشعرية، و أعمق دلالة من الناحية الرمزية. و هذا ما يفعله المبدعون عموماً و الروائيون على وجه الخصوص في ما يصطلح عليه بالفضاء المتخيل، حيث تكون مرجعيته مألوفة في الواقع، و مواد بنائه مستمدة من الواقع، باعتباره مصدراً ينطلق منه و ينتهي إليه الخطاب الروائي، لكن طريقة تركيب تلك العناصر، و المكونات و تشكيلها، و كيفية تفاعلها مستوحاة من نسج مخيال المبدع، و من خالص صنعته الفنية، فتنشأ لنا فضاءات زمنية و مكانية، و شخصيات تحمل تركيب نظيرتها الطبيعية في الواقع، دون أن تحمل منطقه، و نظام سيره، لتعود عليه في النهاية بدلالة رمزية، تشير إليه دون أن تصرح، و توحي بالمعنى دون أن تعلنه، و تعلق على أحداثه من خلال ما يتفاعل في فضاء المتخيل من وقائع، أقيمت على واقع موازٍ، لم يشأ أن يكون موازياً للواقع الأصلي إلا من أجل خلق مساحة تعبيرية رمزية بين الواقع الأصلي و الواقع المتخيل، مساحة لقول ما لم يمكن أن يقل علناً، و تمرير ما عجزت القنوان المباشرة على تمريره، و تحرير ما كبته الواقع في النفس من حقائق و مواقف، و رؤى للعالم. في خطاب رمزي موجه لفئة يفترض أنها تفهم لغة الرمز و الإشارة و الإيحاء و الإيماء المحمولة على علامات ظاهرة
و أخرى خفية بن السطور ترشحها اللغة الشعرية للنص الروائي. و هكذا ينشئ لنا الروائي إطارات زمنية يؤثثها بالأحداث و الشخصيات، و مكانية يعمرها بعناصر
و معالم و أشياء. وهي كائنات و شخصيات مهما كان واقعية المواصفات و مألوفة المرجع، فإنها تتحرك بمنطق الفضاءين (الزماني و المكاني) المخياليين و تُحركهما في الوقت ذاته.

و في هذا العالم المبتدع تظهر الصنعة التخييلية للمبدع، و قدرته التصويرية،
و استراتيجيته الفنية في التعبير عن أفكاره. و باختصار، فهو ينشئ عوالم فكرية تولدت من صميم تأملاته لواقعه، و رؤيته لعالمه. فنجده يشيد مدنا خيالية نابضة بالحياة و الحركة و الكائنات، ينسج منها فضاءً يصب فيه فلسفته، و يبلور فيه موقفاً فنياً من العالم و الوجود. و لطالما "شكل الفضاء (...) معياراً لقياس الوعي
و العلائق و التراتبيات الوجودية و الاجتماعية و الثقافية (...) و التي تنبه إلى نوع من اختراقات الفضاء لنا، لأجسادنا، لأفكارنا، لوجداننا و لمعارفنا"[8]. لذلك فالتعبير عن أفكار الإنسان و ثقافته بمختلف أنساقها لا يتم إلا داخل فضاء مخيالي ما ينظمها فيه، "لذلك يمكن القول بأن تاريخ الإنسان هو تاريخ تفاعلاته مع الفضاء"[9]. و لا يمكن للروائي المعبر عن حال حضارية واجتماعية و ثقافية أن يصيغ منظوره الروائي إلا وفق "فضاء محايث، يكون متمظهراً أكثر منه محدداً، و متكلِّماً، أكثر منه متكلَّماً عنه"[10]. و نظراً لهذا الدور الجوهري في صياغة المخيال السردي، صنفنا الفضاء المخيالي في هذه الدراسة كأول الأنساق الثقافية التي يباشر الروائي صياغتها قبل أي نسق ثقافي آخر.  

أما النمط الثاني من الأنساق الثقافية المستخدمة في مدونتنا، فيتعلق بتلك الأنساق الجاهزة مسبقاً، أنساق صاغها المجتمع (و استثمرها الروائي) للتعبير عن أحواله الداخلية، و للتعليق عما يقع فيه من سلوكات و أحداث، و صيغ تعبيرية عن مكبوتات النفس، و لواعجها. إذ يقوم المجتمع في العادة، بصك صيغ ملائمة لكل حال، و التعبير عن كل ظرف يواجهه في يومياته،  فكان أن نشأت منظومات ثقافية حافلة بالأنساق المختلفة الألوان، فمنها المثل الشعبي السائر، و الأغنية،
و صنوف اللباس التقليدي، و طقوس الاحتفال، و  تقاليد إحياء المناسبات...الخ، التي تدلل على فرادة الشخصية القومية، و العرقية، و خصوصية الشخصية
و الهوية. كما تعكس انتساباً تاريخياً، و بعداً حضارياً للفرد و المجتمع.

و قد جاءت تلك الأنساق الثقافية و المنظومات الطقوسية الجاهزة كي تبرر ذلك الحق الإنساني في الوجود بقوة العوامل التاريخية و الحضارية و الثقافية التي يتمتع بها الفرد و يحييها في شكل عوائد يومية في مجتمعه. و لا يتردد الروائي في الاستفادة من هذه الأنساق الجاهزة ليؤثث بها أنساقه المصطنعة التي قام بتجهيزها من قبل، في صورة فضاءات زمنية و المكانية و شخوصية ذات طابع تخييلي، من شأنها أن تحتضن، كحوامل خطابية، ما التقطه الروائي من أنساق ثقافية جاهزة لبناء خطابه السردي، فيتضافر النمطان من المنظومات، لصناعة ما بات يسمى حديثاً بأنثروبولوجية الرواية.

و تجدر الإشارة إلى أن هذه الأنساق الثقافية الجاهزة تحضر و تغيب لدى الطاهر وطار بحسب طبيعة الفضاء التخييلي الذي يشيده الروائي؛ فإذا كان هذا الفضاء تجريدياً بحتاً، و غرائبياً مغرقاً في التخييل و اليوتيبيا، فإن تلك الأنساق الثقافية الجاهزة تغيب غياباً تاماً كما هو الشأن في روايتي: الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، و الولي الطاهر يرفه يديه بالدعاء. أما إذا كان الفضاء التخييلي مألوفاً،
و حاملاً لمواصفات معروفة و ذات مرجع واقعي، فسنجده حافلاً بالأنساق الثقافية الجاهزة، من أمثال، و أغانٍ شعبية، و مظاهر تقليدية لشخصياته، كما سنشهده في روايتي الشمعة و الدهاليز، و قصيد في التذلل. لكن قبل ذلك يجدر بنا أن نقسم هذه المنظومة التخييلية إلى أنساق مصطنعة من طرف الروائي، قبل التطرق إلى الأنساق الثقافية الجاهزة من قبل مجتمعه.

ثانياً- الفضاء المخيالي للمكان- (مدينة الخيال)

تمحور مصطلح التخييل في الدراسات السردية المتأخرة حول القصص غير الإحالي (Récit non référentiel) أي حول قصة غير مرجعية "من ناحية أن العالم الذي فيها مقتطع من الواقع. لكنه واقع غير معين. و لذلك فهو عالم ضبابي لا أمارات فيه لأسماء تحدد المكان"[11]. أو تحيل على معلم أو شاهد معروف في الواقع المرجعي الذي نعايشه .

و في هذا السمت ينطلق الطاهر وطار من مدينة الخيال التي يشيدها في فضائه السردي ليسكنها أبطاله أو لتسكنهم. كي يحيل من خلالها على واقع فضل أن يتراسل معه بوسائط رمزية، علَّه يتلقى، أو يجعلنا نتلقى رداً، أو نستخلص دلالة من تلك البلاد الغرائبية. غير أن ما نحتاجه فعلياً في هذه الدراسة "ليس استعارة نُظُم عالمنا، بل استنباط نُظُم تلك المدينة العجيبة، فما تواضعنا عليه عبر العصور لا ينطبق على عالم آخر رهين بقراءتنا(...) فضلاً عن أنه عالم متخلق بمكونات غير مكونات عالمنا، و محكوم بنظم خاصة به"[12]. و ذلك عبر كل الفضاءات السردية من زمان و مكان و شخصيات و أحداث، غادرت جميعها عالم الواقع و التحقت بالمتخيل.

  • 1. مدينة الخيال الأليفة (الشمعة و الدهاليز)

ففي رواية الشمعة و الدهاليز يشَيِّد الطاهر وطار بداخل الشخصية الرئيسية "الشاعر"، مدينة بمواد معروفة و ملامح مألوفة في التاريخ الحضاري الجزائري من حيث الزمان و المكان فيعرِّف صاحبنا نفسه للقراء مستعيراً معالم مدينة أليفة تلك: "أكون أحد أضرحة بني أجدار بتاهرت: عندما يدخل الداخل من الدهليز يجد قبالته ثلاث قاعات مفصول بعضها عن بعض، بدهليز طوله بضعة أمتار، و يتفرع عن أولى هذه القاعات عن اليمين و عن اليسار دهليزان متشابهان يفضيان إلى هيكل ثان متركب بدوره من خمس قاعات تربط بينها دهاليز تنطلق من مدخل الضريح، و يشتمل على ثماني قاعات كبيرة و أربع صغيرة كائنة بالأركان و يربط بينها دهليز"[13]. و حينما بدخلنا إلى أعماقه لنتعرف عليه من الداخل يتماهى البطل مخيالياً مع معالم مدينته الأليفة مستعيراً منها أحد دهاليزها فيتحول المعلم الحقيقي إلى مخيالي، و يتحول الإنسان الطبيعي إلى دهليز: " أتحول إلى دهليز مظلم متعدد الجوانب و السراديب والأغوار، لا يقتحمه مقتحم مهما حاول"[14].

حينما يضعنا الروائي بإزاء هذه المتاهة الشخصية أو الشخصية المتاهة لا نعود ندرك أنحن بإزاء شخص أم مكان أم زمان أم أمام هذه العناصر مجتمعة أم أنها عناصر متنافية متلاحية ينفي بعضها بعضاً، فنجد أنفسنا أمام حالة انتفاء لها جميعاً. و في هذه الحالة أو تلك، تتأكد الطبيعة المخيالية لهذا البناء الذي ليس مجرداً خالصاً و لا مجسداً صرفاً. لا يتأسس على أرض الواقع و لا على أرض الخيال، و لا يترك لنا في النهاية من سبيل غير التساؤل:

هل يعرفنا وطار على بطله؟ أم عن مدينته الخيالية ذات المرجع الواقعي؟ و هل يريد أن يقدم لنا المعلم الحضاري الكائن بمدينة تاهرت، و مسالك متاهاته
و دهاليزه؟  أم يعمد إلى إتاهتنا في تلك المسالك و الدهاليز؟ و هل نحن بصدد شخصية أم بصدد مدينة قوامها متاهة من الدهاليز؟

و لا يطيل الروائي كي يضيء لنا جوانب من هذه المتاهة، و ركناً جوهرياً من هذه الدهاليز التي يبدو أنها ليست شيئاً آخر سوى القضايا الشائكة و المعقدة لعصره التي عجز عن حلها فراح يغوص في متاهاتها دونما حل أو شاطئ يرسو عليه في الأفق، إنه عالم فكري خالص يتخذ من الواقع و تعقيداته نموذجه الموازي، و مثاله الذي لم يجد له سوى أضرحة بني أجدار و متاهاتها الأفعوانية نموذجاً، إنها حيرة أنطولوجية تجد صورتها في معالم حضارية و تاريخية: "أدخل القضية أو المسألة الواحدة حيث ملايين، إن لم تكن ملايير القضايا، دون حلها أو الوقوف عليها كلها، لا تجد باباً في دهليز القضية التي أنت بصدد اقتحامها. بل إن سراديب تنفتح أمامك، فتروح تنزل مدفوعاً بقوة ما، لا تدري ماهيتها ، و كلما اقتحمت سرداباً، وجدت نفسك في دهليز آخر، ينفتح على سراديب، تمتصك، فتنزل،
 و تنزل، لا إلى مكان، بل إلى دهليز، و سراديب ممتصة أخرى. ضريح آجداري مهمل"[15]. و يبدو أن هذا المعلم الأخير هو الهيكل الذي يجسد حال الحيرة التي يوجد عليها البطل. و كأنه بشرحه لدهاليز حضارة بني آجدار، قد وجد ملاذاً يبث فيه حالة تيهه و يجسدها، و بالتالي لا تكون هذه المدينة سوى أعماق البطل
و تعاريج أعماقه الفكرية الحائرة، و قد تماهت مع معلم سياحي مألوف في حضارة البلد و تاريخه.

2. مدينة الخيال العجيبة: (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي/الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء)

على الرغم من أن الأمر يتعلق بفيف مخيالي، إلا أننا سنطلق عليه تجوزاً مصطلح المدينة لأنه مصطلح نقدي رجراج في الدراسات الحديثة من جهة، و لأن عبارة الريف أو الفيف الخيالي تبدو ناشزة و لا تجد لها في الحق النقدي سنداً موضوعياً يدعمها.

تطل بنا الروايتان على فضاء مخيالي يتربع على صحراء تمتد على مد البصر، لا مكان فيها لزمن أو مكان ثابتين. و لا للاتجاهات، أو المسافات. لا تنطبق عليها معايير قياس الزمن و المساحة و الكتلة، و هذا المقام الذي يسكنه، مكان سرمدي هيولي متبدل متعدد كما في مشهد سريالي يقترب إلى المشاهد الأخروية أكثر منه إلى الدنيوية: " استدار، لكن المقام ظل يقابله، استدار من جديد فوجد نفس المقام. ظل يستدير حتى أكمل دائرة برمتها، و ظل المقام يتعدد"[16]. إنها حالة من التيه ما فتأت تتكثف في هذه الرواية التي تخاطب الواقع بأبعد الصور عن الواقع، و هي صور عائمة تتقاذفها شطحات صوفية، تعبث بمعايير الواقع و تبطل مفعولها:
" و فوجئ الولي الطاهر عندما أراد العد من جديد، بأنه لا يجد سوى ثلاثة قصور و مقامه الزكي المفترض. خلفه قصر، إلى يمينه قصر، إلى شماله قصر، قبالته، حيث تتوجه العضباء، مقامه الزكي، غير أن الاتجاهات الأربعة فقدت قيمتها الجغرافية، كما فقدت مدلولاتها. الشمس في ذهول عميق(...) و لكن هذا الفيف أين يقع، حتى تذهل شمسه هذا الذهول؟ "[17]. أما المقام الزكي فيتكون من سبعة طوابق، يوحي العدد سبعة فيها إلى اللانهائية و السرمدية، كما يحوز التصور الأسطوري للعدد سبعة رمزية قدسية منذ القدم، فالعدد سبعة: "هو رقم للطهارة،
 و التكوين، و الوقت مع الكواكب السبعة، و سبعة أيام الأسبوع، (...)،
 و الفضائل السبع، و الخطايا السبع، و هبات روح القدس السبع، و الحكماء اليونان السبعة، السبات- السبت- في العبرية هو اليوم السابع، و رقم (7) يرمز إلى التوحد مع الله"[18]. لذلك يعدد الولي الطاهر الطوابق الست للمقام الزكي حتى إذا وصل إلى الطابق السابع قال:" الطابق السابع خلوتي و طريقي إلى حبيبي"[19].
و يعزز هذا البعد القدسي بتمثل المقام الزكي في وصف يستأنس في صياغته بالنص القرآني في قوله: "جعلناه سبعاً طباقاً، تحتضنها مئذنة ترتفع عنها بنصف علوها، فكان كإرم ذات العماد أو أكثر"[20].

يمثل المقام الزكي بهذه المواصفات ذات الرمزية الأسطورية تارة و الدينية القدسية تارة أخرى، حجر الزاوية لمدينة وطار العجيبة، التي كان المقام الزكي فيها هو المبدأ( وهذا ثابت في عنوان رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)، و هو المنتهى حينما يطاله الكسوف في مرحلة لاحقة في رواية:"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" يقول وطار في هذه المرحلة الجديدة من التيه و الفقدان :" أعاد الولي الطاهر تأمل الشمس التي كان اعتراها الكسوف، فبهره الوهج، و تساءل عم يبحث. نسي انه كان هناك قبل لحظات، كسوف كلي فجائي، لم يتنبأ به لا العرافون ولا المنجمون و لا العلماء "[21]. إنه عالم مخيالي تتبدد فيه و تتلاشى مقاييس العالم المنطقي. فيضحى المقام الزكي الافتراضي مدينة يوتيبية بلا معالم ثابتة، مدينة متلاشية الحدود متحررة من أي حاكم أو منطق أو قانون، و لا ترضى بأي قانون سوى التحول و التعدد و خداع البصر الوحواس، مجسدة في وجودها الغرائبي موقعاً تتكثف فيه و تتلاشى حالة الغيبوبة الصوفية، أو السريالية، أو إن شئنا سميناها: حالة الغيبوبة الوطارية الخالصة.

ثالثاً- الفضاء المخيالي للزمان (الزمن بين التجريد و التجسيد)

مثلما وجدنا فضاءات مكانية واقعية و أخرى مخيالية نلفي لدى الطاهر وطار نوعين من الدهاليز الزمانية سميناها فسحات منها المباحة و منها المحرمة ينطلقان من بؤرة زمنية سميناها: "الفسحة المخيالية الزمنية"، و هي ومضة ارتجاعية في الزمن يستعيدها الراوي في شكل قصة، أو حدث، أو عادة من العادات الاجتماعية القديمة، لها علاقة و لو رفيعة مع مسار السرد الأصلي الذي تم الانحراف عنه بهذه الفسحة الزمنية المخيالية ذات البعد الثقافي و الحضاري العميق. و لنا في رواية الشمعة و الدهاليز مثالاً غاية في الوضوح يجسد الصنعة الفنية للوقائع المخيالية عند الطاهر وطار.

  • 1. المظهر التجريدي للزمن (الفسحة المخيالية المحرمة)

إن شئنا هو دهليز محرم من الدهاليز التي يخوضها الطاهر وطار، ليفتتح به بوابة المسكوت عنه اجتماعياً و أخلاقياً. غير أن هذا المسكوت عنه كان عميق الأثر إذا ما عدنا إلى وقائع الثورة التحريرية، لا على المستوى السياسي أو العسكري أو التنظيمي الرسمي، و إنما على المستوى الاجتماعي البسيط، و التفاعلات البينية داخل النسيج الاجتماعي المعقد التركيب، الذي أعاد الطاهر وطار صياغته و هو يستذكر تلك اليوميات العصيبة في شكل ومضات ارتجاعية شكلت فسحات مخيالية وظيفتها تغيير مسارات الإيقاع السردي، و تتجلى هذه الاستراتيجية خاصة في رواية الشمعة و الدهاليز.

تملي هذه الفسحة المخيالية ضرورتها متأثرة بمظاهر القمع المتعددة في مجتمع رجولي منتهك على جميع الأصعدة بفعل الاستعمار. مما ولد عدة عقد اجتماعية
و ثقافية و نفسية تراكمت في اللاوعي الجمعي، مثل عقدة الشرف لدى الجزائري المستعمر التي تتميز بوقع مدوٍ إذا ما تم طرقها أو إثارتها، غير أنها عقدة غريبة التركيب؛ فكما أنها سريعة الاستعار و التأثير في النفوس، بما توقظه من حمية
و غيرة، و نعرة قبلية و شخصية، بدافع درء العار و إبعاد أثره، فإنها سريعة الخمود إذا ما وجدت عذراً، أو ذريعة، تغطي على إتيانها، كذريعة الوضع المحتل، أو دخولها في سياق محاربة الاستعمار، بشتى الوسائل حتى المحرمة اجتماعياً و أخلاقياً و دينياً. إنها عقدة متجاوزة لكل الحدود في تناقضها و امتدادها السلس من النقيض إلى النقيض.

فكما يؤدي حدوثها إلى تفريق الشمل و إحداث شرخ لا يرأب صدعه، و عنف
و انتقام و ثأر لا يروي ضمأه إلا الموت، فإنها - إذا ما وجدت مبرراً كصد العدو،
و خدمة الثورة- نجدها تساهم على النقيض من ذلك في لم الشمل، و خدمة المجتمع و الوطن الذي تهون في سبيله النفس ذاتها و ليس الشرف فحسب. و هذا ما قامت به الفتاة الجزائرية المذهلة التي منحها وطار تسمية العارم، و كانت بطلة لقصة احتلت إحدى الفسحات المخيالية للرواية التي يرويها البطل (الشاعر) من أعماق ذاكرته: "اللهم بارك العارم (...) راودها عسكري هام بها و هي في الوادي تغسل الصوف، قدرت أن قدرها أن تستسلم، أو أن تنتحر. أن تتنازل عن الشرف الذي أوصاها به زين شباب الدوار مختار(...) اقترب منها، فراحت تقوده نحو الشعبة مبتعدة به عن رفاقه(...) بلغا الشجرة، فجلسا في ظلها.  كانت عيناه الزرقاوان تمتلئان رغبة، رأت فيهما عيني ذئب يحاصر نعجة، قررت أن تعمل على تهدئته، أولاً و قبل كل شيء. لمست منه استجابة لذلك، بعدما تناولت يده، و وضعتها بين ثدييها. لاحظت أنه يلين بشكل عجيب. لم تدر لماذا تناولت رأسه عندما اقترب منها، و وضعته على صدرها، بينما راحت أصابعها، تعبث ببشعره الأصفر. ربما كانت شمعة غريزة الأمومة، تتقد في دهاليز قلبها، تناديها باغتنام لويحظات إنسانية رائعة (...) سالت دمعتان من عينيها. ترقرقتا على خديها، ثم نزلتا على جبينه. فتمتم: - أحبك. فهمت العبارة الفرنسية، بلغت أعماقها. أحست بأنه يستسلم لها، و يغور في سراديب عميقة (...) مدد ذراعيه إلى الخلف، يساعدها على انتزاع السترة، و لم يدر كيف لوت على زنديه بحزامها الصوفي، و راحت توثقه (...) حاول أن يخلص ذراعيه،
 و يستعيد المبادرة، إلا أنه لم يفلح. كانت قد قفزت و تناولت الرشاش، و طعمته بخرطوشة، و أمرته: - قدامي. عند المختار يا ولد الزانية"[22].

تدل هذه الفقرة- و هي عبارة عن فسحة زمنية من الفسحات المخيالية للبطل- على تغلغل وطار في أعماق مخيال المرأة الجزائرية المقهورة بوضعها البائس،
و إدراكها للبؤس الذي يعانيه الرجل سواء كان جزائرياً مغتصباً أو فرنسياً غاصباً. لكن المرأة هنا قد نالت مبتغاها من الرجلين على ما يبدو. فهي التي  تتوق نفسها إلى تلك المزايا التي يفتقر إليها رجلها و ينفرد بها الرجل الغربي، من عناصر مغرية ركز عليها الروائي بإمعان و هي الوسامة، زرقة العينين، و الشعر الأشقر. لكنها تعرف أن ذلك لن يكون من نصيبها، و يبدو أنها اهتبلت أول فرصة لتحتك بهذا الرجل المختلف، ففعلت ذلك بامتياز، و فازت باللذتين، لذة أطفأت بها رغبة دفينة لا تنالها أية امرأة في جيلها إلا ما ندر، و لذة العمل الجهادي الذي مكنها من اعتقال رجل عسكري من العدو في عملية فدائية منقطعة النظير.

فإلى أين يمكن أن ننسب تلك القبلة الطويلة التي أغرقت بها العسكري الفرنسي؟ أو تلك الدموع التي سالت حارقة - في لحظة شبق- حتى غمرت جبينه؟

و مع أن الإجابة تبقى نسبية جداً في هذا المستوى المخيالي الذي ينفث عقداً
و مكبوتات حضارية تضطرم بها لواعج فؤاد المرأة الجزائرية، إلا أنه يمكننا القول. بأن هذه الواقعة المخيالية المتفردة، قد كشفت جانباً حساساً، من نفسية المرأة المستعمرة، التي تركت الروائي نفسه يتساءل بعدها. دون أن يهتدي إلى جواب، أو حتى يجرؤ على تحليلها، بل اكتفى أن يدخل إلى مخيال العسكري الفرنسي
و يستنطقه فيقول لنا المسكين الذي لم يفهم شيئاً بدوره في سلوك هذه المخلوقة العجيبة: "حين كانت تعبث بشعري، لم تكن لا عربية و لا مسلمة، و لا أجنبية عني. جئت أقاتل أهلها. كانت فقط أصابع رقيقة لمخلوق حنون(...) و داعبت أصابع عذراء، لا تعرف لغتي و لا أعرف لغتها، شعر رأسي و قبلتني(...) فقد عشنا للحظات قصار كل ما في بشريتنا من غرائز الحب و البغض، و إنني لفخور بذلك. لتفعل بي البدوية الجميلة ما تشاء"[23].

إنها لوعة دفينة كبتتها المرأة الجزائرية التي توالت عليها كل أنواع الحجب،
و القمع، و الوصاية، و القهر. حينما وجدت متنفساً تفرغ فيه مكبوتها الحضاري المتراكم منذ الأزل. و على الرغم من اتسام هذه الواقعة بكثير من الواقعية، إلا أنها واقعة مخيالية بامتياز، باعتبار مصدرها اللاشعوري الجمعي الذي يستبطن نفوس أفراد المجتمع الجزائري المحتل، حتى في شرفه آنذاك. كما أنها سمحت لنا بتعرف جانب لاشعوري غربي  للظاهرة الجنسية التي فضل الروائي أن يسمها بالسمة الإنسانية، حيث يلتقي القطبان الغربي المتحضر، و العربي البدوي (المتخلف)، على بساط فسحة مخيالية محرمة تستوطن اللاوعي الجمعي لهذا الخير.

  • 2. المظهر التجسيدي للزمن (الشخصيات المخيالية المستحضرة)

لعل أول شخصية مخيالية ذات بعد زمني تصادفنا في روايات ما بعد التسعينيات للطاهر وطار هي شخصية (سيدي بو لزمان) في رواية الشمعة و الدهاليز، و هي  شخصية عابرة للأزمنة تظهر في كل العصور و تتجلى لعباد الله الصالحين، تقول أم الخيزران لابنتها: "إنه جدك سيدي بولزمان، حفيد رسول الله، عليه الصلاة
و الصيام، زامن السيد البخاري، و السيد عبد القادر الجيلالي، و صلى بالأولياء
 و الصالحين. لا أحد يعرف مدفنه و لا تاريخ موته، و لا ما إذا كان ميتاً فعلاً. يتحدث عنه نسله جيلاً إثر جيل، الحديث نفسه، و ينتظرون تجليه من جيل لآخر.  و مع أنه لا يبخل في الظهور، إل أنه لا يظهر إلا لمن أحبهم الله من ذريته، و لا يظهر إلا على حافة الزمان(...) لقد ظهر في قرية أبيك، غداة اندلاع الثورة، لأكثر من واحد، و منهم أبوك. يقود الواحد منهم إلى المسجد، و في الطريق يقول له؛ انتظروا الجمع و التقصير. يظهر مرة شاباً يافعاً، و مرة كهلاً، و مرة شيخاً هرماً"[24]. وبهذا المظهر تجسد هذه الشخصية هيمنتها على الأزمنة، لتقف حارساً عليها ترقب تقلباتها و صروفها، و ما مأساة التسعينيات في الجزائر إلا إحدى تقلبات الزمن التي استدعت- حسب الروائي- حضور هذه الشخصية السرمدية، لتقف على أحداث المرحلة كما وقفت على جليل الأحداث عبر التاريخ.

و الملحوظ أن ظاهرة تمثل الأزمنة عبر الشخصيات استراتيجية استهوت الطاهر طار، لنجد أن كل شخصية من شخصياته الرئيسة تمثل انشطاراً زمنياً بين شخصية واقعية تسكن الحاضر و شخصية تاريخية مستحضرة تسكن الماضي. و تتعايش الشخصيتان في أبطال الروايات. لتمنحها وجوداً راهناً و آخر مخيالياً تاريخياً تستظل به، و تضاعف دلالتها الرمزية.

أ. الانشطار الزمني للشخصيات (الواقعية/ المخيالية)

يعمد الطاهر وطار إلى استخدام استراتيجية مفارقاتية تسم أسلوبه التصويري للشخصيات؛ حينما يغمسها في رحم تاريخها الحضاري و الديني الذي تتخذه مرجعاً زمنياً، و لو في مخيالها الاجتماعي المحتفل بأصالته العريقة، "و لعل انخراط  النص الروائي في المخيال الاجتماعي يجعله منخرطاً في التاريخ الاجتماعي بوصفه نصاً خالداً"[25]، و بهذه الديمومة المتحققة مخيالياً يتمكن النص من التفاعل مع مختلف أزمن القراءة السابقة و الراهنة و اللاحقة الممكنة. فتضحى لكل شخصية حداثية التكوين قرينتها الزمنية ذات الأصل التراثي، كأنما يتصادى منها صوتان يتقدم أحدهما مخاطباً عصره المضطرب بالجسد و الملامح و الفعل في الجانب الظاهر، و يهتف الآخر في أذن الشخصية و القارئ معاً بصوت تراثي ماضٍ في جانب الباطن، ليذكرها بمرجعية اجتماعية و تاريخية شكلت تاريخها منذ عصور غابرة. و هكذا يتزاوج الحاضر المباشر بالماضي غير المباشر في كل شخصية من شخصيات روايات ما بعد التسعينيات في استراتيجية استبصار فين يزاوج بين الماضي الخالد بشخصياته
و مآثره و أحداثه، و المستقبل الضنين الذي يريد له الروائي أن يسترشد بسابق عهده من خلال هذه الاستراتيجية الزمنية التي تشيدها الشخصيات.

 *-  في رواية الشمعة و الدهاليز  (التخييل داخل الواقع)

تطالعنا أولى روايات مرحلة التسعينيات (الشمعة و الدهاليز) ثلاث شخصيات. رغم مظهرها الحداثي المعاصر، فإنها تتلبس ثلاثة شخصيات ذات مرجعية تراثية دينية تقترن بها مخيالياً :

أولها ظهوراً : شخصية رجالية لأحد الشباب المنتسب حديثاً للحركة الإسلامية، و المولع بروح الجهاد، و المتبني لأفكار أصولية مستقبلية تهدف إلى تأسيس دولة إسلامية، ما يجعلها شخصية تهفو إلى العودة إلى الأصول، و إعادة إحياء الأمجاد الإسلامية التي طمرتها انهزامات الدول العربية و شعوبها. شخصية لم يبح لنا وطار باسمها الواقعي على الرغم من معايشتها لأطورا مرحلة التسعينيات، و لكنه يكتفي بتقديم كنيتها المستمدة من التاريخ الإسلامي و هي شخصية عمار بن ياسر، الذي يتزيا بملامح تحاول التشبث بكنيته الجديدة القديمة هذه: "لونه يميل إلى السمرة، عيناه سوداولن، مشعتان، أنفه بين القصر و الطول، يميل قليلاً إلى الفلطحة، بينما خنابتاه ممتلئتان بشكل بارز، مما يدل على بقايا خلاسية بعيدة، يعزز ذلك بعض الاكتناز الذي يطبع الشفتين، قامته طويلة منكباه عريضان.(...) في الثلاثين من عمره، مهندس في النفط، قيادي في الحركة، يناصر العقل و الاعتدال، و يبغض الجهل و التطرف، اسمه الحركي عمار بن ياسر"[26].

و ثانيها شخصية نسائية لفتاة عاصمية فقيرة الحال، تبحث عن إثبات وجودها في هذا العصر من خلال المحاولات اليائسة لإيجاد عمل يستر حال عائلتها. فتلتقي بالبطل (الشاعر) الذي يعجب بشكلها الذي يوحي له بأصول و عروق أسلافها من السكان الأصليين لهذه الأرض، و الحضارة و التاريخ. فيمنحها إلى جانب اسمها الحقيقي "زهيرة" تسمية عريقة مستمدة من تاريخ الخلافة الإسلامية، و هي الخيزران، و هو اللقب المخيالي الذي منحه إياها البطل (الشاعر) الذي راح يعرفها بشبيهتها التراثية الإسلامية التي استعار منها هذا الاسم: "الخيزران هي فتاة بربرية سبيت من شمال إفريقيا، و أخذت إلى القصر العباسي، لتنجب هارون الرشيد (...) لقد قتلت أحد أبنائها لتولي الآخر، كانت أماً عجيبة"[27].

و ثالث الشخصيات هي شخصية بطل الرواية (الشاعر) الذي أطلقت عليه فتاته: زهيرة (الخيزران) لقباً مخيالياً يمتاح من نفس المعين التاريخي الذي لقبه بها و هو: هارون الرشيد. حينما ردت عليه بعدما أطلق عليها تسمية الخيزران:"- لم لا تكون هارون الرشيد؟"[28]. و جميع تلك الشخصيات تتمتع بحضورين زمنيين أحدهما للحاضر المدنس و الآخر للماضي المقدس.

**- في روايتي الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي و الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء - (التخييل داخل التخييل)

أما روايتي: "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، و "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"، فتتخذان بطلاً موحداً هو: الولي الطاهر، الذي يحمل نفس المرجع المخيالي لشخصية بولزمان السابقة. بل نقول إنه نسخة مطابقة له في مقدمة رواية الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء حينما قال: "في الشمعة و الدهاليز ظهر الولي باسم سيدي بولزمان و هو الذي حرك أحداث الرواية، حيث يختلط الأمر بينه
 و بين البطل الأساسي، الشاعر، و كذا البطلة، الخيزران"[29].

و تتضح الخلفية الدينية ذات المرجع الصوفي من خلال التركيب الاسمي للبطل [الولي/الطاهر]، و ذلك توضيح قدمه له الروائي في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي قائلاً: "و الولي، سواء أكان سيدي بولزمان أم الولي الطاهر(...) هو العقل الباطن للإنسان المسلم المعاصر في تجلياته العديدة، التي تتمثل في الحركات الإسلامية بشكليها الفردي و الجماعي"[30].

و الملحوظ أن هذا التركيب الاسمي يتقدم عنواني الروايتين السابقتين، ليغمر النصين المنضويين تحتهما بمعجم ديني صوفي متعدد المشارب. و ذلك دواعٍ عدة يوضحها الروائي نفسه منها : أن هذه الروايات:" على رغم ما فيها من تجريد
 و سريالية، هي عمل واقعي، يتناول حركة النهضة الإسلامية بكل تجاويفها
 و بكل اتجاهاتها، و أساليبها أيضاً"[31]. هذا من جهة، و من جهة ثانية نلحظ تمرجع وقائع الروايتين بـ حالات فتن مشهودة في التاريخ الإسلامي: مثل : "حالة قتل خالد بن الوليد لمالك ابن نويرة، ففي حين طالب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه برجم خالد و هو موقف مبدئي في منتهى الصرامة و القسوة، قال أبو بكر رضي الله عنه، لقد اجتهد خالد (...) و التراجيدي في مسألة مالك الشاعر الظريف الذي وهبه الله جمالاً خارقاً، ليس في موته، إنما في النذر العنيف الذي حققه خالد، و هو جعل رأس مالك هذا أثفية، تضع عليها أرملته أم متمم القدر[32] ". و تتكرر هذه الحادثة في الروايتين دون انقطاع.

و لا تخلو الشخصيات الفرعية أو الثانوية بدورها من الانتساب إلى غيرها؛ مانحة لذاتها امتداداً تاريخياً أو دينياً أو تراثياً، و كلها شخصيات عائمة مستعارة من التاريخ منها على وجه الخصوص، شخصية الفتاة بلارة بنت الملك تميم بن المعز، زوجة الناصر بن علَنَّاس بن حماد، صاحب قلعة بني حماد بالمسيلة. و ما تلبث أن تنشطر هذه الشخصية فتتخذ هوية أم متمم زوجة مالك بن نويرة التي خلفه عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و التي  تتوحد في لحظة ودر صوفي مع كل طالبات المقام الزكي. فيحملن جميعهن اسم أم متمم.

و بالإضافة إلى اتخاذها هوية أم متمم مثل بقية الطالبات، تتماهى المريدة المتميزة بلارة أيضاً مع شخصية حيوانية هي العضباء، و هي دابة الولي الطاهر التي يركبها فتتوجه به كالبراق عبر كل الأقطار، و الملحوظ أن شخصية العضباء هذه انشطارية التكوين أيضاً، فهي مستعارة بدورها من التاريخ الإسلامي، حيث يتساءل صاحبها حول هويتها : "هل سميت العضباء لما بأذنيها من عضب، أم تيمناً بناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم"[33].

كما أن هناك شخصية مالك بن نويرة في الروايتين، و هي مستعارة بدورها من التاريخ الإسلامي أيضاً، و التي تتماهي مع كل طلبة المقام الزكي.

*** -  في رواية قصيد في التذلل ( التخييل اختزال ساخر للتاريخ)

يمكن اختزال المظاهر التاريخية و التراثية للشخصيات الروائية فيما تقوم به، من أفعال، و ما يحيط بها من أحداث، أو ما تعيشه من وقائع تلحقها بنظيرتها المستعارة من التاريخ. حيث يتم اختزال التاريخ و شخصياته، في فعل أو صفة، أو في دعوة للاقتداء بها من طرف شخصية روائية تختلف كل الاختلاف مع الشخصية التاريخية الأصلية، و مع ذلك فهي تنشد في انحطاطها، و انهزامها، الالتحاق بذلك النموذج المقتدى، فيضحى الأمر اقتداءَ ساخراً و مفارقاً، حينما يستحضر القارئ صورتي الشخصيتين (النموذج التاريخي المقتدى، و النموذج الروائي المقتدي)، و هذا ما نطلق عليه تسمية الاقتداء الساخر، و الذي نشهده بوضوح في الرواية الأخيرة: قصيد في التذلل.

نقف في هذه الرواية على تحول مخيالي مفارق يُنقَل فيه البطل (الوفي، و هو شاعر في الأصل) من عصره الحاضر إلى العصر العباسي ليتقمص شخصية الشاعر  العباسي: المتنبي، و هو أول شاعر تذلل للحكام بشعره طمعاً في إمارة أو ولاية لكن دون جدوى يقول البطل حالماً: "أنا المتنبي، أمنح الإمارة للأمير، عندما أشاء
و أنتزعها منه عندما أشاء. أرفعه و أخفضه. أعزه و أذله (...) أتعرف ملكاً اسمه المتنبي؟ استدرج الملوك، أن يتنازلوا له على ملكهم فجبنوا. كثير عليهم أن يكون ذا تاجين، و هم بتاج واحد فقط"[34]. و لما تأكد من أن تذلله لا طائل منه استدرك حال المتنبي معتبراً به: "لو أن الإمارة تمنح للشعراء أيها الشعراء، لكان أبو الطيب المتنبي أول أمير، فقد سعى إليها بكل جهد و إخلاص، نظم ألف و ألف قصيد في التذلل، فلم يصدقه أحد (...) سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم"[35].

و هو تمثل يجمع بطريقة ساخرة أهل الشعر في عصرنا الحالي المأزوم، بأهل الشعر في عصوره الذهبية، حيث يدلل هذا الاقتداء التهكمي على وضع انهزامي للبطل الذي أذلته الوظيفة الحكومية، و فساد مسؤوليه، لم يجد له نظير في التاريخ سوى تذلل المتنبي لدى الأمراء و السلاطين، أسياد و موالي. و في الفرق بين العصرين، و بين التذللين، و بين الشعرين، و الشاعرين، ما يكفي لنستشعر، عمق دركات الانحطاط و التشيؤ و الذل التي وصل إليها مثقفوا هذا العصر، حتى صارت المهانة و الذل التي بلغها نظرائهم في العصور الذهبية للثقافة العربية، ذلاً و مهانة ذهبيين بالمقارنة،و هي لعمري مقارنة تهكمية ساخرة، صاغها الروائي إمعاناً في تصوير ما حاق بمثقف عصره من مهازل في عالمه الثقافي البائس.

لم تجد الشخصيات الروائية في انشطارها الساخر ملاذاً من انهزامها و انحطاطها سوى تمثل التاريخ المقدس الذي علق  بمخيالها. ويمكن في الأخير توضيح صورة الانشطار الساخر للشخصيات، من خلال الجدول البياني التالي:

 

الرواية

الشخصية الروائية

 قرينتها التاريخية

 

الشمعة و الدهاليز

 

البطل الشاعر(يوسف سبتي)

هارون الرشيد

الشاب السلفي الذي يستصحب البطل

عمار بن ياسر

الفتاة زهيرة غريمة البطل

الخيزران والدة هارون الرشيد

-  الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي+ الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء

طلبة المقام الزكي

مالك بن نويرة

طالبات المقام الزكي

أم متمم زوجة مالك بن نويرة.

أتان الولي الطاهر

 

العضباء ناقة رسول محمد عليه الصلاة و السلام

رواية قصيد في التذلل

البطل الشاعر (الوفي)

المتنبي الشاعر العباسي

 

و هكذا وجد أبطال روايات ما بعد التسعينيات عزاء انهزاماتهم الحضارية، في العودة إلى فضاء مخيالهم التاريخي الذي عاد بهم إلى الحضارة العربية الإسلامية في أزهى عصورها، هناك حيث تتجلل الانتصارات كما الانهزامات بالعظمة، عظمة تلك الشخصيات التاريخية المستعارة. و كم هي ساخرة تلك المفارقة التي يتمثل فيها الإنسان المشوه في أكثر العصور تلوثاً و انحطاطاً للقيم الإنسانية و الثقافية، بنماذج أثيلة المجد و الهمة في العصور الذهبية للأمة. للتعبير عن وضعه الذي لم يعد يتيسر فهمه إلا بالمقلوب.

  • ب. من الانشطار المخيالي إلى التموقع الإيديولوجي (المرواحة بين الفني
    و الواقعي)

يبدو أن إدخال الواقعي في الواقع الروائي استراتيجية معروفة لدى الطاهر وطار. و هو لا ينكر ذلك بل يؤكد عليه كل مرة في طابع ساخر. و هذا ما نجده مثلاً في تلك الإشارة التي استهل بها روايته قصيد في التذلل مباشرة بعد الإهداء فكتب: [أعتذر لمن وجد تشابهاً بينه و بين أحد شخوص الرواية فما ذلك إلا محض صدفة... الله غالب]. و هو ما يؤكد تقصد اجتلاب الواقعي إلى عالم الواقع الروائي، جاعلا العلاقة بين الواقع و الرواية أكثر من عضوية، حتى أنها لا تحتاج إلى سند برهاني يؤكدها، و مبطلاً في الوقت نفسه ذلك الفصل التعسفي بين الواقعي و الروائي، و الذي بات عديم الجدوى لما صارت : "الرواية، شأنها شأن سائر الأشكال التعبيرية و الفنية من تخييلية و غير تخييلية، لا تعدو كونها نمطاً ثقافياً يشكل وحدة رئيسية من وحدات المخيال الاجتماعي، و بالتالي فهو يشكل عنصراً من عناصر الواقع. بهذا المعنى، يغدو الاجتماعي، و الواقع محفوراً في الرواية، بمقدار ما تكون هذه الأخيرة محفورة فيه "[36]. و بالتالي صار واقعها الفني، بنية من صنع الواقع المعاش و سبيلاً إلى التموقف منه فنياً، و التموقع من قضاياه إيديولوجياً. و لن يكون هذا الأمر غريباً و لا هذا الانشطار تفريقاً حينما نعرف أن الواقعين قد نهضا من نفس القاعدة الاجتماعية و الخلفية التاريخي و الحدثية. دونما حاجة إلى نظرية انعكاس أو رؤية ميكانيكية، و آلية نلقي بها بين الواقعين المتوحدين أصلاً على مستوى القاعدة.

رابعاً- الأنساق الثقافية الجاهزة مرجعاً للوقائع التخييلية لدى الطاهر وطار

إذا كانت فضاءات الزمن و المكان و الشخصيات أنساقاً خطابية عمد الروائي إلى تجهيزيها بمختلف المحمولات الثقافية، بالطريقة التي يريدها و الكم الذي يريده، و حملها بالدلالات بمختلف الدلالات الرمزية المتجذرة في المخيال الجمعي، فإن هذا المخيال نفسه لا يزال مليئاً بالأنساق الثقافية الجاهزة التي اغترف منها أشكالاً سردية و أخرى غنائية و أنماطاً مجردة و أخرى مادية ليؤثث بها مختلف الفضاءات السردية لخطابه الروائي.

و لو تتبعنا المدونة الروائية لما بعد التسعينيات عند الطاهر وطار، لوجدناها تزخر بألوان شتى من الفنون الشعبية جاءت جميعها لتسند المتن الروائي و تمنحه بعداً أنثروبولوجياً و حضارياً يعمق شعرية النص السردي و يثريه بمسحات ثقافية و فنية عدة ذات أصالة عميقة الأثر في مخيال المجتمع الجزائري ، ليصنع منها الروائي ما يسمى في اصطلاح النقد الثقافي المعاصر بـ: تداخل الأنواع الأدبية. و كلها أنساق ثقافية اعتامت فضاءات المكان و الزمن و الشخصيات و الأحداث ذات البعد المخيالي في المحكي السردي.

 و مثلما تعج المدينة المخيالية العجيبة بالشخصيات و الرموز و الظواهر الخارقة، فإن المدينة الأليفة موازاة مع ذلك تحفل بدورها بطائفة من الفنون الشعبية التراثية العالقة بالمخيال الجمعي الذي ينقله وطار مشكلاً نسقاً ثقافياً يمنح الديمومة  لغبطة البدايات[37] البدوية للمجتمع الجزائري.

ففي الشمعة و الدهاليز، يعيش البطل(الشاعر) بجسمه في العاصمة الجزائرية التي تعصف بها مسيرات الإسلامويين الحالمين بتأسيس دولتهم، أما ذهنه فيعيش في ماضيه القروي الجبلي الذي تعصف به غارات جيش الاستعمار.

كما تعيش الجماهير المحتشدة من الإسلاميين جسدياً في ساحات و شوارع العاصمة، بينما تعيش بأرواحها و خيالها في حلم العودة بالزمن إلى عصور العز أيام الخلافة الإسلامية و دولتها القوية.

تتداخل المسيرتان الفردية و الجماعية، الحالية و الماضوية، البدوية و الحضرية، لتنسج موشوراً متداخل الألوان، و مزيجاً بوليفونياً، من الأصوات التي تشكل معاً نسقاً ثقافياً يتشبث بأرضه و مجابهاً حملات الاقتلاع التي تناوره في هذه الفترة. فتحفل الرواية بطائفة من الفنون من بينها الأمثال الشعبية التي تكرس تلك العودة اللازبة إلى ماض بدوي يرفض الانمحاء.

  • 1الأمثال الشعبية

من المعروف أن الأمثال الشعبية السائرة تلتصق بحياة البداوة لدى الجزائريين، ذللك الموطن الأول الذي انبثقوا منه قبل أن يندمجوا في حياة المدن، لكن رغم هذا الانتقال فقد ظل المثل البدوي السائر لصيقاً بألسنتهم و وصيفاً لأحوالهم، و لوحة تطبع ماضيهم، ففي روواية الشمعة و الدهاليز، نرصد عدة نماذج لأمثلة تكرس هذه العودة إلى الأصل البدوي الذي يكرس عاداته و معتقداته في هذا النسق الثقافي الذي يرصده هذا الجدول حسب ترتيب الروايات:

 

الرواية

أمثالها الشعبية

الصفحة

الشمعة و الدهاليز

*- الرقاصة تغلب القصاب"

*- الدوام يثقب الرخام

*- العظام تنادي بعضها

*- الدم إذا ما حن يكندر

*- خذ بنت العمومة، و لو كانت بايرة، و خذ الطريق المعلومة و لو كانت دايرة

*- قص الراس تنشف العروق

(49).

(54)

(63)

(111)

 (13)

 

 

 

(158)

الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء

*- الفرخ في يد من زوا

*- اللعاب حميدة و الرشام حميدة

*- الحب ما نحبك و الصبر ما نصبر عليك

*- السارق يغلب العساس

(68)

(70)

(72)

 

(96)

قصيد في التذلل

*- يطول السفر و ينقطع الطفر

(15)

*- اللي ترهنو بيعو و اللي تخدمو طيعو

(15)

*- أخدم يا التاعس على الناعس، و كلها يا الراقد بالنوم

(17)

 

*- العرق جباد

(20)

*- يخلف ربي على الشجرة و ما يخلفش على قصاصها

(26)

*- الطائر الحر لا يتخبط

(43)

*- الراس اللي ما تقصوش بوسو خير

(48)

*- اليد الواحدة لا تصفق

(52)

*- كلب ما يعض خوه

(59)

*- اللي سهر يكمل سهرتو

(63)

*- ابعد عن البلى يبعد عليك

(68)

*- يقول للسارق خش، و يقول للكلب هش

(95)

*- ركب الداب على مولاه

(114)

*- العربي عدو الشجرة

(117)

*- هذا هو القماش أدي ولا خلي

(126)

*- راسو في الطين و هو يقول آقين

(132)

*- الموت في عانتو و هو يحرك في زنانتو

(132)

*- خاف من ربي و من اللي ما يخاف من ربي

(137)

 

*- الدم إذا ما حن إيكندر

*- مول البقرة يوالي هرارها

(143)

(144)

نلاحظ من خلال معجم الأمثال الواردة كل مظاهر حياة الإنسان الريفي المجهزة بديكور من الحيوانات{الفرخ/ الطائر الحر/ الكلب/ الداب"الحمار"/البقرة}،
و جملة الألفاظ اللصيقة بها: {زوا= صوت الفرخ أو الطائر/ الطفر= خيط يشد البردعة إلى ورك الدابة/ يعض= نهشة أو عضة الكلب/ هش= صيغة لطرد الكلب/ آقين صيغة لتحفيز الثور أو العجل على المسير }.

و لا تدل هذه الأمثال الشعبية في بنيتها المرجعية البدوية على أصالة تبتغيها بقدر ما تحيل على وضع مفارقاتي بات يعيشه الجزائري، حيث لم يعد يجدي معه الحديث المباشر و صيغه، فلجأ الروائي إلى هذه الوسيلة المخيالية الساخرة. فيغرف من التراث الشعبي البدوي الماضي، ليكشف عورة العصر الحاضر المتورط في تلبية متطلبات تحضره. لهذا جاءت معظم الأمثال المتواردة في رواية ما بعد التسعينيات منقسمة إلى قسمين متناقضين يعكسان المفارقة التي تمزق كيان الفرد و المجتمع في العصر الحالي، فبرز لنا وجهان أحدهما طبيعي و الثاني مستعار يعاكسه ، يمثل الأول حالة الإثبات و الثاني حالة النفي، و تفصل بينهما أداة قلب وظيفتها عكس المسار بين الطرفين النقيضين :

 

الوجه الأصل (حالة الإثبات)

أداة القلب

الوجه المستعار (حالة النفي)

خذ بنت العمومة

و لو

كانت بايرة

خذ الطريق المعلومة

و لو

كانت دايرة

اللعاب حميدة

و

الرشام حميدة

الحب ما نحبك

و

الصبر ما نصبر عليك

يطول السفر

و

ينقطع الطفر

يخلف ربي على الشجرة

و

ما يخلفش على قصاصها

يقول للسارق خش

و

يقول للكلب هش

هذا هو القماش أدي

ولا

خلي

راسو في الطيق

و

هو يقول  آقين

الموت في عانتو

و

هو يحرك في زنانتو

خاف من ربي

و

من اللي ما يخافش من ربي

 

تحيل الأمثال الثنائية الطرفين على مفارقة ساخرة تثير التعجب من هذا التناقض الصارخ بين الوضعين، أو أنها تدعو إلى ركوب هذا التناقض لمسايرة الحالة التناقضية المفروضة على إنسان هذه الفترة الزمنية. و الملاحظ أن الطرف الأول عادة ما يكون هو الأطروحة الواقعية العاكسة للوضع الراهن، فيما يمثل الطرف الثاني نقيض الأطروحة، أي الوضعية الافتراضية المستعارة مخيالياً من أجل أن تعبر، أو تسخر، أو تستدعي ما يناقضها، كي تحقق دلالتها الوظيفية التي تشير إلى نشاز واضح للوضع الواقعي الذي فضحه الواقع المخيالي.

  • 2. فنتازيا اللباس و الرقص الشعبي

تظهر فنيات الفانتازيا الشعبية بشكل حصري في رواية الشمعة و الدهاليز أين يعيدنا البطل إلى طفولته البدوية و يفرد لنا يوميات تغنيه بالفروسية و ألعاب الأفراح و الأعراس، غارفاً تفاصيل مشاهده الفانتازية الشعبية مما يحفل به المخيال الاجتماعي من طقوس و تقاليد عريقة في الاحتفال، و تمجيد المآثر الملحمية للشعب، الحامي لشخصيته الوطنية، و هويته العربية، و أصالته العرقية، فيما يحييه
و ينميه في روح أبنائه و يذكر به أعدائه من فنون شعبية موروثة عن الآباء والأجداد، و يسعى من بقي منهم إلى ترسيخها لدى الأبناء و الأحفاد، و لنا أن نستدل على هذه الثقافة الشعبية ذات البعد الأنثروبولوجي الجلي في المشهد التالي الذي يقدمه لنا بطل الرواية، حينما يعود بنا في إحدى الفسحات المخيالية إلى أيام طفولته البدوية: "هناك، هناك، بعيداً في زمان و المكان، في قسنطينة البهجة، في الثانوية الفرنسية الإسلامية (...) تقرر أن تقام حفلة اختتام السنة الدراسية (...) قررت أن أقدم عرضاً خاصاً بي (...) جاءت الليلة الموقوتة امتلأت القاعة الضخمة بأولياء التلاميذ في الصفوف الأمامية، معظمهم جزائريون في ألبسة تقليدية تتباهى بالنعمة و المحظوظية، برانس سوداء، و حمراء، تكشف عن برانس بيضاء أسفلها. عمامات صفراء و بيضاء، محاطة بخيوط وبر بعضها مطرز بالذهب مثل البرانس (...) خرجت أمسك جناحي البرنس بيدي، أرفع أحياناً اليمنى قليلاً، و أحياناً اليسرى كل ذلك حسب حركات الركبتين، و الصدر الذي يعلو و ينخفض، و الكتفين اللذين يتقدمان و يتأخران بالتناوب (...) كان البرنس يتطاير يمنة و شمالاً، يعلو و ينخفض، و الرأس المغطى بعمامة بيضاء عليها خيط وبر، و ضع في شكل لجام يهتز في حركات رشيقة (...)، يروح
 و يجيء، يرسم دائرة، يرسم زاوية. العينان مغمضتان. الصدر يعلو و ينخفض. القلب يهتز مهتاجاً بالعواطف العنيفة (...) المكان منعدم الزمان منعدم(...) وقع مغمي عليه، و لم يدر ما الذي حدث بعد ذلك (...) ها هو وسط غرفة التلفزة جثة هامدة، و اللحن ينطلق وحده، طيطا. طيطا. طيطا. طيطا..."[38].

إنه تصوير لمشهد حي نابض بالحركة و الحياة، حيث لم يعد بعد هذا الوصف التفصيلي موجهاً للقراءة و الفهم، بل قد يصلح أكثر من ذلك للأداء و التمثيل، إذ يمكن لمن يتابع تفاصيل المشهد الموصوف أن يؤديه و يكرره و يتقنه حتى، كما لو أن هذه الصفحات التقنية مأخوذة من كتاب لتعلم فنون الرقص الشعبي.

لكننا سنكتفي بالمحمول الرمزي و السيميائي ذي البعد الأنثروبولوجي المتناهي في دقة وصف اللباس، و عناصره التكوينية، و مواده النسيجية، و تسمياته في الثقافة الشعبية، ثم دوره المتعدد سواء لدى الجالسين المتفرجين أو الراقصين على الخشبة. إضافة إلى حركات الجسم، و أعضائه، كالصدر و الكتفين و الركبتين و اليدين.
و كلها أعضاء تتحول في لحظة انسجام و تناغم مع اللباس التقليدي زخرفة نسيجه و تنوع مواده و خفة حركة صاحبه التي تدمج ثقافياً فنيات الفرد الراقص مع فنيات نسج لباسه، في صورة تعبر عن كينونة متفردة بثقافتها و حضارتها، و هويتها القومية. و هي رسالة بليغة إلى المحتل الذي يدير هذه المدرسة الفرنسية التي يقام فيها الاحتفال، و رسالة موجهة إلى الأسلاف معلنة بلوغ إرثهم إلى الأبناء الأحفاد.
و إلى الأجيال اللاحقة التي ستقرأ هذا العمل الزاخر بمثل هذه المشاهد الفانتازية، بأن مثل هذا الوفاء للتقاليد، و إتقانها هو سر نجاح ذلك الإنسان البدوي البسيط
و المستعمر، في الانتصار لشخصيته، و قضيته، و هويته، و وطنه.

.3  الأغنية الشعبية

تتمركز الأغنية الشعبية على وجه الخصوص في رواية قصيد في التذلل، حينما تتمثل شخصيات الروايات بعدة أغاني ذائعة الصيت في الثقافة الشعبية، جاءت ليعزز الكثافة الرمزية التي تحملها الأمثال الشعبية لتدلل هذه الفنون على مستويات دلالية محايثة للمحكي السردي، موسعة من أثره الفني و قيمته الرمزية، و شحنته السيميائية.

و لا يستثني راوئي الأغاني المتمثل بها من لغة التهكم سواء من حيث اختيار نماذجها أو من حيث مضمون خطابها، حيث طبعها تنوع لافت في الطبوع،
و مستويات الخطاب بين رفيع و مبتذل و قد ارتأينا في هذا الصدد أن نورد مقتطفات الأغاني كما تواردت في النص الروائي بحسب مرجعيتها التراثية.

  • المرجعية التراثية الجزائرية

  • أغنية الراي الشهيرة: "أدي أدي" للشاب خالد (ص 32).
  • داروا لعراس ..و المحفل جبَّ.. كحلة لنعاس طويلة الرقبة (ص 44).
  • أغنية لبقار حدة:" أندوَّر على عمر جديد و بحراوية تلبس و تزيد" (ص 76).
  • أغنية لبقار حدة:" راد ربي راد"(ص 78).

و من التراث الأوراسي (الشاوي) أربع أغاني (ص 141). و هي:

  • "عياش آممي"
  • "ستة فرنك"
  • "وصالح أوعمي ماتَّ أكنان إيظلي"
  • "لهوى انوذرار"

إضافة إلى المرجعية التراثية الجزائرية، آثر الروائي أن يشفَّع نصه بمرجعية تراثية عربية أخرى هي المرجعية المشرقية، لتضيف لوناً جديداً و ذوقاً تنوعياً ضافياً، و بعداً جمالياً لا يخلو من الرمزية التراثية للنص الروائي المتعدد المشارب.

  • المرجعية التراثية المشرقية

  • خارجة من دار ابوها رايحة لدار الجيران. (ص 43-44).
  • يا حبايبي يا غايبين لو افتح و أغمض و لا قيكم ياغاليين. (ص 43-44-45).
  • ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. (ص 44).
  • تمخطري يا عروسة.. الليلة الليلة، سهرتنا حلوة الليلة.(ص 45).
  • حليوة يا حليوة. لو شفتم عينيه، حلوين قد أيه. (ص 45).

فضلاً عن تنوع مرجعيات هذا النسق الثقافي الجاهز، فإن مظهره الفولكلوري  يسهم بشكل مباشر في بناء المنظور الفني للنص الذي يحمل عنوان قصيد في التذلل، لذلك لا نتفاجأ إذا كانت هذه الرواية حاملة دون غيرها لأكبر كم من الأبيات الشعرية التراثية، و  كشكول متنتوع من المقطوعات الغنائية التراثية أيضاً.

و إذا ما تأملنا العنوان كعتبة نصية تحيل على مرجعها التراثي بوضوح، فإننا نجد فيه بلا مفاجأة عبارة القصيد التي تلوح بشعرية نصية تستدعي ثراءها من الأثر التراثي للمجتمع الذي خرجت منه، حيث يتكون هذا الأثر من توليفة  من الفنون كالأمثال و الغاني، و العوائد الشعبية، و التي أطلقنا عليها مصطلح الأنساق الثقافية. جاءت على اختلافها مشاربها و أشكالها، متناغمة في صناعة خطاب الرواية.

و على الرغم من انتماء كل فن من تلك الفنون إلى مجاله الخاص، باعتباره نسقاً متميزاً عن بقية الأنساق، إلا أن اجتماعها هنا غيَّر وظيفتها الأنثروبولوجية التي خصصها لها المجتمع، ليوكل إليها الروائي مجتمعة وظيفة جديدة هي السرد؛ أي أنه قام بتسريد الأنساق الثقافية داخل النص، فهي إن كانت تمثل، أو تُعرض، أو تغني، أو ترقص، أو تحتفل، فهي بكل مظاهرها تلك جاءت لتسرد الوقائع التخييلية الروائية التي تتظافر فيها وظيفتها مع وظيفة بقية الأنساق لتنشد كما السمفونية المتعددة الآلات، شعرية الخطاب السردي الذي شكَّله الروائي من الواقعين الواقعي و المخيالي.

 الهوامش

[1] معجم السرديات، مؤلف جماعي- محمد القاضي و آخرون (2010)، تونس، دار محمد علي للنشر، الطبعة الأولى، ص. 73-74. نقلاً عن جابر، عصفور (1983)، الصورة الفنية في التراث النقدي و البلاغي عند العرب، بيروت، دار التنوير للطباعة و النشر.

[2] ينظر المرجع السابق (معجم السرديات) ص.74، نقلاً عن حازم أبي الحسن القرطاجني (1986)، منهاج البلغاء و سراج الأدباء، تحقيق بلخوجة، محمد الحبيب، بيروت لبنان، دار الغرب الإسلامي.

[3] المرجع السابق (معجم السرديات)، ص.74.

[4] جيلبر، دوران (1993)، الأنثروبولوجيا، رموزها، أساطيرها، أنساقها، ترجمة مصباح الحمد، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، ط.1، ص.21.

[5] الغانمي، سعيد (2000)، ملحمة الحدود القصوى، المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني، بيروت- لبنان/ الدار البيضاء – المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص.23.

[6] نقلاً عن مؤلف جماعي (1999)، الوجود و الزمان و السرد-  فلسفة بول ريكور- ترجمة و تقديم سعيد الغانمي، بيروت- لبنان/ الدار البيضاء – المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص.

[7] الغانمي، سعيد، ملحمة الحدود القصوى، المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني، ص. 24-25.

[8] نجمي، حسن (2000)، شعرية الفضاء-المتخيل و الهوية في الرواية العربية، الدار البيضاء - المغرب / بيروت - لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص.32.

[9] المرجع نفسه، ص.32.

[10] Genette, Gérard (1966), Figure I, Paris, Editions du seuil, p.103. 

[11] معجم السرديات (مرجع سابق)، ص. 74-75.

[12] إبراهيم، عبد الله (1990)، المتخل السردي، مقاربة نقدية في التناص و الرؤى و الدلالة، بيروت- لبنان/ الدار البيضاء – المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص.09.

[13] المرجع نفسه، ص.12.

[14] وطار، الطاهر (2004)، الشمعة و الدهاليز، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية موفم للنشر و التوزيع، ص.12.

[15] رجع نفسه، ص.13.

[16] وطار، الطاهر (2005)، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية موفم للنشر والتوزيع، ص.13.

[17]  المرجع نفسه، ص.19.

[18] بنوا، لوك (2001)، إشارات و رموز و أساطير، بيروت- لبنان، تعريب: فايز كم نقش، مؤسسة عويدات للنشر و الطباعة، الطبعة الأولى، ص.69.

[19] وطار، الطاهر، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، ص.21.

[20] المرجع نفسه، ص.23.

[21] وطار، الطاهر، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، ص.9.

[22] وطار، الطاهر، الشمعة و الدهاليز، ص.38-39.

[23] المرجع نفسه، ص.41.

[24] المرجع نفسه، ص.122.

[25] صيداوي، رفيف رضا (2008)، الرواية العربية بين الواقع و التخييل، بيروت- لبنان، دار الفرابي، الطبعة الأولى، ص.101.

[26] الشمعة و الدهاليز، ص.29.

[27] المرجع نفسه، ص.111.

[28] المرجع نفسه، ص.112

[29] وطار، الطاهر، يرفع يديه بالدعاء، ص.07.

[30] وطار، الطاهر (2005)، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية موفم للنشر و التوزيع، ص.07.

[31] المرجع نفسه، ص.09.

[32] المرجع نفسه، ص.10.

[33] المرجع نفسه، ص.16.

[34] وطار، الطاهر، قصيد في التذلل، ص. 86-87.

[35] المرجع نفسه، ص. 47.

[36] صيداوي، رفيف رضا، الرواية العربية بين الواقع و التخييل، ص. 72.

[37] غبطة البدايات، مصطلح من اصطناع عالم الأنثروبولوجيا مارسي إيلياد، يستعمله في كل كتاباته مشيراً به إلى الزمن الأسطوري الأول للإنسان.

[38] وطار، الطاهر، الشمعة و الدهاليز، ص.72-74-76-77.