Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.139-154، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


نورة عقاق

لقد حاول مجموعة من الروائيين الجزائريين الفكّ من أسر الرواية التّقليدية؛ وذلك بتخليصها من اللغة الحرفية التي ميّزت الكتابات التصويرية الملتزمة بالواقع، بتوظيفها للّغة الشعرية التي فتحت للرواية آفاق جديدة، ولم تقتصر هذه الكتابات على توظيف ما جادت به البلاغة من استعارات، كنايات ومجازات، بل تجاوزته إلى اقتحام عوالم استشراقية، صوفية  وذلك باستحضار موروث ضخم، وتهيئة السرد لاستيعاب مختلف الأجناس الأدبية. 

روايات الحبيب السائح من بين هذه الكتابات التي تصنف ضمن "الرواية الجديدة" بتعبير الباحث الجزائري "سعيد بوطاجين" خاصة تلك التي كتبت بعد محنة الرواية البكر "زمن النمرود" منها على سبيل المثال "تامسخت" "ذاك الحنين"  و"تلك المحبة"، شملت فيها احتفاء باللغة؛ لدرجة أصبحت من خلالها "ذات وموضوع، ذات لأنها تقوم بفعل إبلاغي، له مرجعية واقعية، أو شبه واقعية، وموضوعا لأنّها تغدو في مجملها غاية أو هدفا للسرد، لأن الكاتب يهدف إلى الإعلاء من شأن اللغة والتقليل من أهمية الموضوعات المحتملة"[1]، ولعلّ هذا الاحتفاء البالغ باللغة هو الذي جعل كتابات لحبيب السائح نصوصا خصبة للدراسة تألّف بين مستويات كتابية عدّة، فقه، تاريخ، أساطير، حكايات وسير شعبية، وأهم ظاهرة تسيطر على اللغة وعلى بناء العوالم الروائية هي الحضور الصوفي شكلاً ومضمونا، كما سيتبين ذلك من خلال الدراسة.

التأليف بين مستويات الكتابة بين الروائية والصوفية

يتأسس الخطاب الأدبي حسب تودوروف على اللغة الرامزة المشحونة التي تعبر عن تجربة روحية وفكرية، مستوقفا بذلك القارئ، فلا يشف عن معناه كما هو الحال بالنسبة للخطاب الألسني غير الأدبي، ولعلّ تصريح صاحب "تلك المحبة" أقوى دليل على ذلك كما في قوله" الروائي يكون على قدر من التوتر الروحي والقلق الوجداني مما يجعله يرقى، مثل الصوفي – والكتابة الروائية عندي درجة من درجات البلاغ الصوفي – إلى منصة السماع. في لحظات كتابة نص "تلك المحبة" كنت أحسني أرتقي إلى سماع؛ فإني حين أعيد قراءة فصل أو فقرات من فصل لا أجد مسوغا لدرجة الشحنة اللغوية الخارقة سوى أني كنت في حال سماع وعلى درجة من سلم الشفافية اللغوية"[2].  

وفي الخطاب الأدبي تلتقي التجربة الصوفية بالتجربة الروائية ويلتقي الروائي/الشاعر بالصوفي، وإن كان الحديث عن التجربة الصوفية في الكتابة يستوجب الحديث أولا عن السياق الفكري والثقافي الذي تمخضت عنه كتاباتهم، فقد تطور التصوف عن تيار الزهد الذي ميّز العصر العباسي، إذ سرعان ما أخذ في التشكل إلى أن أصبح له مدارسه وقواعده الخاصة، وأصبح منهجا متكاملا يعبر عن رؤية مغايرة للكون، فهو محاولة الإنسان التسلح بقيم روحية جديدة تعينه على مواجهة الحياة المادية تتجلى في أحوال إدراكية ووجدانية فردية وغير ثابتة، مما يجعل نقلها للآخر باللغة مهمة صعبة، فكانت اللغة الرمزية هي نتيجة مباشرة لتلك الأحوال النفسية المعقدة التي يعيشها الصوفي، ومن ثم كان للغتهم معان ظاهرة يتعرف عليها المتلقي مباشرة، ومعاني باطنية لا يصل إليها إلا بعد التحليل والتأويل، فأصبح الصوفي بذلك يعيش تجربتين: تجربة وجدانية وتجربة كتابية[3].

 تتلخص التجربة الوجدانية بما ذكرناه سابقا من أحوال نفسية باطنية متعددة؛ أما تجربة الكتابة فهي محاولة لترجمة ما في أغوار نفس المتصوف بلغة غالبا ما تكون شعرية، رمزية وتصويرية، وكانت النتيجة روائع شعرية وأخرى تتراوح بين الشعر والنثر، أو نثر شعري لا نجده في تلك الفترة إلا في الكتابات الصوفية، ما يِؤكد أن "الرؤية الصوفية ليست انعكاسا مرأويا للواقع، بل هي تجاوز له، وتجاوز للوعي نفسه، إنّها عملية خلق لهذا الواقع" الذي لا يراه إلا من دخل الطريق الصوفي وسار على نظامهم القائم على تقلد المريد للأوراد وقيامه بالخلوات ومجاهدة النفس على الوصول إلى الحق تعالى، فيتقلب العبد بعدها في أحوال كثيرة ويرتقي في مقامات متعددة، وكلما كان إلى الحق اقرب كلما جاء النص أغرب[4].

افتتاحية المريد وهيمنة المدد

من بين التقنيات التي يستغلها الكاتب في نسج نصه الروائي تقنية "التناص" بمفهومه الواسع، كممارسة تبرز قدرة الكاتب على التفاعل مع مختلف الموارد، ودعم نصه بدعائم من مصادر مختلفة، إن بصورة مباشرة، كالاقتباسات، أو غير مباشرة، يظهر فيها النص الغائب عن طريق إشارات تمكننا من وضع النص في سياقه، وبالتالي فك مغاليق نظامه الرمزي وتعدّ ظاهرة التناص أو ما يسمى بتداخل النصوص "سمة جوهرية في الثقافة العربية حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل"[5].

إن أول ما يلفت انتباه القارئ لرواية تلك المحبة، الفقرة الأولى التي يصدّر بها الفصل الأول من الرواية، والتي يقول فيها" أستغفر الحق وأرتجي الشفاعة من حبيبه، وأبتغي مراضاة الأقطاب والأولياء والأئمة والأوتاد، والحكماء والصالحين والصوفية والزهاد، ورجال الرمل والماء والفقراء والعماد، والأحباب والقراء من الأولاد إلى الأحفاد، فإنما أنا إلى الخالق مذعن، والى الخلق مركن، وبمرضاة الوالدين الشريفين، تمتد لي بساطا من العون أخضر، ممعن، وباللغة ملسن، وبالأسماء ممكن، وللمطامع ممهن"[6].

نقرأ فيها مقدمة تتناص بشكل دقيق مع مقدمات المؤلفات الصوفية القديمة، التي يبتدئ فيها الكاتب بالحمد والبسملة وطلب التوفيق من الله ببركة الأولياء كما في مقدمة كتاب "الروض العاطر الأنفاس" إذ يقول فيها المؤلف "الحمد لله الذي أعـزّ أهل حضرة قدسه، برفع مقامهم فوق الرؤوس والمناكب، وجعل مفاخرهم في سماء المجد كالنجوم الثواقب، وأطلعهم على خوافي العيوب وأسرار المعاني والقلوب..."[7].

ولعل كاتب تلك المحبة يعي وعيا تاما ما لصدارة الكتاب من دور بالغ الأهمية في رسم مسار السرد، ونظراً لكون المقدمة موازية نصية مهمة، فإننا نجد فيها من الموجهات الخطابية ما يسمح لنا ببحث علاقة الإرسال الكامنة بين المؤلف والقارئ؛ لأن الكشف عن هذه العلاقة هو الذي يسمح بمعرفة قصدية المؤلف و"بضمان القراءة الجيدة للنص"[8] وتوجيه القارئ إلى تخيّل الجو العام الذي سيحتكم إليه النص، والنوع الذي يؤطره، ومعرفة الإستراتيجية التي وضعها المؤلف في بداية حديثه، وغايته من إنشاء هذا الخطاب فالإستراتيجية هي الخطة التي يرسمها المؤلف أو المرسل للوصول إلى غرض معين وتظهر آثارها في الخطاب، وقصد الكاتب يساعد في اكتشاف الاستراتيجيات، كما أن الإستراتيجية في حد ذاتها تعّد قصداً[9] فلما كان في المقدمة استغاثة وطلب الرضى من المنظومة الصوفية ككل بدءًا بالقطب ونهاية بالفقير.

وتتوالى الشواهد على حضور التراث في رواية تلك المحبة، إذ يلجأ الكاتب في مقطع آخر إلى صياغة نص على لسان إحدى الشخصيات منقولا بسند الأخبار فنقرأ "قال لها: حدّث من سمع عن أحد أحفاده قال: قال من واتروا سيرته فيما لحق باليهود على يده أنه قال: قال أحد الناجين من دواوين محاكم التفتيش كان الفتى يرى نفسه في المنام مقمطا في أثواب المسلمين الملطخة بفتنة المسلمين. وحين يفيق يقوم باحثا عن شيء لا يجده فيروح يدور كالذي يهذي: نسو وصية طارق..."[10]. هذا المقطع يذكرنا بالأخبار الأدبية التي يعمد فيه الراوي إلى نسب الحديث إلى غيره ممن سمعه، ليجعل نفسه حلاً مما قال من جهة، ومن جهة أخرى "يوحي بصدقية الحديث إلى حد ما، ويعزّز سلطة السلف"[11].

الرمز الصوفي

إذا كانت اللغة في عرف اللسانيين وسيلة للتبليغ والتواصل، فإنّها عند المتصوفة، تجربة روحية، وجزء لا يتجزأ من منظومتهم المعرفية ونظريتهم الخاصة التي تربط الكون كلّه بالخالق عزّ وجل، وتفسره ضمن علاقة خاصة بينه وبين الإنسان؛ ولذلك تجاوزوا الحديث عن القضايا اللغوية المعروفة منذ القديم إلى مرحلة أخرى أوّلوا فيها الحروف وأسهبوا في أشيأتها أي جعلها أشياء ذات وجود وصفات ودلالات في ذاتها وفي علاقتها بغيرها سواء حرف أو كلمة، بدليل أن سور القرآن لا تخلو من الحروف المتفرقات، فكانت الألف رمزا للمحبوب "للذات الإلهية"، والنون رمز للألم الذي عاناه يونس عليه السلام لما حرم رضا الله عزّ وجلّ  فالتوى وأصبح دون ملامح كما هذا الحرف، وغيرها من التفسيرات التي وضعها المتصوفة للحروف، كمحاولة لكشف الأسرار التي تخفيها المنظومة اللغوية.

وإن كانت نظرتهم إلى الحرف مغايرة ينتج عن ذلك اختلاف في رؤية العبارة، التي تعدّ عندهم حجاب لا يجب الوقوف عنده، كما يقول النفري" كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة. وقال لي العبارة ستر فكيفما ندبت إليه"[12]. فالتجربة أوسع من أن تصفها اللغة العادية، ولذلك لجأ المتصوفة إلى الرمز الذي كان يعتمد التلميح بدل التصريح، والإشارة بدل العبارة، إذ "يقصدون بها الكشف عن معانيهم لأنفسهـم، للإجمـال والتستـر على مـن باينهـم فـي طـريقتهـــم، لتكون معاني الألفاظ مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها"[13] وتجنباً في الوقت نفسه للفتنة التي قد يتسبب فيها سوء الفهم من العامة والفقهاء بشكل خاص.

يتحدث ابن عربي عن الرمز فيقول" الرمز أو اللغز هو الكلام الذي يعطى ظاهره ما لم يقصده قائله، وكذلك منزلة العالم في الوجود: ما أوجده الله لعينه وإنما أوجده لنفسه"[14] .

والرمز ليس بديل لشيء عن شيء أخر، إنما هو استعمال "صور محددة للتعبير عن أفكار مجردة وعواطف".[15] فالصورة الحسية هي الوسيط الخارجي أو المرجعي الذي يشير إلى التجربة الروحية، أو ما يسمى بالعواطف في البناء الشعري، إلا أن هذه الشحنة العاطفية  والتجربة الروحية الفريدة لها من الدلالات ما يجعل البوح بها جهارا، شيء مذموم ومنكر على المتصوفة، فقد كانت نكبة الحلاج نتيجة مباشرة لأزمة التواصل التي عانى منها هؤلاء  وقد قيل أن "الحلاج" لم يؤمن بضرورة كتمان السر، ولذلك طرده شيخه "الجنيد" من مجالسه فكان اللجوء إلى هذه الرموز وسيلة من وسائل البوح المشروعة في عرف الصوفية.

على الرغم من الخصوصية التي نلمسها في بناء الرمز الصوفي، إلاّ أن الروائي استطاع أن يوظّف الرموز الصوفية وينسج عالمه الروائي نسجا محكما، يخيّل للقارئ أنه يقرأ في إحدى المؤلفات الصوفية، وقد صرح لحبيب السائح حينما سئل عن رأيه فيما يشاع عند جيل الشباب من أراء مفادها أن رواية "تلك المحبة" غاية في التعقيد والغموض، فقال"إن على هذا الكاتب "التسعيني" أن يجرب قراءة عشرات الكتب التي قرأتها فأثثت بها موضوع "تلك المحبة" وأن ينحت، طيلة أربعة أعوام من كتابة "تلك المحبة" لغة ينسج بها رواية مختلفة التشكيل ليحصل له ارتقاء درجة من درجات سلم صعود نص مثل "تلك المحبة"! فأنا لا يحزنني أمر ألا يفهم نص "تلك المحبة" بقدر ما يؤكد قناعتي في أني أعيش، فعلا، غربة. و"طوبى للغرباء!"..."تلك المحبة" نص ذو بعد لغوي وإنشائي واستعاري وتيماتي يربك نسق القراءة السائدة. وهو نص يطرد من مجال فضائه الحيوي تلك النصوص التي تخونها فحولة الكلمات"[16]. ومن بين هذه الرموز التي يزخر بها نص الرواية نجد:

  • 1. رمز المرأة بين المقدّس والمدنس

لقد ارتبطت صورة المرأة في كثير من الروايات العربية بالرغبة والجسد، فيصورها رمز للفتنة والخطيئة، لكن الجميل في رواية تلك المحبة حضور المرأة بصورة مخالفة أو لنقل صوفية، فكانت المرأة رمز الحياة، القدرة الإلهية، ورمزا للوصل والحب.

إذا تجاوزت شخصية البتول رمز الفتنة على الرغم من جمالها الأخّاذ الذي يسحر النساء قبل الرجال كما في قوله "رأتها مرة في حمامها قائمة بتلك الرشاقة العامرة الخابلة القاهرة، كل تثني فيها أو انعطاف كأنه نحت مرمري صقلته يد جني"[17] لا يراها رجل إلاّ أحبها وطلب وصالها، كما حدث للمخزامي الذي "اعتقد لينها إذ زارها فتحرش بها ارتدت له شمطاء...فرتدع عنها مصابا برعداء ذهبت به"[18]  ولعلي الشريف المصير نفسه، غير أن هذا الأخير صعق لما رآها بعد سنين طويلة على صورتها التي تركها فيها، فهي "كالصحراء لا يتقدّم بها عمر ولا تنالها شيخوخة ولا يصيبها لوث، كأن الأرواح ملكتها سر الشباب لا يزول إلا بيوم قبضها"[19]. أما من الذين نالوا قربها ثلاثة فقد أحدهم في الصحراء، والثاني سلب عقله وأنسي كل ما عاشه معها إلا ذكر الله.

ويكمل الكاتب الحديث عن هذه المرأة بأنها مذكورة في ذلك المصنف العجيب الذي لا يقرأ إلاّ بطقوس معينة، يكون فيها القارئ على طهارة بدنية وروحية، فلا يجوز لمرتكب الذنوب والكبائر أن يقرأ فيه، وإلاّ كشف سره ودون في صفحات ذلك المؤلف ذنبه، ذكرت هذه المرأة أنها أوتيت من الإنس حكمتهم ومن الجن جمالهم، لا يتقدم بها الزمن ولا يخفى عليها أمر من أمور سكان المنطقة، تكاشف الإنسان بما يفكر فيه، وبما ينويه.

ففي العرف الصوفي لا تختلف مكانة المرأة عن الرجل إذا ما تخلصت من أوزارها وطهرت نفسها وسلكت الطريق؛ تجازى بما يجازى به الولي الذكر، وقد تحدث الأصفهاني في كتابه اللّمع عن المرأة الولية وكيف تعلّم منها ذو النون المصري، وأخريات كرمهن الله بالخوارق والكرامات.

أما الوجه الآخر للأنثى في الأدب الصوفي شعرا ونثرا تمثل من خلاله رمزا يستغل من الجانب الوصفي جمالي، بخاصة في دواوين شعراء الحب الإلهي، لدرجة يلتبس القارئ ويظن أنه يقرأ في دواوين الشعراء العذريين، لما تحويه من ووصفهم لجمال المرأة ومفاتنها.

فالمرأة خلقت لتأنس آدم في وحدته، وفيها مكمن حبه ومتعته، وجعلها الله آية تدل على قدرته ووده ورحمته، فكانت المرأة أجمل خلق الله، والحافظة لنسل الإنسان، وشكّلت بذلك رمزا للتجلي الإلهي والذات الإلهية.

من خلال هذه الخلفية يرسم لنا الروائي صورة المرأة الولية والفاتنة التي ذكرت في تلك المخطوطة المقدسة في مشهد واحد، عكس ما عرف عند المتصوفة، فالولية غالبا ما تكون امرأة سوداء أو شاحبة أعياها العشق، وغيرها من الأوصاف التي لا تنبئ بجمال حسي،[20] وإذا ما ذكر الجمال الحسي غالبا ما يتنافى معه الجمال الداخلي، فتحدث النسوة ولم يتركن شيء إلا شبهن جمالها به في مشهد يتناص مع ما ذكر في القرآن الكريم عن نسوة المدينة اللواتي فتنّ بالنبي يوسف عليه السلام، ينقل الروائي حديثهن " كيما عيون البتول «كحل ظلمة تشرين، وحواجب مرسومة كيما حرف النون، وهدابها رواحات قاضي من ريش سود يهزها سيادين » وعن الخدود تقول «مطبوعين كيما الخوخ موردين.. » وعن القوام تضيف «قد مربوع هايف كالأميرة تتهادى بمشي رزين، الصدر ثامر بزوج تفيفحات في جنان مسرغين.. »"[21]  هذه المرأة العجيبة التي على الرغم من أنها تمتلك كل متاع الدنيا من الجمال والمال والنسب الشريف، إلا أنها لا تخرج عن طاعة "تنسي الورعين أنفسهم أنهم زهدوا بما ينسبغ عليها من آلام لم تعرف لامرأة من توات قبلها ولا بعدها"[22]. فتكون بذلك رمزا للأنوثة والعطاء الذي لا ينقطع، فلا تشيخ ولا تموت.يحيط بها القطب والأوتاد، والمريدون، فتكوّن بذلك بطانة صالحة، يمتد خيرها وصلاحها إلى كل محبيها.

ويضيف الكاتب عن هذه المرأة اللغز أن "صاحب المصنف ممن يعلمون أنه لو غوى بسؤال قصدها به فأجابته حدث هلاكه، فأسرها لمن يعبرون الكلمة والإشارة، وقال تلك امرأة لا يسع ذكرها كتاب، ولا يحتمل اسمها ورق، وفي الحاشية ذكر: جاء اليوم من أخبرني أن الشيخ شيروين ردّ كثيرا من الطامعين فيها على أعقابهم فلم ينالوا منه حرزا ولا طلسما. ولما كان بعضهم حاول الكتابة لها عند طالب تمنطيط كزّ قلم هذا بين أصابعه وجف السمق في الدواة وانمحت الجداول من مجلده وخرم ورقه"[23]. إشارة إلى الخوارق التي تمتلكها فالعناية الإلهية هي كرامة يحيط بها الله عزّ وجلّ الأولياء والصالحين من عباده، ليؤكد مرة أخرى ولاية هذه المرأة.

وفي مقطع آخر " فاعلم أن في المرأة مثل النخلة ثلاثا يخلبن الرجل فيعري لها من كل رمل: وجها ضحوكا لصدر ثامر في قوام ممشوق، ولسانا يحيي في القلب الموات  وجماعا يروي الروح التذاذا. أدرار بمائها وأمنها وسرابها كأنها لهذه الثلاث ! لكن ليلها وحشة للغريب، ونهارها وهم للقريب، وسرها حيرة اللبيب."[24] إشارة منه إلى ما يقابل بطلة الرواية في الواقع، أو كقرينة يستغلها القارئ في تأويل رمز السيدة في هذه الرواية كما سيتبين في موضع آخر من هذه القراءة.

تقابل شخصية "البتول" امرأة جمعت دهاء النساء ومكرهن، صورها في شخصية العرافة بنت كلو، التي تحاول أن تطيح بالسيدة وتكشف أسرارها، إذ حاولت أن تصل إليها من خلال خادماتها بإغرائهن بالمال إذ ما كشفن أسرارها، أو آتيناها بشيء من أغراضها تستخدمه في صنع السحر إلا أنها تبوء بالفشل في كل محاولاتها.

ويتعامل معها أشخاص يمثلون صورة الشر في هذه الرواية، خاصة من أقربائها، إذ فرّقت بين والديّ طيطمة، فتوفيت أمها وهي رضيعة وتزوج والدها بامرأة من عائلة بنت كلوا شرّبته سمّا واستولت على أملاكه، وقام قريب لها باغتصاب ابن زوجته، وقتل أمه لما حاولت الدفاع عن ابنها فبقي هذا الطفل يعاني طيلة حياته شخص، فحوّله إلى شاذ لا هو بذكر، ولا بأنثى.

وبينهما شخصية مبروكة التي خلق نوعا من التوازن في النص، فهي امرأة ككل النساء، سريرتها طيبة، تربت في حجر السيدة، أحبت القراءة وأذى بها شغفها وفضولها إلى دخول دير الرهبان، لتقرأ من كتبه، وأثناء ذلك تعلقت بالأب جبريل وتعلق بها، وتولّد بينهما حب طاهر تخطى حدود الدين، لكن اكتشفت أثناء تنقيبها بين الكتب دفترا قديما يحتفظ به جبريل، فيه معلومات تؤكد أنّ جده دخل جاسوسا على البلاد، وسهّل من مهمة احتلال العدو للصحراء، وعمل على رد الناس عن دينهم وإدخالهم في دين المسيح.

يصوّر الروائي المرأة بين مقامين مقام التقديس الذي تمثله السيدة البتول في جمالها وفي مكانتها وورعها، ومقام التدنيس الذي تمثله بنت كلو المرأة البشرية من خلال أعمالها التي تفسد بها بين الناس.

  • 2. توظيف الكرامة الصوفية في الرواية

يستدعي الروائي الحدث الخارق لبناء عوالم روايته، فتظهر من خلال أحداث وصفات لا تجدها سوى في الكرامات الصوفية، من خلال شخصيتي البتول وإسماعيل الدرويش  فصفات هاتين الشخصيتين تخوّل لنا تصنيفهما ضمن خانة الأولياء، من بين هذه الصفات: -الكشف ومعرفة الغيب:

 تعني المكاشفة في اللغة إظهار ورفع الشيء عمّا يواريه ويغطّيه عن الأنظار، وتتخذ الكلمة عند المتصوّفة معنى أوسع لما هو عليه في اللغة، فيعنى بها الإطلاع على ما هو مستور من معان غيبية وأسرار إلهية[25]. إذ يعرف الولي ما في خواطر الناس وما سيحدث مستقبلا، فهي ملكة من ملكات الأولياء، يرسم لنا الراوي ما يسمى بالكشف الصوفي في الرواية عن طريق شخصيتي البتول وإسماعيل الدرويش وقد أحاطتهما العناية الربانية بمدد الأولياء الصوفية، كما يتبين من المقطع التالي الذي يحدّثنا فيه عن البتول" ولكن بنت هندل كانت تقدر أن السيدة تعلم الخبر في اللحظة التي تفكّر فيها بنت كلو في المطلب الأخير. فكثيرا ما كانت تقول لبنت هندل بعض نواياها فيها فتبهتها، فصارت لذلك لا تتطاول على شؤون السيدة"[26] .

  • الخلود والتعالي على الزمن:

 لكل نص خصوصيته، ولكل خطاب نظرته للزمن، ولعلّ المتصوفة لهم وعي خاص بالزمن، يتجلى عبر إبداعاتهم الشعرية والنثريـة، ضمن نظريتهم الخاصة التي ترى العالم كله من خلال الذات وعلاقتها بالله.

يمكن للولي أن ينفلت من قبضة الزمن وتأثيراته، فيحافظ على شبابه ويحتفظ بقوته وهو في عمر الثمانين، وقد يدفن ولا يتغير من جسده شيء ولا يأكله الدود، وتبقى سلطته حتى بعد مماته، ففناء الجسد ووضعه في القبر لا يدل أبدا على فناء عمره وزوال حضوره، بل يعرف وهو في قبره بمن شتمه أو أساء إليه بكلام، أو أذى أحد أتباعه، ويوصي امرأته بأشياء ويعرف إن هي التزمت بالوصية أم خرقتها، يحظر في المنام، ويوصي من أراد ويساعد من يحتاج، وتحقق بذلك "عقدا متواصلا بين المبدع والمتلقي فالنص الكراماتي لا ينتهي عند وفاة الشيخ، بل يبتدئ من جديد محققا الخلود الأبدي والتواصل الروائي بين الأجيال..." [27] ببقاء هذه الروايات قابلة للانتشار والاعتقاد، فيبقى للضريح قدسيته التي لا تزول رغم انقضاء الزمن. ولعّل هذه الخاصية التي يتميز بها الولي من غيره من البشر  تمثل بامتياز عجائبية الكرامات الصوفية، التي تروي مثل هذه الأحداث وتؤكد عليها، فكل الأولياء تزار قبورهم وتمارس فيها مختلف الطقوس، رغبة من الزوار في نيل البركة والانتفاع بها، مما يرّسخ فكرة الانفلات من قبضة الزمن والرغبة اللاشعورية للإنسان في الخلود.

يستغل الكاتب هذه الفكرة في بناء عالمه الروائي ويجعلها خاصية من خواص شخصياته كما في قوله" لا اعرف لعمري تقويما في هذا الزمن، فقد أكون ولدت مع دفقة الماء الأولى التي انساحت في هذه الأرض البعيـدة، وقد تكـون صرختــي الأولى سمعت في الشمــــال"[28]وعن تعالي هذه الشخصية عن الزمن نقرأ "ومن زاعم أن العفاريت تبدلها كل عشرين عاما عمرا بعمر لتردها إلى شبابها."[29]

فارتباط الزمن بالشخصيات، وخضوعه لسلطة المعرفة الباطنية يمكن الأولياء من القيام بأفعال خارقة؛ لذلك يتداخل الزمن مع الشخصيات ثم مع الحدث، كما تمثله الخطاطة التالية:

الولي     ←             معرفة الزمن        ←            حدث خارق

يحمل الزمن في الرواية، إذن، بعداً نفسياً وفلسفيًا فهو زمن غير زماننا، إذا كان الراوي يسرد أحداثاً خارقة على أنّها وقعت في وقت مضى، فهذه الأحداث في طبيعتها مستعصية على سلطة الزمن، كطي الأرض وبلوغ أكثر من مكان في وقت قصير، ومعرفة ما سيحدث في المستقبل؛ حيث يقوم الولي فيها باختراق الزمن الحقيقي والتلاعب بقانونه وسلطته. فزماننا لا يحتمل مثل هذه الأفعال؛ لذلك نستنتج أن زمان وقوعها مختلف عن زمننا، هي إذن، أحداث في اللازمن المرتبط بالعالم العجيب، الذي يبنيه كل من الولي والمدد "فالكرامة خرق للعادة وإذا كان الزمان المتعارف عليه هو عادة، فإن خرقه في الكرامة إبداع"[30].

-عجائبية الفضاء وتحولاته

يعدّ الفضاء عنصرا أساسيا في تشكل العالم الروائي، ذلك أن شحنه بالرموز والإيحاءات من خلال صورته اللغوية، يفتح آفاق للتلقي ويفجر طاقاته في بناء المعنى، و يعرّف الفضاء على أنّه الإطار الذي يضمّ الشخصيات لتتحرك فيه، "سواءً كان طبيعيا (غابة، صحراء) أو اصطناعيا( مدينة، بيت، منجم)"،[31] وينقل القارئ إلى عوالم خيالية، ليشارك بخياله في تصور الحدث أو صنع ورسم الصورة كما يسميه "جنيت".

لا يظهر الفضاء في النص القصصي من خلال عبارات تدل على المكان الجغرافي فحسب، فالأفعال والحركات التي تقوم بها الشخصيات تحمل دلالة الفضاء وأثره فيها كالتسلق أو الإبحار أو الهروب... وغيرها من أفعال تدّل على فضاءات معينة، فالإبحار يشير إلى البحر، والتسلق إلى مرتفع، والهروب يدل على الانتقال من فضاء الخوف إلى فضاء الأمان والثقة.[32].

يتسم فضاء الرواية باستحضار العوالم الصوفية وفضاءاتها المعروفة، المقتصرة عليها كالزاوية المقام، الحضرة، وغيرها من الفضاءات التي تحمل في ثناياها مفهوم القداسة من خلال علاقته الوثيقة بالشخصيات، علاقة تجعل منه يتحول ويكتسب صفات جديدة، كبيت المقدس وارتباطه بالمسيح ومريم، والكعبة وارتباطها بإبراهيم الخليل ومحمد عليهما أفضل الصلاة والسلام، فهذه الأماكن معروفة بقدسيتها منذ الأزل. وغالبا ما يحضر المقدس في  فضاء متحول، هذا الفضاء الذي يتحول بعدما يسكنه الولي أو يحضر فيه، وتتبعه بركة وحرمة تمنع من تدنيسه ويبارك من اعتنى به أو اعتقد فيه، أو حتى استغله في أغراض الشفاء بنية التبرك، ومثال ذلك الخلوات والأضرحة والمساجد التي تمثل جزءًا من الخرق الصوفي، فبمجرد ما يحل الولي في مكان ما، يصبح ذلك المكان مباركاً، وإذا لمس شجرة أصبحت مباركة، وغذّت من ثمارها المدينة كلها حتى الأضرحة والمقامات مباركة، فالدعاء عندها مستجاب، والأخذ من تربتها يشفي المرضى، ويعيد البصر، وهذه الصور كثيرة في التراث الصوفي وفي الكرامات بوجه الخصوص.

وتجلى التحول في الفضاء من خلال مواقف عدة تصنعهما شخصيتي البتول والدرويش الصوفيتين كما ينقل الراوي على لسان إحداهن "قالت امرأة من نسوة على كأس العشاء في زيارة رجل المدينة الصالح: كان الهجير عظيما يوم دخل إسماعيل الدرويش مغارة تمنطيط وراءه امرأة بهية لم تكن غير البتول أغوته فاستدرجته إليها. لا تطأ رجلها رملا  فيها إلا صار خضرة، وتحولت ظلمتها نورا، ووحشتها أنسا، وسراديبها أروقة عامرة، وسكونها حياة، ورهبتها أمنا وطيورها الظلامية حواريات كواعب، ورائحة طوبها الخانقة عطرا..."[33]

فالبتول هذه المرأة التي لا تشبه النساء، يتحول بحضورها أقسى الأمكنة وأكثرها وحشة إلى فضاء يفيض بالحياة، فالمرأة رمز للخصب والحياة كما سبق وأن قلنا فيما مضى من حديث كما يحضر فضاء صوفي آخر يتجلى في الحضرة ، وهو طقس صوفي يتجمع خلاله المريدون على تلاوة الأذكار، والدعاء والاستغفار وطلب حضور روح النبي صلى الله عليه وسلم. يرافق هذا الطقس حالات يصل فيها الصوفي إلى درجة الجدب أو السكر، فيقد من خلالها إحساسه بالمحيط الخارجي، وتتصل روحه بالله كما يظهر في المقطع التالي"في الحضرة التي أقامها في تلك الليلة التي لسبع بقين من حلول الموسم غفت السكرى بطلعته النبيلة وتوسماته الخميلة بين الرجال حضورا كان بالعين يرون أم الحس..."[34].

غالبا ما يستخدم فضاء الحضرة في الأدب، لدلالته العميقة على تحول من حضور جسدي، إلى ارتقاء روحي، وما تستدعيه هذه التجربة من مشاعر السعادة التي تسكر المريد وتدخله في عالم روحي مغاير

  • 3. ا لصحراء/ المرأة/ النخلة:

تدور أحداث الرواية في مدينة "أدرار"، بواحاتها ومقاماتها، وقد صرّح الروائي في آخر الرواية باسم حبيبته "أدرار" معنونا فصله الأخير "أدرار لا تسكن قلبي، ولكن تلك هي المحبة" للدلالة على عمق محبته لهذه المدينة ويصف مناطقها فيقول"ثم اعتبر أن توات موطن الصمت والانتظار وقورارة كتاب سر بلا خط. وتيدكلت بوابة التوه واليقين. فأنت الرجل خلقت لتعشقك النساء"[35] .

والمؤكد أن من يعشق شيء يرى فيه الجمال ويقلب مساوئه محاسن، فعلى قدر قسوة الصحراء، وحشتها وصمتها، إلا أنّها ملهمة كل من يزورها، ويرى شمسها، سماءها ورمالها ويصور لنا الكاتب هذا الثلاثي في حديث دار بين الرومية والطالب الذين أحبا بعضها على الرغم من اختلاف الديانة، فالطالب رمز ديني معروف في المجمع الجزائري، وجولييت راهبة رومية كما يصفها الراوي، "لا تأتمني صمت هذه الصحراء إلا بصمت مثيل: فاقتربت منه حتى لامست كتفها كتفه: لم أسمع غير الريح ولا أقول إلا نجوى. فتخطاها ودار أمامها يملأ ما بينهما من فراغ: يجب أن تكوني بعمر النخلة الأولى  لتدركي الصخب الصامت الذي يتحول قسوة تفوق قسوة البشر عندما تتحرك هذه الصحراء بلا شفقة فتدك كل صوت"[36].

 ويضيف "الطالب باحيدة" في حديثه عن الصحراء "الحياة كلها صحراء والمرأة هي الجمل الذي به يقطعها. فاستغربت: لم أكن أعرف هذا ...هكذا الصحراء بقدر ما تبدو معطية الروح أمانه والقلب سكينته فهي صارمة في الخيارات الثنائية، أهل ووحشة، برد وحر، عصف وصمت، الله والتوه، لا شيء بينهما. الحقيقة والضلالة. لذا كانت من أقسى الطبائع في الإنتقاء..."[37]

والصحراء في عرف المتصوفة رمز للتيه والرحلة التي تسبق الوصول إلى الحقيقة  وفضاء مناسب لممارسة الشعائر الصوفية، فكثيرا ما تتحدث الكرامات الصوفية عن مريد تاه في الصحراء أو البادية، وحضر المدد لينقذه، تصورها لنا مكان لا نجاة فيه إلا بالعناية الربانية، ومن تلك العناية أن خلق فيها من يتحمل قسوتها: جمل ونخلة.

يشبه الراوي المرأة بالجمل الذي يعين الرجل على تجاوز صحرائه، بما تمده به من حياة وحب وللنخلة الأنثى نخلة ذكرا يخصبها، فتؤتي ثمرها طيبا ناضجا حين سألت جولييت" وكم تعيش؟ فصارت في شعوره النخلة إياها: مثل امرأة، إلى الستين أو تعمر حتى القرن  هي لذلك لا تختلف عن الجمل، تكون معه والمرأة ثالوث كل حياة في هذه الصحراء، فبدا لها أن السلسة تفتقد حلقة: والرجل؟  فأشار إليها مثل ذكر النخل، من طلعه يخرج أكمام الزهر فيؤخذ منه عريش ليربطه بالأزهار المؤنثة فيحدث القران ويكون اللقاح. أما الحب ورسائله والغراميات وأشواقها فإن الريح هي التي تسعى بذلك كله بين الرجل والمرأة"[38].

والنخلة رمز معروف في الأدب العربي، وبخاصة في الشعر المعاصر، كرمز للأصالة والجذور، ورمزا للصمود، فما يبقي النخلة في جو قاس كقسوة الصحراء هو جذورها الضاربة في العمق.

  • 4. المحـبـــــــــــة

تعدّ المحبة في عرف المتصوفة أول درجة من درجات الارتقاء في السلم الصوفي والحجر الأساس للتجربة ككل، وهو أصل كل عاطفة فهي" فعل قلبي لا يعلل عقليا"[39] إذ تجاوز مفهوم الحب الديني الذي نشره الفقهاء إلى أقصى درجات الرغبة في الوصل مع المحبوب.

وقد رسم المتصوفة صورة كاملة لما سموه بالحب الإلهي، فلم تعد علاقة بين عبد يحب ربه، بل وصفوها على أنّها متبادلة بينهما، ولشيخ العارفين "ابن عربي" في مؤلفاته كلام مفصّل عن معاني الحب، فقال" اعلم أنّ الحب معقول المعنى، وإن كان لا يحّد، فهو مدرك بالذوق غير مجهول...فمن حدّ الحب ما عرفه، ومن لم يذقه شرابا ما عرفه، ومن قال رويت منه ما عرفه"[40]

ويفصل "ابن عربي" في صفات الحب ودرجاته، معنى السكر والغيرة، والوصل الجنسي الوله، الهيام، الحزن....وغيرها مما يرافق حديث المحبين والعشاق. وفي هذا السياق يورد الروائي كلاما لشيخ العرفين ابن عربي في قوله " ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة، أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة."[41] ويضيف في السياق نفسه" فحنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء إلى نفسه، فإن حواء خلقت واشتقت من آدم وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء إلى وطنه، فالمرأة خلقت منفعلة إلى الرجل ليحن إليها" [42].

غالبا ما يرافق فعل الحب في رواية تلك المحبة، حدث الموت، كما سبق وأنّ أوردنا أمثلة على ذلك فالمرأة بوصفها المحبوبة "رمزا للأنوثة الخالقة، للرحم الكونية. وهي بوصفها كذلك علة الوجود ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب أن يغيب عن نفسه... سيظل محجوبا عنها إذا بقيت صفاته، وهو إذن سيظل ضد نفسه ما بقيت صفاته، حين تزول صفاته، حين يموت – يحيا" [43].

فالموت عند الصوفية لا يعدّ موتا وانقطاعا عن الحياة كما في عرف المجتمع، بل مرحلة جديدة من مراحل الحياة، لها ميزاتها الخاصة، فهي حياة تهب للصوفي هدفه المنشود تهبه الاتصال بلا خوف، ولا فراق، وتنقضي الإثنية التي يهرب منها الصوفي ليدخل في مرحلة الاتحاد، فالموت إذن انبعاث وحياة جديدة، كذلك الفعل الجنسي موت مؤقت يعيشه العاشق بعدما يصل إلى النشوة الجنسية؛ ولعل هذا ما يبرر الخاتمة التي تتكرر مع كل عاشق كما حدث مع الحلاج، والسهرودي، وغيرهم، ومن النسوة اللائي تروي كراماتهن وأخبارهن في كتب المتصوفة، بعد حديثها تشهق شهقة ثم تموت[44].

وقد صرّح الكاتب في الحوار الصحفي السابق الذكر عن رأيه في فكرة الموت، قائلا "الإحساس بالموت بداية الشعور بالحياة"، مما يؤكد اتفاقه مع الرؤية الصوفية للموت والحياة، وللحب والجسد والشهوة؛ ويظهر بذلك أن جو المحبة الصوفية متغلغل في الرواية  منذ بدأ الراوي بوصف البطلة المرأة التي لا تشبه النساء، والفارس الذي جاء يبحث عنها  إلى الحديث عن ثنائيات العشاق التي طرحها النص، (باحيدة، جولييت)، (مبروكة، جبريل).

  • 5. الهاتف صوت العناية الربانية

يحضر الهاتف في الأدب الصوفي حضورا قوياً، إذ لا يقتصر على إضفاء الغرائبية إلى السرد فحسب، بل يعمل على تحويل مجرى الأحداث، وأحيانا مسار الشخصيات، فهو" الإلهام الداخلي والصوت الخارجي المنقذ والمعين والمراقب، وكونه صوتا بلا جسم ساعد على إيجاد بعد بينه وبين المتلقي، فلا يبحث عن كينونته، بل يبحث على كنه مقولته"[45].

ولعل حضور الهاتف في الرواية، عنصر مكمل لما بدأ الروائي في صياغته منذ أول جملة خطها، فلا يكتمل المشهد الصوفي دون حضور الهاتف الذي ينقذ الشخصية ويوجهها إلى المسار الصحيح، راسما بذلك صورة العناية الربانية التي رافقتها "إن ضلّلتك المتاهة فامش يمينا وسم باسم الله. فتلك كلمة سرهم يخرجونك إلى النور بها..."[46] .

وفي مشهد آخر تظهر البطلة متقمصة شخصية شهرزاد التراثية في مخدعها الأنيق وجواريها اللواتي يتهافتن على خدمتها، وقد حضرت المكان للقاء حبيبها الدرويش، في مجلس هارب من مجالس ملوك العصر العباسي إلى أن ينادي عليهما الهاتف في "صوت معسّل من رواق في الدهليز امتداده للتغريد: فكلوا العناق يا عشاق، وارفعوا الساق عن الساق. هذا ليلكم جن بالآلاق. فهيا على السلوى والمن والترياق"[47] 

خاتمة

تنتمي "تلك المحبة" إلى الرواية الجديدة التي يحاول فيها الروائي الاشتغال على اللغة، ونحت نموذج فريد خاص به، يختلف مع الكتابات الروائية المعاصرة والسابقة له، وقد تبين أن استلهام التراث الصوفي شكلا ومضمونا، عمل إثراء متخيله الروائي وطعّم لغته، ونحت منها لوحات فنية فريدة، يخال القارئ نفسه يقرأ في إحدى المخطوطات الصوفية الراقية، وهنا يلتقي الروائي بالصوفي في نظرة مشتركة إلى "الطبيعة والحتميات. كما أنهما يخلقان أو يلتقطان الإشارات والرموز عينها، ويعبّران عنها من خلال التجربة المعاشة والنفاذ إلى الأعماق"[48]

 تبيّن من خلال ملامسة لبعض الظواهر في الرواية، أن نص "الحبيب السائح" يمثل بامتياز الانقلاب الذي تحدّث عنه الروائي في تصريحاته، فقال"لأنني شكلت نصي بما أسميه لغة اللغة! أنْ أشكل نصا أدبيا هذا يعني أن يكون هذا النص هو مرجع لغة الآخر (الصحافي والمدرس والمؤرخ والسياسي الذي يشتق من لغة نصي لغته الوظيفية…) أريد لنصي أن يكون مخطوطة، متنا، لا هامشا أو حاشية. وأسعى إلى أن تصبح لغة كتابتي مؤسَّسة قائمة بذاتها واستواء ما سماه بالمشروع اللغوي ليشكل بذلك مدرسة روائية خاصة ومتفردة في أسلوبها وبنائها ولغتها"[49].

 كما لا يجب إهمال الإشارة إلى خصوبة التراث الصوفي وانفتاحه على الأدب المعاصر شعرا ونثرا، في مرونة تمكّن المبدع في استلهام رموزه، ليعبر بها عن السموّ الروحي الممتد من الجذور، ليواجه به واقعه بكل ما فيه من تناقضات وإحباطات.

 الهوامش

[1] بوطاجين، سعيد (2005)، السرد ووهم المرجع، مقاربات في النص الجزائري الحديث، منشورات الاختلاف، ط1، ص.43.

[2] حوار للكاتب التونسي نجيب الريحاني، نشر على صفحة الروائي الحبيب السائح الشخصية

 http://fr-fr.facebook.com/note.php?note_id=173389369381583

[3] يراجع: عبده غالب أحمد عيسى، مفهوم التصوف، بيروت، دار الجيل، ط1، 1992/ أبو القاسم القشيري: الرسالة القشرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود الشريف، دار الشعب، ط1، القاهرة، 1989.

[4] يراجع: أدونيس، الصوفية والسريالية، دار الساقي للنشر، ط3، ص.115.

[5] الغذامي، عبدالله (1992)، ثقافة الأسئلة مقالات في النقد والنظرية، جدة، النادي الأدبي الثقافي، ط2، ص.119.

[6] السائح، الحبيب (2002)، تلك المحبة، Editions ANEP، ص.11.

[7] الشراط، عبد الله (1997)، الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس، تح: زهراء النظام، الدار البيضاء، منشورات كلية الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، ص.47.

[8] بلعابد، عبد الحق (2008)، عتبات، جيرار جنيت من النص إلى المناص، ط1، الجزائر، الدار العربية للعلوم الناشرون، منشورات الاختلاف، ص.118.

[9] Charaudeau, P. et Maingueneau, D. (2002), Dictionnaire d’analyse du discours, Paris, éd Seuil, p.548.

[10] تلك المحبة، ص.31.

[11] صحراوي، إبراهيم (2008)، السرد العربي القديم، الأنواع والوظائف والبنيات، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1، ص.172.

[12] النفري (1998) ، المواقف والمخاطبات، تح: آرثر يوحنا أربرى، بيروت، دار الكتب العلمية، ص.51.

[13] القشيري، أبو القاسم (1989)، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود الشريف، القاهرة، دار الشعب، ط1، ص.130.

[14] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج3، ص.196/197. نسخة رقمية عن موقعwww.al-mostafa.com.

[15] تشادويك، تشارلز، الرمزية، ترجمة نسيم ابراهيم يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص.39-40.

[16] الحوار السابق.

[17] تلك المحبة، ص.105.

[18] المراجع نفسه، ص.107.

[19] المراجع نفسه، ص.114.

[20] يراجع أمثلة عن المرأة الولية:  أبو نعيم الأصفهاني (1988)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتب العلمية، ط1، ج9، ص130، ص341، 344، 354.، الزيات، أبو يعقوب يوسف بن يحي التادلي (1997)، التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي، تحقيق أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب، ط2، الرباط، ص.316، ص. 331.

[21] الرواية، ص.114.

[22] نفسه، ص.120.

[23] نفسه، ص.114.

[24] نفسه، ص.370.

[25] الحكيم، سعاد (1981)، المعجم الصوفي، الحكمة في حدود الكلمة، ندرة للطباعة والنشر، ط1، ص.264-265.

[26] الرواية، ص.110.

[27] بدران، أبو الفضل (2001)، أدبيات الكرامة الصوفية، دارسة في الشكل والمضمون، مركز زايد للتراث والتاريخ الإمارات، ط1، ص.153.

[28] الرواية، ص.14.

[29] المرجع نفسه، ص.16.

[30] بدران، ابو الفضل، أدبيات الكرامة الصوفية، ص.180.

[31] زيتوني، لطيف (2002)، معجم مصطلحات نقد الرواية، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، ص.127.

[32] يراجع: مرتاض، عبد المالك، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، وهران، دار الغرب للنشر والتوزيع، دت، ص.189.

[33] الرواية، ص.284.

[34] المرجع نفسه، ص.308.

[35] المرجع نفسه، ص.370.

[36] المرجع نفسه، ص.242.

[37] المرجع نفسه، ص.244-245.

[38] المرجع نفسه، ص.246.

[39] يونس، وضحى (2006)، القضايا النقدية في النثر الصوفي حتى القرن السابع الهجري، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ص.48.

[40] ابن عربيّ، محي الدين (1992)، الحب والمحبة الإلهية، جمع وتحقيق محمود محمود الغراب، مطبعة نضر، ط2، ص.26.

[41]  الرواية، ص.194-195.

[42]  ابن عربيّ، محي الدين، الحب والمحبة الإلهية، ص.38.

[43]  أدونيس، مرجع سابق، ص.107.

[44]  يراجع: بدران، أبو الفضل، أدبيات الكرامة الصوفية، ص.214.

[45] المرجع نفسه، ص.191.

[46] الرواية، ص.272.

[47] المرجع نفسه، ص.286.

[48] زيغور، علي (1984)، الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم. القطاع اللاواعي في الذات العربية، بيروت، دار الأندلس، ط2، ص.78.

[49] الحوار السابق.