Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.123-138، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


هند سعدوني

 

تحاول آفاق الأدب أن تتحدث عن المستقبل من خلال تفعّيل كلّ المؤثرات الممكنة _على اختلاف مواقعها في الداخل و الخارج_، أي داخل النص الأدبي في حدّ ذاته، و خارج حدوده و أبعد من ثقافته التي يصدر عنها. "كون التفاعل يقوم على أساس الاستيعاب و التحويل و النقد"[1]. و قد أورد ابن خلدون ذات يوم ما مفاده أن الذي يريد أن يكون عالما فعليه أن يلتزم بفن واحد، أما الذي يريد أن يكون أديبا فليتسع في العلوم.

الأدب وُجِدَ في الحياة و سمته "الأخذ من كل علم بطرف"[2]، و قد كان منذ زمن بعيد و لا يزال إلى اليوم تعبيرا عن حاجات إنسانية مختلفة، فاستفاد من غيره كثيرا كما أفاد، فكان واجهة ثقافية محملة بمدلولات الهوية و الحضارة، و مثقلا بتركات الزمن الطويل، مجددا في أساليبه و محافظا على خصوصياته. و لقد استطاع الأدب أن يحقق الجمع بين المتباعدات حتى تتجانس في نص واحد، و " مصطلح الأدب يتطابق مع مصطلح الرواية سواء في أصوله الزمنية أم في انغلاقه البنائي"[3]. فجاءت الرواية تعبيرا عن هذا الزخم الثقافي المتنوع، و المعبّر عن زمنه بكيفية ما. يقول جورج لوكاتش في كتابه "نظرية الرواية": "إن الأزمنة السعيدة ليس لها فلسفة"[4]. و فلسفة هذا الزمن: الرواية؛ زمننا المتسارع، الباحث عن شيء مختلف أو جديد بالمرّة، الباحث أيضا عن تنظيم تراكماته و إرثه التاريخي، فيما يخدم مصالح الآتي...

و بناء على ذلك، وجد كثير من الأدباء الحل في الجنس الأدبي المسمى (رواية)، ففي معرض رأيه في رايومون Rayaumoni سأل ميشال بوتور نفسه، ثم أجاب: "كيف السبيل إلى التوفيق بين الفلسفة و الشعر؟ فظهرت لي الرواية كحل وحيد لهذه المشكلة الشخصية"[5] و يؤكّد بأن :"في وقتنا الحاضر لا وجود لشكل أدبي يتمتع بالقوة التي تتمتع بها الرواية"[6]. حتى و إن كانت هذه الآراء منحازة جدا إلى الرواية، إلا أنها تعكس جانبا من الأهمية التي صار يحظى بها هذا الفن ؛حيث "أصبحت الرواية في منتصف القرن العشرين، أوسع أزياء التعبير الأولية انتشارا(...) إن الرواية تقوم بدور الكاهن المعرّف، و المشرف السياسي، و خادمة الأطفال، وصحفي الوقائع اليومية، و الرائد، و معلم الفلسفة السرية. و هي تقوم بهذه الأدوار كلها في فن عالمي يهدف إلى أن يحلّ محل الفنون الأدبية جميعا، و يمكن أن يكوّن في أيامنا شكلا معمما للثقافة"[7]. الحق أن الرواية اليوم مزيج من أشياء كثيرة، لكننا في الوقت نفسه لا نرى داع إلى أن تغيِّب الفنون الأخرى. فالخصوصية محفوظة لكل فن، حتى مع الدعوة إلى زوال الحدود الفاصلة بين الأجناس و الأنواع و الفنون إجمالا.

تفرض الرواية نفسها من ناحية، و تعنينا جدا من ناحية أخرى. و هذه الورقة البحثية تقدّم تصوّرا عن أشكال التجديد في الرواية الجزائرية، على مستوى الموضوع و الطرح و الرؤية و البنية الزمكانية و عرض الشخصيات... و هذا البحث الروائي الجزائري التجريبي نراه مستمرا لا يتوقف منذ مدة ليست يسيرة من الزمن، حتى أننا لنجد أنفسنا اليوم بين أنواع و أشكال روائية متنوعة، تصنع بهجة أصناف سردية بألوان الطيف و أكثر. فهناك التوجه الأكثر إيغالا في الواقعية، أو العكس في الفانتازيا و اللا توقعية...و هناك توجه أثري تاريخي،  أو آخر نفسي ذهني فلسفي...كما نجد أيضا توجها تراثيا شعبيا، أو تقديما رؤيويا لزمن مستقبلي...

أشكال سردية جديدة تقدِّم أطروحات موضوعاتية متعددة، و تعالج الزمن بنفَس جديد، و تتلمس الأمكنة من زوايا مختلفة، و تخلق شخصيات تشبهنا جدا و لكنها ليست نحن (فالحياة تشبه الرواية أكثر مما تشبه الرواية الحياة). و تبني أحداثا بتركيبة مبتكرة، تبهر، أو تصدم، أو تعاود شيئا مرَّ أو قد يمرّ ذات يوم بنا، و قد لا يمرّ أبدا، و لكن...

تأتي الرواية الجزائرية اليوم، بعد أزمنة تشكّل كبيرة_إن قيست بالتجربة وليس بالزمن، الذي يعدّ قصيرا بالمقارنة مع الرواية العالمية مثلا_ فيتراتب تطورها على النحو التالي: رواية النشوء  و التكوّن (فترة الستينيات و ما قبلها)، رواية التعبير الإيديولوجي الموجّه (السبعينيات)، رواية الانفتاح و التيه و البحث عن الذات (الثمانينيات)، رواية الأزمة (التسعينيات)، رواية التجديد و التجريب (الألفية الثالثة).

و قد تكون المرحلتان الأخيرتان هما الأكثر جدلا (رواية الأزمة/ الأدب الاستعجالي) و الأكثر نضجا (رواية التجريب). "و الحال أن هناك سوء فهم للعلاقات بين الواقع و الأدب، فالأزمة ليست أدبا، إنما موضوع لها، و ما يهمّنا ليس أزمة المجتمع، و إنما أزمة الأدب في كيفية التعامل مع أزمة المجتمع، و حتى كلمة أزمة لا تخلو من النسبية"[8].

 و هنا تكون شهادة الروائي الكبير المرحوم الطاهر وطار حول الأدب الجزائري "الاستعجالي"/أدب الأزمة، بحاجة إلى مساءلة، ربما هي منصفة بعد مرور فترة من الزمن، حيث يحق لنا الحكم عليها و تقييمها، لوضعها في نصابها؛ لإحقاق الفني، و نعت الاستعجالي بما يستحقه، من أجل إبعاد تجربة هاوية، ركبت موجة ما اصطلح عليه بأدب الأزمة؛ لأنه أدب كتب يومها فوجد قراء كُثر من الجزائريين،
و من العرب أكثر، بل و من الغربيين أكثر فأكثر؛ فكان بمثابة النص/الدجاجة التي تبيض قراء/ذهبا، فاندفع كثيرون إذ ذاك إلى كتابة هذا الجنس الأدبي/ الرواية ممن كانوا شعراء و نزعوا بردة الشعر و استبدلوا بها بدلة الرواية، أو ممن كانوا يشتغلون بحقل الصحافة و تحولوا إلى كُتّاب "رواية" (حتى لا نقول روائيين)، أو من المتطفلين على الأدب (و قد يسمّون أنفسهم هوّاة)، ناهيك طبعا عن الروائيين بالأصل و الموهبة _و هم مدار البحث_ لأن الرواية ليست مجرد مسار عبور، بل نص أدبي يقع في نقاط تماس بين الفن  و أشياء أخرى من الواقع (تاريخ، إيديولوجيا، دين، تراث، ثقافة شعبية،...)، و إن كان كثير من الروائيين يحاولون التملص من التصريح المباشر عندما يتعاملون مع التاريخ _على وجه الخصوص_، الرواية جريئة جدا في مغامراتها الكتابية، و التفاعل النصي فيها يشتغل على أعلى مستوى، "ويقصد بالتفاعل النصي: العلاقات التي تقوم بين نص ما و وحدات نصية سابقة عليه أو معاصرة له. و التي رأى رولان بارث أنها قَدَرُ كل نص مهما كان جنسه، ومهما حاول مبدعه الإيحاء بإنجازه كتابة ليس لها أية علاقات نسب مع ما أنجزه سابقوه أو معاصروه. إن كل نص حسب كريستيفا هو امتصاص و تحويل لنص آخر"[9].

هنا تكمن قدرة المبدعين الحقيقيين في الإيقاع بنا و قيادتنا إلى تصديق الخلق الفني على أنه أول و فريد، و لكن نسبه سيثبت تناصه مع غيره. فتقنية التناص من أهم التقنيات الروائية التي تستلهم من الواقع و التاريخ لتصنع نصوصا و أبطالا ورقية، و ترسم أزمنة و أمكنة حبرية. تبعد عن الواقع بمسافة وهم و تقترب من التخييل بمسافة حقيقة.

كم هي مبهرة قدرة الروائيين في صنعة الاحتيال التي يقومون بها، فيقوّلون اللغة ما لم تتعوّد عليه. الانزياح طبيعة الإبداع التي تحث على الكتابة و التجاوز، على الخلق و المحو_كما يقول السعيد بوطاجين_.

و لقد توسّمنا في التجربتين الروائيتين لكل من "الحبيب السايح" و "عز الدين ميهوبي" مثالا لرواية "كالمنمنمة، تنطوي على فن الجزئيات..."[10] أو كالفسيفساء التي تتيح لها الزوايا المختلفة منظرا جديدا، و تبعث فيها حياة تكاد تستنطق به اللون. هذا التغير الدائم الذي يخلق شباب الأشكال التي تهب الرواية الاستمرار. (والحق أن الرواية نوع أدبي دائم الشباب _على الأقل إلى حدّ الساعة_ فلم تستهلك الرواية بعد كامل إمكاناتها، و تسعى في تطوّرها إلى نبذ التكرار و الاحتفاء بالجدّة
و تنويع طرق العرض، حتى لما هو سطوري مثلا)...

 "اعترافات أسكرام" آخر نتاج روائي لعز الدين ميهوبي نراه مزيجا من شكلين تعبيريين أو أكثر: الاعتراف/السيرة و السرد/ الرواية، و كذلك الشعر... و جمعا بين زمنيين أو أكثر: المستقبل المتوقع و الحاضر، و الماضي أيضا... و موضوعا معجونا من مادتين أو أكثر: ثقافة العرب و ثقافة الغرب، مضاف إليهما خصوصية بنكهة تارقية... ثم يتوزّع العمل بأكمله على شرق العالم و غربه، و كذا وسطه.

يمكن للرواية/ الحياة على ورق (كما يحلو لنا تسميتها)، أن تقوم بعملية مسح جغرافي واسع النطاق، فهي حرة في الانتقال عبر الأمكنة المغلقة و المفتوحة، والانتقال مع الحدث من بلد إلى آخر كتفاعل أفقي؛ فيه تُغطي رواية "اعترافات أسكرام" أقاليم جغرافية متسعة و منتشرة شرق العالم و غربه: لتكون الانطلاقة من الأهقار (جنوب الجزائر)، فـ: فرنسا، كوبا، اسبانيا، مكة/السعودية، اليمن، أفغانستان، سوريا، الأردن، فلسطين، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان.. ثم العودة من جديد إلى الأهقار / الجزائر، ليعود منتهى الرواية على بدء، في دائرة اكتمل خطها عبر الفضاء المكاني.    

أما بالنسبة للحدث، فقد جاء مطلع الرواية مفصحا عن جنسها _أعني الاعتراف_ يقول فيه:

"ربما أكون ثقيلا عليكم..

أنصحكم بتحملي قليلا..

اعترافي أمامكم قد يكون بيضة ديك صيني لا غير..

فأنا لن أكسب شيئا إن كنت كاذبا، مثلما لن أكسب شيئا إذا كنت صادقا، ففي الحالتين أبوح بقليل من الحقيقة، ليس كل الحقيقة كما هو شأن أولئك الذين يقسمون بأغلظ الأيمان في المحاكم فيقولون كل شيء إلاّ الحقيقة.

قررت أن أعترف،..."[11].

أما عن الخاتمة، فوقّعها الروائي مغلقا دائرة الاعتراف قائلا:

"أما أنا صالح النازا.. فأعود إلى بيتي لأنام بعيدا عن أسكرام و اعترافات الباحثين عن مساحة للبوح المرّ، و أفكر في امرأة تطفئني قبل الموت.."[12].

ينطلق الحدث إذن، من قرار الاعتراف و ينتهي إلى خلاصة حتمية تؤكّد دوما وأبدا مرارة البوح. و لكن الحياة تتقدم، و في طريقها يموت كثيرون، و يفتش آخرون عن الاستمرار، عن حياة جديدة _ عن امرأة_ ستنطفئ لا محالة، لأنها دورة الحياة.

و ما بين البداية و النهاية 587 صفحة، مليئة بالأحداث، التي تخبر عن حياة رجل تارقي يدعى "صالح"، تتخللها حيوات آخرين من مختلف الجنسيات يعبرون بالصدفة في وقت واحد (اعتراف رأس السنة 2040م) و مكان واحد (فندق أسكرام بالاس_ الأهقار_الجزائر)، فيستحضرون أزمنة و أمكنة كثيرة، من خلال قصصهم. حيث يدور زمن الرواية جدلا في المستقبل، و الذي بدوره لا تنفصم عراه عن الحاضر و الماضي بوساطة تقنية الاسترجاع السردية.

تتنوّع النصوص السردية العربية اليوم، مقدمة عروضا عن الواقع بطريقتها الخاصة، و عروضا أخرى قريبة من الفانتازيا، و عروضا بموضوعات شتى
و مختلفة، و بأساليب تتعدد مصادرها الثقافية، يتحدّث من خلالها الأديب عن رأيه في الماضي، و تقييمه للحاضر، و توقعاته عن المستقبل. و ربما كان وراء تجدد الشكل الروائي، اتساع دائرة الموضوعات الصالحة لها، و التي تقع تحت بند "كل شيء" فبالنسبة لفرجينيا وولف : "كل شيء مادة صالحة للرواية، كل انطباع، كل فكرة، كل صفة للعقل و الروح"[13].

هذا عن الموضوع، أما عن التقنية فتنطلق الرواية العربية، من منطلقين اثنين؛ أولهما: التراث الحكائي العربي الذي أدّى وظائف كثيرة، و على رأسها التسلية
و كذا التعليم، و لا يخفى علينا في مثل هذا المقام الحديث عن السحر السردي الشرقي عموما، و الذي اعترف به عدد من الأدباء الغربيين من أمثال لافونتين _في تبادل المؤثرات إرسالا و استقبالا_ إضافة إلى الخصوصية العربية اللغوية، و التي قد يُنظر إليها على أنها انحياز إلى الثقافة الأم، و لكننا نجد أنفسنا مذهولين حقا أمام القدرة الإمتاعية التي تميّز هذه اللغة، و في حضرة جلالتها يقف القارئ الباحث _تحديدا_ ليتبيّن مواطن الجمال الأخاذ للاستعمالات اللفظية المستحدثة هنا و هناك و على كامل جغرافية النص. و ثانيهما: التقنية السردية الغربية، التي تصنع الفن الروائي، و تفصله عن غيره مما قد يشبهه من فنون القص الأخرى. و الحق يقال فيما قدمته السردية الأوروبية لهذا الفن الروائي، من أنه فضل عظيم، و به استطاعت أن تستأثر عقود ملكيته، و تنسبه إليها، و من عندها ينطلق للعالمين.

و نستطيع أن نسمي التفاعل الحاصل بين الآداب العالمية، "تفاعلا أفقيا"، يقدم مسحا جغرافيا للانتقال من العالم الشرقي إلى العالم الغربي، أو العكس. و هو نفسه لا ينفصل عن "التفاعل العمودي"، الذي من شأنه التوغل في ثقافة العالمَيَن، مما يتيح الأخذ و العطاء و التداخل؛ الذي قد يقبل بالآخر فيكون الناتج عنه التجانس، و قد يرفضه فيولّد مركبا هجينا متنافرا. و إذ نرفض الحديث عن الحالة الأخيرة لأنها ربط تعسفي لا ينتج غير المشوّه، نقبل بالحالة الأولى لأنها صحية و صحيحة، إن لم تكن ضرورية للحياة الإنسانية.

الأشكال الجديدة التي تعرضها الرواية اليوم مختلفة و محيّرة؛ فها هي مثلا قد تنطلق من التاريخ كمادة أولية لها و لكنك لا تستطيع تسميتها بالرواية التاريخية. فالرواية تتفاعل عبر الزمن، إذ نسجل اليوم أكثر من أي وقت مضى، انفتاحها على أزمنة مختلفة: زمن الرواية و أزمنة التاريخ؛ و لا نعني بالتاريخ الماضي فحسب، بل قد يَصنعُ أفقُ توقع الرواية المستقبلَ أو جزءا منه أو ما يُشبهه (فمعطيات الحاضر
و ثقل الإرث الماضي، يُعين على فهم المسارات المستقبلية، و لو بدرجة معينة).

ليس التاريخ وحده هو الذي يتفاعل داخل النص الأدبي، فهناك ضغط الواقع،
و سلطة الدين و المعتقدات الأسطورية، إلى جانب المصاحبات الأدبية، من شعر
و نصوص أدبية أخرى ترد كاستشهادات  أو تناص تفاعلي، يضفي جمالية أخرى إلى فنية النص التي تنم عن أديب مثقف.

و قبل الانطلاق في تفصيل كل أنواع التفاعل التي تعتمل داخل الرواية، تجدر الإشارة إلى أننا لسنا من مروّجي فكرة النفور من الشعر (أو أن الشعر فن الزمن الذي ولّى)، و لكننا نعتقد مع نقاد كثيرين أيضا بأن "الرواية أمست سيدة الألوان
و الأجناس" فأفادت من الشعر أدواته و لغته، و نهلت من التاريخ نتائجه و زادت مناطق جديدة للبوح أينما وجد المسكوت عنه، و استفادت من علوم الاجتماع
و النفس و الأنثروبولوجيا... فكانت الكيان الذي يرهب قرّاءه في الكثير من الأحيان، رهبة المفاجأة و لا متوقّع. إن الرواية شكل خاص من أشكال القص، أو هي مختبرها، و "القصة ظاهرة تتجاوز حقل الأدب تجاوزا كبيرا؛ فهي إحدى المقومات الأساسية لإدراكنا الحقيقة."[14] القصة جزء لا يتجزأ من حياتنا، و منتشرة في كل مراحلها، بل و حتى في ممارساتنا اليومية، فأن تسرد حادثة لشخص آخر، أو أن تعبر عن رأي، أو أن تدلي بانطباع؛ فكأنك تستعمل الأسلوب القصصي من دون سابق قصد...

للحقيقة مسارات كثيرة تُسلَك، و من الخطأ القول بالمسلك الواحد؛ لأنه قاصر
و لا شك. إن الحياة الإنسانية متشعبة بقدر قد لا يفهم، و لكن رحلة البحث فيها لا يحطُّ من تصميمها شيء، فهي سعي حثيث متواصل منذ الأزمنة القديمة و لا تزال.

و ها هي الرواية ـالنص الواحدـ نموذج أدبي تفاعلي كبير ، ليست جنسا أدبيا ـ كما يراها ميلان كونديراـ ضمن الأجناس الأدبية الأخرى، إنما هي منهج تركيبي له خصوصيته في إدراك الحياة. و صانع النص الذي هو "الروائي ليس مؤرخا و لا نبيا، إنه مستكشف للوجود."[15] و ذلك الإدراك و هذا الاستكشاف لا يتم إلا عن طريق "القراءة"، و التي هي بدورها فعل ثقافي كثيرا ما يكون معادلة للضياع _كما يقول إ.روسيل_ لأننا و مع النص، سنكون أمام مجموعة من منجزات الفكر الإنساني، مكثفة و مصاغة داخل نص واحد، فـ "الرواية هي أكثر الأجناس الأدبية قابلية لتمثّل تلك المنجزات (النصوص الأخرى)، و لأنها تُعدّ متحفا لمختلف هذه الأجناس..."[16] و لأن صاحب النص _بحدّ ذاته_ تركيبة ثقافية تشكلّت عبر الزمن، و اختزلت داخلها معارف معاصرة و سابقة عنها، وما الروائي إلاّ جزء من كل.     و لكننا، لا نستبعد احتمال الجزء المعبّر عن الكلّ _على الأقل في كلياته و ليس في جميع جزئياته_. إن الأديب إنسان تشكّل منذ القدم من ترسبات عديدة، أوجدته على ما هو عليه اليوم. هو شيء من بيئته، و بعض من مجتمعه، و لمحة عن زمنه
و أزمان أُخَر، و كثير من قراءاته. هو الصوت الذي يُخفي أصواتا أخرى غيره،
و كل ملفوظ صادر عنه، لا محالة مؤسس على معاني سابقة. و عن المعنى ذاته تقول جوليا كريسطيفا في خاتمة كتابها "علم النص": "و لأجل تشكيل سيميائية عامة مؤسسة على ما ندعوه تحليلا دليليا فإن ذلك التأويل يُلغي وُجوب نموذج للكلام
و يطرح أمام وعينَا ضرورةَ دراسةِ المعنى السابق على الكلام الملفوظ"[17].

و في سياق حديثنا عن المعنى السابق على النص، و الذي سيرتبط بالنص/الكلام الملفوظ/الرواية، ارتباطا كبيرا، يكاد يكون فيه غياب الأول يؤدّي إلى انعدام الثاني، أو عدم قدرته على الإقناع، و من ثَمَّ الوجود بالفعل.

الرواية نص مراوغ، يحترف التمويه بمهارة، يعيش في نقاط التماس بين الفن
و أشياء من الواقع (إيديولوجيا، تاريخ، دين، تراث، ثقافة شفوية، و أشياء أخر،...)، و المنطق المتحكم هنا قائم على خلط كل تلك الأوراق. و هذا الكلام ليس انتقاصا من قيمة هذا الجنس الأدبي الحديث و المعاصر، بل للتأكيد على خصوصيته (الرهيبة) في الجمع بين الفعل و ضده في نص متجانس. فحياة هذا الجنس الأدبي تبنى على هذه المتفاعلات جميعها، و يبقى وجه العُجْبِ و الغَرابة في هذا النص قدرته على التملص من أي حكم_خارجي_ و الخارج ليس خارجا حقا _كما يقول ميخائيل باختين_. فهو المرتبط بداخل النص، حدّ عدم التمكّن من الفصل؛ إذ الأحداث داخل الرواية مثلا تأتي من كل مصدر، لتصنع ما جرى في الرواية، و لم يكن له ليحدث بتلك الطريقة لولا أنه تركيبة تفاعلية. بعد زمن ستحمل هوية نفسها، بعيدا عن أصولها المجلوبة منها..

و بالعودة إلى رواية "اعترافات أسكرام" نجد على رأس المتفاعلات القديمة: التاريخ كباب كبير تلجه الرواية إلى عوالم نصية أخرى، و  قد تضمن النص اقتباسا مطوّلا عن قصة أبرهة الحبشي الذي خرج على رأس جيش من الفيلة لتهديم الكعبة، ليستبدل بها كنيسة عظيمة في صنعاء أطلق عليها اسم القليص...[18] وقد وظّفت هذه القصة عن طريق الإسقاط، بكيفية توازي بين الحقدين الانتقاميين القديم و الحديث (حقد أبرهة الحبشي، و حقد رافائيل الإسباني)، على الآخر المسلم.
و هنا يتحول التاريخ إلى مادة غنية، تخلّص الروائي من عبء خلق كل الأفكار، من حيث هي جديدة تماما، و تقدّم له ما يغرف منه مباشرة، مع الاحتفاظ بإمكانية التصرف في المنقول، إلى درجة قد يتجاوزه، فـ"المتفاعلات النصية التاريخية لا تُقدَّم لنا كوقائع و لكن من خلال ما نكوّنه عنها كنصوص قابلة للقراءة و التأويل أيضا."[19] فصار من حق الأديب_و هو الصوت المعبّر عن مجموعة أصوات مجتمع ما_ أن يسائل التاريخ، و يعيد قراءة ما لم يظهر بشكل كاف من الزمن الذي مضى، و أن يجعل الشخصيات التاريخية فيه تبوح بما لم تقله كتب التاريخ؛ فيجد المسكوت عنه طريقة إلى النور و إلى الخارج، فيُظْهِرُهُ الأَدَبُ جنبا إلى جنب مع المصرّح به. "أما التجديد و التحديث في العمل الإبداعي _و الرواية تحديدا_ فيأتينا عن طريق الانزياح، لأن الانزياح يشبه الوقوف على مفترق الطرق، ثم التقدم للأمام، و هكذا فإن كل رواية جيدة هي تلك التي تتقن لعبة الانزياح"[20]. حان الوقت الآن لطرح السؤال الآتي: هل آمنت الرواية بأن جودة بنيتها النصية مربوطة ببنيات نصية أخرى؟

و قريبا من التاريخ، تكون المتفاعلات الأسطورية و الدينية، حيث ترى المدرسة التاريخية أن الأساطير: "تاريخ البشرية الأولى، تنوسيت ملامحه الدقيقة، و تاريخ الآلهة ما هو إلا تأريخ لعصر الأبطال حين كان الإنسان يُعجب بالقوة و الجبروت،
و البطولة في شتى ألوانها المادية و المعنوية، و يتطور هذا الإعجاب عند الأجيال إلى نزعة من التقديس تتلاشى معها حينا بعد حين الحدود الفاصلة بين المحدود
و المطلق، و بين حقائق الواقع الإنساني، و خفايا الوجود الغيبي"[21]. هذا الوجود الغامض الذي سحر الألباب، و دعاها إلى التأمل حينا، و التصور أحايين أخرى كثيرة، طالما غاب المنطق الذي يفصل المحدود عن المطلق. و ليس بعيدا عن الغموض الساحر يقع الأدب. "و تتجلى العلاقة بين الأسطورة و الأدب على نحو أشدّ وضوحا من خلال الأنواع الأدبية التي يمكن عدّها حلقات متصلة في سلسلة النشاط الإبداعي للفكر البشري، و لاسيّما "الشعر" الذي يمثل الحاضن الأدبي الأول للأساطير، (...) "الملحمة" التي تُعرّف بأنها: قصة مكتوبة شعرا...تتناول الآلهة.. "المسرح" الذي نشأ في أحضان عبادة الآلهة الأسطوريين، و أخيرا "الرواية" التي تمثل استطالات للسرد الميثولوجي.."[22]

فالحفريات في الأدب تقود لا محالة إلى استنباط الحلقات التي تصل حاضر النص الأدبي بماضي الإبداع و الفكر الإنساني. و الشعر منذ القديم تَمَثَّلَ الأسطورةَ،
و جعلها موضوعا رئيسا يرتكز عليه في أكثر من موضع. و ربما هذا ما يترجم ما للشعر و الأسطورة من جوّ واحد، سمته الغموض و الابتعاد عن التفسير المنطقي، في زمن عجز العقل عن تأويل ما حوله، و من ثم البحث عن اللامنطق في الغيبي _هذا عن الأسطورة، أما الشعر، فنص الروح المتفاعل في أجزاء قد لا يبررها العقل (لأنها لا تحتكم أصلا إلى قانونه)، و لكن الذوق يقبلها. و في الأدب لا يُفترض بنا إقامة علاقة ثقة معلوماتية مع النصوص، بقدر ما نبحث في جماليتها، التي تتعالى على المبررات العقلية المنطقية.

و يستطيل المدّ الأسطوري، ليصل إلى الرواية الحديثة النشأة، فيشكّل معها زخما فكريا واسعا، و نصا جديدا بنكهة عتيقة. فيُكسب النص الروائي مخرجا تأويليا مفتوحا، مخلصا إيّاه من مأزق الواقعي، و الذي نراه نفقا مظلما لفعل القراءة، يقع تحت بند جائر عنوانه: "السبب كذا يؤدّي إلى النتيجة كذا". إن "النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة، شأن أشكال التجريب الجمالي الأخرى، ليس فعالية إبداعية معلقة في الفراغ، بل استجابة لضرورة تاريخية/ثقافية/ فنية استدعتها،
و هيّأت لها، ثم أشاعتها فيما بعد، مجموعة من المؤثرات التي كانت تضطرم في الواقع العربي..."[23].

التراث وثيقة ملكية للأرض عبر التاريخ، و الثقافة الشعبية جزء منه عموما،
و كيان حقيقي موجود داخل الرواية مدار البحث و الدراسة خصوصا؛ و قد حمل الجزء الأول من الرواية عنوان (تين أمود)، و هو اسم بطلته. و لو تأملنا معنى هذا الاسم نجده أُوِّلَ على أنه (صاحبة الصلاة)، و حضوره خارج النص و في الثقافة التارقية الجزائرية مميز، فكثيرة هي القصص الأسطورية التي تنسج حول المرأة التارقية من أمثال تينيسمت و تينهنان (صاحبة الخيم أو الغرف)[24] و هي المرأة القوية، و الملكة المدافعة عن عرش قبيلتها..

لا تفارق الثقافة التراثية أجواء الرواية، و رمز "التيندي" شاهد من شواهدها
و هي عند التوارق تتواجد يوم الزفاف بمرافقة الطبول و: "رقصة التيندي نسبة إلى المهر أو التيندي الذي يوضع عليها الجلد، حيث تجتمع النسوة حولها و فتيات العازبات و هن يرتدين أجمل ما عندهن، و يأتي الشبان و هم فوق الجمال
و يترصدونهن، و عند الإعجاب بأي فتاة يقوم بسرقة الحايك الذي تضعه فوق رأسها، و بعدها يخطب هذه الفتاة."[25]

و لا نذهب بعيدا، فعنوان الرواية نفسه ليس بعيدا عن هذه الحالة الغرائبية _الفانستيكية، فأسكرام اسم لمنطقة جبلية، و الجبال تحظى بدلالات قوية في الأهقار، و تحاك حولها القصص و الأساطير المختلفة، و التي تروي حكايات العصور الغابرة، و مغامرات الإنسان مع الطبيعة نصيب كبير فيها.

و المراد الوصول إليه عن فكرة التناص: "هي أن العمل يتكوّن من طروس من الكتابات الأولى، و مجازيا، مثل الورق الذي يُكتب عليه أكثر من مرّة، و يعاد استخدامه على أنه ورق نفيس مع بعض الآثار نصف ممحوة من نصوص سابقة،..."[26]

كل ما سبق الحديث عنه، هي في حقيقة الأمر، مؤثرات تقع خارج دائرة الأدب. أما المدرات القريبة من هذه النواة الأدبية، فهي لن تكون إلا مادة من النسيج ذاته (الأدب)، و من روحه (اللغة). و ها هو الأدب العربي يصنع للغة العربية آفاقها،
و هو دليل فاعليتها المستمرة. و من المؤكد أن النصوص الأدبية _ الروائية منجزات سردية، و لكنها أيضا في البدء و المنتهى اشتغال لغوي، يُثبت حاضر اللغة و يُعطي صورة عن مستقبلها القابل للتطوير. فـ"تقنية الكاتب أولا و أخيرا هي مهارة في اللغة، و كما يقول لودجLodge : وسط الروائي هو اللغة، و مهما ينتج بوصفه روائيا، فإنه ينتج في اللغة و من خلالها. إن بنية الرواية _ و مهما كان ما تريد إيصاله_ تحت السيطرة المباشرة لتلاعب الروائي باللغة."[27] و لغة الروائي: استخدام غير محدود لوسائل محدودة.

منذ زمن بعيد، و نحن نؤمن بالعلاقة التلازمية بين اللغة العربية و الشعر العربي، و تزيد ثقتنا بالفنون الأدبية و تتوسع، لما تقدمه لنا الرواية من عرض (استعراضي) لغوي باهر، فاق التوّقع و المنتظر من هذا الفن يوم ظهر و ابتدأ. فالأدب و الحال هذه لغة تتحرك بوهج ذاكرتها: الدينية، الأسطورية، التاريخية، الفكرية،...

ما أكثر المنجزات السردية التي تكتب اليوم نصوصا مشغولة بماء الشعر و إن لم ترضَ ببحوره. و "الانزياح في اللغة مخيلة شعرية تؤسس سفحا جماليا، يُعلي لغة السرد، و يفتحها على فضاءات جمالية تدفعها إلى تخطي إبداع يُحرر لها حيوات جميلة و مؤثرة، تساهم في توهيج روح الفعل الروائي، و إيقاظ السرد نحو الفتنة الفائرة..."[28] و تحرير الشكل الروائي الجديد من قيود نظرية الأنواع الأدبية القديمة، علما "أن الرواية لا تكون شعرية بالمقاطع فحسب، بل بمجموعها."[29].

تفتح رواية "اعترافات أسكرام" ذراعيها للشعر، إذ تؤدّي اللغة الشعرية دورا واضحا في إضفاء تلك اللمسة السحرية في أكثر من موضع. ثم تأثث الرواية بيتها من جديد بهندسة موضوعاتية فنية، فتأتي القواسم المشتركة التي تربطها بمختلف الفنون، ليكون معظم أبطالها من هذا الحقل، فالفرنسي أنطوان مالو موسيقي،
و الكوبي إليسيو ميغوال غارسيا شاعر، و الاسباني رافائيل رامون كابريرا رسام تشكيلي. تجتمع هذه الشخصيات جميعها فتكوّن توليفة تقرّب الأجواء من تداخل الأجناس الأدبية و الفنون. و للنص طاقة قادرة على تجديد الرموز و تطوير دلالاتها في ظل المعطيات المستحدثة، و من أمثلة ذلك رمز البرتقال، الذي كاد أن يوحي بشيء فقال آخر (تماما كالتورية في البلاغة العربية)؛ فبدلا عن الوطن فلسطين، كما هو في شعر محمود درويش:

"أكتب في مفكرتي:

أحبُّ البرتقال، و أكرهُ الميناء

و أردف في مفكرتي:

على الميناء

وقفتُ.. و كانت الدنيا عيون شتاء

و قشر البرتقال لنا. و خلفي كانت الصحراء !"[30]

 هو رمز للسجن، للمنفى، لأمريكا العذاب، و الذي بدوره لن يكون إلا معتقل غوانتنامو:   "و حين وقفت كنت ملتحفا حديقة من البرتقال

و لوحة كبيرة كتب عليها غوانتنامو.."[31]

اللغة نتيجة طبيعية لعمل جيد (أو هي مؤسسة)، و ليست مجرد طلاء نهائي له، "إن الذي يحسن فن الكتابة هو، في الحقيقة، من يحسن استعمال لغته، فيعطي الكلمات قيمتها الحقة، و هو الذي يمتلك ناصية اللغة فيحيي بأفكاره كل كلمة من كلماته و كل مجموعة من عباراته."[32]

و قد أدرك الروائي "الحبيب السائح" أن حسن اللغة سبب حسن الكتابة. وجاءت روايته "تماسخت" سنة 2002 "ليست ككل الروايات الجزائرية التي اتخذت الظرف موضوعا للسرد، متكئة على الاستعمال المؤدلج لوسائل القول و هذا لا يعني أن "تماسخت" منزهة، صافية من شوائب المرحلة، إنما يجب الاعتراف بقدراتها على مشروع لساني مؤهل لتقويض هشاشة الرؤية المتواترة و أساليبها ببساطة، ثمة ما يبرر أن الكاتب يعرف العربية معرفة مؤسسة تراثيا و حداثيا، نحويا و إملائيا، و ليس من السهل إيجاد تصوّر للغة بمثل هذا المستوى الاحترافي الذي غُيِّب مذ أصبح الشارع يقود النص السردي إلى الموت، أي مذ أصبحت الحداثة جهلا باللغة، غطاء لعجزنا."[33] و كانت لغة "تماسخت" وحدها كافية للإقرار بأن القاموس اللغوي للروائي "الحبيب السايح" يمثل حدثا ألسنيا استثنائيا، يقوم على ردّ الاعتبار كل الاعتبار إلى سلطة اللغة في النص الأدبي، و إن كان حديثنا ليس عن اللغة الجامدة و الموروثة فحسب؛ بل عن اللغة المتعددة _و لا مجال للغة الهجينة في الأدب_ و يؤكّد الروائي ذاته قائلا: "كان هاجسي لحظة الكتابة أن أؤلف بين عدة لغات (و قل مستويات لغوية): لغة الشعر و النثر القديمين و لغة القرآن
و الحديث و السيرة و لغة العهدين القديم و الجديد و لغة أيام العرب و لغة ألف ليلة و ليلة و الجاحظ و المسعودي و ابن عربي(...) و لغة أمي و لغة الصحافة و لغة المرافعات القضائية(...) بصفتها حمّاما من الأصوات و مشاهد لفضاءات و أمكنة
و صورا لأزمنة تتداخل معتملة في إحساسي و متحركة في ذاكرتي، و أنضدها في لغة واحدة هي لغة الكتابة السردية متحدة مع تلك اللغات في جذورها و مختلفة عنها في طبيعة الفروع التي أشكّلها لها من اجتهادي لونا و ذوقا و دلالة فيحدث أن تكون استعاراتي جديدة  و مختلفة لأنني شكّلت نصي بما أسميه لغة اللغة"[34].

و الجديد لم يتوقّف عند تقنية مهارة اللغة، و إنما كان أيضا مع تقنية العرض
و الوصف فشخصيات الرواية عبارة عن كائنات ورقية قد تتصل بالواقع و قد لا تتصل، ثم "إن التجوّل في العوالم السردية له نكهته الخاصة أيضا(...) فهذه العوالم لها طابع خاص، فهي لا تقول الحقيقة و لكنها لا تكذب، فهي تصف حدود الحياة التي نحياها و لكنها تنزاح عن المعيش الواقعي"[35]. ثم تفاجئنا الرواية بترك البطولة للأمكنة، و يعمل الروائي على خلق متاهات النص، مثل مساحات مشرعة للحرية. و كلها سمات نصوص الرواية الجديدة "إن هذا الدفع المتعالي الذي تأسس على نقائض متتالية في علاقة شبه فصلية بقضايا خلق العالم الأسلوبي لرواية "تماسخت"، عالم يغدو فيه الأسلوب أكثر أهمية من الشخصيات و الوقائع،
و يصبح في العدول نواة الإبداع و غائيته، و هو يعكس بشكل ما، الصدام الخالد بين الذوات و الكيفيات، بين الكاتب و الأشكال، و بينه و بين نفسه. و ذلك ما يوضح الفروقات بين الأعمال للحبيب السائح: القرار، الصعود نحو الأسفل، زمن النمرود، و بين الأعمال الأخيرة: ذاك الحنين، تماسخت(دم النسيان)، والبهية تتزين لجلادها"[36].

و يستهوينا عالم السائح الروائي للمواصلة مع رواية "مذنبون لون دمهم في كفي"، و هي المحاولة التي تتلوّن بسمات الرواية الجديدة؛ حيث تَتَبُّعُ الزمن في الرواية يكشف عبثية تسلسله، فأول ما بدأ به الروائي هو تحديد حاضره و ذلك باختيار بداية متمثلة في مؤشر زمني على لسان السارد أحمد بقوله: "بنهاية سنة ألفين
و ثلاث الجارية يكون قد مرّ على الحادثة أربعة أعوام"[37]. و يرتسم مسار القص في الرواية منطلقا من الحاضر عائدا إلى تراكم الماضي، في غير ترتيب أو نظام لأحداث الماضي. و هذا خلافا للقص التقليدي الذي كان يقدَّم لسامعه في خط متسلسل تسلسلا زمنيا مضطردا فقد استعمل "الزمن في السرود القديمة على نحو من المسار الطبيعي له بحيث تلفي الماضي قبل الحاضر و الحاضر قبل المستقبل"[38].

و قد تكون الغاية من ذلك "إرضاء الحس بالجديد لدى القارئ و تشغيل ملكته المنطقية و الرياضية و جعله بصورة عامة يواجه عملا متميزا عما هو مألوف لديه، أي عملا يخلخل أفق انتظاره"[39]. لأن الرواية الجديدة أدركت بأنها تتعامل مع قارئ جديد فراحت تستند لجماليات التفكك بدلا من جماليات الوحدة و التناغم، لذلك تقوم بتفجير منطق الحبكة و التسلسل. و يترك الروائي مهمة تجميع الأحداث التي لا تكتمل إلا بعد الانتهاء من القراءة للقارئ، حيث يعيد بناءها في مخيلته.

تقدِّم رواية "مذنبون لون دمهم في كفي "تفاصيل مذبحة عائلة رشيد، لا تكتمل إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية، عن طريق دفع الروائي بالقارئ إلى تشغيل ملكته باكتشاف الأحداث من تلقاء نفسه، فمثلا: اللوحة الزيتية التي تحتفظ بها الزهرة في بيتها كتذكار من أستاذها؛ إذ لا يشير السارد إلى كيفية وصول اللوحة إلى هذا الأستاذ، لكن القارئ عند تتبعه للأحداث تظهر له شخصية أخرى تمتلك لوحة زيتية و هي شخصية الطيب بن العربي "الذي حصل عليها كتذكار من روزا" ثم أنزلها ذات يوم و غلفها في ورق و أرسلها مع رشيد في عامه الدراسي الأول هدية لمعلمه"[40] و تُصوِّر هذه اللوحة معركة. و عندما يجمع القارئ الأحداث و يرتبها يدرك أنها اللوحة نفسها و بذلك يكشف مصدر هذه اللوحة و مالكها الأصلي دون مساعدة الروائي بترك قرينة لغوية مباشرة، و كأنه يختبر ذكاء القارئ.

و كما تستبدل السردية الجديدة بالتسلسل الزمني التدوير لكسر الرتابة، فإن ترتيب المكان أمسى كذلك، حيث وردت الأمكنة في الرواية مفتتة الوحدة، متقطعة من حيث التصوير. و لا يكتف المكان بتميز حدوده الجغرافية فحسب، بل يحمَّل بدلالات متعددة تكاد تسلب من الإنسان أبرز خصائصه _أعني الافصاح اللساني: اللغة_. إضافة إلى تجزيء الشخصية بحيث لا تكتمل إلاّ في الأخير، فتُبقِي هذه الخواص على شكل شاب متجدد و مفاجئ حتى النهاية.           

الرواية فرصة فنية تَمكَّن منها الأدباء، و هم في طريقهم المستمر نحو التطوير             و استحداث أشكال تعبيرية جديدة، من شأنها الاستطلاع و التنبؤ بشكل آخر مرتقب، آت في الأفق. يستطيع أن يستوعب مخزونه الثقافي، و يعبر عن حضارته، فضلا عن تفاعله مع الآداب العالمية إرسالا و استقبالا؛ ميشال بوتور عندما سئل عن مشاريعه القريبة و البعيدة، رد قائلا: عندي خبز على الرف لمائة عام. إذن هي القدرة على الاستمرار و على التنوّع في الآن ذاته، لأنه و تماما كما قال أرسطو: إن خطابا واحدا لا يصنع فصل الربيع.

 الهوامش

[1] يقطين، سعيد  (2001)،  انفتاح النص، الدار البيضاء_المغرب/بيروت_لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، ص. 125

[2] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، تحقيق: درويش الجويدي، بيروت، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا، طبعة جديد و منقحة، 1423هـ/2002م، ص. 553.

[3] كريسطيفا، جوليا (1997)، علم النص، ترجمة: فريد الزاهي، مراجعة: عبد الجليل ناظم، الدار البيضاء_المغرب، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، ص. 39.

[4] دراج، فيصل (1999)، نظرية الرواية و الرواية العربية، الدار البيضاء_المغرب/بيروت_لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص. 9.

[5] بوتور، ميشال (1982)، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، بيروت/باريس، منشورات عويدات، الطبعة الثانية، ص. 11.

[6] المرجع نفسه، ص. 12.

[7] ألبيريس، ر._م. (1967)، تاريخ الرواية الحديثة، ترجمة: جورج سالم، مكتبة الفكر الجامعي، بيروت_لبنان، منشورات عويدات، الطبعة الأولى، كانون الثاني، ص. 5-6.

[8] بوطاجين، السعيد (2005)، السرد و وهم المرجع _مقاربات في النص السردي الجزائري الحديث_، سلسلة كريتيكا، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى، ص. 185.

[9] الصالح، نضال (2001)، النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ص.197.

[10] ألبيريس، ر._م.: تاريخ الرواية الحديثة، ص.6.

[11] ميهوبي، عز الدين (2008)، اعترافات أسكرام  (رواية)، منشورات البيت، جمعية البيت للثقافة و الفنون، 2008، ص.5.

[12] المصدر نفسه، ص. 587.

[13] جيمس/كونراد/فرجينيا وولف/لورنس/لبوك (1971)، نظرية الرواية _في الأدب الانجليزي الحديث_، ترجمة و تقديم: د.انجيل بطرس سمعان، مراجعة: د.رشاد رشدي، الهيئة المصرية العامة للتأليف و النشر،  ص.54.

[14] بوتور، ميشال، بحوث في الرواية الجديدة، ص. 5.

[15] ينظر: كونديرا، ميلان (1999)، فن الرواية، ترجمة: أمل منصور، بيروت_عمان، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، الطبعة الأولى، ص.49.

[16] الصالح، نضال (2001)، النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ص.197.

[17] كريسطيفا، جوليا، علم النص، ص. 94.

[18] ميهوبي، عز الدين: اعترافات أسكرام، ص. 436 و ما بعدها.

[19] يقطين، سعيد: انفتاح النص الروائي_النص و السياق، ص. 106.

[20] النعيمي، أحمد حمد، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، سلسلة (نقد أدبي)، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، عمان، الأردن، دار الفارس للنشر و التوزيع، المطابع المركزية، ص.61.

[21] داود، أنس (1975)، الأسطورة في الشعر العربي الحديث، الفجالة_القاهرة، مكتبة عين شمس، دار الجيل للطباعة، ص.24-25.

[22] ينظر: صالح، نضال، النزوع الأسطوري، ص.15.

[23] المرجع السابق، ص.49.

[24] قاموس الأساطير الجزائرية، منسق: بوزيدة، عبد الرحمن (2005)، وهران_الجزائر، منشورات CRASC، ص. 70. 

[25] المرجع نفسه، ص. 43.

[26] فاولر، روجر (2009)، اللسانيات و الرواية، ترجمة: أ.د. أحمد صبرة، الاسكندرية، مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع، ص. 190.

[27] المرجع السابق، ص. 21 .

[28] زغريت، خالد، تحرير مخيلة اللغة الصوفية في السرد الروائي _هاتف المغيب لجمال الغيطاني نموذجا_ (موقع أفق الثقافة)،http://www.islamic_sufism.com/article.php?id=162، تاريخ الزيارة: 25/8/2010.

[29] بوتور، ميشال، بحوث في الرواية الجديدة، ص.34.

[30] قصيدة: عاشق من فلسطين، ديوان درويش، محمود (1989)، بيروت، دار العودة، الطبعة الثالثة عشر، ص.81.

[31] ميهوبي، عز الدين، اعترافات أسكرام، ص. 504.

[32] بوتور، ميشال، بحوث في الرواية الجديدة، ص. 152.

[33] بوطاجين، السعيد (2004)، "الأشكال السردية عند الحبيب السائح"، مجلة السرديات، ع 1، عين مليلة_الجزائر، دار الهدى للطباعة و النشر و التوزيع، ص. 126.

[34] الرياحي، كمال، سنديانة الصحراء و سيد العبارة، الروائي الجزائري "الحبيب السايح" يتحدث من أحراش اللغة عن شعرية المتخيل و غواية السفر، كتاب عمان 1، حوارات ثقافية في الروايات و النقد و الفكر و الفلسفة، تونس، دط، ص.34.

[35] أمبرتو، إيكو (2005)، 6 نزهات في غابة السرد، ترجمة: السعيد بنكراد، الدار البيضاء/المغرب _ بيروت/لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص. 9.

[36] بوطاجين، السعيد، الأشكال السردية عند الحبيب السائح، ص. 123.

[37] السائح، الحبيب (2008)، مذنبون لون دمهم في كفي(رواية)، الجزائر، دار الحكمة، ط1، ص.11.

[38] مرتاض، عبد المالك (1998)، في نظرية الرواية _بحث في تقنيات السرد_، الكويت، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، ص.189.

[39] السد، نور الدين، الأسلوبية و تحليل الخطاب _دراسة في النقد العربي الحديث _تحليل الخطاب الشعري
و السردي
، دار هومة، ط2، ص. 166.

[40] السائح، الحبيب، مذنبون لون دمهم في كفي، ص. 253.