Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.95-122، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


سعاد حمداش

 

"الرواية هي بحث عن قيم أصيلة في عالم لا أصيل،

     فهي بالضرورة وفي آن واحد سيرة وتاريخ اجتماعي".

لوسيان غولدمان

تمهيــد

شغلت الظاهرة الأدبية مجال البحث و ميدان المعرفة على المستوى الإبداعي وهذا ما خلق أشكالا فكرية جديدة على مستوى التنظير والنقد الأدبي، والتي تسعى جادة إلى فهم تشكُّل المعنى الأدبي من زواياه المختلفة.

على هذا الأساس، تعددت وجهات النظر إلى الظاهرة الإبداعية لاستقراء قوانينها الداخلية والكشف عن مكامن الجمال فيها، والتي تتأرجح بين الذات والموضوع عن طريق تقنية حوارية تفاعلية مع عوامل داخلية وخارجية.

ونظرا لتقنية الغرابة في الأدب، ظهر مجال التنظير في مفهوم الأدب والكشف عن أهم الأسس المشكلة لخاصيته، وبالتالي استقراء ما يجعل من الأدب نصا أدبيا، بمعنى ذلك الطابع الجمالي الذي يميز اللغة الأدبية عن اللغة اليومية والذي يتجسّد في التصرّف الفني فيها، والبحث عن مميزات اللغة الأدبية هو استقراء للثوابت الفنية والطرائق التقنية لنص ما، وأدى ذلك  إلى إدراك نماذج أدبية خاصة تندرج في إطار التصنيف، فأصبح النص الأدبي يُدرس من حيث مضمونه وذلك من خلال مساءلة الشكل وتفكيك دواله والبحث عن وظائف الأساليب ومقصديات اللغة وغايات النظم فيه لاستقراء الجنس الأدبي، وذلك باعتماد تقنية منهجية ترصد تطورات النص من خلال إدراك الثوابت البنيوية للجنس.

للأدب أجناس  تمثّله على مستوى جمالية اللغة وجزالة اللفظ، ومن بين هذه الأجناس نجد الخطاب السردي أو ما يُعرف بالفن الروائي الذي هو شكل فنيّ أدبيّ وجماليّ، وهو قالب من قوالب التعبير عن التجربة الإنسانية من حيث إدراك الذات والعالم معا، يعتمد فيها المؤلف على سرد أحداث معيّنة تجري بين شخصيات مختلفة، فكثرت الدراسات حولها نظرا لاكتساحها ساحة الأدب الحديث، وقد تناولها الباحثون من وجهة نظر تختلف عن الآخر في بعض النواحي وتتفق في النواحي الأخرى، وهذا الفن الروائي يحمل سيمات خاصة تحدّده كالسرد وطرائقه التقنية، وجود حدث يُحقّقه إنسان في زمان ومكان محدّدين.

تنطلق دراستنا من تسليط الضوء على أنموذج الرواية الجزائرية المعاصرة "خطوة في الجسد" للروائي الجزائري "حسين علاّم"الحائزة على جائزة مالك حدّاد لعام 2005 للميلاد؛ باعتبارها ظاهرة أدبية  استوجب الحفر في مضمراتها ومساءلة طرائقها الفنية؛ من حيث التعبير عن تجربة إنسانية عبر صياغة مزدوجة بين ممكن السرد ومستحيل التحقيق المجسّد عبر تقنية الخيال الإبداعي،  فالرواية حاول فيها المؤلف البوح بما يعتري المجتمع الجزائري بصورة عامة وتلمسان بصورة خاصة من مظاهر الرعب الذي انبثق من خلفية دينية وسياسية تجسّدت في  سلوكيات البعض وعقلياتهم السلبية حتى أضحى القتل حرية أساسية تسربت من أوهام وتصورات تخريبية  استهدفت النساء وحتى الرجال في ذلك المجتمع، تسير أحداث الرواية ضمن مسار يتيح للقارئ استقراءها بهدوء عبر منعطفات قصدها الكاتب لتكون جسرا  للبوح عن عمق الألم الذي سببته تلك السلوكيات والذهنيات الصادرة من قبل شعب قاتل، إذ نراه يقول وفي إحدى مشاهد الرواية: "تلك الكلمات التي تلقى في التعازي وفي الجرائد أو في الكتب، ليس لها من معنى. لأن عيوننا لا تزال تتماشى عيون أمهات وأبناء المقتولين أو زوجاتهم ولا زلنا نقول أن هذا قضاء الله وقدره لكي نتخلص منهم... نحن لن نتألم مثل آلامهم.. هذه التي لن نكون جديرين بها أبداً.. أنت على حق عندما كنت تقول لي دائماً أننا اليوم لسنا جديرين بآلام الجزائريين عبر تاريخهم الطويل من القهر والنضال.  فنحن لم نقف عنده في يوم من الأيام بجد. لم نتأمله كما ينبغي لنضع حاضراً مختلفاً"[1].

تحكي خطوة في الجسد ذلك الكلام الذي يُروى في كل مكان من المدينة المحروسة، حكاية يوسف ولد المهدي الخراز وباية البجاوية المنتشرة في كل مجلس، تجري على كل لسان كما تجري النار في التبن أو في كومة من العوسج. يتداولها الناس في المقاهي والمحطات والمساجد والساحات... في الدروب وعلى الأرصفة، حتى أن السكارى يتداولونها في خلواتهم.. وغدت حديثهم الذي يستعينون به من الوصول إلى آخر السكر الذي يطلون منه على سؤر أرواحهم الخائفة من القتل. وهم اليوم يتهامسون بها ويعدونها حكايتهم الأثيرة. أما الذين يجرؤون على روايتها علناً فعليهم أن يتخفّفوا عندما يشرعون في ذلك، ليس لأنها نذير شؤم؛ بل لأنه لا أحد يمكن أن يصدق أن البجاوية امرأة حقيقية، لذا يتكتمون عند البوح باسمها أيضاً أمام الشرطة أو العسكر ويخفون معرفتهم بها، تماماً كما يخفون قطع الكيف ويضعونها في علب الكبريت وفي تبطين السراويل والجاكتات أو يرمونها بين السجائر، تحت، في القاع. لقد صارت هذه الحكاية ممنوعة عن الناس لأنها مرتبطة بــ(الدولة)، ولكنها كانت على كل لسان لهذا السبب بالضبط. لقد خربت عقول الناس كباراً وصغاراً لأن كل راوٍ كان يضيف لها شيئاً من عنده، فهي لذلك تتضخم وتتورم وتكبر حتى تغدو بحجم شجر البلاطان. وأما الذين يكرهون يوسف ولد المهدي الخرّاز فكانوا يضيفون إليها الوقائع الكاذبة. وها هي رائحة الشماتة تندّ من أفواه أولئك الذين قالوا عنه أنه هو من قتل.. أنهم يغالطون ويدلسون.. ها هم يدّعون عليه"[2].

منذ الإطلالة الأولى لبزوغ الرواية، نجد فنية اللغز تنبثق مع وتيرة القراءة في البحث عن العلاقة التي تجمع يوسف بباية البجاوية، وعن سبب الامتناع عن حكايتها علنًا، وبالتالي الرواية ترتكز على تبئير في تقنية التشويق من بداية الحكاية إلى نهايتها، التي ظلت تستوحي نصوصا لا نهائية بانفتاح خاتمتها، فهي بذلك ظاهرة أدبية اتّخذت من الراهن العربي والجزائري خصوصا منطلقا لتشكيل مخيّلتها السردية، كما اعتمدت على تقنية التجديد في الكتابة الروائية منطلقا في نمط الكتابة السردية، ومن فنية اللّعب السردي طرائقا متعدّدة في بناء عوالم فنية ينمو معها الإيحاء عن الأبعاد الدلالية على المستوى الرمزي .

تُحاول هذه الدراسة مقاربة شكل القصّ في الإنتاج الروائي الجزائري المعاصر في رواية "خطوة في الجسد" أنموذجا من خلال الحديث عن الشكل الروائي ومغامرة التحديث في أفق التجريب الفني في الرواية الجديدة، واقتفاء أثر تشكّل الدلالة؛ إذ إنّ " الشكل الروائي في جوهره صورة لغوية سردية مكتوبة للفعل البشري"[3].

والدافع في اختيار هذه الرواية انطلاقا من قراءتنا لمقال الروائي الجزائري "حبيب السايح" المنشور في جريدة الفجر الجزائرية يوم السادس والعشرين من شهر ماي 2011 للميلاد في طرح تساؤل أثار انتباهي كقارئة في قوله: "فمن الحق أن يُطرح السؤال على الضمائر: لماذا يُطال التغييب على نصٍ جديرٍ بالالتفات إليه مثل (خطوة في الجسد)؟"

تبعا لإشكالية الملتقى ومحاوره الأساس في البحث عن الأساليب والتقنيات السردية التي تساهم في تشكيل الخطابات السردية ومقاربة منهجية التناص والحوارية في مدى تجديد الرواية الجزائرية المعاصرة، اعتمدنا آلية الاستقراء عن مكامن الجمال في نص "خطوة في الجسد" وعن الطرائق التي تجعل منه نصاّ أدبيا، فارتأينا التساؤل حول:

ماهي آليات التجريب  وكيف تتجلى في مكونات رواية حسين علام؟ وفيما تتمثّل استراتيجياته الخطابية وإجراءاته النصية؟ وما علاقة تشكُّل المتخيل في النص السردي بالقيم الجمالية الفنية للأثر الأبي؟ وهل كل ذلك يُحقق ما يسمى أدبية الأدب؟

سوف نحاول أن نُكوثر الإجابة حول هذه المساءلات من خلال عناوين فرعية تؤسس جمالية النص الروائي "خطوة في الجسد"؛ ونبحث في خصائصها التجنيسية  وتحديد هويتها السردية ومغامرة التجريب الفني فيها من خلال التعرف على كتابة الواقعة والحدث عبر توليفة التناص والحوارية.

مغامرة الكتابة وإشكالية التجنيس الأدبي

يشرع الكاتب في التفنُّن بألاعيب السرد منذ الصفحات الأولى من خطابه السردي، فالقارئ المتمعّن في متن الرواية يجد أن الاشتغال السردي يملك محافل متنوعة  انطلاقا من طريقة الحكي الشفوي واسترجاع الحلقة الدائرية للحكواتي وجمهور المستمع (الحلقة والقوال)، إذ فيه تتناوب الأسئلة والتعليقات استحضارا لفنية خشبة المسرح، ثمّ تليه طريقة عرض السيرة الذاتية للقصة الإطار-يوسف وباية- من خلال وصف اليوميات المنتشرة في النصوص المتضمنة التي عمد الكاتب عنونتها، وتارة تأتي القصة مسرودة عبر تقنية التراسل  في مجموع الرسائل التي يكتبها يوسف لصديقه بنعمر وآخرها كانت رسالة من تيميمون وتجسّدت تلك الرسائل عبر خاصية الوصية في استنطاق كنه الحكاية علنا، ويتعقب ذلك أيضا السرد المحض بلسان الراوي حينما يسرد وضعية الصديق بنعمر الذي كان ينظر إلى الجماعة وهي في تمام سُكرها تثرثر حول القصة الإطار انطلاقا من الصفحة العاشرة في متن النص الروائي، وتارة أخرى يتدخل مونولوج البطل يوسف ليسرد لنا يومياته بضمير الأنا في جميع تلك النصوص التي تجسّد مجموع المذكرات التي يحتفظ بها يوسف في معاناته الاجتماعية والسياسية أو بصفة عامة تلك الذاكرة الجماعية التي عان منها الجزائريون.

جاء كل ذلك بصيغة الحكاية الشعبية والأسطورة والحكاية التراثية العربية؛ التي تتضمن تقنية القصة الإطار التي تتفرّع منها قصص ثانوية مضمّنة تُذكرنا بألف ليلة وليلة، ليحقّق الكاتب إطارا سرديا ملتحما بعوالم روائية متنوّعة المحافل ومحكمة البناء في سياق تجريب فنيّ حقّق فنية تشويق القارئ لنصية الرواية على استمرارية تتبّع مسار الحكاية وتشعبها، وذلك ينمّ عن براعة السارد في الانتقال بينها بكل سلاسة مما ساهم في شد انتباه القارئ على استكمال مسيرة الاستكشاف عبر لعبة الكتابة السردية وطرائق بناء النص وتشكّل الدلالة فيه.

يُجسد ذلك التقسيم في تصنيف جسد الرواية إشكالية التجنيس باعتباره مبدأ تنظيميا ومعيارا تصنيفيا للنصوص، وكما هو مُلاحظ على الغلاف كلمة (رواية) التي ضبطت النص وحدّدت مسبقا مقوماته ومرتكزاته فهي بذلك نص يملك خاصية أساسية في تقعيد بنياته الدلالية والفنية والوظيفية؛ من خلال ما يُعرف بالثبات والتغيّر؛ ولما لها من دور فعّال في فهم آليات النص الأدبي وميكانيزماته الإجرائية ابتغاء محاصرة النوع وتقنين الجنس.

تنمّ هذه الرؤية التجريبية عن إمكانية فتح الأسوار الفاصلة بين الأجناس من أجل إقامة جسر المحاورة وإثراء التواصل المعرفي الذي يُغذي حركية النصوص بتشعّب فروعها وأجناسها، وبالتالي توليد أنواع جديدة تضع بصمتها على أرضية التجريب الفني، وعلى إثر ذلك تغدو الرواية ومنها نص"خطوة في الجسد" مغامرة في استئصال ماهيتها من اللغة التقليدية والبنى الذهنية التي تتلبّس تلك اللغة فيما هو ساري المألوف، وبالتالي جسّدت نموذج الثورة على الجنس الأدبي الموحّد والخروج من نظام التشكيل القديم والشروع في نظام جديد من العلاقات ضمن سياقات جديدة تُدحض النسق القديم؛ لكن لا يعني ذلك الفاصل إحداث قطيعة مع الموروث الأدبي والفكري بقدر ما يوضح استناد الكاتب إلى مرجعيات معرفية  وتاريخية  تمثّلها خضم تجربته مع الواقع الممكن والمتخيل بتركيبة معقّدة ومتحوّلة.

تُركز هذه الفنية المنتشرة على متن "خطوة في الجسد" مفهوما أساسيا للنص باعتباره جماع نصوص متداخلة وخطابات متنوعة ومختلفة من حيث التجنيس والتصنيف؛ ما حقّق فنية تحاورية وركيزة تفاعلية جعلت من النص حركة دينامية متشعبة الأطراف، فتلك الثورة على الجنس الأبي إشارة إلى أهمية المغامرة في الكتابة السردية التي يتحكّم فيها التناص واسترجاع الأفكار بتعدّد مراجعها الإحالية، وبالتالي تغدو الكتابة إزاحة لمعيار التجنيس وتصنيف الأنواع، حيث يقول [رولان بارث] في هذا الشأن:" إنّ النص لا ينحصر في الأدب الجيّد، إنّه لا يدخل ضمن تراتب، ولا حتى ضمن مجرّد تقسيم للأجناس، ما يحدّده على العكس من ذلك هو قدرته على خلخلة التصنيفات القديمة"[4]   

تندرج إذن رواية " خطوة في الجسد" ضمن الكتابات الإبداعية المعاصرة التي عمدت على إزاحة الجنس الأدبي وكسر معايير النوعية ونمطية المقومات باسم التجديد وحركية التجريب؛ فأضحى متن النص الروائي إنتاجات فنية  وفضاءات تخييلية لجماع النصوص والخطابات تناصا وتهجينا، فهي بمثابة نقلة نوعية من الثبات إلى التحوّل مرحلة الانفتاح والتكوّن والتغيّر، فنحن أمام قراءة جديدة لا تتبع النظام الأفقي المألوف، بل هي قراءة تعتمد على نسق آخر يتّبع نظام العلاقات التوليدية وهذا ما يحقق شعرية الرواية ويؤكّد قول [ميخائيل باختين] في عدم استقرار بنية الرواية، فهي سيرورة من الأشكال الجديدة على الدوام؛ فيقول: لا تزال الرواية بحاجة إلى زمن طويل لتستقر بشكل نهائي، ولا نستطيع حاليا التكهّن بجميع إمكانيات تشكّله... وهي لا تمتلك قوانين خاصة؛ وما هو فعال تاريخيا يتشكّل من عدّة نماذج روائية، وليس من القواعد الروائية بحد ذاتها".

شِفرات النص

تتأسّس بؤرة القراءة في رواية "خطوة في الجسد" على دعامتي اللغز والتشويق ممّا رسم بعداً مُشفراً جعل من النص سننا مقنّنا وحوارا منسجما مع بؤرة القراءة؛ من خلال الإشارة إلى كينونة النص عبر شكله في إنتاجية المعنى، واعتمادا على الشفرة سنقدّم محاولة تحليلية لنص الرواية استنادا للشفرات الخمس التي استنبطها [رولان بارث] في تحليله الشيّق لقصة s/z لـ [بلزاك]، إذ فيه نجد [رولان بارث] يُعرّف السنّن قائلا: "إنّ ما نطلق عليه اسم سنن ليس قائمة ونسقا ينبغي إعادة تركيبه...فالسنن يجعل من النص بيانا، وكل سنن يمثّل إحدى القوى التي يمكن أن تستحوذ على النص، إذ يمثّل النص شبكة بمعنى أحد الأصوات التي نُسج منها النص"[5].

وتتمثّل شفرات التحليل البارثي في: الشفرة التأويلية، الشفرة الدلالية، شفرة الأحداث، الشفرة الثقافية والشفرة الرمزية، فكيف تتجلى هذه الشفرات الخمس في رواية حسين علاّم؟

أ. الشفرة التأويلية

هي صيغة استفهامية تُعنى بخلق إشكالية تستفزّ القارئ لمتابعة مسار القضية، إذ تتشكّل هذه الصيغة بين وحدات بنائية للفعل؛ حيث أنّها تأخذ أنظمة تعبيرية مميّزة لتهيئة القارئ في ولوج عوالم النص بطريقة محكمة باعتبار تقنية التشويق ابتغاء المكاشفة على جوهر الواقعة، كما نجد [رولان بارث] يرمز لهذه الشفرة بـــ HER ويعرّفها أنها "مجموع الوحدات التي تلعب دور التقطيع بطريقة متنوعة، إذ إنّ سنن التأويل هو تمييز بين مصطلحات شكلية ترتكز على صياغة حيلة محبوكة في لغز يستدعي أنظمة تكوينية تدفع بتكثيفه وتراكمه بإنشاء سؤال يراوغ فيه الكاتب، إذ يتأخر الكشف عن الجواب، وتكون صيغة التعبير عنه متكرّرة وغير ثابتة."[6]

إنّ رواية "خطوة في الجسد" انطلاقة حكي محبوك في سر يراوغ من خلاله الكاتب بحيلة يوهم القارئ في غرائبية جوهر الحكاية التي تسري على لسان الناس في البحث عن العلاقة التي تجمع بين يوسف وباية، والتهمة التي ألفقت للبطل، فتأتي صياغة سرد القصة في ألغاز جمةّ تساهم في إثراء سيرورة تشويق القارئ في متابعة مسار القصة، وبالتالي نمو منهج المكاشفة أثناء القراءة ليؤسس الكاتب بذلك في ذهن القارئ قضية المساءلة في الكشف عن العلاقة بينهما؟ من هي باية؟ بماذا أُتهم يوسف؟ لماذا القصة أضحت ممنوعة ؟ وما علاقتها بالسلطة؟ هل باية امرأة حقيقة أم مجرد وهم؟ وما علاقتها بسيدي بومدين؟ لماذا بجاية وتلمسان بالذات؟ إنها مساءلة التراث والتاريخ الذي يكشف عن الهوية الجماعية.

وعلى أساس ذلك كانت صياغة الرواية تُشكّل أحد مرتكزات الشفرة التأويلية، باعتبار أن القصة في مجملها تؤسّس لغزا محيّرا على مستوى النص والخطاب معا، وعلى مستوى البطل-يوسف - المؤلف والوطن ثانيا وفي متابعة ذلك الأثر نجد أنّ اللغز في الرواية كان ملفوفا  بتقنية تعبيرية  مكثّفة تمثلها جوهر الشخصيات وحتى الأشياء والواقعة في حدّ ذاتها، وهذا ما جعله يُشكّل تحدّيا للقارئ الذي يستدعي آلية القراءة  ليسعى جاهدا إلى ترويض النص وتدجين مرجعيته.

كان السؤال إذن دعامة تحفيز المكاشفة على أحجيات النص أحد الصيغ التعبيرية الأولى التي تؤسّس أنطولوجيته السردية وأنساقه المفهوماتية، ويبدأ مسار الحيرة منذ الكلام الذي كانت تردّده تلك الجماعة :"...حكاية يوسف ولد المهدي الخراز مع باية البجاوية كلها كذب في كذب...يوسف كان معلما بالمدرسة التحتانية في سيدي يعقوب ولد عائلة.. مربيّ.. خاطيه هاذيك التهمة...من قال لك أنّ هذا ما وقع.. الذي أعرفه أنا.. والذي قيل لي هو أنّه جاءت جماعة في الليل وأخذته.. ما عرفوا وين غاب.. اختفى.."[7]

كان الحوار الأولي بين السكارى يثير حيرة في ذهن القارئ بحثا عن أجوبة: لما القصة بالنسبة لهم تنتمي إلى الخرافات؟ ما الشيء المتهم به يوسف؟ ماذا ارتكب؟ وما الذي وقع؟ ولماذا اختفى وغاب ؟ هذه هي التوليفة الأولى للغز الذي يستمر على متن الرواية بطرق متنوعة تعمّدها المؤلف؛ حيث تتحول أكذوبة الواقعة إلى امتناع وحتى إذ تداولها السكارى فيتم ذلك في خلواتهم بعيدا عن الناس "وحتى الذين يجرؤون على روايتها علنا فعليهم أن يتخفوا عندما يشرعون في ذلك...لا أحد يصدّق أن البجاوية امرأة حقيقية، لذا يتكتمون عن البوح باسمها أيضا أمام الشرطة...لقد صارت هذه الحكاية ممنوعة عن الناس لأنها مرتبطة بالدولة".[8]

هذا الملفوظ السردي يصطبغ بتوليفة حكي يثير دهشة الحيلة مرة على مستوى صدق الحكاية، ومرة أخرى في التشكيك في شخصية باية وارتباط القصة بالسلطة؛ وانطلاقا من ذلك يبدأ السارد تفننه في ألاعيب الكشف والحجب في آن عن سرد الحقيقة والممكن في متن الرواية؛ ليجعل شخصية الصديق الممرض بنعمر وسيطا بين الحكاية وجماعة السكارى لينقل إلينا مسار الواقعة وحيثياتها، إذ في ذلك النقل الشفوي لمكتوب يوسف يظل اللغز مستمرا في قول بنعمر حينما ألحت عليه الجماعة ليخبرهم بحقيقة ما جرى بعدما أن اختلطت عليهم الأمور قائلا: "كيف أقول الذي لا ينقال"[9].

وعلى متن الرسائل التي يقرؤها بنعمر على لسان يوسف بضمير الأنا يُثار لغز آخر في بحث يوسف عن سر أنوثة باية، التي أضحت تحيّر يوسف ويرغب دوما في مكاشفتها قائلا:" لا أدري لماذا تُصرّ باية على إخفاء بهاء أنوثتها عنّي بهذا الشكل؟...هذه الجالسة قبالتي، الحاضرة بين يدي..الغائبة عني".[10]

يستمر أسلوب التأخير عن التصريح بالواقعة حتى في تعبير يوسف عن أحوال المدينة وأيامها المثلجة في قوله: "...لا يمكنك أن تمر عبر المحلات لترى وجهك، لترى إن كنت لا تزال حيّا..لا يمكنك التأكّد من شيء لأن الضباب الذي تخلّل الانهمار الذي يزداد كثافة كلّما أمعنت فيه لتكشف السر".[11]    

انتقل السر من ضبابية صدق الحكاية التي تجمع يوسف وباية إلى سر يحويه وطن بأكمله أجلته الثلوج التي أضحت ضبابا عن المكاشفة، وحتى في وصف يوسف عن نزهته مع باية  في الطرقات الخالية  أنّهما كانا  سعيدين..فصار الوطن أبيضا في تلك اللحظات، ناصعا، والمدينة فرحة  بشكل سري .ص48.

بدأ يوسف يسرد يومياته في معاناته الشخصية وحتى على مستوى الوطن وأجزائه المشكلة له وعن حيرته في فهم الأسرار التي تكتنف هذا الوطن، وفي حديثه عن شريحة دينة كانت تمثل وجهة طائفية آنذاك واصفا اجتماع أخوه يحي مع أصدقائه في البيت ليلا "...شباب من غير أبناء العبّاد يأتون إلى البيت بعباءاتهم ولحاهم ولم أرهم من قبل. يبيتون عندنا لما يغيب أبي. يتهجّدون مع يحي في غرفته ويستمعون إلى الخطب المسجلة، وينخرطون في البكاء طوال الليل. كان شهيقهم المتقطّع يصلني ممزوجا باللهفة والتأثّر والألم الذي لم أكن أفهم سرّه". [12] 

كان ذلك الملفوظ ضمن ألاعيب السرد المكثفة التي تعمّدها السارد ليؤجل ظهور الحقيقة التي تجمع يوسف بباية، ويجعل يوسف ممثلا عن شخص يحمل هواجس المواطنة بسيمها الروحية والاستفسارية في فهم جواهر المبادئ والعقائد والخلفيات، ونموذج أخيه يحي يشكل هوسا في تبني ذاك التيار حينا وإزاحته حينا آخر لذلك استفسر يوسف قائلا:"وكنت أعود فأسأل من أين جاء هذا الانقلاب كلّه ما الذي يجري في هذا البلد حتى يتحوّل أخي هذا العاشق أبدا إلى هذا الكائن الممسوخ؟ ص 67

تتدخل الجماعة لتكسر سرد السيرة الذاتية بيومياتها وأسلوبها المونولوجي بخاصية الحوارية حينما استطرد بنعمر الحديث عن يوسف وأخيه دون ذكر مفصل للحكاية الإطار، حينها يُذكر الصوفي المشهور في تلمسان سيدي بومدين، إنها اللحظة التي يمكننا فيها فك الخيط الجامع بين يوسف وباية، لكن السارد يراوغ في ذلك من خلال كلام قاله بنعمر للجماعة من أجل تأجيل الإجابة وتلغيم غموض الرواية قائلا: وهو يقلّب في الأوراق "كيف؟ تقولون كيف؟.. اصبروا يا الجماعة.. سأقول لكم.. لقد تعبت من هذه الفوضى.. فهذه الحكاية أصبحت تتمنّع مني كالعذراء ليلة الدخلة ولا حيلة لي معها"[13].

ينتقل اللغز إلى علاقة باية بتلمسان حينما ألحت على معرفة ضريح سيدي بومدين، فعلم إثرها يوسف أن هذه البنت ذات العيون السوداء الواسعة والشعر الليلي غريبة عن تلمسان وتريد أن تكشفها. ص 90،91.

وعليّه رجح يوسف أن باية وسيدي بومدين ربما من أصول واحدة، ليقول أن باية النموذج يعود إلى تلمسان ليبحث عن صورته، إلى جانب ذلك انتقال السارد إلى وصف حيرة يوسف النفسية بحثا عن ذاته  كلّما شعر بشيء ما انكسر بداخله وأنه لا يستطيع تحديده.. إحساس غامر يؤرّقه ولازال لم يتعرّف على سرّه ويظن أنه لا يستطيع تخطي الحجاب.. وبحثه عن المعنى.. معنى ما.. عن ذلك التوافق المستحيل بين ذاتي والواقع، لكن بيني وبينه دوما أكوام من الأجساد المشوّهة... وجود بلا هوية" ص102/103.

إضافة إلى سر باية وهاجس البحث عن الذات والهوية التاريخية في تفكيك مخطوطات مسجد وضريح سيدي بومدين، يُقحم سارد اليوميات أحجية المنقانة -الساعة الحائطية- تعبيرا عن مرّ السنوات، إذ تبقى الجراحات ذاتها والآلام نفسها تتجدّد في كل مرة...قال لنفسه " إنّنا لا نعرف العصور إنما هو امتداد فقط لخيط الدم منذ الرومان إلى زمن "قادة بن شيحة". ص 119.

وذلك كان تعبيرا رمزيا عن الدورة الفلكية التي تحتضن الجزائر يوميا من مشاهد القتل وتكرارية الحدث.

من خلال الأسماء التي أخصّها الكاتب بالذكر بطلي الرواية: اسم يوسف وباية، وخصّص لكل منهما  السارد صفات مركّبة تحمل بطاقاتها الدلالية: يوسف ولد المهدي الخراز، باية الصنهاجي-البجاوية- فنجد كذلك أن لهذه الأسماء التركيبية لغزا تأويليا، باعتبارها أسماء تتميز بالبعد الواقعي وبوصفها أيضا علامة لغوية تُحيل على ذات لها حضورها المرجعي على مستوى الواقع المعيش، فإن الاسم يظل رمزا علامتيا متسما بالأسطورة ومقتضياتها: يوسف أسطورة النبي وإخوته، ووصفه بالصفصافة المتوحدة، باية أسطورة "باية القبائلية" المقاوِمة كما صورها عز الدين مدور في فيلمه (جبل باية) عام 1997[14] فتجمع بين الأسماء درب البحث عن الذات في هوية تاريخية أسسّها الكاتب بين تلمسان وبجاية؛ باعتبارهما رمزا من رموز الوطن، فبين يوسف وباية مبدأ التوسط ويتمثل في تلك الهوية والمكاشفة عن الذات.

 

 نصل في الأخير إلى إثارة لغز ينبثق عن تلك الأحجيات سالفة الذكر واليوميات التي تعمّد السارد عنونتها إلى البحث عن علاقة البطل يوسف بالسارد والمؤلف "حسين علاّم"؟ ماذا يُخفي المؤلف من خلال حكاية يوسف؟ هل يوسف يعكس سيرة ذاتية للروائي "حسين علام"؟ هي أسئلة كثيرة تعمّدها المؤلف ليثير انتباه القارئ من خلال ألغاز ملفوفة بصيغ تعبيرية فنية مكثّفة ومكرّرة  قصد تأجيل الحقيقة، فالقارئ المنبه بمرجعياته المعرفية يتمكن من إدراك طريقة التصريح عن تلك الألغاز التي كانت بؤرة أحد أصوات نسيج النص.

ب. الشفرة الدلالية

كان الدافع وراء قراءة الرواية هو الكشف عن مضمونها والتعرّف على جوهر الهوية التي جمعت يوسف بباية، وعلى متن الرواية مجموعة من الدلالات والمفاهيم التي أرساها السارد كمرجعية خلفية تُثري نصّه السردي على مستوى الخطاب، نجد [رولان بارث] يرمز لهذه الشفرة بـــــ SEM ويقصد بها الشفرات المعالجة للبنية التيمية إذ على هذا المستوى يمكن الإمساك بالمعنى والبحث عن شكل المضمون، فالشفرة الدلالية حسب مفهوم (بارث) هي مهمة القارئ لأنّها "تأتي من ملاحظة أن كلّ قارئ لنص يؤسّس في ذهنه دلالات خفية لبعض الأفكار والكلمات، ثم يأخذ بوضع هذه الدلالة مع مماثلاتها مما يلمسه في عبارات أخرى من النص نفسه".[15] 

إن شفرة الدلالة تنكشف في رواية "خطوة في الجسد" على عدّة مستويات أولا من جانب اكتشاف الجماعة لمسار الحكاية الإطار وحقيقتها، اكتشاف يوسف لحقيقة وجود باية في تلمسان والرابطة التأصيلية التراثية التي تجمعها بسيدي بومدين خاصة وتلمسان عامة، ثم اكتشاف باية أنها امرأة حقيقية، ثانية من جهة القارئ المتابع لمسار متن الرواية وطريقة تشكل المعنى فيها وتقديم خطوات المراسلة واليوميات التي كان يراوغ فيها السارد  حيث أنّه جعل من النص حجابا يخفي ويكشف في آن، ما جعله يشكّل تحديا للقارئ ، وسردية الحدث بجزئياته ونوعياته المعنونة كانت إشارات فكرية تعين القارئ على تفكيك رمزية النص .

كانت الدلالة على متن النص مهدّدة بالظهور حتى في المعاني اليومية المعاشة وسط الجماعة وفي ذلك عدّة إشارات نستحضرها من نص الرواية... "قليل من الكلمات الضرورية فقط بين كائنين يعرفان بعضهما جيدا. الكلمات التي تكفي للعيش يوما واحدا لا أكثر...لأن البوح سيكون فضيعا ولن يفهمه..."[16]

ترتبط الدلالة إذن بلغة الصمت ومبدأ المعايشة واستمرارية الحياة في محاصرة الموت بين تجربة الجسد وتجربة اللغة؛ حيث يقول السارد "الموت ملك خالص للذين يجربونه. لأنه على الرغم الكلام الذي يقال.. سيبقى دوما حالة شخصية.. لن نُدرك فظاعتها لأنّنا لا نستطيع أن نكون في مكان أولئك الذين يقتلون ولا في مكان أمهاتهم وأوليائهم. هو يجربون ذلك في أجسادهم أما نحن فنجرّبه في اللغة.. نجرّبه في الكلام.. ما دام لم يصبنا.. ربّما يتناهى إلينا صداه.. صحيح.. أو يصلنا صهده، لكنّنا ما دمنا لم نمت بعد أو لم نقتل فإنّ كلّ كلام سيبقى بلا معنى.. وعندما نجربه.. وعندما نذوقه.. حينها.. لن يهمنا ما سيقوله الناس عنّا وعن موتنا، لأن الكلمات ستصبح مجرد عبث".[17]

أضحى المعنى بلا معنى إنه مجرد عبث كتلك الكلمات التي تلقى في التعازي وفي الجرائد كلمات أنهكها الاستهلاك اليومي، وبالتالي ليس لها معنى، وعليه دوما يستعصي الإمساك بالمعنى في الرواية لتقنية يراوغ فيها السارد بين الإخفاء والتجلي في آن بالنسبة ليوسف وهمومه وآلامه في الوطن وحتى القارئ، إذ في حديث الجماعة بين بنعمر في مواصلته الحكاية حينما سأل بنعمر قائلا:

-هل تتصوّر أن هذا النوع من الوصف سيجعل هذه الحكاية ذات معنى؟

-من قال أننا نريد أن نبحث عن المعنى.. نحن نريد أن نسمع حكاية تؤثّر في نفوسنا...[18]

هنا إشارة المؤلف إلى أنواع القراء، فالنموذج المذكور هنا هو القارئ العام الذي يسعى لاكتشاف مسار القصة من حيث تقنية التشويق فيها، أما القارئ الضمني فهو ذلك الذي يحفر في مرجعياتها وتدجين رمزياتها بالتالي الإمساك بالمعنى الذي يظل عبثا وبلا معنى من خلال تقنيات التأجيل التي يراوغ من خلالها الكاتب.

كما أن المعنى على حسب رحلات يوسف السردية ليومياته وترديد مذكراته، يعبّر عن صعوبة المكاشفة على حقيقة الأشياء ومعانيها بثنائية الجسد والدلالة يقول:" كم كان صعبا التأقلم مع هذا الوضع الجديد. لأني لم أكتشف هذه الأشياء إلاّ بعدما هجعت هنا شهورا. لقد أخذت الوقت الكافي كي أصفو من الكدر في داخلي. أخذت الوقت الكافي لكي تجفّفني الشمس كالطين في النار لأنه عندما نكون أصحاب يقينيات ونكون متمسكين بلحم الأشياء، اللحم المحترق للأشياء الصلبة، نعيش الشقاء كلّه، وهندما نكون متمسكين بما يمكن أن يسمى المعنى وعندما يكون الثقل في الأقدام وعلى الأكتاف، واليدين، وداخل الصدر سنسقى أكثر ونتعب كثيرا في التخلّص من كلّ ذلك لأننا سنعلن أنفسنا عندما لا نجد ما نعلنه كما وقفنا وجها لوجه أمام الحقيقة."[19]

يظل المعنى مرجأ في متن الرواية بمختلف رمزياته الضمنية التي تعبر عن فنية المزاوجة بين جمالية العمل وتشكّل المتخيل فيه، إلى آخر الكلام الذي ورد في بطاقة بريدية من يوسف يختتم بها المؤلف خطابه السردي قائلا: "يقول يوسف ولد المهدي الخراز: التحية لك أيّها الصديق.. أرجو أن تكون بخير وأن تكون يومياتي معك دائما. أما عني فهذه ساحة النجمة في بجاية.. وذاك هو البحر ..وهذا أنا"[20].

تلك الخاتمة تجعل من النص الروائي سيرورة لا متناهية في تعدّد التأويلات وانفتاح الدلالات فيها؛ وبالتالي يظل المعنى مرجأً، وإلى جانب مرتكزات الشفرة الدلالية تفكيك الخطابات الرمزية في ثنايا الرواية التي سنكمل الحديث عنها في الشفرات النصية المتبقية.

ج. شفرة الأحداث

إن رواية "خطوة في الجسد" التي تتسم بآليات متنوعة للسرد عبر ألاعيبه السردية في تأجيل ظهور الحقيقة بمختلف قصصها المضمنة لحكاية الإطار وسيم مغامرة الكتابة السردية فيها، يكون الحدث بينة أساسية في مسار الرواية من خلال أثر الفعل الذي تجسّده الشخصيات أو نمو الواقعة في حدّ ذاتها عبر سيرورة اليوميات، فماهية الحدث تعتمد على وعي القارئ لإدراكها ولتحديد تنامي الحدث وسيرورته، إذ يعرّف [رولان بارث] هذه الشفرة بأنّها "شفرة الأفعال التي تشمل على كلّ حدث داخل القصة... وهو من يحدّد نوع الأثر الأدبي... والحدث لا يكون إلا من خلال تمثّل اللغة له، لأنّنا لا ندرك الحدث إلاّ بالتعبير عنه، وتتمثّل في كل أفعال القصة"[21].

وكذلك نجد (بارث) يحدّد هذه الشفرة كأثر للقراءة التي تساهم في إثراء المعلومات، وأنّ المتتالية تنمو برتم تسمية الأثر الذي نسعى لإثباته، وأنّ هذه الشفرة لها عمادها التأسيسي ويتمثّل في التجربة أكثر من المنطق.

وعليه تكون واقعة الحدث الروائي هنا ممثلة بين ازدواجية تجربة الجسد وتجربة اللغة، إنها سيرورة أنطولوجية في التعبير عن تجربة إنسانية بكافة أبعادها، وهي بذلك حدث عام تمثله سرد اليوميات والمذكرات التي كانت وصية عبر تقنية المراسلة وتحوير الحكاية بين المشافهة والكتابة، فشفرة الحدث تتجلى في معظم النص وحتى في نمو المسار السردي وبرامجه الموضوعاتية والقيمية، حيث يظل الحدث أثرا إنتاجيا في استقراء كينونة النص الروائي ومعرفة فعاليتها من خلال الكشف عن مستويات الخطاب وقصدية الفكر.

د. الشفرة الثقافية

تُمثل هذه الشفرة أحد المرتكزات المعرفية التي اعتمدها الروائي أساسا في إبداع متنه السردي، فهي بذلك تلك الخلفية المنهجية المنتشرة داخل النص، وحسب تعريف [رولان بارث] فهي " تشمل الخلفيات المعرفية التي تشير إلى ثقافة ما، تتسرّب من خلال النصوص، فهي شفرات معرفية والحكمة التي لا ينقطع النص في الرجوع إليها والاعتماد عليها"[22].

بصفة عامة تتمثل الشفرة الثقافية أساسا في تجسيد حادثة استرجاعية بمثابة إشارة إلى ظروف معينة كانت سائدة في البلد الجزائري والمنطقة الغربية على وجه التحديد، وعليه اتخذت الحكاية بعدا نقديا في استعراض موقف الإنسان تجاه تلك الحياة.

إن القارئ المتمعّن في النص يستشف عن البنية الثقافية التي تشكّل من خلالها متن النص؛ أولا من خلال لغة السجل اليومي بمفهوم اللغة العامية وأغانيها الشعبية لتجسيد مجموع العادات والتقاليد التراثية، إضافة إلى تقنية التناص والاقتباس ما جعل معجم النص ثريا ومتعدّدا؛ حيث ينم ذلك عن ثراء في خلفية فكرية يمتلكها الروائي من فلسفة ومعرفة وطرق منهجية في التعامل مع الأشياء، كما أنّ ذلك يعبّر عن نمط مميز في الكتابة الروائية الجزائرية المعاصرة، وسوف نفصّل الحديث عن الخلفية المعرفية التي تؤسس الشفرة الثقافية أثناء الانتقال بالحديث عن التناص في النص وتحديد مرجعياته الفكرية.

و. الشفرة الرمزية

تتمثّل الرمزية في نص "خطوة في الجسد" في مجموع الخطابات التي تعمّد السارد تضمينها من أجل إثراء الخلفية المرجعية للنص من خلال أسلوب التجلي والخفاء في عرض المذكرات بطريقة مضمرة محيّرة؛ من أجل شد انتباه القارئ، الذي بدوره يستلزم نداء آلية فك حجاب النص، ويتمثل ذلك في عدّة نقاط أحاول حصرها كالتالي:

-الحكاية ممنوعة علنا، وبالتالي هي رمز .

-إدراج الخطاب الصوفي والاعتزال في ثنايا مقاطع الرواية، مثلا: "...يوسف كما أعرفه منذ طفولته.. عايش مع الناس ولا يكلّمهم كثيرا. حاضر، غايب، غارق في العزلة. هايم.. دايم في ما لانعرف..."ص53. أيضا في حديث يوسف عن باية قائلا: "...ها أنت هنا قريبة مني وبعيدة عني.. لا يمكن أن تطالك يدي  وأنت فيّ ومني. ها أنت معي ولا يمكن أن أصل إليك". ص 138، ..."الفراق والبعد واللوعات والشوق، هذه كلها تبعدني عن تلك المدينة. لست أفهم لماذا؟ هل يجب أن نسافر أبعد من ذواتنا حتى نراها في صورة أحسن مما هي عليه حقيقة؟ هل علينا أن نغادر حتما كي نرى؟. ص 190، وفي استدراج الحلول يقول يوسف: "ألا يقولون إنّك دوما بحجم ما ترى؟ إني بحجم الصحراء التي لم أعد أراها في هذه اللحظات لأن الشمس ذهبت تماما ولم تعد الصحراء تراني لأننا أصبحنا بالحجم ذاته" ص 195.

-حضور الخطاب الاشراقي في فكر التنوير في قول يوسف عن باية : ".. لقد أشرق القلب بالضياء ..ص138.

-مبدأ سقراط في المعرفة الذاتية اعرف نفسك بنفسك في قول يوسف ص58:" أنا نسيج وحدي. أريد أن أصل إلى معرفة الأشياء ووحدي. بطريقتي الخاصة.

-الخطاب القرآني من خلال الاقتباسات المؤسلبة، إضافة إلى تضمين نصين رمزيين إلى يوميات الحكاية الأول هو نص يحي بن خلدون والثاني نص ابن عربي.

-تقديم فكرة العقلانية النقدية في متن النص من خلال هذه الملفوظات السردية التالية:"...لسنا جديرين بآلام الجزائريين عبر تاريخهم الطويل من القهر والنضال. فنحن لم نقف عنده في يوم من الأيام بجد. لم نتأمله كما ينبغي لنضع حاضرا مختلفا" ص 147. كذلك قول يوسف لخالته ص69:"نحن يا خالتي في هذا الوطن نجرّب دوما أوهامنا على أشلائنا. على بساط من الدم والخراب. لا نفكر، لا تختبر الأشياء بالعقل ثم في الواقع"

إنّها دعوة منهجية في التفكير العقلاني؛ انطلاقا من إزاحة الأوهام والتشكيك في الأشياء واختبارها عبر الممارسة واستمرارية نهج المساءلة ودرب المكاشفة؛ باعتبار أن الإنسان كائن تاريخي متسائل.

-تقسيم الرواية إلى أجزاء معنونة ولكل عنوان رمزيته وقصديته .

- استثمار مجموع الأساطير التاريخية والتراثية التي جعلت من النص فسيفساء مجموعة من النصوص مع فنية التخييل لأسطورة يوسف والبئر، زلقوم أسطورة شعبية قبائلية أسطورة أوديب في علاقة يوسف بوالده...

-رحلة البحث عن الذات من خلال مساءلة التراث فالإنسان كائن تاريخي، وبالتالي البحث عن تلك الهوية الجماعية...إلى غير ذلك من المفاهيم الرمزية التي تشكل هوية النص.

إنّ الشفرة الرمزية على حدّ تعبير [رولان بارث] قائمة على التصوّر البنيوي من خلال انبثاق الدلالة استنادا لمبدأ التعارض الثنائي الذي يقوم على الاختلاف بين العناصر  المكوّنة للنص، ويتجلّى ذلك في الاستخدام البلاغي مثل الاعتماد على الطباق."[23]

استنادا إلى هذا المفهوم البارثي، تتجلى لنا الشفرة الرمزية على مستوى البلاغة النصية؛ من حيث نمط الكتابة عند الروائي "حسين علام"، إذ نجد النص حافلا بالسجع وزاخر بآليات الكتابة البلاغية التي من خلالها نجد الراوي يعرض لنا توليفات ثنائية بطابع الاختلاف والجدل: الحياة/الموت، الحقيقة/ الزيف، التجلي /الخفاء  وفي وصف يوسف لباية: أنسي وجرحي، سهوي وصحوي وسكري، لذّتي وأذاي..الانبعاث/الموت، صمتي وخفقي، سكوني وجنوني...

إن الرمزية في رواية "خطوة في الجسد" جسّدت أثرا شعريا منسجما وبؤرة نشاط القراءة التي تثري دينامية الخلفية المعرفية لاستحضار النصوص واستكشاف الدلالات التي تتضمنها، باعتبار أن النص شبكة دلالية مكّنت القارئ من إعادة تشكيل النص وإبلاغ إنتاجيته.

أفق التجريب وممكنات الكتابة السردية

احتضنت رواية "خطوة في الجسد" معالم التجربة الإنسانية بكافة أبعادها لترسم لنا رحلة الإنسان ومغامراته الفكرية والفنية عبر تكامل وانسجام فنيّ في الإبداع، فجاء التعبير عنها ممتطيا آليات التجريب من خلال فتح آفاق جديدة تتضمن رؤى جديدة؛ إذ يكون التجريب إستراتيجية نصيّة بحثا عن صيغ جديدة في السرد واستحداثا لأشكال مبتكرة في الإبداع السردي وتشكيل الحكي؛ إثر مساءلة طرائق السرد التقليدي وإزاحة قوالبه الجاهزة في استنطاق المحكي رؤية وتشكيلا؛  فالرواية "لا حدود نظرية لها، وتتسم بمرونة شكلية لا نهاية لها ولا حد...وأنّها نوع لا يخضع إلى قواعد ومواصفات ثابتة، وأنّ التحول والمرونة الفائقة هي أهم صفاتها، خصوصا من حيث هي شكل مفتوح يظل دائما في حالة صنع"[24].

وعلى ذلك الأساس تكون رواية "خطوة في الجسد" مغامرة خصبة في قلب نمطية الشكل الروائي العربي، إذ نجد أفق التجريب في نصية الرواية يتمرّد على بنية السرد الكلاسيكي  انطلاقا  من إشكالية التجنيس في مغامرة الكتابة التي جعلت من النص نصا مقروئيا قابلا للكتابة على حدّ تعبير (رولان بارث)، إذ إن الكتابة السردية تجربة مغامرة تستحضر في بنيتها كافة الأجناس الأدبية التي سبق وأن أشرنا إليها، وحتى مختلف اللغات الأدبية وغير الأدبية في خطاب له صفات الكتابة الجديدة المعبّرة عن روح العصر؛ الذي يمتاز بانفجار معرفي متداخل في شبكة من العلاقات ما يجعل من الرواية نصا حواريا مفتوحا على حدّ تعبير (باختين).

ويتم ذلك عبر آليات سردية تحقّق رهان التجديد وأفاق التجريب في الخطاب السردي، ما يجعل منه عملا مستقلا في اكتناف معاجم لغوية متنوعة وإقحام خطابات فكرية وثقافية متعدّدة؛ تطلعا إلى استشراف هوية الإبداع الفني على رؤية التشكيل ومقتضيات المعرفة والفن وأفق انتظار القارئ، فالنص الجديد يُشرك القارئ ويعوّل على مساهمته في إعادة تشكيل النص وتخييله، عبر تهجين في اللغة من أجل إخصاب النص وتوليده، وفي ذلك إشارة إلى تقسيم الروائي "حسين علام " نصّه إلى حكايات: حكاية الإطار و حكايات متضمنة: حقيقة بمثابة ديباجة افتتاحية، حكاية من ثلج، البلارج، البجعة، الأحوال مواهب، أزمنة الحصار، خطوة في الجسد،المنقانة-الساعة الحائطية- التي قسمها بدورها إلى ساعات منها تسعة أيام، اليوم الخامس بعنوان طعام الموتى، زلقوم،اليوم السادس الغزو، اليوم السابع يسّن ربي.

وكانت تلك الطريقة استرجاعا لتقنية  الحكي المعهودة في قصص ألف ليلة وليلة، وتلك طريقة تذكرنا بمفاهيم نقدية سبق وأن طرحتها الناقدة (جوليا كريستيفا) في مفهوم التناص من خلال مفهومي النص المولد والنص الظاهر،الذي هو التمظهر اللغوي كما يتراءى في بنية الملفوظ المادي، وهو مجال اللغة التواصلية؛ أي أنه يشتغل على النصوص في غياب و دون إشارة إلى الذات كسيرورة لا واعية، أي ما يخترق النص من نصوص مخزونة على مستوى الدال، أما في النص المولد فيتعلق الأمر بالعمليات المنطقية التي تفسر السيرورة التي يقطعها التدليل حيث يكون النص الأدبي حسب (كريستيفا) تناصا، أي حضور لنصوص أخرى، إنه موقع اللقاء داخل النص للملفوظات المأخوذة من نصوص أخرى، إنّه تحويل لملفوظات سابقة ومتزامنة معه فالنص يعيد توزيع اللغة ، من خلال عملية هدم وبناء لنصوص سابقة عليه أو معارضة له، والتناص ليس تقليدا أو عملية استرجاع إرادية، وإنما هو إنتاجية .

ثم الانتباه إلى مجازفة العنونة كإستراتيجية في الرواية، باعتبار أن العنوان شبكة دلالية يؤسّس افتتاحية النص وطبيعته، فكانت العنونة تقنية واعية من قبل الراوي من أجل تبئير انتباه القارئ، ويظهر المؤلف من خلال النصوص المعنونة ينزع إلى التجزئة والتقطيع والكثرة؛ حيث تنفتح دلالة العنوان على أفق الكتابة السردية بوصفها تجريبا، فهي شبكة من العلاقات والدلالات التي اصطنعها الكاتب لشد اهتمام القارئ في سيرورة التلقي والتأويل.

فالعناوين كانت علامات رمزية تتردّد دلالتها بين خارج النص وداخله، بين سياق المقال ومقتضى المقام، إذ يتحكّم الاشتغال النصي للعنونة الداخلية مقصدية الذات المؤلفة ورهاناتها الجمالية، وهي مقصدية مؤلفة على هاجس التشتيت والتقطيع والتفتيت للبنية النصية بمفهوم (جاك دريدا)، بطريقة تُزيح انسجام الحبكة الروائية من خلال كسر منطق الاسترسال الحكائي وانتظامه الخطي المألوف.

إن إستراتجية العنونة بخاصيتها المتنوعة والمتعددة تشكّل تركيزا على العودة إلى النص ذاته ليعلن عن وجوده كسيرورة لا متناهية باعتباره كيانا لغويا ماديا يجعل من مظهره بنية ذات أبعاد جمالية، فأضحت هذه التقنية تشكل مفهوم القيمة المهيمنة أو الجمالية في العمل الأدبي، إن الأثر الأدبي كما يقول (جاكبسون) في تعريفه للنص الأدبي أنه لا يمكن أن يكون فقط أثراً يشغل بصورة استثنائية وظيفة جمالية، ولا كأثر يشغل وظائف أخرى بل يجب أن يُعرّف في الواقع كإبلاغ لغوي تكون فيه الوظيفة الجمالية مهيمنة.

يغامر الكاتب في استهلال روايته بطريقة معاصرة من خلال كسر نمطية البدايات الاستهلالية في الروايات الكلاسيكية في تحديد الإطارين الزماني والمكاني، بل كانت ديباجة الحقيقة نصا مقتبسا من كتاب أيام الشأن لــ(ابن عربي)، فكانت البداية تبئيرا لنشاط القراءة التأويل باعتبار رمزية متن الديباجة، فيرسم دورية الفلك وتكراريتها "كذلك الفلك يدور، وكلام يدور، وأسماء تدور، ونعيم يدور...وكما بدأكم تعودون(وقد علمتم النشأة الأولى)"[25]، ليجعل القارئ يبحث عن شبكة العلاقات التي يتضمنها النص في تلك الطبيعة الفنية و نمط الافتتاحية لنتساءل حول علاقتها بالرواية وما وظيفتها؟ ومن خلال المفهوم المهيمن في ذاك الكلام في الدورة والتكرارية إشارة ايضا إلى الدورة التأويلية التي ستكتنف عالم النص الروائي الذي ألّفه "حسين علام"، كما أن الديباجة أسّست سمة الحوارية بوظيفتها التناصية.

كانت النصوص المعنونة بمثابة رحلة تحتاج فيها الذات العارفة والقارئة إلى استثناءات فكرية في ولوج عوالم النص، باعتبارها ملفوظات باعثة على التساؤل منطوية على أسرار ملغّزة تنتظمها شبكة من الألفاظ كانت مفاتيحا مقصودة  في إغراء القارئ وتجنيس النص المتعدّد وإخراج التخييل إلى مجال الممكن والتحقق الواقعي.

وعلى إثر ذلك جاء نص رواية "خطوة في الجسد" مجمع الأنواع بفسيفساء من الأجناس والأنماط الخطابية عبر تقنيات تناصية مختلفة، جعلت النص ينسجم بحوارية مجموعة من الأصوات في صوت واحد هو صوت الذات الروائية، إضافة إلى مجموع التقنيات التي استند إليها السارد في إثراء فنية التلاعب بممكنات السرد  وجمالية الرواية في تحوير الحكاية وحركية المحاورة بين الشخصيات، وتعدّد المرجعيات في نقل الكلام والتفنن في إبلاغه في تعبير استعاري ووضوح مجازي وتخييل شعري عبر انزياحات أسلوبية عن مألوف الكلمة ومعهود المقولة وبين مقام التلفظ السردي بما فيه من نزوع إلى التمثيل والإخبار والتقرير، والإيهام المرجعي الذي يتخلل نصوص الرواية من أجل الحرص على الإيصال والتوضيح.

تجسد الرواية في عموميتها عبر فنون آليات الكتابة السردية فيها، مستوى بلاغة الجنس وإنشائية الخطاب الأدبي، هو ما يظهر على مستوى التراكيب المتعدّدة للأفعال السردية وطرق انتظامها في صيغة من التشتيت والتفتيت والبعثرة، وعلى مستوى بناء الفواعل ومنطق تشكيلها بين الوحدة والكثرة، التفرّد والتعدّد  الذات والآخر، الواقعي والخرافي، الإنساني والكوني، ما يحققّ في الأخير ما يسمى بشعرية الرواية التي نلحظها في كل مشهد من مشاهد الرواية، وفي مواقف شخصياتها وطاقاتها الانفعالية، وعمليات الاستحضار والاستذكار والحلم والتداعي، إضافة إلى تطعيم الحوارية بأمثال وحكم عامية تزخر بدلالات وإحالات فكرية محلية تمثل الواقع المحلي بكل ثقله وكثافته.

إن رواية "خطوة في الجسد" أنموذجا فاعلا في أفق التجريب من خلال ممكنات السردية ومستحيل إمكانها التخييلي والواقعي في رسم رهاناتها الفكرية في عالم يؤصله الشتات، إنها نص المغامرة  في تلاعبها بقواعد التجنيس وإزاحة أعراف السرد التقليدي ومواضيعه عبر ازدواجية الواقع والخيال، الحقيقة والزيف، الذات والآخر...إذ إنّ النص يعج بدلالات المغامرة الفكرية والإغراء التخييلي بنزوح الشكل الروائي إلى تجربة جديدة في الكتابة.

أنثروبولوجيا اللغة المحكية

من خلال مفهوم الدراسات الأنثروبولوجيا يمكننا استنطاق مختلف التّجليات الثقافية والاجتماعية التي احتفلت بها مغامرة الكتابة السردية في رواية "خطوة في الجسد"، إذ نجد الروائي "حسين علام" شكّل مسرحا أنثروبولوجيا وهو يكتب روايته من خلال انتقاله من نص الثقافة إلى ثقافة النص؛ أي من المجتمع الذي كان يؤسّس أصلية النص الروائي باعتباره أثرا إبداعيا وانتقاءً تركيبيا للنص المرجعي الذي يشكل مصدر معطياته.

يُفترض أنّ الكتابة الأنتروبولوجية هي كتابة تناصية، حوارية وتخييلية؛ حيث تُشكل حقلا غنيا بالمعطيات الثقافية والاجتماعية ذات الحضور الرمزي، إذ يستلزم على القارئ الإلمام بهذه الوضعية ليستخلص مختلف الرموز المشكلة للنص السردي في علاقة التأويلية الرمزية بالثقافة لكونها النص الأصلي، وقد تم التعبير عنه بتقنيات فنّية متنوّعة عمدها المؤلف لإثراء مسار نصه وذلك من خلال:

-ملامسة الخطاب السحري والخرافي في خطابه السردي مثلا الأسطورة الشعبية للتراث القبائلي (زلقوم)؛

-استحضار مختلف الشعائر والعادات والتقاليد والطقوس الاحتفالية في المتن السردي، وذلك من خلال ما يعرف بمصطلح الايديولوجيم، الذي أطلقه (باختين) على الاتجاه الأيديولوجي، ويعرفه (فيكتور ارليخ) وهو أحد المعاصرين لباختين "بأنه يتمظهر على شكل كلمات، طرق اللباس، العلاقات التنظيمية بين البشر، إن كل ايديولوجيم هو جزء من الواقع المادي الاجتماعي".

ويتجسّد ذلك من خلال أسماء ذكرها المؤلف إشارة إلى طبيعة الواقع المادي الثقافي للمجتمع الجزائري والتلمساني تحديدا، الحايك، التجمعات، السكارى، أنواع المأكولات والحلويات الشعبية التي تُقدّم عند ولادة صبي مثل "التقنتّة"، أنواع الثمار، الطيور، الكاهنة، ثمقفولت أكلة شعبية أمازيغية، أنواع الحشائش وعطور البخور...

إضافة إلى ذلك مستوى التعدّد اللغوي الذي أغنى الوعي بالكتابة الروائية؛ باعتبار أن الرواية ظاهرة لغوية قبل أن تكون موضوعا فكريا أو شكلا فنيا، حيث نجد لغة الرواية في معظم مشاهدها ملتحمة عضويا بالمجتمع الذي أفرزها بمختلف شرائحه-الدارجة: تلمسان، القبايلية: بجاية-، وهي بذلك تعبّر عن نوع من الرصيد الثقافي والاجتماعي، وهذا ما يحقّق مفهوم (باختين) في اللغة الحوارية وتعدّد الأصوات فيها بمعنى "تجميع الأساليب والأنساق اللغوية، وتداخلها عبر التواصل والتفاعل مع الآخرين"

تلك الملفوظات التي شكّلت نسق الايديولوجيم تعبّر عن المعرفة الضمنية التي تؤسّس بنية الرواية   من خلال استنجادها بالذاكرة الاجتماعية عبر سيناريو المعيش اليومي في مرجعياته وتطبيقاته الثقافية، إذ هي انتقال من الحقل الأنثروبولوجي إلى ميدان إنتاج الخطاب، وعلى مستوى الكتابة في ممارسة تخييل من نوع خاص أساسه التأويل الرمزي لنصية الثقافة؛ حيث أنّ ما "يميّز الرمزية الضمنية في الفعل، عند الأنثروبولوجي هي أنّها تشكّل سياقا وصفيا لأفعال معيّنة. بعبارة أخرى، إنّها ذات علاقة بعرف رمزي معطى بحيث إنّنا نستطيع أن نؤوّل إيماءة معيّنة بوصفها إشارة إلى هذا الشيء أو ذاك."[26]   

لقد نوّع المؤلف "حسين علام" في رسم مورفولوجية الأشكال الاجتماعية في عرف التقاليد والعادات من خلال وصف ثري للمعيش اليومي بالقرية والأوساط الشعبية، وقد جاء التعبير عنها عبر توليفات سردية متنوعة بتعدّد اللغات والأصوات الساردة واختلاف لغتها الحِرفية واستحضار سجلات لغة التداول اليومي والشعبي وأمثلة ذلك مُجسّدة في المتن الروائي كالآتي:

توظيف سجلات لغة التداول اليومي والشعبي

الذي يمثل علامة من علامات تجدّد الخطاب من خلال تجديد الرؤيا في التصرّف مع اللغة من خلال تفجير طاقتها والتعبير عن مناخيات التركيبة الاجتماعية المتنوعة؛ مما يحقق نوعا من الثنائية الصوتية والدلالية لهذه اللغة، وقد تعدّدت سجلات كلامها؛ باعتبار أنّ التعدّد اللساني المدرج في الرواية هو خطاب الآخرين داخل تعدّد لغة الآخرين، حيث سجّلت اللغة العامية حضورا متميّزا في ثنايا المحاورات الشخصية، لكون أنّ اللغة الدارجة تخلق تموّجا في التشخيص اللغوي قوي الدلالة، وهي بمثابة عنصر إضاءة للذاكرة الشعبية ما جعل الرواية ترتبط باليومي المعيش مثلا: "يا الجماعة ..حكاية يوسف ولد المهدي الخراز مع باية البجاوية كلها كذب في كذب.. أنا أقول لكم.. إنّها خريفات العجائز.. أنا عمري ما شفتهم.. ولا التقيت بهم.. هاذو زوج لا وجود لهما..أنا ولد تلمسان وأقول لكم لا وجود لشخص اسمه يوسف ولا بنت اسمها باية. إنّها مجرّد كلام في كلام."[27]

يعكس هذا المقطع اتجاها واضحا في تفصيح الدّارجة والتقريب بينها وبين الفصحى، وبالتالي الرغبة في إقحام الدّارجة في مستوى المعجم والتركيب لتؤدي دورا معرفيا.

-الاستعمالات المختلفة للدّارجة في الرواية عبر الأغاني الشعبية والأمثال ومردّدات كلام اليومي مثل: الأمثال في قوله"كانت حكاية يوسف وباية البجاوية منتشرة في كل مجلس، تجري على كلّ لسان كما تجري النار في التبن"ص11، والأغاني الشعبية مثل:" من لا يعشق هيفاء أمناش ريحو عصيف

ومن لا يخطف خطفة ولا روى بكاس الجفا

يعذرني بالشوفا أنصير فاني رهيف."ص80

وأمثال الدندنة في كلام اليومي:" نعشق وعشقي معذب ورايي قليل الدبارة

خايف نموت من الحب ويمشي حانوتي خسارة". ص 81.

كانت هذه الأغاني في ثنايا المقاطع الحوارية للخطاب الروائي تعرض صورا تُغني الأسلوب بإيقاعات دلالية تمثّل استبطان الذات والكشف عن معاناتها الفردية والجماعية؛ حيث يكشف هذا النمط من الكتابة انفتاح اللغة على أكثر من معجم (العامي، الفصحى والشعبي) مما يضفي سمة التنوّع على أسلوب الكتابة، و يُبرز جماليات الحوارية على الملفوظ الروائي؛ باعتبار أن الرواية تستعمل العلائق الأيديولوجية غير الأدبية على حد تعبير (باختين) في كتابه علم الجمال ونظرية الرواية، فصل: الخطاب الروائي، ص105.

أما في ما يخص الأسطورة فقد حضي نص رواية "خطوة في الجسد" بكثافة تراثية وأصالة تاريخية سواء على مستوى حدث الواقعة، أو على مستوى الشخصيات: كاهنة، نفرتيتي، يوسف، زلقوم،... إلى غير ذلك من الشخصيات التي مثّلت معها مواقف أنثروبولوجية حمّلت النص كثيرا من جماليته، وأعطته أبعادا سردية وتأويلية خاصة، فالأسطورة شكل من أشكال الإبداعات الرمزية للإنسان ونسق علاماتي، إذ نجد (رولان بارث) في كتابه Mythologies يعرّفها على أنّها لغة ونظام سيميائي.

إنّ مستوى اللغة كان ميدانا لازدواجية وقائع التاريخ والتراث بأبعاده الأسطورية لتنير خصوصية النص في التعبير عن علاماته الرمزية بشكل فني جميل وقوي الدلالة، وعليه مزج المؤلف تصوّره بين ممكن التاريخ والتخييل لاكتشاف ما هو جوهري في الواقع المعاش المجسّد في البناء السردي عبر سلطة اللغة؛ حيث أنّ " السرد يعتبر من حيث أصوله التاريخية والأنثروبولوجية غير منفصل عن الحياة والثقافة والوجود، والحاجة الوجودية إليه لبقاء آثار الإنسان على الأرض...فالسرد سنن واصف méta-code يسمح بنقل رسائل عبر ثقافية Transculturels عن الواقع والتجربة والعالم"[28].

هذا ما جعل متن الرواية يحمل شحنة رمزية عبر نسق سيميائي، ولأنّ الأسطورة "تُمارس سلطتها على اللغة، واللغة بدورها تصبح حاملا لهذا النشاط الروحي والميثولوجي، وتاليا تتحوّل إلى نسيج متراكم ومعقّد من الرموز، ومن هذه الوجهة فالأسطورة مثل الفن واللغة والمعرفة تتحول إلى رموز، ومن ثم إلى أشكال سيميائية تتفاوت درجة بساطتها وتعقيدها"[29].

إن أنثروبولوجيا اللغة السردية في الرواية كانت بمثابة "التجربة اللغوية التي ستُختبر من الآن فصاعدا كناطق أنثروبولوجي شاهد على التجربة الإنسانية، فاللغوي يجذبنا إلى جزء جوهري متعلّق بالإنسان"[30].

كانت تلك رؤية موجزة في البحث عن تشخيص أشكال استثمار الثقافة الشعبية؛ من خلال استنطاق طرائق اشتغال الأدب الشعبي في الرواية الذي كان يعبر عن مزاوجة الموروث الشفاهي بالكتابي كتقنية مهيمنة في متن النص والتعبير عن نسق الخطاب السردي.

 أيديولوجيا المتخيل والهوية السردية

إنّ المنطلق العام لرواية "خطوة في الجسد" هو راهن المجتمع الجزائري والتلمساني على وجه الخصوص فكان ذلك بمثابة إطار مؤسس لتشكيل المتخيّل السردي لنص الرواية، وعلى أساس السيرة الذاتية كجنس أدبي أولي مستقرأ من تقنيات الكتابة السردية، فإننا نلمح فيها التخييل الذاتي باعتباره نمطا جديدا من الكتابة والتعبير عن الذات، إذ يتبادر لذهن القارئ أن يوميات يوسف هي مذكرات المؤلف؛ وبالتالي يتعلّق ذلك بإضفاء نوع من التخييل على الذات عبر مختلف الأشكال التعبيرية والصيغ التلفظية التي عمدها المؤلف لتوسيع المسافة بين ذاته وذوات الشخصية البطل والشخوص الممثلة في متن الرواية، وعليه جاء التشكل التخييلي للرواية مزدوجا بين تخييل القصة وتخييل الخطاب بالتركيز على الاشتغال في توسيع بؤرة القراءة عبر خاصية السرد وآلياته الكتابية؛ من أجل الانتباه إلى محكي الرواية المتخيل أكثر من  محكي القصة، من خلال إنزياحها عن الواقع وحرصها على دعم الجانب الاجتماعي المعاش حقيقة وعليه تحفيز القارئ على تصديق المروي له.

إنّ الوظيفة المرجعية كانت تأسيسية في الاشتغال السردي للرواية التي تعبّر بصورة قوية عن المخيال الاجتماعي المنغمس في الانثروبولوجيا، والمشكلة للرمزية في النص عبر تمثيلات وتصورات يكوّنها الإنسان لمواجهة الواقع، فصوّر لنا المؤلف واقعا معاشا بآليات سردية متنوعة تساهم في إثراء كيفية اشتغال المخيال الاجتماعي فجاء التعبير عنه في تمثيل مجموعة من العناصر الثقافية الموحدة لجماعة معينة كانت تعيش في تلمسان الغرب الجزائري ويقول المفكر [بول ريكور] في اختلاط المتخيّل بالفعل الاجتماعي أنّ" الفعل الإنساني مرتبط في صميميته بالتخيّل والتمثّل؛ بمعنى أنّه لا يمكننا أن نفهم كيف يمكن للحياة الواقعية أن تنتج من ذاتها صورة ما إذا لم نفترض في بنية الفعل ذاته وسيطا رمزيا يتحدّد من خلاله وعينا بوجودنا الاجتماعي."[31]  

على أساس فكرة المجتمع والمخيال الاجتماعي يؤسّس المؤلف "حسين علام" طرائق المضمر عبر فنية المجاز والاستعارة، وذلك من خلال الاستعانة على جماعة معينة لتمثيل أحداث الواقعة الروائية، ما جعل مخياله الاجتماعي يتضمن صورة أيديولوجية من خلال سعي الشخصيات الثانوية وشخصية البطل يوسف وباية في البحث عن الهوية ، سعى الكاتب بدوره إلى استرجاع حدث اجتماعي ماضي من خلال  وظيفة الأيديولوجيا "التي ترتبط بحاجة جماعة اجتماعية ما إلى امتلاك صورة عن نفسها وإلى تمثّل وجودها على الطريقة الاجتماعية... وبهذا المعنى تكون الأيديولوجيا إعادة التأويل الارتجاعي لهذا الحدث النموذجي المؤسّس...وهي وظيفة ردم المسافة التي تفصل الذاكرة الجماعية عن الحدث المكرور بثا وتأويلا؛ بمعنى أن استعادة الحدث المؤسّس للهوية الجماعية لتشكيلة ما، وإدماجه في حركية الحاضر إنّما يتمان عبر تأويل ارتجاعي مستمر قوامه إعادة نمذجة  هذا الحدث."[32]

إنّ واقعة الحدث الذي يشتغل على مستوى سرد الرواية كان بمثابة جمع للذاكرة الجماعية التي يشترك معها كل الجزائريون إبان تلك الفترة التي حدّدتها هوية الواقعة، ومن خلال المزواجة بين التراث بزخمه التاريخي والثقافي، وبين الحاضر عبر شخصيات متنوعة من خلال تأسيسية لنمذجة الحدث واستشرافه على تطويع عوالم المستقبل الممكن، إثرها ينبثق مفهوم الهوية السردية كأحد عوالم النص الروائي التي يعرّفها (ريكور) بأنها "صورة الذات المتحركة التي لا تتحقّق إلاّ بالسرد، فإشكالية التماسك والبقاء في الزمان، أو بعبارة وجيزة، إشكالية الهوية توجد هناك في (السرد)...إذ يؤلّف السرد الخواص الدائمة لشخصية ما، هي ما يمكن أن يسميها المرء هويّته السردية، ببناء نوع من الهوية الدينامية المتحركة التي تخلق هويته الشخصية...إنّ الذات شبكة متقاطعة مع الآخرين فالهوية السردية إشكالية قائمة على البقاء في الزمان، ومن خلال التقاليد اللغوية التي ينقلها السرد، فإنّ قوام هذه الذاتية ليس الوجود للذات، بل الوجود للآخرين، ومعهم وبينهم في حركة لا انقطاع لها من الأفعال الحاضرة والماضية والمستقبلية التي ينقلها تراث سردي حاضر وتقاليد جاهزة تسبق وجود الذات الفعلي."[33]

من خلال نمذجة الحدث عبر وسيط الهوية الحكائية يسعى المؤلف "حسين علاّم" إلى تكثيف الواقع عبر تقنية الخيال الإبداعي؛ الذي يجمع بين الماضي والحاضر بطريقة تصرّح عن عالم آخر ممكن يتقاطع مع عالم القارئ، النص عموما لا يكتمل إلا بوجود قارئ يساهم في توليد المعنى المضمر فيه؛ حيث يكمّل أفق التجربة بأفق التوقع لتحقيق انصهار الأفاق على حدّ تعبير (غادامير).

لينبثق معنا في الأخير أن الروائي سعى إلى تفعيل التراث  والذاكرة التاريخية من خلال فنية التوظيف المرجعي والأسطوري وتشكّل المتخيل فيهما؛ وهذا ما يسميه (ريكور) بالتكرار السردي الذي يصفه بأنّه "فعل تأسيس جديد، وبدء جديد لما كان قد دُشّن من قبل"[34].

خــــــــاتمــــــــة

جماع القول، أن رواية "خطوة في الجسد" أنموذجا لأفق تكنيك التجريب والكتابة السردية المعاصرة عبر وسيط الخلفية المعرفية المسندة للموضوع، واللغة في جانبيها المعياري والاستعاري من خلال المحزون المعرفي للكاتب، وذلك في البحث عن ثنائية الكتابة والتناص وإبراز كيفية اشتغالهما في النص، مما يدفع بالتفكير في نسق تشكّل الرواية بين جدلية الداخل والخارج؛ وهذا ما يجعل الكتابة والتناص خاضعين لمبدأ التعالق الجدلي والتفاعل البنائي؛ لأنّ الكتابة تعتمد التناص آلية إستراتيجية في بناء النص وقراءته وتأويله، والتناص بدوره يحتاج إلى الكتابة كي يظهر ويشتغل في النص.

تُبني الرواية في مجمل الذكر الخاص لدراستنا هذه؛ على أساس نسق نقدي يشتغل على جمالية الاندماج بين الجمالي والمرجعي، داخل نص روائي ملتبس في هويته الأجناسية ومغامرته الكتابية ليؤسّس لنا خبرة جمالية بعالم النص السردي الذي خلق موضوعا جماليا هو العمل الفني كما يحدث؛ أي يُدرك في خبرة القارئ فالإدراك غاية جمالية ينبغي أن يُطال أمدها بتعبير(شوفسكي)، لذلك كانت ميكانيزمات التجريب الفني في الرواية بين الجمالي والمرجعي معايشة جمالية بين الذات(القارئ) والموضوع(النص)، التي تكمن في خاصية التذوّق الفني في شغف التشويق والمراوغة في تأخير الحدث؛ عبر فنون التكرار السردي واستكشاف معاني النص وأبعاده الجمالية؛ من خلال دينامية العلاقة بين الذات والموضوع في انبثاق مفهوم المعايشة الجمالية التي تتكوّن أساسا على عنصر جوهري في الفن وهو اللذة بين القراءة وقابلية الكتابة.

لكن ما حقيقة الجمالي والمرجعي بأصل وجود العمل الفني وتحقّقه على حدّ تعبير (هيدجر)؟

تتكئ قراءتنا التأويلية أساسا على العمل السردي-الفني- كما يظهر لنا في خبرتنا المعرفية؛ ابتغاء المكاشفة على الممكن والعالم المنفتح في الرواية عبر انصهار أفق التجربة الإبداعية وأفق القراءة، وحقيقة العمل الفني لرواية "خطوة في الجسد" هو اهتمام المؤلف بالكشف عما هو موجود بتقنية المزاوجة بين الشفوي والكتابي  الماضي والحاضر، من خلال تجسيد مجموع العلاقات التي يلتحم  فيها المخيال الاجتماعي والحس المشترك الذي يتجلى عبر الكلمات والأفعال، خاصة على المستوى الأنثروبولوجي والتمثيل الأيديولوجي السابق ذكرهما، وعليه تتحدّد حقيقة الرواية باعتبارها عملا فنيا من خلال الأداء بالمفهوم التداولي للملفوظ، الذي يظهر في جدلية القراءة والكتابة من خلال المكاشفة على انفتاح العالم الممكن الذي يريده المؤلف، إثرها يمكن إماطة اللثام عن الحقيقة التي هي الفن ذاته، باعتباره خلقا تأسيسيا  يحدث فيه تصوّر الحقيقة بعوالمها المنفتحة وبموجوداتها التأصيلية التي تشكّل هويتنا السردية عبر الأزمنة.

وفي الأخير يمكنني القول أن الرواية تؤسّس كينونتها المبنية على نداء المستقبل، الذي ينتقل من الماضي إلى الحاضر من أجل إعادة النظر في رواسخ الثوابت بين القيم والمعاني، وذلك من خلال ميكانيزمات سردية أثرت مستوى الكتابة السردية بين تعدّد الأساليب والأصوات، وأسلبة الأشكال السردية الشفوية مثل الحكايات الشعبية ومكتوب الرسائل والمذكرات.

كانت قراءتنا هذه قائمة على الفهم والتأويل بمرجعية نظرية ومعرفية في الأدب، وليست محاولتي هذه قراءة نهائية قارة للرواية، وباعتبار آليات منهج سيميائيات التأويل تنفتح عوالم لا نهائية مما يجعل النص قابلا لتعدّد المعاني وانفتاح الدلالات؛ وكما يقول الناقد والمفكر العربي (علي حرب) في مقدّمة كتابه(التأويل والحقيقة) "لا يُقرأ النص للوقوف على المقاصد النهائية للمؤلف، ولا من أجل معرفة الحقيقة، بل يُقرأ بقصد تغيير العلاقة بالحقيقة  أي لإقامة علاقات جديدة مع الأشياء والكلمات والأفكار، تتيح فهم اللامفهوم واللامتوقع، وجعل العصي على التفكير قابلا للدرس والتحليل".

لا يسعني في آخر دراستي النقدية هذه إلا الاستشهاد بقول (أبو حيان التوحيدي) في فلسفته الفنية للعملية النقدية والقراءة الفكرية عموما: "إنّ التذوّق الفني يتطلّب شروطا مشابهة تماما لشروط الإبداع الفنّي. والحكم على عمل فنيّ ليس أمرا سهلا، بل هو معقّد يحتاج إلى قوّة إبداعية لدى المتذوّق تساعد على الحكم الصحيح، هذه القوة الإبداعية هي نوع من الاعتدال بين المزاج والأعضاء والشكل واللون والحس".

هذه المقولة هي خلاصة الجسد وتجربة المعنى في رواية "خطوة في الجسد" للروائي الجزائري "حسين علام" تعبيرا عن تجربة انصهار الآفاق.

 الهوامش

[1] علام، حسين: خطوة في الجسد، رواية، جائزة مالك حدّاد 2005، الجزائر، منشورات الاختلاف، الجزائر، ص.147.

[2] الرواية، ص.11-12.

[3] د. شكري، عزيز الماضي، أنماط الرواية العربية الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 335، الكويت، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمبر 2008، ص.37.

[4] بارث، رولان (1986)، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي،ط1، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ص.61.

[5] Barthes, Roland (1970), s/z, Edition du Seuil, p.24.

[6] Ibid, p. 24-25.

[7] الرواية، ص.9-10

[8] الرواية، ص.11.

[9] الرواية، ص.26

[10] الرواية، ص.39.

[11] الرواية، ص.41.

[12] الرواية، ص. 65-66.

[13] الرواية، ص. 82-83.

[14] مقال الحبيب السايح عن خطوة في الجسد، جريدة صوت الأحرار 26 ماي 2001.

[15] Barthes, Roland, s/z, p.25.

[16] الرواية، ص. 34-35

[17] الرواية، ص. 146-147.

[18] الرواية، ص. 153-154.

[19] الرواية، ص. 194.

[20] الرواية، ص. 278.

[21] Barthes, Roland, ibid, p.24.

[22]  Barthes, Roland, op.cit., p.24.

[23] Barthes, Roland, ibid, p.24.  

[24] د. جابر، عصفور (نوفمبر 2008)، ابتداء زمن الرواية: ملاحظات منهجية، الرواية العربية وممكنات السرد، سلسلة عالم المعرفة، عدد 357، الكويت، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ص. 155.

[25] الرواية، ص. 7.

[26] ريكور، بول (1999)، الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، ط1، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ص.50.

[27] الرواية، ص.9.

[28] بوعزّة، محمد (2007)، هيرمينوطيقا المحكي: النسق والكاوس في الرواية العربية، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، ص.40.

[29] يوسف، أحمد (2005)، السيميائيات الواصفة، المنطق السيميائي وجبر العلامات،ط1، الجزائر، منشورات الاختلاف، ص.71.

[30] جاكوب، أندريه (2002)، أنثروبولوجيا اللغة، بناء وترميز، تر:ليلى الشربيني، ط1، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، ص.32.

[31] بن حسن، حسن (2003)، النظرية التأويلية عند بول ريكور،ط2، الجزائر، منشورات الاختلاف، ص.54.

[32] حسن، حسن، مرجع سابق، ص. 55-56.

[33] ريكور، بول، الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، مرجع سابق، ص.28-29.

[34] ريكور، بول، مرجع سابق، ص.33.