Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.67-93، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


وافية بن مسعود

 

بدأت الرواية الجزائرية المعاصرة المكتوبة باللغة العربية بمحاولات جريئة لكتابة هذا الشكل التعبيري بقواعده وقوانينه الغربية ابتداءً من رواية "غادة أم القرى"  لرضا حوحو عام 1947، و"الطالب المنكوب" لعبد المجيد الشافعي عام 1951، و"الحريق" لنور الدين بوجدرة عام 1957، وغيرها من أولى النماذج الروائية التي كانت تقترب من القصص العاطفية والرمزية والاجتماعية غير كاملة الآليات والتقنيات الروائية، لكن سرعان ما ظهر توجه أكثر وعيا بخصوصية هذه النصوص، وأقدم الكتاب عليها منساقين نحو التيار الواقعي الاشتراكي الذي بدأ منذ السبعينات برواية "ريح الجنوب" لعبد الحميد بن هدوقة عام 1971، وكثير من الأعمال الأخرى، التي حاولت أن تلتصق بالواقع الاجتماعي الجزائري آنذاك بتفاصيله وتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية، وانتقلت نحو الوعي بهذا الواقع؛ إذ اتجهت بعض الأعمال إلى إعادة قراءة الواقع والإبانة عن وعي في ربط الماضي والحاضر، كما هو الحال مثلا في رواية "المرفوضون" لإبراهيم سعدي عام 1981، و "وقع الأحذية الخشنة" لواسيني الأعرج في العام ذاته، وغيرها من الأعمال الأخرى.

 انفتحت بعد ذلك التجربة الروائية الجزائرية بداية التسعينيات على سلسلة كبيرة من نماذج التجريب باتجاهات عديدة؛ حيث ظهرت أسماء جديدة بالإضافة إلى الأسماء السائدة، وأسفر ذلك عن رؤية جديدة لهذا النموذج التعبيري  التي منحته تميزه الجزائري وطبعته بخصوصية هذا المجتمع وتفاصيله في كثير من الأحيان، وذلك بالعودة إلى اختبار النصوص الشعبية مثل الحكايات والسير والأشعار وغيرها بالإضافة إلى المعتقد والأساطير والتراث السردي العربي القديم، كما لم تستثن من هذا المد التاريخ العام والخاص بشخصيات بعينها، فاسترجعت نصوص الأزمة الجزائرية العشرية السوداء بمنظورات مختلفة؛ إذ لم تتوقف عن محاولة استيعاب الهزة القوية التي تعرض لها المجتمع و مخلفاتها، وسعت بعض الأسماء الجزائرية الأخرى إلى البحث عن إجابات لأسباب ما حدث بالعودة إلى الماضي من خلال الرجوع إلى التاريخ والسياقات الحضارية الجزائرية والعالمية كذلك.

 بدا خط السير هذا متأخرا عن خط سير الرواية التاريخية عند الغرب والعرب أيضا، لكنه أتى ليمثل نوعا من الوعي بالتاريخ وعلاقته بقراءة الحاضر وفهمه، فلم تأت استعادة التاريخ لذاتها، ولكن لإدراك الكاتب الجزائري أن فهم حاضره مرهون بفهم ماضيه وكشف المستور منه، ولقناعته أن الحقائق المعتم عليها في ماضيه هي التي حالت دون استيعاب التغيرات الاجتماعية المفاجئة التي صفعت المجتمع.

اخترنا أن ننظر في إسهامات المتن الروائي الجزائري الجديد؛ بأخذنا عينة منه متمثلة في قلم جديد ظهر في الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى سنة 2011؛ حيث بدأ نتاج الروائي عز الدين جلاوجي بروايتين عام 2000 هما: "سرادق الحلم
و الفجيعة"، و"الفراشات والغيلان"، ثم استمر في رواية "رأس المحنة" عام 2004، ثم رواية "الرماد الذي غسل الماء" عام 2010، ثم رواية "حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر" عام 2011.

اتسمت الرواية الأولى بإغراقها في التراث الشعبي و الديني لتصوير المدينة و منها الوطن في هالة من العجائبية، ما لبث أن توجه بعدها في الروايات الثلاث الأخرى إلى استفزاز التاريخ القريب جدا، وهو ما يعني مساءلة خلفيات العشرية السوداء ونتائجها داخل المجتمع، والهزة العنيفة التي تعرض لها الإنسان الجزائري بمنظورات مختلفة،  لكننا نجده في الرواية الأخيرة يتجه إلى تجاوز هذه المرحلة نحو مرحلة أقدم في التاريخ الجزائري المعاصر، وبالضبط إلى الفترة السابقة للثورة التحريرية؛ أي سنوات الأربعينات إلى أن تنتهي أحداثها بالالتصاق بالتغيير الجذري الذي عرفته الجزائر من مجازر 8 ماي 1945، مما يجعلنا نطرح سؤالا أساسيا لماذا هذه العودة إلى الخلف، وما الحاجة إليها ؟

إن الإشكالية الخاصة بهذا العمل تتضمن أن المحكي الروائي يتشكل من خلال عناصر متعددة، ولعل أهمها الأحداث والوقائع التي تضمن مساره السردي وتطوره. هذه الوقائع تتشكل في الرواية الموظفة للتاريخ بازدواجية خاصة تتمثل في ثنائية المرجعي والمتخيل. هذه الثنائية التي يجمعها التاريخ في هذه الرواية، تجعلنا نتساءل عن الآليات التي يدرج بها هذا التاريخ وإعادة صناعته؟ وما هي الخلفيات الفكرية التي تشكل إيديولوجيا خاصة لقراءة هذا التاريخ من منظور ما نحاول التوصل إليه أثناء التحليل؟ باعتماد مراحل محددة لمقاربة هذا الموضوع؛ حيث نبدأ بتحديد العلاقة بين الواقعي المتخيل في الرواية، ثم الانتقال إلى علاقة التاريخ بالواقعة الروائية، والآليات السردية التي يدرج من خلالها داخل النص، ونقوم في الأخير بتقديم قراءة تأويلية للبعد الإيديولوجي المعتمد باعتباره منظورا لاستعادة التاريخ في هذه الرواية، الذي يختفي خلفه المنظور الذي اتخذه الروائي لفعل ذلك.

  • 1.الرواية : الواقعي و المتخيل

يمكننا البدء من أطروحة مفادها أن الحقيقي والواقعي مرتبط بوعي وإدراك الإنسان له؛ لذلك يكون الواقعي مرتبطا بالنظر إليه، والطريقة التي ننظر بها إليه. وإذا كان الأدب شكلا من أشكال التعبير الفني الواعي بالتجربة الإنسانية، فإننا نكون قد أسلمنا أنه شكل بالضرورة، لكنه شكل منتج للمدلولات المتعددة. هذه المدلولات المحملة بمرجعيات فكرية متعددة لا تكون عائمة ومطلقة، وإنما ترتبط بنسق معين، فـ" في الأدب لا يوجد خطاب مباشر: فالأمر ليس ماذا تقول، بل كيف تقول. إن الكاتب الأدبي لا يقدم معلومات، لا عن الموضوع ولا عن حالته الذهنية: إنه يسعى إلى ترك الشيء يأخذ شكله الخاص، سواء كان هذا الشيء قصيدة أو مسرحية أو رواية أو أي شيء آخر."[1]. إنها أدبية الأدب كما دأب "الشكلانيون الروس" على تسميتها، تلك التي لا تكتسب تفردها من موضوعات بعينها، وإنما من الطريقة التي تتشكل بها.

إذا كان هذا هو التأكيد الأساسي على الأدبية باعتبارها ذات طبيعة لغوية
و اشتغال شكلي فإننا نكون أمام مرونة مميزة تنقل اللغة من طبيعتها الشفافة (اللغة العلمية) إلى لغة مليئة بالمرجعيات لأن "الأدب من خلال طبيعته يتضمن الأفكار. ذلك لأنه يتعلق بالإنسان في المجتمع؛ بمعنى أنه يتعلق بالصياغات والتقييمات والقرارات، البعض منها مكشوف والآخر خفي. كل نظام حسي"يعمل" على أساس أن المتعة مفضلة على الألم، لكن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يصيغ أو يتمثل هذه على أنها فكرة ويكون السبب في أنها تقود إلى أفكار أخرى. إن وعيه للذات يجرد هذا الأساس للفعل من سلوكه ويجعله بداية لعملية تفكير أو مسألة تثير الدموع و الضحك. وليست هذه إلا واحدة من الافتراضات أو الأفكار التي هي المكون الحقيقي للأدب "[2].

يمكننا أن نشير هنا أن النظام اللغوي الذي يعتمده الأدب يعيد صياغة التجارب التي يمر بها الإنسان، وهو بذلك يبين عن قدرته على التعبير عن وعيه بذاته ومحيطه وتشكل معارفه المتعددة المشارب داخل هذا التعبير الأدبي المختلف الأشكال كذلك. هذا ما يقودنا إلى ما يعتبره "مارتن هايدجر" (Martin Heidegger) "الحقيقي" فهو، سواء كان شيئا أو حكما، هو ما يتوافق ويتطابق. الحقيقي والحقيقة يعنيان هنا التوافق، وذلك بطريقة مزدوجة: أولا كتطابق بين الشيء وما نتصوره عنه، ثم كتطابق بين ما يدل عليه الملفوظ وبين الشيء "[3].

 يربط "هايدجر" بين الحقيقي و الواقعي، فهو الحقيقة الملموسة التي يجب على اللغة أن تعتمد وسائلها من أجل صنع التوافق بين بنياتها والأشياء الواقعية التي ترتبط بها وتنشئ تصورا عنها، لكن هذا الحقيقي عندما يدخل نطاق التخيّل يتم تغيير ملامحه وتصوير واقع مختلف عنه. وهو واقع الإمكانات التي تتحقق في واقع لغوي بحت.

إذا كان وعي الإنسان هو الذي يميز تجربته، فالمميز أكثر أنه يملك القدرة على إعادة تشكيل هذه التجربة، وهو ما يجعل الأدب ينتمي "إلى العالم الذي يشيِّده الإنسان، وليس إلى العالم الذي يراه، إلى بيته وليس إلى بيئته. عالم الأدب هو العالم البشري الملموس للتجربة المباشرة. إن الشاعر يستخدم الصور والأشياء والأحاسيس أكثر مما يستخدم الأفكار المجردة، والروائي يهتم بسرد القصص لا بإثارة المجادلات"[4] ؛ حيث نفرق من هنا بين الواقعي والمنظور الذي نراه به. فالواقع يقع خارج النص الروائي الذي يحوله عبر العمليات التخيّلية ليصنع من خلاله عالما أكثر عمقا و تأثيرا، لأن المبدع ينقل تجاربه من الواقعي إلى المتخيل ثم إلى نموذج تعبيري لغوي ؛ حيث "يبدأ الفن من جهة أخرى، بالعالم الذي أنشأناه، وليس بالعالم الذي نراه. إنه يبدأ بالخيال، ثم يعمل باتجاه التجربة العادية: أي أنه يحاول أن يجعل نفسه مقبولا و معترفا به قدر الإمكان"[5].

يبدو الخيال إذن وسيلة الإنسان إلى رسم تصوراته عن العالم و تقديمها إلى الآخر، ومع ذلك يبقى مرتبطا بالآليات التي يعمل بها الواقع، ليكون المتخيل مقبولا على مستوى التلقي، وأكثر تأثيرا على القارئ.

نستطيع من هنا أن نشكل تصورا عاما للمنظور الذي نؤسس به لما سنأتي على ذكره بعد حين، المتمثل في كون هذه التجربة التي يعيشها الإنسان عموما و المبدع على وجه الخصوص مرتبطة بعالمه الداخلي ؛ أو بعبارة أخرى مرتبطة بالطريقة التي يدرك بها عالمه الخارجي وتواصل من خلالها معه، وهذا يعيدنا إلى قضية مهمة تحكم الرواية وهي علاقة التخيّل بالواقع في هذا النمط من النصوص.

يقوم المحكي الروائي في الأساس على التشابك بين الواقع و الخيال، ولعل هذا يعود إلى طبيعة الفنون، فالفنون اللغوية تعمل منذ البداية على القاعدة اللغوية الجوهرية التي تفصل الدال والمدلول عن المرجع الواقعي. إن الإنسان يعيش داخل اللغة ويفكر ويعبر بها. ومن هذا المنطلق ما تعمل الرواية على سرده من وقائع وأحداث وكل الآليات التي تتبعها في ذلك يقع في دائرة المتخيل و علاقته بالواقع، لا تتجاوز علاقة العلامة اللغوية بمرجعها. وإن تجاوزته فهي تحاول قدر الإمكان إعطاء القارئ انطباع الواقعية دون التنازل للسقوط في الواقع.

يمكننا أن نبدأ بقول "روبرت شولز"(Robert Scholes) في مقالته"صناعة الخرافة والواقع":"إن ما تنتجه المخيلة هي أشياء حقيقية، كما يقول بيرس، بمعنى أننا نتخيلها فعلا. إن تكون لدينا فكرة أو حلم، فإن التفكير والأحلام هي في ذاتها أشياء حقيقية.."[6]، وهو ما يعني أن نتاج الفعل التخيلي حقيقة لكنه حقيقة من نمط آخر، وهو الأمر الذي نستطيع تطبيقه بيسر على العالم الروائي.

يقودنا هذا إلى الاعتقاد بأن علاقة الواقع والتخيّل بالرواية علاقة جوهرية، فالرواية شكل من أشكال الكتابة، وهي بذلك تقدم لنا عالما متخيلا متناسقا شبيها بالعالم الواقعي من خلال استثمار عناصر منه: مثل الأحداث والشخصيات، والأمكنة والأزمنة،تشكل عالمها الخاص، فعلينا أن نعرف حدود تداخل هذا العالم المتخيل مع العالم الحقيقي.

يعيدنا هذا إلى أن التخّيل الخاصية الأكثر أهمية التي تحكم تشكيل المحكي الروائي فـ" التخييل يشابه الحياة على نحو ما، وأن المصطلحات الملائمة للحكم – يمكن أن توجد بمقارنة التخييل مع ما يحدث فعلا في الحياة، وأن الرواية أكثر الأشكال الأدبية اختلاطا لذلك هي أكثرها استجابة للضغوط الآتية من خارج الأدب، ومع زيادة معرفتنا الأدبية بالتخييل من حيث هو بنية في اللغة تستخرج من بنيات أولية تحددها بدقة أداة اللغة ذاتها"[7].

يبدو لنا أن العلاقة بين الرواية والواقع لا يمكن إخفاؤها، لكن هذا لن يحوِّل الرواية إلى واقع، لأنها ليست إلا قطعا جزئيا منه. هذا القطع منفصل عن أصله، فالرواية تستثمر ملامحه، لكنها تضيف له من الخيال ما يجعله أكثر إثارة من العالم الحقيقي، ومشحونا بالعواطف والانعكاسات أكثر فأكثر، لكنها مع ذلك تبقي على هذه العلاقة، لكي توهم القارئ بكونها تمنحه الحقيقة، وما هي إلا حقيقة زائفة أو نفضل أن نقول إنها حقيقة أخرى غير تلك التي استثمرتها. وبذلك تطرح الرواية "الأدب المتصور أنه ملاحقة الممكن يتجاوز كثيرا محض التطابق حتى إن نقاط اتصاله بالواقع لا تبدو إلا عرضية"[8].

مما يجعلنا نقول إن مجاورة الرواية للعالم الواقعي من خلال تسخير اللغة والسرد لإعادة إنتاجه؛ التي تقود السرد ذاته إلى استخدام بعض العناصر الواقعية في تشكيله لعالمه الخاص، وهذا تكون نتيجته المباشرة مرتبطة في الأساس بإدراك المتلقي لهذا العالم، الذي يعيد آليا وضعه وقراءته مباشرة بالمرجعية التي يملكها عن عالمه الواقعي، وهو أمر ضروري لأسباب عديدة أهمها التأثير على القارئ وإيهامه بصدق ما يجري، وإن لم يكن تصديقا تاما سيكون على الأقل تعاطفا مع ما يجري.

ولكن هذا الأمر الذي يجعلنا نتصور مسارات عديدة ممكنة للارتباط بالواقع، ليس إلا ارتباطا أكثر ما يمكن القول عنه إنه جانبي ومتجاوز، ذلك أن العالم المرجعي  الذي تحمله الرواية ليس عالما كاملا، وإنما جزءًا منه من جهة، وهذا يجعلنا نتعامل معه انطلاقا مما تكونه التجربة الإنسانية، التي تمنحنا رؤية ثقافية ينتجها الإنسان ذاته، ومن جهة أخرى لا تختلف هذه الرؤية الاجتماعية كثيرا عن العالم المحتمل الموجود داخل الرواية، لأنه يتشكل أيضا من خلال تجربة إنسانية ما ويدخل دائرة الثقافة أيضا، وكل هذا لا يعني إلا أمرا واحدا، أن العالمين ليسا مستقلين عن الإدراك الإنساني الذي ينتجهما، وهما يعيدان إنتاج البنية الثقافية للمجتمعات على حد سواء، لذا لا يمكننا وفق هذه الرؤية أن نقول إن العالم الحكائي نسخة عن العالم الواقعي أو تشويه له، ما دام كلاهما نتاجا فكريا، يعيد الإنسان صياغته بطرائق مختلفة فقط.

نتحدث هنا عن وعي الإنسان بالشكل الاجتماعي الذي يريد أن يحيا به، لذلك يركز "نورثروب فراي" (Northrop Frye) على أن "نبدأ بمعرفة أين يكون الخيال في مخطط الشؤون البشرية. إنه القدرة على إنشاء نماذج ممكنة للتجربة البشرية، ففي عالم الخيال كل شيء ممكن، ولكن لا شيء يحدث واقعيا. فإن كان لابد من الحدوث، فمن الضروري الانتقال من عالم الخيال إلى عالم الحدث."[9]، يمكننا هنا أن نحدد وظيفة التخّيل في الرواية، فهو الآلية التي تعمل على إعادة تشكيل التجربة الإنسانية (الواقع) من أجل صنع واقع بديل هو الواقع الذي يتفاعل معه القارئ ويفرض عليه منطقه الخاص.

و هو ما يفسر ما يقوله "روبرت شولز" في حديثه عن الخرافة لأن صناعتها" لا تعني التنحي عن الواقع، بل هي محاولة لإيجاد مطابقة أكثر دقة بين الواقع الذي هو خيال و الخيال الذي هو واقع. إن صناعة الخرافة الحديثة تقبل، بل وتؤكد، على قابليتها للخطأ، وعلى عدم قدرتها على الوصول إلى الطريق المؤدي إلى الحقيقة، ولكنها تستمر في النظر باتجاه الواقع. إنها تهدف إلى أن تسرد حقائق كما يمكن أن يسردها الخيال منطقيا بأساليب خيالية على نحو ما"[10].

إذا كانت الرواية تعمل على صناعة العالم الواقعي وتحويل مرجعياته باختلافها عن طريق  الفاعلية الإدراكية المتمثلة في التخيّل، فيمكننا أن نلخص شروطه
و الآليات التي يعمل بها على النحو التالي:

  • كل التخييل تخييل.
  • كل التخييل يبزغ من وعي الكاتب الفرد، ولذلك يتخذ شكله بالطريقة التي يدركه فيها الوعي.
  • المادة الأساسية للرواية هي الكلمات، فهي الوسيلة التي يبني بها كل وعي ويرتبه، وبها يغدو العالم الخصوصي مشتركا.
  • الشكل الأساسي للتخييل هو أن يستخرج من اللغة الإمكانات التي يتخيلها الكاتب نحو أفضل تحقيق لقيمه قابل لن يشاركه فيه الآخرون.
  • مهما كانت الطاقة السائدة في معظم التخييل، نظرته، حادثية (نسبة إلى الحادث)، أو ظاهريا لا شكل لها، فهي ليست تمثيلا للواقع بل تشكيل للتجربة المستخلصة..[11].

نخلصُ هنا إلى الشرط الأول الذي يتبع علاقة التخيّل بالواقع ألا وهو "التجاوز"؛ حيث تبدأ الرواية من الواقع، ولكنها تنتهي إلى تجاوز معطياته لبناء معطيات جديدة لتفسر بالنظر إلى السياق النصي  من جهة وعلى غايات المؤلف ووجهات نظره من جهة أخرى، هذا لأن " المتخيل يتجاوز الموجود ويتخطاه ولكنه يتمثل في كل لحظة المعنى الضمني للواقع. ولذلك إذا كان السلب – أو التجاوز – هو المبدأ اللامشروط لكل مخيلة، فإنها بالمقابل، لا يمكن أن تتحقق إلا في ومن خلال فعل تخيلي. إذ ينبغي أن نتخيل ما نتجاوزه"[12]، وهكذا يتحقق التفاعل بين الواقعي والمتخيل داخل النصوص الروائية ؛ حيث تمنح قراءة النص للمتلقي الربط بين مستويين، الأول يتعلق بصورة المرجعي داخل الرواية كما يديرها المحكي والثانية بربط هذه الصورة مع عالمه الواقعي الذي يعيشه ويتواصل معه، ويمكنه بعدها أن يتعرف على الخلفيات والتغيرات التي طرأت عليها ويحاول إعادة تشكيل فهم لها وتأويلها.

  • 2. الواقعة التاريخية والمتخيل الروائي

تعد الواقعة حدثا قام به شخص بعينه أو تحدث عنه، أو بتعبير "بول ريكور "(Paul Ricœur): "الواقعة هي شخص ما يتكلم"[13]، و هو مفهوم أولي يحين الواقعة كخطاب في زمن الحاضر لكن الباحث ما يلبث أن يفسر أكثر بقوله :"ليست الواقعة هي التجربة كما عُبِّرَ عنها ونُقِلت فقط، بل هي التبادل فيما بين الذوات نفسه، هي حدث الحوار. لحظة الخطاب هي لحظة الحوار، فالحوار واقعة تربط بين واقعتين، هما التكلم والسماع. ومن خلال هذه الواقعة الحوارية يصير الفهم بوصفه معنى أمرا متجانسا"[14].

إن كان الواقعة الفعلية تتحدد في الحوار المؤسس بين ذاتين، وهو ما يشير إلى ارتباطها بالحاضر والآني، لكن هذه الواقعة إذا أعيد سردها فستنتقل كمرجع باعتبارها حدثت في الماضي، لكن الخطاب الروائي كأنواع الخطاب اللغوي يعيد تحيّيِنها في الحاضر بواسطة فعل السرد، لأنها واقعة تعيش داخل اللغة وتلتزم بحدودها ومجالها الإدراكي التخيلي، وهي بذلك واقعة لغوية محصورة في المجال التخيلي الذي تفسحه لها بالضرورة، ونكون بذلك أمام نموذجين من الوقائع، يتعد النموذج الأول بالوقائع المنقولة بواسطة السارد، و الثاني بتلك الناتجة عن حوار بين اثنين أو أكثر.

يمكننا أن نستشف من هذا أن الواقعة تشترط كونها تجربة إنسانية حدثت وتم تداولها وتثبيتها في الميراث التاريخي. كما تعد أيضا تجربة تواصل بين ذاتين فأكثر، مما يجعلنا نربط بين واقعتين في الآن نفسه إنتاج الخطاب وتلقيه.

إذا كان المحكي الروائي يعمل على إعادة تشكيل الكثير من العناصر وتغيير ملامحها مثل الوقائع والزمن والشخصيات والفضاء وغيرها من العناصر، فهذا يعني أنه يتجسد باعتباره "خطة إعادة الوصف التي تصدر فيها الوظيفة الكشفية عن البنية السردية والتي يكون فيها الفعل نفسه هو مرجع إعادة الوصف"[15]، ومن هذا تكون المرجعيات التي تستغلها الرواية متعددة وشديدة التنوع بين الأدبية الشعبية والسياسية والدينية والتاريخية. وحديثنا عن توظيف التاريخ في الرواية الجزائرية سيكون مرتبطا بكل ما ذكرناه فيما يتعلق بفعالية المتخيل داخلها ؛ حيث نكون أمام قناعة أن الرواية لا يتعين عليها أن تمنحنا التاريخ الذي يكتبه المؤرخ ولا الشهادات التي دونها، لكنها ستمنحنا تاريخا خاصا لا يمكنه إلا أن يتجاوز التاريخ العام الذي يعتمد عليه في بنائه؛ حيث تستثمر الرواية معارفنا ولن تستثن من هذا الاستثمار التاريخ باعتباره شكلا " من أشكال المعرفة من خلال العلاقة التي يقيمها بين التجربة التي عايشها أناس في أزمنة أخرى وبين المؤرخ في الوقت الحاضر"[16].

سيحتم علينا هنا أن نشير إلى أن الحدث التاريخي الذي نتعامل معه هنا سيكون مأخوذا بالمفهوم الذي يقدمه له "بول ريكور" حين يقول إنه: " ما حدث فعلا في الماضي. ولهذا التأكيد نفسه أوجه متعددة.أولا، نحن نقر بأن خاصية ما حدث أصلا تختلف اختلافا جذريا عما لم يحدث بعد. وبهذا المعنى، تعد ماضوية ما حدث خاصية مطلقة، مستقلة عن بنائنا و إعادة بنائنا لها. وهذه السمة الأولى مشتركة بين الأحداث الطبيعية و الأحداث التاريخية. و تحدد سمة ثانية حقل الحادثة التاريخية. فمن بين جميع الأشياء التي حدثت، تحظى بعض الأحداث بكونها عمل فاعلين مشابهين لنا. ولذلك فالأحداث التاريخية هي ما تجعله هذه الكائنات يحدث أو تمر به هي نفسها."[17]

إن الانطلاق من كون التاريخ هو ما حدث فعلا في الماضي، فهو يتقاطع بالضرورة مع الواقعي في أكثر من صلة إلا أن الفارق الجوهري أن التاريخ جزء من الواقعي ولكنه خاص؛ أي بعبارة أخرى مثمن من طرف المسار الاجتماعي نظر لفاعليته في تغيير شكله في مراحل متعددة، بالإضافة إلى كون التاريخي يستند على المنظور الذي يتحرك من خلاله المؤرخ، وهو الأمر الذي ينتقل به من التاريخ المسند إلى المتخيل لإعادة تشكيله، كما يمكننا أن نضيف أيضا اشتراكهما في النمط السردي الذي يقدمان به.

إن المفهوم العام للتاريخ يحيلنا على اعتباره:"صورة ذاكرة عتيقة جماعية تستعين بالوثائق المادية لكي تستعيد الذكريات في حرارتها، واستثمار لمادة وثائقية (من كتب ونصوص وحكايات وسجلات وعقود ومنشآت ومؤسسات وقواعد وتقنيات وأشياء وعادات إلخ)، تقدم  دوما وفي كل مكان، وعند كل مجتمع، أشكالا تلقائية أو منظمة من البقاء...التاريخ هو كيفية من الكيفيات التي يدبر بها مجتمع مادة وثائقية لا ينفصل عنها"[18].

إذا اعتبرنا التاريخ ذاكرة من الوقائع والوثائق التي تقول ماضي الأمم والشعوب وتربطنا به، وتسمح لنا بالتعرف على ما كنا عليه، فإن الهدف من ذلك هو وصل التاريخ بالحاضر، لأن استعادة تاريخ الذات وتجربتها الإنسانية "يضمن لها أن تستعيد كل ما ضاع منها، ويؤكد أن الزمان لا يفرق بين الأشياء إلا لكي يعيد إليها وحدتها، وما يعد بأن كل هذه الأمور التي أزاحها الاختلاف، في مقدور الذات- في صورة الوعي التاريخي – أن تتملكها يوما ما، لتبسط عليها هيمنتها وتجد فيها ما يمكن أن نسميه مقرها"[19].

إن التاريخ لصيق بالماضي وأحداثه، لكن الأدب مرتبط بالممكن، و الاحتمالات التي يفترضها الإنسان، وتتفتح أمامه آفاقها، وهو الأمر الذي أشار إليه "أرسطو" (Aristote) في كتابه "الشعرية" في حديثه عن الفرق بين المؤرخ والشاعر: "الفرق الحقيقي يمكن بأن أحدهما يروي ما وقع، والآخر ما يمكن أن يقع. وعلى هذا، فإن الشعر يكون أكثر فلسفة من التاريخ و أعلى قيمة منه؛ لأن الشعر عندئذ يميل إلى التعبير عن الحقيقة الكلية، أو العامة؛ بينهما يميل التاريخ إلى التعبير عن الحقيقة الخاصة، أو الفردية. وأعني بالحقيقة الكلية أو العامة، ما يقوله أو يفعله نمط معين من الناس، في موقف معين، على مقتضى الاحتمال أو الحتمية"[20].

إن ميزة التاريخ أن يقرر ما حدث وأن يتقيد به فيستعين بالشهادات والوثائق وغيرها، لكن الميزة الأساسية للأدب هو أنه يتعدى التاريخ إلى الممكن
و المحتمل.يمكننا أن نركز على ردود الأفعال التي نبنيها في الأدب والتاريخ للواقع، فالماضي التاريخي مليء بالأحداث، و مهمة الكاتب أن يعي هذه الوقائع، وأن تختار ما يشكل به منظورا مختلفا، فالرابط بين الرواية والتاريخ يتعلق بطرح سؤال مهم هو: ما الفائدة من إدراج هذا الماضي الذي"يبدو فوضى هائلة متقزِّحة الألوان، أكثر مما يبدو كذلك حتى الحاضر. ولا شيء يرتبط موضوعيا وعضويا حقا بالطابع الموضوعي للحاضر. ولهذا السبب، تستطيع ذاتية تجول بحرية أن تلتصق أينما وكيفما تشاء، ولما كان التاريخ قد جرى تجريده من عظمته الداخلية الحقيقية – جدلية التطور التناقضي، التي جُرِّدت فكريا – فكل ما تبقى لفناني هذه الفترة هو عظمة تصويرية وتزينية، ويصبح التاريخ مجموعة من الحكايات الغريبة"[21].

إن الوقائع التاريخية التي لا تسنى هي تلك التي يحولها الإبداع إلى روائع متخيلة، وتكمن عبقريته في إعادة عرضها بصورة أعمق، فالوقائع لصيقة بالزمن، وبذلك يكون الحاضر مرتبطا بالماضي، لفهم الحاضر ما يكون"على المرء أن يفعله هو أن ينسب أفكار ومشاعر وحوافز أناس الوقت الحاضر إلى الماضي"[22].

  • 3. أنماط الإدراج وآليات التحول التاريخي

يضع لنا عز الدين جلاوجي عنوانا خاصا لروايته؛ حيث يتصل شكله بعناوين المتون العربية القديمة التي تتسم بطول التركيبة اللغوية" حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"، مما يجعلنا نقف منذ البداية عند البعد الزمني لهذا النص، بالإضافة إلى بعده الدلالي .

تحيل كلمة "حُوبه" بضم الحاء إلى الإثم و الهم والغم، وهو هنا لفظ أطلق للإشارة إلى اسم امرأة ستكون مهمتها الأساسية هي الرحلة، وهدفها البحث عن شخصية هامة في الميراث الشيعي "المهدي المنتظر"، بذلك يمكننا إعادة قراءة العنوان بالطريقة الآتية "محنة وإثم البحث عن المهدي المنتظر"، ومع أن العنوان يتشكل من تركيبة اسمية لا تشير إلى تواجد للفعل كي يحدد البعد الزمني إلا أن القارئ يمكنه تأويله بأكثر من إمكانية، لعل أقربها إلى الذهن ما يلي: أن الرواية تتقدم لنا بمحكي يجمع بين حاضر الكتابة وعمق الرحلة التي تجمع مسارا بدأ في الماضي بحثا عن شيء مازال لصيقا بالمستقبل "المهدي المنتظر"، هذا المنقذ و القائد المخلص.

إن هذا العنوان التي يعيدنا على المد العلوي في الجزائر بعد الفتح الإسلامي
و المعتقد الشيعي الذي يؤمن بقائد منقذ للأمة اسمه "المهدي". هذا التصور الذي سينقله القارئ مؤمنا أن الإجابة عنه ستكون داخل المتن السردي الذي ينوي التفاعل معه.

تقوم الرواية على ثلاثة فصول تقدم لنا شظايا متشابكة لبوح واحد:

الفصل الأول: أنات الناي الحزين

الفصل الثاني: عبق الدم و البارود

الفصل الثالث: النهر المقدس

تبدأ هذه الفصول بافتتاحية تظهر فيها حوبه بملامحها التي يرسمها سارد عليم، ملامح غائبة، تختفي خلف اسم لامرأة تلتصق بأصل و دور جدتها شهرزاد. إنها ساردة من الدرجة الثانية لا يسمح لها السارد الأساسي بالظهور إلا متى شاء، حتى يتبدى للقارئ أنها ليست سوى زخرفا داخل النص الروائي وأن مهمتها الأساسية هي رسم ملامح السارد الأساسي وتركيز انتباه القارئ نحوه، ليصور لنا منذ البداية اختلاف منظوره السردي الأساسي عن منظور هذه الساردة بقوله:"أنا لا أؤمن بالمهدي المنتظر، هو مجرد خرافة رسمها خيال العامة المنهزمين تعلقا منهم بأمل ما، سيشرق يوما ليهزم ظلماتهم. لكن حوبة تؤمن به وتنتظره بشوق كبير، وتظل تحكي عنه دون ملل أو كلل"[23]

يشهر السارد منذ البداية ورقة الفصل بين المتخيل والحقيقي في الفكر الجزائري والإنساني على العموم، فهو يفصل بين ما تؤمن به حوبه في عودة القائد المخلص المنتظر، وإيمان السارد أن هذا ضرب من الخيال والخيال لا يتسلقه إلا الجبناء، وبذلك يحاول السارد أن يتحايل على القارئ بخرق قاعدة أولى للنصوص الأدبية هي التخيل، وأن يقنعه أن ما يقوله هو الحقيقة.

يبدأ من هذا المقطع التداخل بين المتخيل والواقعي في هذه الرواية، ويدرج بعد ذلك دور التاريخ حيث يورد السارد قوله:"لقد قررت أخيرا أن تحكي قصتها لي، لم تشأ أن تبدأ مذ وُلِدَت، هي تقول دائما أنا أعمق من ذلك بكثير، أنا تاريخ ممتد الجذور في الماضي، الماضي السحيق"[24]

إذا كانت حوبة تؤمن بما هو متخيل، وأنها جزء من التاريخ الذي ستتكفل بسرده إلى سارد يتحول بالدرجة الأولى إلى مسرود له، وهنا يمكننا أن نشير إلى أن ما تقدمه لنا "حوبه"، هو بالضرورة تاريخ متخيل، و هو الحقيقة الوحيدة التي تحملها أوراق الرواية، و هنا ينطلق تساؤل مهم، يتخلص في السبب الذي يجعل السارد يتعارض مع "حوبة"، هذا التعارض الذي يقوم بين رفض المتخيل والسعي خلفه بين هيئتي السارد داخل الرواية.

يتعزز هذا التعارض بما تقدمه الرواية في بداياتها من لفتتة مهمة تتعلق بالصورة التي ترسمها للكاتب المجرد أو بعبارة أخرى، الصورة التي يرسمها الكاتب الواقعي لذاته ويحلم بها و يطالب المتلقي بطريقة غير مباشرة أن يتمسك بهذه الصورة ويتداخل معها " كنت أنا أجلس أمامها كتلميذ وديع.. أغمضت عيني وحلمت أني أسبح معها في الفضاء اللامتناهي .."

يحيل هذا التصور للكاتب والقارئ المجرد معا إلى نموذج تفكيري يطبع من البداية علاقته بما يقال بالإيمان المطلق والانقياد دون التشكيك، ويعد هذا طابعا لأغلب الأعمال الروائية، إلا البعض منها مما يطرح التشكيك في المحكي  والوثوق بكل ما يقدم لنا السارد، ولعل الأمر يعود إلى النظرة الفوقية التي يطرحها الكاتب للمتلقي أو تكهنه بعدم علمه بما يقدمه، أو أن ما يقدمه مقدس إلى درجة عدم التشكيك فيه.

هذا الصوت الواحد الذي تحاول هذه الرواية تقديمه بطريقة غير مباشرة؛ إذ تستخدم من جهة أكثر من سارد بالمزاوجة بين الصوت الذكوري، والأنثوي، إلا أن المتتبع سيتأكد بعد الصفحات الأولى القليلة أن ما يحكم الرواية هو صوت ذكوري واحد بمنظور واحد لا أكثر، مما يعود بنا إلى تأكيد هذه الرؤية كظاهرة عامة في السرد الجزائري المعاصر إلا بعض الاستثناءات القليلة.

يدعم السارد هذا الانصياع الكلي لسلطة السرد والحقائق التي يقدمها، ليدعم ذلك على لسان "حوبه" وانهمرت تحكي كما حكت جدتها شهرزاد في سالف العصر والأوان مستفتحة بقولها:

بلغني أيها الحبيب السعيد، ذو العقل الرشيد أنه.."[25]، ويضيف بذلك إلى سمات المتلقي سمة العقل الرشيد والحكمة، ولكن ما شد انتباهنا هو التركيز على البعد العاطفي في كلمة "الحبيب"، التي تجعل من الانصياع العاطفي وراء ما تقول هذه الأنثى إلى تغييب العقل الذي يدعو إليه السارد الذكوري. هذا التصادم في الخطابات ما يلبث أن ينتهي؛ إذ يبدأ خطاب حوبه الشكلي في هذا المقطع و فيه ينتهي، ليتكرر في كل مرة نبدأ فصلا آخر من الرواية.ثم يظهر السارد  الأساسي بضمير الغائب "هو": "وحده الدم القاني الفائر كزبد البحر كان يتراءى له، سواء أغمض عينيه أم فتحهما .."[26].

انطلاقا من هذه النقطة ينفتح المحكي على سلسلة واسعة من الوقائع تبدأ بحياة عادية في الريف الجزائري أثناء الاستعمار وتنتقل إلى أن تصل إلى حوادث الثامن ماي، هنا يكون علينا الآن أن نركز الآن على تحليل ارتباط الوقائع الروائية بالتاريخ و تأثير ذلك على الخاصية الزمنية .

الزمن المحكي الروائي والواقعة التاريخية

عندما نتقدم في التورط داخل الرواية نجد أن حضور التاريخ لا يأخذ بعدا واضحا في الفصل الأول ؛ حيث يمنحنا هذا الأخير فكرة أن السارد يغرق في الشعبي
و المحلي أثناء تقديمه للوقائع الروائية التي تتمثل فيما هو معاش ومتعارف عليه في الحياة الاجتماعية الشعبية الجزائرية؛ إذ تتقدم الأحداث شيئا فشيئا معلنة عن صراع بين عرشين "أولاد سيدي علي"و"أولاد النش" على السلطة والأرض والشرف، ووقائع الثأر الموجودة بين العرشين.

ما حدد مسار السرد في الفصل الأول، يتكوم في حلقة واحدة هي اليومي والمعتاد في فترة زمنية سابقة في المجتمع الجزائري. إنه زمن الاستعمار، زمن الصحوة التي سبقت الثورة الجزائرية سنة 1954، بالتركيز على العرف الذي كان يحكم العروش والقبائل والعلاقات الاجتماعية مثل (الحب، الزواج، السلطة، الأصول التاريخية، وغير ذلك)، كما هو الأمر في هذا المقطع: " كلما تحدث  والده عن سيدي علي إلا وأحاطه بقداسة عظيمة، هي من قداسة النبي والسيد علي، ويورد عشرات القصص عن كراماته التي لم يكن أحد ليشك أبدا في صحتها.." ؛ حيث يبدأ السارد بتثبيت الأصول العلوية لعرش أولاد سيدي علي، وتميزهم ونقائهم باستخدام التداخل بين الدين والخرافة في العرف الجزائري، هذا الأمر الذي يعد انتصارا لعرش على حساب آخر، وسيستمر هذا التحيز إلى آخر نقطة في الرواية .

 يظهر التاريخ في الفصل الأول عبر خطاب هيئة واحدة، هي السارد، من خلال تقديمه لمعلومات، وتفاصيل منثورة داخل المسار السردي، خصوصا ما تعلق بإعادة تثبيت جذور بعض العروش الأخرى داخل التاريخ بمثل قوله عن أولاد سيدي بوقبة:" يشاع أن أولاد سيدي بوقبة ينحدرون من سلالة النبي الأكرم صلى الله عليه و سلم"[27]، ثم يضيف: "وفي عام 1870 كان القدر على موعد جديد مع سلالة سيدي بوقبة، حين قيض الله لها الشيخ أحمد... ولم يمض إلا عقدان من العمل أو أقل حتى بلغه نبأ استعداد الناس للثورة ضد فرنسا... التقت ثورتهم مع ثورة الشيخ الحاج محمد المقراني وشملت كل الشرق الجزائري، غير أن القوات الفرنسية كانت أقوى... لقد زج الشيخ الحداد في سجن قسنطينة؛ حيث لقي ربه بعد أيام من سجنه...وقَتل أحد الخونة الشيخ المقراني غدرا بمعركة وادي سوفلات..."[28].

ينتقل بعد ذلك للحديث عن أصول أولاد النش،  التي يشاع أنها عائدة إلى الحسين المكحالجي الفارس الهمام الذي حارب جنبا إلى جنب مع الباي أحمد دفاعا عن قسنطينة والأرض إلى أن قتل، وأطلقت فرنسا على عرشه "أولاد النش "، هذا العرش الذي عاش قدرا بشعا عندما انتقل إلى مساندة الضفة الخطأ ؛ أي الوجود الفرنسي في الجزائر" لكن السلطة انتقلت بعد ذلك إلى السعيد أحد أحفاد الحسين من زوجته الأولى، فنصبته فرنسا قائدا،وأطلقت يديه لتمتد إلى تحقيق كل رغباته، ثم انتقلت إلى ابنه القايد عباس الذي كان قد متن علاقته بفرنسا، وكسب لقومه قوة رهيبة، وتوسع في امتلاك الأراضي والأنعام على حساب كل العروش المجاورة"[29]

يبدأ المحكي من هذه النقطة بعرض التنافر القائم بين هذا العرش وعرش أولاد سيدي علي الذي يعد نموذج الجزائري الذي يتعامل مع فكرة التواصل مع فرنسا بعنف وحزم، مهما كانت الظروف: "هاهي قبيلتهم تنكمش مساحتها باتجاه سفوح الجبال، ما الذي يستطيع أن يفعله وهو كبير العرش؟ هل يمكن أن يواجه هذين العرشين الكبيرين ووراءهما فرنسا بسطوتها وعسكرها؟ وتذكر أخاه سالم وقد همس له يوما في حضرة والده، ماذا لو تقربنا من الحاكم الفرنسي، فمنحنا السطوة أيضا، وتذكر يد أبيه تنزل كالصاعقة على خذ أخيه سالم الذي تهاوى إلى الأرض؟..."[30].

ولكننا نتوقف من خلال هذا عن رؤية التاريخي، لأن الأحداث تتحول إلى التحيين في الحاضر ونتعايش مع شخصيات تتحرك ومن خلال أفعالها وحواراتها. نتعرف عن العالم الحكائي الذي يظل رغم ذلك تحت هيمنة السارد العليم، وبذلك تتحرك الأحداث بشكل يغرق القارئ في وهم الواقعية، ويجد نفسه بين الشخصيات، بتفاصيلها اليومية؛ حيث يغدو التاريخ أبعد بتجنب رواية حوبة الخوض في الاقتباس الفعلي من النصوص التاريخية، وتجنب الوثائق التاريخية والمستنسخات الأخرى مثل الجرائد والرسائل وغيرها، وهو الأمر الذي جعل المحكي أقرب إلى الواقعي.

إذا تتبعنا ما يذكره يقول "هايدجر": "إن لكل شيء زمنه الخاص"[31]، فإن ما نصل إليه من أحداث الفصل الأول أنها تقوم على تقديم التاريخ باختيار شخصيات بسيطة وتشكيل نموذج للحياة الريفية التي تكون أقصى درجات صراعاته الحرب على الأرض والنفوذ والنساء، وحيث يتحرك السردي اتجاه تقييد التفاصيل الصغيرة لهذا الصراع، ويكون بذلك شكلا من أشكال تقديم الحياة الجزائرية في عهد الاستعمار كنوع من أنواع التماثل بين الواقعة الحقيقية والواقعة التخيّلية هو ما يمنح إحساس القارئ بالصدق في الحالتين التاريخ والرواية.

لكن الأمر يتحول جذريا في الفصل الثاني؛ حيث يبدأ السارد بإدراج بتوريط الشخصيات وإقحامها في سيرورة الثورة وحشد الشخصيات و الأحداث باتجاه الانفجار الوقائع بين مناهض للوجود الفرنسي ومؤيد له في الجزائر. إنها التغريبة نحو المدينة "سطيف": "ولكن من أجل حمامه لا حرج أن يذهب إلى الجحيم...وأي جحيم؟ ليس هو أول من تغرب..ولن يكون الأخير.. يعرف أن قلبه سينسلخ مرارا... وهو يتذكر كل طيف من ذكرياته"[32]، هكذا يحدد العربي قيمة قضيته وشرفه ويهون لأجله كل شيء حتى  الانسلاخ من الأرض التي عشقها.

يستمر السارد في هذا الفصل في التحكم في إدراج التاريخ داخل الرواية كلما وجد ثغرة أو اختلق سببا لذلك؛ إذ  يكتشف العربي عالما مختلفا داخل المدينة، ويتواصل بالضرورة على من كان لا يذكر اسمهم على الإطلاق كتواجد اليهود في المدينة مثلا،
و هذا الطارئ الجديد على العربي فتح من خلاله السارد ثغرة لتقديم تاريخ اليهود وأطيافهم في الجزائر:"اليهود في الجزائر ينقسمون إلى ثلاث طوائف: التوشابيم وهم يهود العرب، والميغورشيم وهم يهود الأندلس، ويهود ليفورن وهم يهود أوروبا.."[33]

 يتقدم دخول التاريخي شيئا فشيئا داخل النص السردي؛ حيث نلاحظ بدأ توارد الأحداث التاريخية على لسان الشخصيات في حوارها، وفي جلساتها اليومية، وعلى لسان أكثر الشخصيات بساطة، ونورد هنا هذا المثال: "يا عمي رابح لم أفهم معنى الحرب العالمية./ سلم للعربي فنجانا، رشف من فنجانه، وراح يحكي عن الألمان والترك وفرنسا والحجاز ودمشق ومصر، واختلطت الأسماء في ذهن العربي ولم يفهم شيئا..." [34]و يبرر السارد هذا الأمر بعد ذلك بقوله" كان يرى سي رابح رجلا شهما وشجاعا، أما الآن فصار يراه عالما أيضا.."[35]

يتطور السرد الأقرب إلى الواقعية بتفاصيله الكثيرة والعادية، من خلال سرد التطورات في حياة الشخصيات التي يعيش في عرش أولاد النش وعرش أولاد سيدي علي، بمقتل البهلي على يد عصابة القايد عباس، والخطوط المتوازية التي تقوم بها شخصيات عدة باتجاه هدف واحد وهو التخلص من القايد عباس، وهي على التوالي "خطة خليفة، خطة سلافة، خطة الزيتوني، خطة العربي والسي رابح"،

من هذه المرحلة في مسار السرد، نبدأ بملاحظة نزوح بعض الشخصيات من أولاد سيدي علي وأولاد النش إلى المدينة، وتحريكها للقيام بأدوار واعية لفهم  التغيرات السياسية والاجتماعية، مثل رحيل عيّوبة إلى سطيف بحثا عن العربي وحمامة، والتحاق خليفة وسلافة بهما بعد ذلك، ويوسف ابن سلافة الذي  رحل إلى العاصمة وعاد منتسبا إلى حزب نجم شمال إفريقيا.

يبدأ المحكي هنا بالقيام بالتغيرات لإعادة التوازن الاجتماعي المختل داخل العروش مقتل القايد على يد العربي، ثم خليفة، ثم بتقهقر مكان عرش أولاد النش بعد مقتل القايد ومعه انهيار الشيخ عمار شيخ زاوية سيدي بوقبة، وانتقال الأحداث إلى المدينة والتركيز على المجموعة التي انتقلت من الريف ونشاطها أو النشاط الذي اتخذ ضدها مثل اختطاف الطاهر ابن خليفة، وبلخير ابن العربي..إلخ.

إذا كان زمن الماضي الذي يعود إليه المحكي يتصل بسنوات الأربعينات فإن هذا لم يمنع من العودة إلى التاريخ السحيق، بنمط الإدراج نفسه؛ أي الحديث عن التاريخ ثم تبريره في قوله:"راح أمقران يحدثه عن تينهينان الملكة المتمردة، صاحبة الحكمة و الدهاء، الكثيرة السفر والترحال، حتى سميت تينهينان أي ناصبة الخيام .. تقول الروايات إن تينهينان قدمت من منطقة "تافيلالت" الواقعة بالجنوب الشرقي للمغرب الأقصى"[36] إلى آخر المعلومات عن هذا النموذج النسائي المناضل من التاريخ الجزائري، وإدراج هذه المعلومات مبررة من طرف شخصية أمقران باعتبار أنه مستحضر للأرواح و يعلم ان مملكة تينهينان تصل إلى غاية سطيف.

ونكتشف بعدها الداعي إلى ذلك، وهو إذكاء الوعي الجزائري إزاء وضعه الاجتماعي والحضاري، ليطرح السؤال الأساسي الذي كان يحضّر القارئ ليطرحه مع الشخصية أيضا:"وهل سنثور نحن أيضا مرة أخرى يا عمي رابح؟/...لابد أن نفعل، هذا الشعب لن يستكين حتى يطرد الظالمين إلى غير رجعة، فشلت ثورة المقراني سنة 1871، ثم فشلت ثورة الأوراس 1916، يجب أن نعد لثورتنا نحن أيضا..."[37]

ما يلفت الانتباه أن هذه العودة إلى التاريخ القديم لنضال الجزائري ضد الاحتلال جاءت بطريقة تعليمية جافة ؛ حيث يبدو الأمر أشبه بالتلقين لا التلقي القائم على التفاعل، تأكيدا على النظرة الفوقية للسارد لموقعه أو مستواه السردي. كان يمكن لهذه الأقوال أن تفّعل ضمن أفعال الشخصيات، وبذلك تتحول ميزة المحكي التاريخي في هذه المرحلة من السرد من طابعها الجمالي الذي جعلنا ندرك أن صناعة التاريخ الجزائري بدأت من أكثر الأفراد بساطة إلى طابع تلقيني، يكون المتلقي على إطلاع به من قبل، فلا يعدو إعادة ذكر لما ذكر في الكتب التاريخية، ونورد هذا النموذج :

"واصل يوسف الروج محللا الوضع:/ الحركة في العاصمة ثلاثة اتجاهات، جماعة مع رجال الإصلاح، ينشطون في المساجد ... الجماعة الثانية جماعة النجم، و هي / قاطعه سي رابح ثانية: نجم شمال إفريقيا حزب مصالي الحاج... نحن ندعو لاستقلال الجزائر، لابد من انسحاب فرنسا بالتي هي أحسن أو بالتي هي أخشن.. ليس بين جماعة مصالي وجماعة المصلحين فرق كبير، المشكلة معه النواب./ رفع أمقران صوته منددا: عليهم اللعنة بني وي وي، يريدون بيعنا لفرنسا كلهم أبناء قياد وعملاء،ابتداء بابن جلّول في قسنطينة، إلى فرحات عباس في جيجل، إلى بلقاسم بن التهامي من مستغانم، وكل هؤلاء تخرجوا من جامعات فرنسا".[38]

إن العودة إلى الذاكرة من أجل توظيف التاريخ داخل هذه الرواية كان مبرمجا من أجل جعل الأحداث والوقائع، تنطلق من البساطة إلى التعقيد و بمسارات متعددة لشخصيات متعددة لتصل في  الأخير إلى الالتقاء في نقطة واحدة منطقية و مبررة داخل المحكي، أي مجزرة الثامن ماي؛ حيث تتشابك المسارات التحضيرية للمسيرة والتوقعات التي لم تكن مفتوحة إلا على احتمال واحد في الرواية هي المجزرة، هذا الاحتمال الذي -بالتأكيد -كان في حينه واحدا من ممكنات كثيرة، فنجد داخل السرد إشارة إلى منظم المسيرة "فرحات عباس" و إلى المكان الذي تبدأ منه بقول السارد: 

"أثناء اللقاء ذكر فرحات عباس بوجوب خروج الناس بقوة في مسيرة سلمية يوم الاثنين الثامن من ماي، تنطلق المسيرة من مسجد المحطة ... لا هدف للمسيرة إلا إثبات الوجود السلمي، و المطالبة بالحقوق المشروعة، المساواة بالفرنسيين
و اليهود..."[39].

لم يترك السارد هذا المشهد السلمي يرتسم طويلا في ذهن المتلقي، لأنه يتبعه بقراءة نهائية لما سيحدث على لسان شخصية العربي الذي يقول: "قام العربي الموستاش وسط الجميع وراح يجول بناظريه قائلا: أرجو من الإخوة أن يناقشوا أيضا احتمال وقوع مجزرة."[40]

خلصت وقائع المحكي إلى حقيقة تاريخية، لكن نهايات شخصياتها الفاعلة بقيت مفتوحة على أكثر من قراءة يمكننا أن نأخذ بعضها، بالنظر إلى سماتها وعلاقتها بالفاعلية التي تنتجها داخل السرد، وهو الأمر الذي سنناقشه في العنصر الآتي :

الشخصيات والواقعة التاريخية

إنها تتعامل مع التاريخ بشكل رحب؛ أو بعبارة أدق بشكل بسيط، يحيل إلى تفاصيل زمانية تاريخية شهيرة وأسماء راسخة في الذاكرة التاريخية؛ إذ تزاوج الرواية بين نمطين من الشخصيات : شخصيات متخيلة، و شخصيات تاريخية حاضرة مسبقا في ذهن المتلقي، و لعل استعمال الأسماء التاريخية وأقوالها وأفعالها داخل الرواية يعد محاولة لتضييق الثغرة الزمنية بين ماضي الوقائع التاريخية
و حاضر السرد.

يظهر لنا المسار السردي نموذجين من العوامل الجماعية يشكلان هيمنة كبرى على الوقائع وهما:" أولاد سيدي علي"و" أولاد النش "، بالإضافة إلى "أولاد سيدي بوقبة" إذا أخذنا بعين الاعتبار المسار الذي تقدمه لدعم طرف على حساب الآخر.

لا يترك السارد مسافة واسعة ورحبة للمتلقي كي يكتشف خصائص هاذين العاملين، وإنما يقوم بتزويدنا بكل المعلومات التي نحتاجها عن العرشين؛ إذ يحدد ملامح أولاد النش بقوله: "أولاد النش وعلى رأسهم القايد عباس. يمثلون السلطة العسكرية التي لا تقاوم، تستطيع أن تلوي ذراع كل عاص، وكل متمرد، مهما اشتد عوده...و إذا عجز القايد عباس بعصابته وعرشه استنجد بفرنسا فداهمتهم بقواتها تحت أي ذريعة"[41]

 تستبد هذه القوى بكل العروش وتستمد نفوذها من تعاملها مع السلطة الفرنسية و تحكم قبضتها على كل شيء، لكن السرد يعين جهة الصراع الأخرى بعرش آخر"لقد صار أولاد النش أكثر أموالا وعددا، عكس أولاد سيدي علي الذين راحوا يتناقصون يوما بعد يوم، منذ عقدين استولى المعمر بارال على كل ما استصلحوه من أرض، ثم أرغم السعيد القايد والد عباس الكثير منهم على الرحيل بعيدا حيث لا يدري أحد "[42]

يتدخل عرش آخر لا ليكون طرفا ثالثا في الصراع، ولكن ليدعم بسلطته الدينية الجهة الخطأ؛ إذ يشير السارد إلى " أولاد سيدي بوقبة بزاويتهم وبشيخهم عمار فيمثلون السلطة الدينية التي يجب أن يخضع لها الجميع، ولها وحدها أن تفض النزاعات، وأن تعلن دخول رمضان وانتهاءه، وتحدد أيام الأعياد،ولها كلمتها المسموعة حتى عند الحاكم الفرنسي الذي زار الزاوية مرارا، وجلس مع شيخها، وأكل معه من قصعة واحدة طلبا للبركة"[43].

تعتمد الرواية بالإضافة إلى هذه الثلاثية سلسلة من الأسماء التقليدية للشخصية، مما يشكل نوعا من ترهين الأحداث في الماضي، و منحها بعدا دلاليا أعمق، مثلما تفعل السينما أو يقدمه المسرح فيما يتعلق بالديكور الذي يقود القارئ ليربط الأحداث بمرحلة معينة من مراحل التطور الاجتماعي، فنجد "بلخير، العلجة، عيّوبة، الشيخ لكحل، العربي الموستاش، القايد عباس".

يمكننا هنا أن نأخذ نموذجا فاعلا في مسار السرد على الرغم من حضوره الهامشي، متمثلا في شخصية "البهلي لخضر" وهو درويش، يسمه السرد بمايلي : "كان البهلي لخضر يدق عصاه على بيت سلافة الرومية، مدثرا بقندورته الصفراء وببرنسه الأبيض، وقد تدلى من صدره منديل أخضر طويل يستعمله لتنضيف فمه وأنفه.."[44].

 إن هذا الدرويش بهذه الملامح التي لا تشكل فارق كبيرا إلا أن خطابه يقدم الدلالة الوحيدة التي وجدناها تربط بين المتن السردي و عنوانه، فهو يردد خطابا واحدا:" يا ناس يا ناس،هو سيد الناس يرفع الباس، ويعلي الراس، اسمه بالعين يبدا، والنفوس له تهدا، يرفع راس بلادنا ويعز نفوس أولادنا"[45]

 إنه يتحدث عن منقذ للبلد، وعن سماته، وهذه اللازمة المتكررة  تجعلنا نلتبس في اسمين أحدهما "عباس القايد" والثاني "العربي الموستاش" الذي أكد المحكي بعد ذلك جدارته في تحقيق هذه النبوءة، وتبدأ الرواية بعد ذلك بالتركيز على هذه الشخصية، وتقدم لها صورة أولية من خلال خطاب السارد"الصمت وحده كان كهف العربي، يعتكف فيه بعيدا عن ثرثرة الناس، لم يعد يطيق الاستماع إلى ما لا يفيد من الكلام، و لم تعد له رغبة في أن يبوح للآخرين بجراحاته الدامية، يعتقد الجميع بمن فيهم أخوه الزيتوني أنه لا يبالي بأحد، و أن صمته الدائم دليل على أنانيته، وهم مخطئون، كان أكثرهم إحساسا بكل ما يحيط به، يحزن لحشرة تموت و يربأ بنفسه عن ظلم أي مخلوق حتى العقارب و الأفاعي، تعاف نفسه الظلم و تحتقر الظالمين..."[46].

يضفي السرد بذلك هذه السلسة من الأوصاف الشبيهة بأوصاف الأنبياء كارتباطه بالطبيعة، و انعزاله، ثم الأوصاف الجسدية:" كان يجلس العربي مجللا بصمته، ممتد القامة، أميل إلى النحافة، أسمر اللون حاد الأنف، أسود العينين، رقيق الشفتين كث الشارب، يفضل العزلة، لا شيء يشغله غير حمامه ودم أبيه..."[47]،
و غيرها من الملامح التي نتعرف عليها بتقدم مسار السرد، ويجعل هذه الشخصية تنتقل من شخصية بسيطة جاهلة إلى شخصية منتجة للوعي وللمد الثوري في الجزائر. وهو الانتصار الفعلي الذي تقدمه رواية "حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر".

أما ما يتعلق بتوظيف الشخصيات التاريخية فيعد في غالب الأحيان توظيفا جاهزا بتحديد ملامحها منذ دخولها للمحكي، و عدم العودة إليها بعد ذلك، ونذكر هنا أسماء عديدة مثل: مصالي الحاج، فرحات عباس، محمد بوراس، عبد الحميد بن باديس وغيرهم.، و لا تظهر لهم في غالب الأحيان فعالية داخل الوقائع الروائية، ولكن يمكننا أن نورد هذا النموذج عن شخصية "عبد الحميد بن باديس"في إحدى زياراته لمدينة سطيف، حيث نطالع مواقفه من الأحداث و التغيرات التاريخية التي تمر بها الجزائر:" سأل أحدهم الشيخ ابن باديس: أليس من الأجدى أن نذوب في فرنسا؟ ليس لنا مستقبل دونها/ نظر الشيخ فيه بسخرية وقال: هذا الكلام قاله أمثالكم حين كنا تحت الاستعمار الروماني، لكن إرادة المقاومة انتصرت، نحن لسنا فرنسا ولا يمكن أن نكون فرنسا ولو أراد بعضكم./ سأل يوسف الروج متحمسا: جوزيت شيخنا، ولكن في دعوتكم ملاينة ومداهنة للاستعمار/ أمسك الشيخ بذراعي يوسف الروج ورفع فيه بصره وقال: تستطيع الظروف تكييفنا،ولكنها لا تستطيع إتلافنا."

إن انتقاء شخصية معينة من كل الاتجاهات التي شكلت المشهد السياسي والنضالي في الجزائر لكي تتحرك في المحكي، كان بهدف الإيهام بالواقعية والموضوعية داخل النص، بحيث تتفاعل الشخصيات المتخيلة مع الشخصيات التاريخية، لوضع المتلقي أمام مشهد يتحرك بامتزاج اليومي البسيط بالتاريخ المعروف، فيغدو كل كائن بسيط مشروعا لمقاوم أو ثوري و تتحول الشخصيات التي كانت طوال النص دون وعي تتناحر لحسابات ضيقة إلى شخصيات تمد يدها لتصنع مصير هذا الوطن.

الفضاء الروائي وأبعاد الفضاء التاريخي

توظف الرواية أيضا سلسلة من الفضاءات التي لها ارتباط بالتاريخ، و تعمل على رسم علاقاتها بحاضر السرد وماضيه ،فـ"تل الغربان"مثلا : "هذه الصخور الناتئة أمامه على الهضبات والجبال المحيطة ليست إلا رؤوس منحورين..نعيق الغربان الذي راح يقتحم ثغري أذنيه ليس إلا صيحات القتال المنذر بالويل والثبور"[48] الفضاء الذي كان يتجسد داخل المحكي من طرف "حوبه" أصبح في مرحلة ما مجسدا أمام السارد عندما انتقل لرؤيته:"الله لقد جئت بي إلى عرش أولاد سيدي علي.../هل رأيت ؟ إنه تل الغربان، وتهيأ لي الزيتوني وقد امتطى صهوة تل الغربان، حط على ذروتها كطائر اللقلق المذعور المنهك.../ هي ذي القرية، لقد تغير فيها كل شيء، تسعون سنة كافية لتغيير كل شيء.../ مكان واحد بقي على حالته، قُرَّابة سيدي علي الولي الصالح، دخلناها وقد جللنا الوقار،كان للمكان رهبة، لا تعبق بها الجدران ولا السقف ولا الأرض، ولكن روح الولي الصالح التي كانت تحلق في المكان فتملأه طهرا ونقاء"[49]

يصبح بذلك الفضاء المؤطر في الماضي، يواجهنا ويتحين في الحاضر بكل ملامحه، غير أن الزمن لا يترك أمرا على حاله، وهو الأمر الذي يعد إشارة إلى الحنين لماض تحول بعده كل شيء حتى الأمكنة  التي تفرغ من حضورها ودلالاتها .

لا تستبعد الرواية الفضاء من ساحة الصراع داخل الوقائع، فيعود على التاريخ الجزائري القديم، ويحاول أن يربط بين الصراع القديم على الأرض وما يحدث في مسار السرد، كما هو الحال في التطرق على المدن الرومانية في هذا المقطع:"تبعد كويكول عن سطيف بأربعين ميلا، و هي مدينة رومانية بنيت زمن الإمبراطور الروماني نيرفا، بها عدد من المعابد، و محكمة ومسرح يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مشاهد...وفي كويكول حي مسيحي به معبد الباتستار حيث كانت تتم عملية التنصير" [50]

إن هذه العودة إلى الماضي السحيق من التاريخ الجزائري ليست سوى حجة للعودة إلى الصراع بين سكان الجزائر الأصليين "الأمازيغ" والرومان الوافدين؛ إذ يشير السرد إلى عدد من المناضلين أمثال: يوغرطة، تاكفاريناس، وغيرها من المعلومات التاريخية التي فتح ثغرة إليها الاجتهاد المرير وغير المجدي لليهود  والنصارى بحثا عن جذورهم في المنطقة، وكل هذا للإشارة إلى عمق الصراع الحضاري الذي يصل بين الماضي السحيق والحاضر المتشكل في الصراع بين الفرنسي ومن يختفون خلفه والجزائري.

 إنه صراع على الأرض والشرف يتكرر فيه المشهد من جديد بين الجزائري والفرنسي، حيث تظهر الأرض مفارقة الحلم الفرنسي في الجزائر؛ إذ لا روابط بين الأرضين تبيح لها ذلك، كما يشير هذا المقطع:

"نهض سي رابح، فنهض معه العربي الموستاش... أشار بأصعبه على صورة معلقة عليها كتابة بالفرنسية، وقال: كل ما تراه مرسوما على هذه الورقة هي الأرض، هنا بالضبط أرضنا الجزائر، و هنا أرض فرنسا، و بيننا بحر. / بحر، بيننا بحر، وما الذي جاء بهؤلاء الملاعين إلينا"[51]

 تحدد الرواية أن كلا من الفرنسي و اليهودي كانا يبحثان عن حلم لا أصل له
و لا ميراث، وعن مدينة أثرية قد تكون فيها ملامح حضارتهم؛ إذ يشير السارد في هذا المقطع "تذكر العربي الموستاش فرانكو وشمعون و هما يلهثان كل يوم وراء أوهامهما، هل يكون ما يبحث عنه أمقران هو حلم وليس وهما؟ كل يبحث عن حلمه، الفرق الوحيد أن أمقران يبحث في أرضه عن جذوره، وهما يبحثان عن سراب في ارض هما فيها من الغرباء"[52]

و هكذا يقوم توظيف الفضاء بتحريك خلفيات المتلقي و تكثيف دلالات الوقائع
و الأحداث، فلا يحق إلا لصاحب الأرض أن يحلم في أرضه، وهو شكل من أشكال العدالة التي يفرضها المكان قبل أن تحركها الشخصيات عبر أقوال و أفعال محددة.

الإيديولوجيا و التاريخي في الرواية

إن إدراج التاريخ داخل بينة النص الروائي لا يظهر هدفه التاريخ في ذاته باعتباره الوثيقة والشهادة الأكثر موضوعية عن ماضي المجتمعات و التغيرات الاستراتيجية التي تمر بها، و لا عن خصوصيتها الحضارية، فهذا يعد دورا منوطا بالمؤرخ الذي يلتصق بالماضي، أما مهمة الرواية أثناء استدعائها لهذا التاريخ، فهي إنتاج شهادة موازية لتلك التي أقرها المؤرخ، تستند الرواية على هذا الميراث، لكنها لا تنحصر فيه. فهي شهادة من أجل الممكن وليس من أجل ما حدث فـ"مشكلة الكاتب ليست في "تقديم" عصره. فهذا شيء لا يمكنه أن يفعل سواه. المشكلة هي في أن تكون كالحواري، كل الأشياء لكل الناس. أن تصل لما بعد الواقع إلى الحقيقة، أن تصل لما بعد الحاضر والمعاصر إلى تلك المظاهر. فما هو حقيقي سيبقى ويتكرر"[53].

لذلك يعد المنظور الذي يطرح به الروائي ما اختاره من وقائع تاريخية هو ما يشكل شهادة خاصة ومميزة تنتمي إلى عالم الرواية لا إلى ما كان قبله. وإذا ربطنا ذلك باستراتيجية التي حكمت سير الاحداث التاريخية في رواية "حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"، فما نلاحظه أن تقيد الروائي الجزائري بإيديولوجيا معينة قد أسره في حدود تصورات لم يخرج عنها لقراءة التاريخ والمجتمع وثقافته، وهو ما يتكرر في هذه الرواية التي تجعلنا ندرك أنها تعود إلى البيئة الطبيعية للجزائري كيفية تفكيره المبسط بعيدا عن التعقيد الإيديولوجي المفرط في البداية، لكنها ما تلبث أن تعود بين الحين والآخر إلى نمط مكرر لقراءة الأحداث لا يخرج عن التصور السائد، وبذلك يحصر المتخيل عند حدود ما هو مقبول أو متداول في النموذج الفكري الجزائري.

يمكننا تتبع استراتيجية الكاتب و منظوره من خلال بعض الملامح والإحالات التي تقود المتلقي إلى وجهة نظر معينة يقرأ من خلالها أحداث الرواية، سواء بتقصي خطاب السارد أو خطاب بعض الشخصيات، ففي هذه الرواية- كما ذكرنا ذلك سابقا - يقوم السارد من البداية بإدراج العالم الحكائي وشخصياته دائرة البساطة والحوادث العادية إلى أن ينتقل تدريجيا إلى إدراجها في دائرة التاريخي و تغيير مجراها إلى عمق التغييرات التاريخية الاجتماعية في الجزائر.إنها صناعة التاريخ من جديد ..

السؤال المطروح في هذه الرواية: ما الفائدة التي نحصل عليها عندما نستعيد عبر التخيّل النظم الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي حكمت فترة الثورة
و إرهاصاتها؟.

يمكننا أن نشير إلى أن المنظور الذي قدمت به أحداث الرواية التاريخية و غيرها كان موجها بشكل يبعث على التساؤل، و يمكننا أن نحدد خصائصه فيما يلي:

تتحاشى الرواية التركيز على خطاب حوبه إلا في بداية و نهاية كل فصل، و هو خطاب يتصرف فيه السارد الأساسي، ولكنه مع ذلك يصر على فاعلية هذه الهيئة في الأحداث التي تسردها ؛ حيث يشير إلى ذلك في موضع يقول فيه:" لقد أكدت لي حوبه قبل بدء الحكاية أنها موجودة داخلها، هل هي فرع من حمامه؟لست أدري لماذا كنت أراها كذلك؟ ولست أدري لماذا كلما ذكرت حمامه تبدت لي ملامح حوبه"[54]

 يدل هذا على أن حوبه التي تتواصل معه في الحاضر وتنقل له الماضي هي جزء منه و استمرار له، وهذا ما يذكرنا بحديث "هايدجر" عن ديمومة الزمن وانسيابه، فـ:"الزمان ذاته يمضي، غير أنه، وهو يمضي باستمرار، يظل مستغرقا في حضوره من حيث هو زمان. فالبقاء يعني عدم التلاشي والزوال. وبالتالي الاستمرار في الوجود الذي ما فتئ يتقدم."[55]

هذا الإيمان الذي يرسمه المتخيل الروائي بحوبه باعتبارها استمرارية في التاريخ الجزائري يصادره في أكثر من مرة حصر خطابها أحيانا أو التعارض معها أحيانا أخرى – كما جرى ذكره في بداية التحليل- مما يجعلنا نتساءل عن مدى سطوة هذا الإيمان في الربط بين ماضي الأحداث التاريخية لهذا الوطن وما يعيشه الآن، ومن هنا نبدأ الحديث عن تركيز الوقائع الروائية على تقديم التاريخ بكل موضوعية دون ربطه بأي مظهر معاصر .

يبرز داخل الرواية تناقض موارب يذهب داخل المتن السردي إلى تقدير هذا التاريخ الموضوعي، لكنه يعود ليضرب جهود سرده واستعادته ويدفعه للفراغ، كما هو الحال في هذا المقطع :"ستروي لي حوبه في لقائنا القادم الجزء الثاني من الحكاية، وأرجو أن تسير بها نحو انتصار العربي وتفوقه على أعدائه، حتى لو اضطرت أن تدوس على الحقيقة التاريخية، لا أحب أن أسمع ما يؤلم ولو كان حقيقة، ولست متعاطفا مع العربي فحسب، بل مع كل المقهورين..."[56]. هذا ال

اهتمام الجزائري بالانتصار حتى ولو وهما وتعارضا مع الحقائق يجعل القارئ يتساءل عن مصداقية ما يذكر بعد هذه النقطة من السرد، بالإضافة إلى كونه دليلا على شكل معين للوعي الاجتماعي بالتغيرات التي يمر بها الإنسان الجزائري الذي يتمسك بأمل ما مهما كانت درجة قبوله في الواقع، ومهما تعدى ذلك حقائق يعلم جيدا أنها صحيحة.

 يقدم لنا المتخيل الروائي أيضا روابط متعددة مع المتخيل العام الذي يربط منظور جماعة معينة لحوادث تاريخية معينة أو شخصيات معينة  ساهمت في التأثير في مرحلة ما من التطورات التي يمر بها مجتمع بعينه، مما يؤكد الفاعلية التي تربط بين ما ينتجه المتخيل الفردي مع المتخيل العام لمجتمع ما؛ حيث تتعمد الرواية اختيار لغة بسيطة تقع عند حدود اليومي دون التخلي عن فصاحتها لتقديم التاريخ للقارئ، وتعمل من خلالها على تقديم رأي الجزائري في شخصيات صنعت التاريخ الجزائري، كما هو الحال في هذا المقطع"مساء التقى الجميع بفرحات عباس في صيدليته، وقد سبقهم ولحق بهم حشد كبير، لقد سبق اسم فرحات عباس ومواقفه من فرنسا ومواقفه من الحركات الأخرى في الجزائر، سبقت حضوره إلى سطيف التي اختارها من بين كل المدن ليستقر بها"[57]، و هي إشارة إلى الثقافة الفرنسية التي صقلت توجه هذه الشخصية التي اعترض المحكي على قراراتها ومواقفها من فرنسا بقدر ما اعترض عليها الجزائري في تلك الحقبة و ربما أكثر من ذلك بكثير.

يستمر هذا الهجوم على الأحزاب والسياسات الجزائرية للمطالبة بالحقوق ليصبح خطاب أبسط شخصيات المحكي التي تستشعر هشاشة الخطاب الجزائري بالنظر إلى طموحات الشعب، كما هو الحال في هذا المقطع الذي يورده السارد على لسان "العربي" : "توقف العربي الموستاش ممسكا بشمال يوسف الروج سائلا: ما هذا الهم، جمعية أخرى أيضا؟ فلاحنا في كثرة أحزابنا وجمعياتنا؟/ هذه طبيعتنا لا نحسن إلا الانشقاق، كل واحد يسعى أن يكون القائد والزعيم"[58]

هذا الأمر الذي يربط أيضا بين حقائق الماضي، وما تحركه الأحداث التي ينتجها المحكي وينظر من خلالها إلى المستقبل، يكون على قارئ ما أن يحسن قراءة الروابط بين القيم الاجتماعية والقيم التي تنتجها الرواية؛ حيث تشير في جزئها الأول إلى الحياة العادية للعروش والصراعات التي تنشأ بينهم من أجل السلطة، و الأرض بالقوة ؛ إذ نجد هذا القول على لسان القايد"عباس":"- يا شيخ العرب لا تربيهم إلا بالعصا، لاحظ لا أحد يجرؤ على تحدي فرنسا، لماذا؟ إنها القوة، لكن تصور لو تتسامح معهم قليلا سيعصفون بها في لحظات./كان شيخ الزاوية قد أكمل طعامه أو كاد، مد لسانه تحت شفتيه يجمع ما علق هناك و حمل إناء الماء وقبل أن يعب منه قال:حتى فرنسا تبالغ في القمع، وأخشى أن لا يتحمل الناس أكثر من هذا، لولا ذلك ما فر أولئك الشبان، و ما وقعت ثورة بريكة وعين توتة والأوراس"[59].

كما تحمل الرواية المتلقي للتأكيد على المنظور الجزائري البسيط في تلك الفترة التاريخية للغربي النصراني واليهودي، والفرنسي على وجه الخصوص، وترسب هذه الصورة التي لم تتغير كثيرا في المجتمع الجزائري؛ حيث تظهر صورة بائسة سوداوية، لا يفهم من خلالها الجزائري سبب تحامل الفرنسي وغيره من الغرب عليه و تكالبه على أرضه، و نورد هنا هذا النموذج:

"لطالما سأل نفسه: من هم و من فرنسا ؟ وما علاقتها بهم؟ ولماذا هي هنا تقمعهم بالحديد و النار، وتدهم جيوشها قراهم فتفرض عليهم ما تريد، تنزع منهم أبسط ما يملكون، وتتقاسم معهم غلاتهم الشحيحة؟ وهم ليسوا سواء، ملامح ولغة ودينا، كلما ذكر كلمة النصارى واليهود في القرآن إلا وتذكر قول معلمه في الكتاب، إنهما فرنسا، و تذكر تعليقه مستشهدا بالآية "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم""[60] .

يبدأ هذا الوعي بشكل ساذج ثم يتحول إلى أسئلة يبحث لها عن إجابات في ماضيه أو حاضره وواقعه المعاش، سرعان ما تتحول بعد ذلك إلى عاصفة من الوعي تهدد وجود الآخر في أرضه: "يا إخوان في مثل هذا اليوم احتلت فرنسا الظالمة أرضنا العزيزة... الانهزام ليس عيبا، العيب هو الاستسلام، يجب أن نظهر للفرنسيين أننا لن نرضى بتواجدهم بيننا، وهذا يقوم منذ الآن على مقاطعة العمل عندهم، ومقاطعة سلعهم، بل و../ وقاطعة صوت غاضب: الثورة الثورة، هؤلاء لا يفهمون إلا لغة القوة"[61]. ويضيف إلى ذلك قناعته و تصوراته لعدوه التي تأتي كما يلي:"والله يا أخي اختلفت علينا الطرق، وضاعت الشقراء بين الشقراوات./ جلس العربي الموستاش قبالته وقال: الطريق واضح يا أخي حسان، لا يوجد في الدنيا لص يعيد ما سرق بإرادته، فهل تعتقد أن يعيد هؤلاء اللصوص وطنا يشبه الجنة؟ صدقت"[62].

إن اختيار السارد لهذا المنظور، يشبه استعادة تعبئة القارئ بالمنظور نفسه الذي خص به الشعب الجزائري قبل الثورة و أثناءها، لكن الملفت للانتباه في هذه المرحلة النهائية من المحكي هو عودة السارد إلى تقديم خطاب خلافي مع ما تقدمه "جوبه"، الأمر الذي يظهر لنا التعارض بين إيمان السارد بأن الجيل الحاضر لا يمكنه أن يبلغ عظمة الجيل الذي مضى؛ فهو لا يملك أنفته و لا كبريائه، و هو ما يتعارض مع إيمان حوبه أن كبرياء الجزائري لم يتنازل عنه في الماضي و لن يتنازل عنه في واقعه الحالي : "لست أرى هذه الكبرياء في أسلافنا إلا من هذه الجبال، ولكن أين هي فينا؟ وتلفت إلى حوبه أسألها: لكني لا أراها فينا/ تلفتت إلي وفي عينيها رفض وقالت: بل هي فينا أشد وأعمق، لكنها خفية كالكهرباء لا تظهر إلى حين الاستعمال"[63]، و هو ما يؤكد طبيعة الشخصية التفاؤلية في نظرتها للمستقبل كما سبقت وفعلت ذلك في إعلان السارد عن إيمانها بالمهدي المنتظر.

نورد في آخر حديثنا عن الاستراتيجية التي اعتمدتها الرواية، الهدف الذي عيّنه السارد من المحكي التاريخي الذي قدمه طوال أكثر من خمسمائة صفحة، وهو ما جعلنا نستغرب و نتساءل عن جدوى كل ما قيل حيث يشير السارد إلى ما يلي: "انسحبنا عائدين يلفنا الصمت، وتحلق بنا خيالاتنا تسترجع أحداثا جليلة وقعت ذات سنوات في هذا الوطن الغالي، وحمدت الله أن حوبه قد نقلتها رواية، وكان لي فضل تدوينها حتى لا تضيع من الذاكرة، فيلعننا التاريخ و الأجيال القادمة"[64].

إنها نهاية مخيبة إلى حد بعيد لطموح القارئ في الوصول إلى حقائق لا يقولها له التاريخ، ويستطيع المتخيل الروائي أن يفتح أمامه احتمالاتها، لكن الرواية اتجهت بخطاب السارد إلى غاية وحيدة اختبأ خلفها المؤلف، وهي أن يرضى عنه التاريخ وما يقدمه من حقائق وأن الآخر الآتي من الماضي ينتظر منه أن يحقق الخطاب التاريخي ويلتزم به، وهذا ما يمكننا أن نعده ببساطه نسفا للحاضر والمستقبل معا وتحويلا لطبيعة النص الروائي الذي أقام هذه الدورة كاملة لكي يلتزم بما يكون أن يقدمه لنا مؤرخ في كتب كثيرة تغطي هذه المرحلة بالبحث والتنقيب، مما يجعل المتلقي يعتقد أنها دورة مفرغة من الانفتاح الذي يمكن أن ينتجه التخيّل داخل النص الروائي لممكنات عدة كان يمكن أن تظهر، بحيث لا تجيب الرواية عن الدواعي التي سعت من خلالها إلى إدراج النص التاريخي.

 الهوامش

[1] نورثروب فراي (1995)، الخيال الأدبي، ترجمة حنا عبود، سلسلة دراسات نقدية عالمية، ع 27، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، ص.28

[2] مؤلف جماعي، ليونيل تريلنغ المرآة و الخارطة- دراسات في نظرية الأدب و النقد الأدبي، ترجمة سهيل نجم، ط1، دار نينوى، دمشق، 2001، ص.46.

[3] هايدجر، مارتن، التقنية الحقيقة الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، الدار البيضاء / بيروت، المركز الثقافي العربي، دت، ص. 12-13.

[4] نورثروب فراي، الخيال الأدبي، ص.17.

[5] المرجع نفسه، ص.14.

[6]مؤلف جماعي، روبرت شولز، المرآة و الخارطة- دراسات في نظرية الأدب و النقد الأدبي، ترجمة سهيل نجم، ط1، دمشق، دار نينوى، 2001، ص.59.

[7] هالبرين، جون (1981)، نظرية الرواية- مقالات جديدة، ترجمة محي الدين صبحي، سوريا، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ص.342.

[8] روثفن، ك.ك. (1989)، قضايا في النقد الأدبي، ت عبد الجبار المطلبي،ط1، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، ص.364.

[9] نورثروب فراي، الخيال الأدبي، ص. 13-14.

[10] مؤلف جماعي، روبرت شولز، المرآة و الخارطة، ص.61.

[11] هالبرين، جون، نظرية الرواية- مقالات جديدة، ص.345 – 346 – 347.

[12] أفاية، محمد نور الدين (1993)، المتخيل و التواصل ،ط1، لبنان، دار المنتخب العربي، ص.18.

[13] ريكور،بول (2006)، نظرية التأويل – الخطاب و فائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، ط2، المغرب/ بيروت، المركز الثقافي العربي، ص.39.

[14] المرجع نفسه، ص.44.

[15] ريكور، بول (2001)، إلى النص من الفعل- أبحاث التأويل، ترجمة محمد برادة و حسان بورقية،ط1، مصر، عين للدراسات و البحوث، ص.172.

[16] ريكور، بول (2006)، الزمان و السرد – الحبكة و السرد التاريخي، ترجمة سعيد الغانمي و فلاح رحيم، ج1، ط1، لبنان، دار الكتاب الجديد، ص.158-159.

[17] المرجع نفسه، ص.155.

[18] فوكو، ميشال (1987)، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المغرب/ بيروت، المركز الثقافي العربي، ط2، ص.8 – 9.

[19] المرجع نفسه، ص.13.

[20] أرسطو، فن الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983، ص.114.

[21] لوكاتش، جورج (1986)، الرواية التاريخية، ترجمة صالح جواد الكاظم،ط2، العراق، دار الشؤون الثقافية العامة، ص.262.

[22] المرجع نفسه، ص.254.

[23] جلاوجي، عز الدين (2011)، حوبة و رحلة البحث عن المهدي المنتظر، ط1، الجزائر، دار الروائع، ص.11.

[24] المصدر نفسه، ص.11- 12.

[25] المصدر نفسه، ص.13.

[26] المصدر نفسه، ص.15.

[27] المصدر نفسه، ص.45.

[28] المصدر نفسه، ص.46 -47.

[29] المصدر نفسه، ص.55-56.

[30] المصدر نفسه، ص.56

[31] هايدجر، مارتن، التقنية الحقيقة الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، الدار البيضاء / بيروت، المركز الثقافي العربي، دت، ص.90.

[32] جلاوجي، عز الدين، حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر، ص.38.

[33] المصدر نفسه، ص.148

[34] المصدر نفسه، ص.153

[35] المصدر نفسه، ص.153-154

[36] المصدر نفسه، ص.198.

[37] المصدر نفسه، ص.213-214.

[38] المصدر نفسه، ص.349 -350 -351

[39] المصدر نفسه، ص.540

[40] المصدر نفسه، ص.541

[41] المصدر نفسه، ص.32

[42] المصدر نفسه، ص.32-33

[43] المصدر نفسه، ص.33

[44] المصدر نفسه، ص.38

[45] المصدر نفسه، ص.38

[46] المصدر نفسه، ص.39

[47] المصدر نفسه، ص.59

[48] المصدر نفسه، ص.15

[49] المصدر نفسه، ص. 137-138-139

[50] المصدر نفسه، ص.199-200

[51] المصدر نفسه، ص.211.

[52] المصدر نفسه، ص.259.

[53]  مؤلف جماعي، روبرت شولز، المرآة و الخارطة، ص.73.

[54] جلاوجي، عز الدين، حوبه ورحلة البحث عن المهدي المنتظر، ص.132.

[55] مارتن هايدجر، التقنية الحقيقة الوجود، ص.91.

[56] المصدر نفسه، ص.132

[57] المصدر نفسه، ص.395

[58] المصدر نفسه، ص.403

[59] المصدر نفسه، ص.34-35

[60] المصدر نفسه، ص. 40-41

[61] المصدر نفسه، ص.355

[62] المصدر نفسه، ص.458

[63] المصدر نفسه، ص.555

[64] المصدر نفسه، ص.556