Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.05-12، ردمك 7-57-813-9961-978 | نص كاامل


محمد داود و فوزية بن جليد

عرف الإنتاج الجزائري الروائي في العقدين الأخيرين وفرة معتبرة، إذ أقبل العديد من الأدباء على الكتابة ولا يزال ذلك الأمر مستمرا. ويمثل هذا الجيل من الكُتّاب، شاهدا على مجرى الأحداث والوقائع التاريخية التي تنسج حبكة القصة المحكية. لقد تولدت عن العنف الذي تدفق في عشرية التسعينيات، مجموعة من الكتابات التي غمرت الحقل الأدبي الجزائري. وتحاول هذه الكتابات أن تقول وتعبر عن الرعب وما يعجز اللسان عن وصفه. إن هذه النصوص الموسومة بـ "الكتابات الاستعجالية" ستترك مكانها لفترة "ما بعد الاستعجال". وستشهد سنوات بداية الألفية الثالثة ظهور نصوص روائية تتكيف مع الحدث ومع وقائع المرجعية التاريخية. ويسعى الروائيون الجزائريون في هذه المرحلة الأخيرة إلى التوسيع في الأشكال "الإجناسية" وفي أساليب الكتابة التي تخضع للسياق السوسيو­ تاريخي للإنتاج الذي يحدد ميلادها ومعناها. ويستدعي البحث في الكتابة الروائية العديد من الإمكانات المتعلقة  ببيانها وفي الوقت نفسه يطرح إشكالية الكتابة التي تتأصل في حياة المجتمع الجزائري وفي تاريخه إلى الأبد، إذ تتشكل النصوص التخيلية بقوة ضمن البحث حول التقنيات الروائية التي تستلهم من السياق المحلي وأيضا من التراث الأدبي العالمي.

كما تستفيد كتابة الحدث والوقائع من الأدوات الشكلية والنظرية للغة التي تستمد قوتها من التناص الذي يفتح الرواية على حقول أدبية أخرى. و يبدو أن حوار النصوص والبحث في هذا المجال يطبع ما يسميه رشيد مختار "النفس الجديد للرواية الجزائرية".

وانطلاقا مما سبق، يمكننا طرح العديد من الأسئلة، كالتالي: ما هي أماكن التاريخ التي خضعت للتحري أو تمت زيارتها ومراجعتها من جديد من طرف الكتاب المعاصرين؟ وما هو نصيب المخيال في كتابة الواقعة أو الحدث؟ وبأي نهج وبأية  تقنيات سردية تم تشكيل تلك الوقائع والأحداث؟ وما هي الوظيفة التي يمكن إسنادها للتناص؟ وهل يمكن التسليم أن الحوارية والتّناص كانا وراء التّجديد الذي عرفته الرواية الجزائرية في الراهن وبأي قدر؟

تجيب المداخلات التي تم تقديمها خلال هذا الملتقى عن التساؤل الذي يتجه إلى ربط العلاقة بين الكتابة والتّناص والتشكيل الروائي واشتغالها ضمن التخييل بهدف توليد المعنى.

 و في هذا السياق، تسعى ليلى إدريس في مداخلتها حول رواية "انكسارات الصمت" لدليلة حساين – دوادجي، والتي صدرت سنة 2007 بدار الغرب (وهران)، إلى تحليل التركيبة التاريخية للنّص، الذي يبرز كيفية إدماج مجموعة من الأجزاء الغنية بالاستشهادات والإشارات المرتبطة بالتاريخ وبمختلف النصوص المستمدة من الفكر الديني والصوفي. و تروم وظيفة التّناص في هذه الرواية إلى الاحالة بشكل ما على القرآن الكريم وعلى التوراة و تعاليم الصوفيين والأدب الفرنسي والتاريخ العالمي، كما تحاول، أيضا، التعريف بعالم الأساطير. ويأخذ الجانب التوثيقي في النّص قسطه الأوفر ويطرح إشكالية تدخل المخيال في عملية إبداع الرواية. ومن جهتها تتساءل الباحثة مرين خيرة في مداخلتها الموسومة "التناص وتداخل الخطاب في رواية "عناء القوس" لحبيب تنقور (سنة 1990 – دار سندباد) : شعرية الأماكن المشتركة أو انحراف اللغة الشعرية "، عن الصلة الموجودة في تخييل تنقور بين مفهومين متلاصقين : التداخل الخطابي والتّناص. يُبنى النّص التخيلي على أساس حديث الشخصية الساردة التي تجمع بين الاستشهاد والتعليق. وتُستمد المرجعية الثقافية للمتلفظ من مجموعة معارف متنوعة، و تتشكل من عناصر تحيل على التاريخ و الدين و حكمة الأسلاف، والميثولوجيا والعلم... وتبرز خيرة ميرين ومن منطلق تحليل الخطاب، أنه على المستوى السيميائي والبنيوي، أن النص الروائي هو المكان المفضل حيث يتقابل ويتفاعل التّناص والتداخل الخطابي من أجل بناء المعنى في ظل تشذر الجنس الروائي. ومن جانب آخر تطرح ليلى مصدق في مداخلتها بعنوان "شعرية التشظي وتناص العنف في رواية "الجنازة" لرشيد بوجدرة"، مجموعة من الأسئلة المتعلقة بدراسة نص روائي يكشف عن تقاطع نصوص وتخصصات متعددة مثل التاريخ والفلسفة والفنون الجميلة والسياسة... وهي مقتطفات تتعايش داخل النسيج السردي لتنقل للقارئ مختلف التأثيرات الثقافية والحضارية واللغوية الأكثر تنوعا، وتتآزر هذه العناصر لصياغة الدلالة. وتكمن إستراتيجية الكتابة في تقديم تاريخ الجزائر خلال التسعينيات عبر حدث يتمثل في اغتيال رهبان تيبحرين Tibahrine. وتسمح الآليات التّناصية للمؤلف بإقامة حوار بين الشرق والغرب، الغرض منه تسجيل المقاومة لكل أشكال الانغلاق التي تدعو إليها أحادية الخطاب الإيديولوجي الأصولي.

وضمن أفق آخر ومن منطلق مختلف، تتطرق سمية بوعنان في نص مداخلتها : "الرواية الجزائرية المعاصرة بين الإرث القديم وتجديد الأشكال : دراسة لثلاثية "ضلال ذهن مضطرب" لجمال ماتي"، حيث تتعرض لتطور تقنيات الكتابة وتنوعاتها في روايات جمال ماتي. إذ تعلن هذه النصوص عن حضور موضوعات تتكرر باستمرار مثل : المنفى الداخلي و الحب و الهوية و الانتحار و العنف والتيهان. إذ يلجأ المؤلف في رسمه للواقع الجزائري إلى استخدام آليات خاصة مثل السخرية والجنون ورمزية الأسماء والتّناص عبر  كتابة عجائبية تتبين من خلال شذرات عديدة. إن رؤية العالم التي تحاول أن ينقلها تراكب الأنساق تكمن في عبثية هذا العالم وفي هذيان المعنى الذي يستعصي بطبيعة الحال على الفهم. أما ليندة نوال تباني - علواش، فإنها من خلال مداخلتها المعنونة "الرواية الجزائرية الجديدة" تسعى لفحص العلاقات القائمة بين التاريخ والرواية، من خلال نصوص مراد جبل، بسبب أن "الأدب الجزائري الجديد يتحرك بين ذاكرة الحدث وبين قصة الحكي". وهكذا فإن التساؤل يتأسس حول كيفية تجاور الواقعي مع التخيلي في الكتابة ذات المرجعية التاريخية. و لكي يصل إلى مستوى من الشعرية، لابد للإبداع الأدبي ألا يقرأ التاريخ في معالمه فحسب، بل ضمن الأسرار الأكثر حساسية في الذاكرة الذاتية". وهكذا يحيط، ضمن المتن المعالج، بدينامية كتابة التاريخ وكذلك التفكير لوضع "القصة "و "اليوطوبيا" و "الزائف" و "الحقيقي" في علاقة ترابط ضمن الحكي. و لعل ما يوجه رهان الكتابة الأدبية يكمن في القدرة على ابتكار شعرية ما، وليس في التأسيس للتوثيق. وزيادة على ذلك، فإن نجيب رضوان في نصه : "الرواية الجزائرية المعاصرة: من أجل تجديد تطويري وديناميكي"، يسلط الضوء على منعطفات المشهد الأدبي الجزائري المعاصر خلال العشريتين الأخيرتين. فهذه الفترة تتميز ببروز مجموعة من المؤلفين الجدد الذين يقدمون شهادات بالغة الأهمية حول التطور السوسيو-سياسي والديني للجزائر في كتاباتهم. وإننا نشاهد انبثاق حركية أدبية جديدة متأثرة إلى حد بعيد بسنوات الإرهاب الأصولي الذي عاشه الجزائريون، وقد ندد به المثقفون والأدباء بكل شجاعة معرضين حياتهم للخطر. سيعرف هذا الأدب انتشارا واسعا في فضاء المنفى، ما يجعل الحقل الأدبي الجزائري يتنوع ويتوسع بحكم تعددية الأصوات واختلافها و أيضا بحكم كثافة الأساليب. يقدم هذا الجيل الجديد من الأدباء المتأثرين بالتّاريخ الراهن للبلاد، كتابات تلتقي في أغلب مضامينها حول فضح الإيديولوجيات المتطرفة وفي تعرية النظام السياسي الشمولي. ولتأكيد ما يسعى إليه، يتعرض نجيب رضوان إلى بعض روايات سليم باشي، بوعلام صنصال وياسمينة خضراء. وضمن هذا التوجه، تقوم صونيا زيلتني فيتوري بمعالجة الفضاء الحضري والكتابة التخيلية في رواية "كلب أوليس" لسليم باشي، وذلك في نطاق تمثل الفضاء الحضري عبر التخيل بواسطة امتلاك أسطورة "أوليس" من قبل الروائي. إن فضاءات الكتابة في هذه الرواية تعبر عن الجزائر التي تحاصرها العشرية الدامية بقوة. يستعيد الكاتب لصالحه فضاءات الأسطورة ويخضعها لظاهرة التّناص التي تشتغل بطريقة حذقة على أوجه الفعل المجازي من خلال الممارسة الإبداعية للكاتب. وتبدو في هذا المضمار الرؤية للفضاءات قريبة من تلك الرؤية التي يقدمها كل من جويس ودوس باسوس و كافكا وبورخيس وبيتور، التي تتميز بكونها تمثل استحضارا لأماكن متعرجة ومضطربة المسالك. فالروائي وهو يكتب التاريخ المؤلم المعاصر للجزائر، يعطي لحكيه أشكالا حديثة تتأسس على تأمل عميق في اللغة وشاعرية النص الأدبي الذي تنفتح بشكل صريح على كل الإسهامات التي قدمتها الحضارات العالمية عبر العديد من الألفيات المليئة بالتاريخ والتقدم. وفي الاتجاه التّناصي نفسه الذي يبرز من داخل الكتابة، تقوم يمينه زيناي بفحص عميق لأشكال تحفز من جديد خطاب إيديولوجي موجود مسبقا في مداخلتها الموسومة "تحفيز جديد لما هو معروف: الصورة النمطية للعربي في النصوص الروائية المعاصرة". وهي تذهب في تأكيدها على أن نمذجة الشخصية المقولبة "للعربي" قد هيمنت بشكل واسع في الكتابات الأدبية الكولونيالية. و تتكون هذه الصورة القديمة عن "الآخر" وعن "الغريب" وعن "العربي المسلم"، من ألفاظ وكلمات تنقص من قيمته مثل: "القذر" و"الكسول" و"المنكمش المتكئ بظهره على الحائط دوما" و"الفظ" و"العنيف والدموي"، و"الفرداني والمتوحش". خلاصة القول إنه المنتمي إلى "جنس منحط"... وتركز زيناي نظرها على التمثل المتواتر للشخصية والمنجز بواسطة المؤثرات التناصية في التخييل الأدبي المنشور في فترة التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، أي ضمن الأدب المنعوت "الاستعجالي"، وهكذا فإن مقاربة زيناي تدخل ضمن الدراسات المقارنة. إن استقصاءها يدور حول الروايات التي تم نشرها من قبل مجلة "ألجيري/ ليتيراتور/ أكسيون"، حيث كان المعيار المعتمد لنشر هذه النصوص يمثل الرغبة في "نقل الواقع" كما هو في حقيقته. تنزع الدراسة المقارنة للمستوى السيميائي للشخصية إلى إثبات وجود خطاب ضمني يسهم في بعث ­في إطار الفضاء الجزائري المأساوي خلال التسعينيات­ "الخوف الأبدي من العربي وبطريقة غير مباشرة من الجزائري"، كما تصورها الرواية الكولونيالية. أما فيما يخص بتول بنابدجي، فإن هذه الأخيرة تتوقف عند قيمة طباعة الحروف ومكانتها في الكتابة الروائية من خلال مداخلة موسومة بـ "نصوص متراكبة ووظائف طباعة الحروف في رواية "إذا أراد الشيطان" لمحمد ديب، إذا يحمل استعمال طباعة الحروف الرومانية والمائلة في هذا النص دلالة قوية. تكمن الوظيفة الرئيسية لهذه الطريقة في الرغبة لتمييز كلام السارد عن كلام الشخصية. كما تعالج صاحبة المداخلة الوظائف الأخرى، وغاية ذلك تقديم المعنى من خلال التكفل بالكيفيات الشكلية لتلفظ النص عبر التقاطع الدائم بين الحكي والخطاب. ويتعلق الأمر من الناحية السيميائية، بتراكب شكلين من النصوص يخضعان للتأويل، بحكم تكاملهما وتلازمهما المتميزين والدائمين. وتعود فوزية عمروش إلى إعادة الكتابة الحديثة لأسطورة "أوليس" في رواية "عرائس بحر بغداد" لياسمينة خضراء أو الحضور القوي للآخر في الأنا. و تهتم صاحبة المداخلة بالكلمة ذات الإيحاء القوي أي بـ "أجراس الإنذار" الموجودة في عنوان الرواية وفي داخل النص، حيث تشكل حقلا معجميا ودلاليا متميزا بكثافة كبيرة. إن كلمة "عرائس البحر" تأخذ معنى الصوت الذي ينقل الكلمات المخادعة التي قد لا تكون من ورائها سوى نهاية مأسوية مميتة. وتعتمد قراءة هذه الأسطورة على معاينة مسار بطل مخدوع ومضلل من قبل الخطابات المتطرفة التي تأخذ شكل لغة الإغراء، والتي تفضي إلى حتفه في نهاية المسيرة السردية. وهكذا يسمح التّناص، على ضوء حركة تحويل، بقراءة الحمولة الرمزية لرواية ياسمينة خضراء من خلال الأسطورة، ومن هذا المنطلق إظهار الحوار الذي يقام بين الرواية المعاصرة والحكاية الأسطورية، وفي ذات الوقت إبراز التبادلات المتداخلة ثقافيا بين الحضارات العالمية. و يمكن لهذه العلاقة أن تجعل من رواية "عرائس بحر بغداد" أوديسة بفضل العنوان الذي يوحي إلى ذلك و ببساطة.

 هذا فيما يتعلق بالرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية، أما الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، فقد حظيت هي أيضا بالعديد من المداخلات. إذ تنخرط هذه الإسهامات في السياق ذاته،  والمتعلق بما أفرزته هذه المرحلة التاريخية من نصوص ومن موضوعات وتقنيات وأساليب سردية. وفي هذا الصدد أختار الأستاذ محمد بشير بويجرة عنوانا لمداخلته "تيمه الرباط بين المرجع التاريخي والإغراء السردي : قراءة في  شعلة المايدة  لمحمد مفلاح، حيث يسعى إلى الكشف عن تناص الدين مع التاريخ من خلال هذا النص الروائي. إذا، يشدد صاحب المداخلة أن "تيمة الرباط" التي كانت واقعة تاريخية وحضارية قد تحولت في نص "شعلة المايدة" إلى تيمة ذات وشائج وعلاقات بالمخيل وبالخيال باعتبارهما جهازين فعالين في عملية التواصل التأويلي للنص، وبخاصة أثناء تحرير مدينتي وهران والجزائر، وهي عودة إلى التاريخ لقراءة الحاضر والمستقبل. ومن جهته، يقوم عبد القادر شريف حسني بقراءة لتجربة لعرج واسيني من خلال "الخطاب الاستهلالي وأفق القراءة التّناصية"، فيقارب وظيفة الاستهلال في العديد من نصوص هذا الروائي الذي يتفاعل مع العديد من النصوص داخل الثقافة العربية التراثية وداخل الثقافة العالمية. أما الأخضر بن سايح، فإنه يسعى إلى إيجاد التشابه والاختلاف بين الرواية الجزائرية والرواية المغاربية من خلال الوقع الجمالي للرواية النسائية المعاصرة. و يعالج صاحب المداخلة علاقة اللغة بالجسد، حيث يلعب الإيحاء دورا بالغا. ويؤدي هذا النوع من السرد إلى إغراء المتلقي في صنع المعنى الغائب، ويبرر ذلك في كل النصوص المعالجة.

أما وافية بن مسعود، فإنها اختارت نصوص الروائي الجزائري عز الدين جلاوجي لتركز على روايته "حوبة ورحلة البحث عن المهدي المنتظر"، والتي تتضمن اختبارا حقيقيا للعلاقة بين تمفصلات المتخيل والتاريخي، و لعل التمييز بينهما ليس شيئا سهلا. و إن كانت الواقعة التاريخية تجربة إنسانية حدثت وتم تداولها وتثبيتها في الميراث التاريخي، فإن المتخيل إنتاج فردي وذاتي لا يعترف بوجوده وحقيقته إلا أن صاحبه يحاول عبر جماليات الكتابة الروائية جعل القراء يشاركونه التجربة التخيلية. إن التاريخ لصيق بالماضي وبأحداثه في حين أن الأدب مرتبط بالممكن. إن العودة إلى الذاكرة في رواية "حوبة" غايتها جعل الأحداث والوقائع تنطلق من البساطة إلى التعقيد، و تأخذ مسارات متعددة لتصل في الأخير إلى الالتقاء في نقطة واحدة منطقية ومبررة داخل المحكي، أي مجزرة الثامن ماي 1945. وتخص الدراسة المندرجة في مداخلة سعاد حمداش المعنونة بـ "ميكانيزمات التجريب الفني بين الجمالي والمرجعي: رواية خطوة في الجسد لحسين علام أنموذجا"، والتي حاول فيها المؤلف الوقوف على ما يعتري المجتمع الجزائري عامة وتلمسان خاصة من عنف ناتج عن ممارسات دينية-سياسية. إنها ظاهرة أدبية اتخذت من الراهن العربي و الجزائري على وجه الخصوص منطلقا لتشكيل مخيلتها السردية. وقد اعتمدت في ذلك على تقنية التجديد في الكتابة الروائية، حيث اتخذت من الطابع السردي للكتابة ومن فنية اللعب السردي طرائقا متعددة في بناء عوالم فنية ينمو معها الإيحاء  بالأبعاد الدلالية على المستوى الرمزي كما يحضر فيه التخييل الذاتي بقوة. أما دراسة الباحثة هند سعدوني عن "الأشكال الروائية الجزائرية الجديدة"، فتكمن في نظرها أهمية الرواية اليوم في أنها عالم للفكر، وهي وسيط بين الشعر والنثر، بين العلم والخيال. وقد بينت كيف  تطورت في الجزائر الرواية تدريجيا، فمن مرحلة النشوء في الستينات إلى التعبير الإيديولوجي الموجّه في السبعينات إلى الانفتاح والتيه والبحث عن الذات في الثمانيات إلى الأزمة في التسعينات، وأخيرا الألفية الثالثة حيث ظهرت رواية تتميز بالتجديد والتجريب. إن الروائي يستمد إلهامه ومادته من التاريخ ومن الخيال (الأسطورة)، لذلك فإن جمالية النص لا تقاس بمطابقة أحداثه للواقع بل بالإمتاع اللغوي و بتقنياته السردية ذات الأصول الغربية.

 وتسعى مداخلة نورة عقاق "اللغة الصوفية في رواية تلك المحبة للروائي الجزائري الحبيب السائح" إلى ابراز التجربة الصوفية في الكتابات الروائية، من خلال سرد رواية تلك المحبة للحبيب السائح والذي أراد أن يعطي للرواية لمسة صوفية.. واستعمل التناص بصفته ممارسة استطاع بها أن يتفاعل مع مختلف المواد الحكائية.  كذلك اعتمد على الرمز الصوفي الذي يتأسس على التلميح دون التصريح والإشارة بدل من العبارة... والملاحظ أن الروائي الحبيب السائح استطاع أن يستحضر التراث الصوفي و أن يوظفه في نصوصه الروائية ضمن قالب أدبي وفني عجيب. وتتوجه مداخلة محمد الأمين بحري "دلالات الأنساق الثقافية لمنظومة الوقائع التخيلية في رواية ما بعد التسعينات للطاهر وطار " إلى التّعريف بالخطاب الروائي الحافل بالأنساق الثقافية ذات البعد الأنثروبولوجي والتخيلي. ثم قام بقراءة المتن الروائي التالي: " الشمعة الدهاليز، الولي الطاهر يعود الى مقامه الزكي، الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، قصيدة في التذلل". و قد شكلت هذه المدونات حدثا سرديا حافلا بالأنساق الثقافية منها الجاهز الذي يحاكي المجتمع، ومنها المصطنع و هو من انتاج مخيلة الروائي وصنعته الفنية. أما بالنسبة للباحثة فريزة رافيل، فقد عنونت مداخلتها بـ "الحركة الدلالية للمصاحبات النصية في رواية "بحر الصمت" للكاتبة ياسمينة صالححيث انطلقت من إشكال مفاده: كيف ساهمت التمظهرات الخارجية للراوية الجزائرية في خلق الحركة الدلالية والتواصلية داخل الخطاب الروائي؟ وللإجابة على هذا السؤال، قسّمت فريزة رافيل موضوعها الى عناصر: أولا الاشتغال على دلالة العنوان، حيث لاحظت أن للعنوان أهمية في السرد الروائي، إذ يمثل سندا مستقلا عن النص. و منة هنا ينمي عنوان "بحر الصمت" الوظيفة الاغرائية ذات الطبيعة التجارية.. ثانيا: تجلي دلالة صور الغلاف، والذي يتمظهر مثل الأيقونة الإشهارية التي تغري القارئ والمشاهد، وتعتبر  الصورة  قناصة تسلب المتلقي ذهنه وتستفزه بالقراءة والمتابعة، وهذه استراتيجية دور النشر التي تسهم في خلق رواية منسوجة بخيوط فنية وبتشكيلة لونية ولغوية متكررة. ثالثا: تجلى اسم الكاتب والمؤشر الإجناسي، فاسم الكاتب يشكل أحد العناصر الهامة في إثبات هوية النص وموضوعاته المختلفة. وعليه يمكننا القول أن المصاحبات النصية في هذه الرواية قد شكلت أحد المفاتيح الأساسية لفهم خطاب رواية "بحر الصمت" وهي تدعو القاري للمشاركة في صنع الحدث الروائي عبر المساءلة التي تمارسها من خلال الذوات المشتغلة داخل النص ولغته الشعرية. وفي الأخير، فإن الطاهر رواينية يتوقف عند "الجدل التاريخي والمرجعي في كتاب الأمير للكاتب واسيني الأعرج" مبينا أن محور التاريخ حقل معرفي مهم في كتابات واسيني الأعرج، بحكم أن التاريخ وضع إنساني ذو مدلول وجودي. ويبدو أن واسيني قد تبنى استراتيجية تقوم على استنطاق التاريخ، مثلما فعل في "كتاب الأمير"، حيث يظهر أنه متأثر بالانقطاعات الإيديولوجية التي ميزت الخطاب الديني في أروبا منذ القرن السابع عشر الميلادي. وقد حاول واسيني إعادة تمثيل وبناء السياق التاريخي أكثر من اعتماده على الوثائق والأحداث والشخصيات. وينفتح  على المخيال الشعبي العجائبي، مازجا الحقيقة التاريخية بالتخييل ومحاورا الماضي من خلال أطروحات الراهن واكراهاته. وقد حاول الكاتب أن يسقط بطريقة أو بأخرى أسطورة كره الأجانب وكل ما يرتبط بها من أساطير ذات مرجعيات عقدية أو قومية، حيث صور "كتاب الأمير" مواجهاته مع الاحتلال الفرنسي ومع المنشقين عليه... حاول واسيني في هذه الرواية أن يقدم ويجسد شخصية الأمير داخل منظور حداثي... حيث يدفع هذا التخييل الروائي إلى تجاوز اليقينيات الإيديولوجية ويزيحها ويخلق أطروحات إنسانية استشرافية متعايشة.

و في نهاية المطاف، يمكن القول أن الاسهامات التي يتضمنها هذا الكتاب جاءت في وقتها المناسب لتسلط الضوء على نماذج من المدونة الروائية الجزائرية و على بعض الظواهر الأدبية التي رافقت التسعينيات و بداية الألفية الثالثة. لقد كانت هذه النصوص الروائية التي برزت في الحقل الأدبي الجزائري الذي تعايشت فيه اللغات (العربية و الفرنسية بخاصة) منذ مدة طويلة و لا تزال كذلك، وفق منطق "الصراع" و"التهدئة"، شاهدة على مرحلة تاريخية قاسية و مؤلمة للأفراد و الجماعات. و قد وظفت هذه النصوص أساليب مختلفة في الكتابة، مثل التناص مع التاريخ و التراث و الأسطورة لاستنطاق الماضي و الحاضر و المستقبل معا. كما ظهر جيل جديد من الأدباء يملك رؤية جديدة للعالم و للحياة تتأسس على فضح الإيديولوجيات المتطرفة و على تعرية النظام السياسي الشمولي، لتطرح بديلا عبر شعرية اللغة و التخييل الجميل.

هذه بعض الدراسات التي قد تلامس الموضوع و تفتح الباب أمام أبحاث قادمة تواصل الدرس في أغوار النص الأدبي الجزائري.

محمد داود و فوزية بن جليد