Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2014 ، ص.05-15، ردمك 4-61-813-9961-978 | نص كاامل 


 

محمد داود و حاج ملياني

 

تقديم

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه جملة من المداخلات التي تم تقديمها خلال الملتقى الدولي المنظم أيام 7 و 8 نوفمبر 2012 بمقر مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، الذي دار موضوعه حول "الحقول الأدبية واستراتيجيات الأدباء ".

تحاول النصوص الواردة في هذا المقام الاستجابة بشكل كبير للمحاور المسجلة في إشكالية الملتقى من خلال التركيز على فضاءات ثقافية تتمايز بفعل اختلافاتها اللغوية بين الفرنسية، العربية، الألمانية، الأمازيغية، والإنجليزية، وكذلك باختلاف البلدان : الجزائر الكونغو، مدغشقر، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا... إلخ، هذا بالإضافة إلى اختلاف المسارات الفردية (صوني لابو تونسي ،جان لوك راهاريمانانا، جون إيدقار ويدمان، واسيني لعرج، ماكسيم ليو، جيل أياش) أو الجماعات (النادي البرناسي، الأدب القبائلي، إلخ.).

جاءت فكرة الإشكالية من التساؤل حول مصير الزخم الكبير لتعريف الممارسات،  و "الأنساق" الأدبية التي وضعها بيير هالين و التي قامت في العشريات الأخيرة ببعث دراسات و خلق مفاهيم من خلال مختلف التنظيرات التي تم انتاجها حول الأدب.

لقد تمكنت الأعمال النظرية والتطبيقية القائمة بشكل كبير على تحليل التمظهرات الأدبية الوطنية (بيير بورديو، جاك ديبوا، بينديكت أندرسون)، بجعل حدود النشاط الأدبي تتميز تدريجيا بالنسبية مقارنة مع التصورات المعروفة حاليا، كما سعت هذه الاسهامات المشار إليها أعلاه بتطوير صيغ و مقاربات إبيستيمولوجية و أكثر تقاطعا مع رؤى فكرية أخرى: و نذكر منها اسهامات مثل "العالم كله" لـ (قليسان  و شاموازو)، و"أدب-عالم" لـ (لوبريس و روو) أو ببساطة صيغ تنحو إلى الشوملة :"الجمهورية العالمية للأدب " (كازانوفا).

وهكذا، فإن التعريفات المختلفة للحقل الأدبي والتي لا تقصي المقاربات النقدية الأخرى، تنزع إلى التكفل بالجوانب النصية والسياقية للإنتاج الأدبي محددة بذلك وضعية الأديب في الفضاء المتعدد الشكل المرتبط بالإنتاج، (وضعية الأديب داخل الحقل الوطني أو انخراطه في مسعى تخريبي للمفاهيم عابر للأوطان على غرار أدباء من أمثال جيمس جويس ،ويليام فولكنر و صمويل بيكيت) .

و لهذا كان علينا، في هذا اللقاء العلمي، أن نقوم بمحاولة كشف النقاب النقدي عن الآليات التي تؤسس للحقل الأدبي في السوق الواسعة للخيرات الرمزية وبمواجهة رؤى حول مختلف الاستراتيجيات الممارسة من طرف المؤلفين لضمان حضورهم في الحقل النشري داخل أوطانهم و/أو في العالم ككل.

و في هذا الصدد يكمن القول أن  معظم الإسهامات المقترحة في هذا الملتقى تتمحور حول تحديد ملامح الرهانات الجديدة التي تواجه الابداع الأدبي. و من هذا المنطلق، شكلت تعبئة نماذج تحليل الحقول ودراسة الخطابات المرتبطة بها، موضوع نقاش بمناسبة هذه المداخلات. إذ تمثل الهدف المنشود، كما تم اقتراحه في الإشكالية الأولية، في مقاربة الأدب من خلال رؤية مزدوجة : الخصوصية و التاريخانية من جهة، المحلي والعابر للأوطان من جهة أخرى .

ومن المعلوم أنه من بين من اقترحوا صيغ جديدة للإحاطة بالعناصر الأكثر استدلالية في مقاربة النسق الأدبي، نجد برناد لاهير الذي فضّل مفهوم اللعبة الأدبية لوصف دينامية فضاء الإنتاج، الإبداع والتلقي الأدبي.

" يشير مفهوم "اللعبة الأدبية " في الواقع إلى حقل ثانوي مختلف إلى حد كبير في اشتغاله عن الحقول التي تملك معه القرابة، أي الحقول الأكاديمية والعلمية بخاصة، أي تلك التي تتوفر على إمكانات اقتصادية قادرة على تحويل الأفراد المشاركين فيها إلى عناصر مأجورة تتمتع بالاستقرار وتدفع بهم إلى تكريس  جهدهم الرئيسي في سبيل خدمتها "[1].

فمن خلال التمييز بين اللاعبين الهواة  الشغوفين باللعبة و اللاعبين المحترفين، ينزع (لاهير) إلى تمييز تموضع الكتاب في الميدان الأدبي و ذلك بمحاولة تجنب نوع من الميل للقراءة الحتمية والتي كثيرا ما تم استخلاصها سابقا من مفهوم الحقل الأدبي في نسخته البورديزية(Bourdieusiennne) . إذ أن نسبية مسار نشاط الكتابة وطبيعته غير المأجورة تعد من المميزات الأكثر تواترا في نظر هذا الباحث، إذ يقول:

"إن الإبداع الأدبي، كاللعبة تماما، يحتوي على قواعد ورهانات خاصة به، فهو غير ثابت في مساره وفي نتائجه، سواء كانت تلك النتائج ذات طابع جمالي أو اقتصادي (و من هنا مبدأ عدم الثبات الاقتصادي ومبدأ عدم الثبات الجمالي)، كما لا يمكن تصور العملية على الفور بوصفها ذات مردودية مادية، إذ عليها أن تبقى "مجانية" على الأقل في الروح التي توجه اللاعبين، وأخيرا فهي نشاط يصاحبه إحساس كبير بـ "اللاواقعية" بالمقارنة مع "الحياة اليومية"، مع أنها قادرة نوعا ما على امتصاص "اللاعب" كلية (هوزنقا) وربما أيضا يمكن للاعبين الأكثر انخراطا في اللعبة أن ينظروا إليها بوصفها "حياة حقيقية" أو هي "الواقع الوحيد" الذي يستحق أن يعاش"[2] .

المسائل المتداخلة والأفاق الشاملة

وفيما يخص المسألة المركزية المرتبطة بطبيعة الحقل الأدبي، فقد اقترح العديد  من المتدخلين، الرجوع إلى مسألة التعقيد المتناقض الذي يطبع الخصوصيات الوطنية و الجهوية (فرقا، نقوران، ملياني) أو اللسانية (صالحي).

وفي هذا المقام يسعى "روبار فرقا" إلى تأمل هذه المسألة، انطلاقا من كتاب "تاريخ أدب المغاربي و الأدب الفرنكفوني" لمحمد و صليحة بوقرة، و هو العمل والذي يعدّ بالنسبة له من أولى التواريخ المكتوبة في هذا المجال.

فما يعدّ مشكلا بالنسبة "لفارقا" يكمن في المعالم الكرونولوجية، والنموذج الوطني والانتماء المتعدد، و هي أمور عرفت اضطرابا بسبب ظهور أدب أبناء المهاجرين، وكذلك بحكم الآفاق التي أسست لها دراسات ما بعد الكولونيالية.

كما أنه يذكر أن التشكيك في تاريخ 1945 من قبل "بول سيبلو"، قد تواصل من خلال الأهمية التي اتخذها ما قبل التاريخ الأدبي (عبد العالي مرداسي). و يتطرق صاحب الدراسة، أيضا إلى المسائل التي تتضمن الخلط بين البلدان المغاربية والجزائر في المجال الأدبي، في حين لا ينظر إلى التلقي إلا من خلال المقارنة بين القراء الفرنسيين و القراء المغاربيين. إذ يشير إلى أن هذه المقاربات قد أصبحت تتميز بالنسبية و بخاصة مع ظهور مفهوم الأدب-العالم، وأيضا بالمقارنة مع براديغمات مؤلفي المهجر وكتابات أبناء المهاجرين.

و يعد الانتماء الوطني و مسألة الجنسية الأدبية و اللغة بوصفها غنيمة حرب، بالنسبة "لفارقا" من النقط الأساسية. و بالمقابل، نجد أن إعادة القراءة النقدية التي يقوم بها هذا الناقد تدور حول إخضاع فضاءين للتساؤل، و يتمثل ذلك في فضاء ما بعد الكولونيالية وفضاء الأدب-العالم، وفي الآداب الفرنكوفونية والآداب الوطنية، وكذلك في بعث ثنائية المركز و الهامش. و ضمن هذا يركز الكاتب على مفهوم السياق الضيق والسياق الواسع (كونديرا). و هما في حقيقة الأمر أفقا انتظار مختلفان: السياق الوطني (السياق الضيق)، السياق الدولي(السياق الكبير). و عليه يرى "فارقا": "أن السياقات الوطنية الضيقة تضمن، في الوقت ذاته، قيمة تسند الآداب في صمودها و بقائها".

و من ثمة، فإنه يعتبر، أنه يمكن تصنيف الأدب المغاربي فيما بين السياقين. ولهذا فإنه يفضل السياقات الواسعة (الأدب-العالم). و في الأخير، ينطلق "فارقا" من وجهة نظر التلقي، ليفترض أربعة قواعد نموذجية تتمثل في البعد الوطني والعالمي والفرانكفوني و الوسيط بينهم.

و من جانبه يقدم "دافيد كوفي ن' قوران" مداخلة تدور حول الكتاب الأفريقي وما يدعوه باحتفاليات الحقل الأدبي، حيث يعرض للنقاش النقدي مسألة تنطلق من التعميم إلى التخصيص، و يتعلق الأمر بالاطار الإفريقي الشامل و بالإطار المرتبط  بساحل العاج على وجه الخصوص.

إن الأفق السوسيو- تجريبي الذي اختاره "ن' قوران" يتضافر في الواقع مع القصدية الأدبية الإفريقية (ن' كاشيما) و يتجسد ذلك في قوله :"ما الذي يجعل من عمل أدبي يعبر  بشكل نوعي عن إفريقيا عملا أدبيا وليس شيئا عاديا أو مجرد وعاء؟". تحاول هذه الرؤية المعتمدة إعادة اقحام في النقاش البعد الوطني، بوصفه رهانا أساسيا في رصيد الابتكار الأدبي .

و من جهته، يتساءل حاج ملياني في افتتاحية إسهامه، عن ملاءمة بعض المفاهيم الحديثة في دراسة الحقل الأدبي الجزائري. فهو يشدد على العلاقة الأكيدة الموجودة بين الآداب الوطنية والفضاءات الثقافية المسيطر عليها وكذلك على العلاقة الموجودة بين لغات الكتابة وممارسات الأجناس .

كما أنه يشير تحديدا بالنسبة للحالة الجزائرية إلى الممارسة المحدودة للأجناس من طرف المؤلف الواحد والتنوع النسبي للأجناس الأدبية المعالجة. و بالإضافة إلى هذا، فإنه يعتبر أن التلقي الوطني يتميز بالحتمية الوطنية للكاتب ضمن فضاء ثقافي موسوم بغياب الإطار المؤسساتي، وبضعف الأطر القانونية وبالهيكلة الضعيفة للسوق الاقتصادية للكتاب.

 فبالنسبة لهذا الباحث، فإن أحد الرهانات الأكثر ترسيخا في الحقل الأدبي الجزائري يتمثل في الاعتراف و تثمين العمل و الكاتب على حدّ سواء في وطنه. وبغض النظر عن الأهمية المكتسبة في ظل التثمين الخارجي، فإن صاحب الدراسة يتسأل، في هذا الشأن، عن المكانة التي يحتلها الأدباء ضمن الكتب المدرسية على وجه التحديد، حيث تمنح للرواد صورا ذات بعد أسطوري.

أما البراديغم الآخر الذي يطبع هذه الحالة فإنه يتمثل في ثنائية النشر: النشر بفرنسا و النشر بالجزائر وكذلك مكان الإقامة و فضاء الإصدار. ولكن هل يعني أن ثمة حقا ظاهرة تشتيت (Diasporisation) معلنة؟

و بالإضافة إلى الجوانب المادية للنشر التي لفتت انتباهه، يقدم الحاج ملياني أيضا، بعض المعطيات المتعلقة بالكتابة و باختيار الموضوعات في الأعمال الأدبية التي تم نشرها منذ بداية الألفية الثالثة (2000)، أي المجاز و الحكم الرمزية، و التحيز الساخر والفكاهة، وكذلك التواجد القوي للأبطال الاشكاليين، و غير ذلك، ضمن هذه النصوص.

و عليه يختتم اسهامه بإبراز الديناميكية التي تميز هذا الانتاج الأدبي و في الوقت ذاته يؤكد على هشاشة الهيكلية الاقتصادية والمؤسساتية للحقل الأدبي الجزائري الناطق باللغة الفرنسية الذي يتعايش مع أدب مكتوب بلغات أخرى (العربية والأمازيغية، هذه الأخيرة التي لا تزال في  بدايتها الجنينية). و في  نهاية المطاف، يضع الأدب الجزائري في مقام يواءم طروحات "باسكال كزانوفا" التي تميز بين الآداب المقاومة والآداب التي تتصف بالمسالمة.

أما محند أكلي صالحي، فيقترح في دراسته، شبكة تحليلية لمقاربة الحقل الفرعي القبائلي، الذي قلما شكل موضوعا لمحاولة تنظيرية شاملة. إذ أنه يطرح تعريفا واسعا ودقيقا في الوقت ذاته، من أجل الإحاطة بالإنتاج الذي ينتمي إلى هذا التصنيف. فيرى أن: " الأدب القبائلي هو كل ممارسة إبداعية لنص أو جنس ذي نزعة جمالية و ناطق باللغة القبائلية ".

و من هنا نجده يحدد بعض الخصوصيات المعقدة التي تقوم بين الشفاهي والمكتوب، و كذلك بجعل التواصل مع الآخر موضوعا و كذلك التناقض الهيكلي بين الاستقلالية الفعلية لعالم المنتجين والقراء مع عالم الحقول الأدبية الأخرى المتعايشة مع بعضها في الجزائر .

كما يعالج "تريستان لوبيرلي" من جهته إشكالية نجاح الكتّاب الجزائريين وذلك كون الأدب الجزائري يقعه في الهامش و مزدوج اللغة وعابر للأوطان. و لهذا نجده يهتم تحديدا بالبحث عن النجاح و الاعتراف في أشكاله المتعددة: التردد على جلسات الصالونات الراقية، و توظيف الجانب الاقتصادي و الإعلامي، وأيضا البعد الأدبي.

و يرى هذا الباحث، إن التحديد الفائق للنجاح الاجتماعي يحيل بشكل قوي على بلوغ مهن التعليم والصحافة بالنسبة للمعربين أكثر مما يحيل على تولي مناصب المسؤولية في الهياكل السياسية أو الثقافية .

كما يتوصل "لوبيرلي" إلى أن سوق النشر الجزائرية هي رهينة لناشرين فرنسيين و مصريين ولبنانيين، و على خلاف ذلك، لم تنجح الاصدارات الجزائرية في الدخول إلى الفضاءات الفرنكوفونية والفضاءات الناطقة باللغة العربية. فبغض النظر عن روايات ياسمينة خضرا وأحلام مستغانمي اللذين يعرفان نجاحا، فإن غياب الكتب الأكثر رواجا في فضاء الإصدار الجزائري له دلالة خاصة.

و يختتم "لوبرلي" مساهمته بالتأكيد على أن بنية الحقول المختلفة متفاوتة وغير متكافئة،  وأن بلوغ النجاح و الشهرة في الأوساط الراقية يتم بواسطة اللغة العربية، كما أن النجاح الإعلامي والاقتصادي قد يتحول في أحيان كثيرة إلى تبوء مناصب عليا. و بالمقابل، فإنه يلاحظ بعض الثوابت مثل غياب الاعتراف بأدباء الذين يكتبون باللغة العربية و عدم تداول كتبهم بشكل كبير على المستوى الدولي وأيضا الحذر من مؤسسات النشر بفرنسا بسبب كيفيات تلقي النصوص.

و من جهته يسعى "دونيس سانت أرماند" لفحص ما يسميه بشعرية المجموعة. إذ يحدد ذلك بالاستقلالية الذاتية التي تمر عبر العلاقات الاجتماعية، (أي الرعاية و الاستقطاب والانخراط) في فضاء الإنتاج الضيق. و يرى أن دور الكاتب قد تجسد بشكل كبير في القرن التاسع عشر من خلال العمل الجماعي و تجلى، في غالب الأحيان، في خطاب تصويري متماسك. كما ينطلق في تحليله من التمثلات التخييلية أو من الشهادات التي تتعلق بتلك المجموعات، معتمدا في هذا الصدد على المجموعة البرناسية بوصفها مثالا: أي انطلاقا من قصائد شعرية عتيقة للكونت دو ليسل إلى غاية مذكرات أرنست رينو. إنه يتساءل حول التمثّلات، تلك المرتبطة بمنطق الإنتاج و بوقعه إذ يقول" كيف تُعبّر الأشكال الجماعية المختلفة عن نفسها وكيف يتم التعبير عنها". و بمسائلته لطبيعة ثوابت هذه الحركات الجماعية، يركز سانت أرماند على مفهوم الوساطة الأدبية، أي "الوساطة الأدبية، و كذلك جملة الطرق والتقنيات (مثل الكاريكاتير التي تشير إلى مبحث أسماء الأعلام أو إلى ممارسات الجماعة، و إلى التنقلات الكرونولوجية (الزمنية) أو الجغرافية الاصطناعية، وإلى تطور لهجات اجتماعية مستعارة...إلخ)، مما يسمح بالتمييز بين الوثيقة الصحيحة (الموثوق بها) أو الموضوع التخييلي والتي لا يقل تأثيرها على التمثّلات العامة للحياة الأدبية، مثلما رأيناه مع نموذج البرناسيكولي المعاصر".

إنه في نهاية المطاف، يربط ذلك ظهور المجموعة على الساحة الثقافية من خلال تصرفات أعضائها وخطاباتهم، وأيضا من خلال الوجود الافتراضي لبعض المجموعات، التي قد تعارض الخطابات الخارجية، الموضوعية منها، والمناقضة أو المساندة، التي توسع من التأثيرات الخاصة بالجماعة من خلال انتشارها العريض.

من المسارات الموضوعية إلى المسارات المتسامية

لقد تمحورت العديد من المداخلات حول فحص و تحليل مسارات لكتّاب تسمح خصوصياتهم و نموذجيهم بإبداء وجهة نظر نقدية تباينية لرهانات ولاشتغال الحقول الأدبية حيث ينشط الكتّاب المعنيين بالدرس.

وسواء سعت إلى المقارنة بين التموقعات في فضاء خطابي عرضي(رنافوسون)، أو أثارت الانتباه حول إشكاليات الانتماء و التباعد (مونفيل–دي-سيكو، تراتاكوفسكي)، أو قصدت تقييم رهانات عمل أدبي ما في شرح الحقل ذاته (باريزو) أو تبنت التبعية المتبادلة في مقاربة التجارب الأدبية الفرنكوفونية الإفريقية، فإن الدراسات التي دارت حول كتّاب تسمح بربط تجربة المبدعين بسياقات ممارستهم لفعل الكتابة (ينظر أيضا إلى إسهامات بن سايح و رواينية بخصوص الكتّاب باللغة العربية التي تعالج مسارين لكل من الروائي السوداني طيب صالح و الروائي الجزائري واسيني لعرج ).

و في هذا السياق، وجهت دومينيك رانيفوزون اهتمامها لمساريين أدبيين خاصين بمؤلفين إفريقيين :الكونغولي "سوني لابوتونسي" (1947-1995) و الملغاشي (مدغشقر) جون لوك رحاريمانانا. إنها تصف المسار والاستراتيجيات الموظفة من قبل كل مؤلف إزاء المعايير و التوقعات المنتظرة في الغرب. إنها تبين بالخصوص الكيفية التي تتم بها صياغة ترميز مضاعف عند هؤلاء المؤلفين، و ذلك انطلاقا من معيار عالمي.

يطرح المقال المعنون بـ " اللاإنتساب، التأكيد والتلقي النقدي " لبياتريس مونفيل دي  سيكو " على صعيد أولي مسألة تدخل السياقات في تحليل مسار الكاتب الأفرو-أمريكي جون إيدغار ويدمان. إذ يعتبر هذا الكاتب، في الوقت ذاته، ناقدا ومنتميا إلى الكتّاب المتميزين بالغرابة في ظل قطبي الفصل العنصري والنزعة الطلائعية. و هكذا نجد أن رواياته الأولى تخرج عن إطار التقليد الأفرو-أمريكي كما أنها تتميز بنوع من المراجعة النقدية وبسيرورة تثاقفية.

يطرح هذا المسار قضية الاعتراف الذي يتمخض عن نوع من التموضع ونوع من الراديكالية على المستوى الإيديولوجي، حيث تتحدث " مونيفيل دي سيكو " عن مثاقفة تنازلية وعن لانتماء ثقافي لدى الروائي "ويدمان". وبغض النظر عن الثقافة الشفهية، فهي تبرز أهمية الذاكرة والأرشيف عند هذا الكاتب، حيث تتضمن نصوصه كذلك مرجعية الثقافات الإفريقية والكرائيبية، وتشير إلى كتابات "فانون" وإلى العلاقات الأدبية بإفريقيا أيضا.

و انطلاقا من رواية "ماكسيم ليو"، "قصة رجل من ألمانيا الشرقية"، يستحضر "ريتشارد باريزو" قسما من التاريخ الأدبي الألماني تبدأ باستنطاق الفترة النازية لتصل إلى الفترة السياسية التي عرفتها ألمانيا الشرقية، ليمتد ذلك مرة أخرى إلى أدب الانعطاف ابتداء من سنة 1989. وباعتماد هذه الرواية على قصة عائلية فإنها تطبع تموقع "ماكسيم ليو" إزاء التاريخانية المحلية والعابرة للأوطان. فبمطابقته للعلاقة بين العالم المصغر (الميكرو) و العالم الكبير (الماكرو) يقوم الكاتب باستنطاق الحقل الأدبي ضمن حقل السلطة.

و يرى باريزو أن الاستراتيجيات القائمة في صلب العمل الأدبي تضع المقام الاجتماعي للكاتب محل مخاطرة. و هو الأمر الذي يجعله يبحث عن نوع من التوازن في الأسلوب و في الموضوع، و أيضا في اعتماد الأرشيف باعتبار أن المعلومات الموثقة ضمانة للحقيقة (شواهد مكتوبة وشفهية، صور إلخ.) فعدة الكتابة تبنى حول التنويع بين الاستبعاد (المسافة) و توظيف الأزمنة (استبعاد الحاضر وتقريب الماضي).

و عملا بنظرية ما بعد الكولونيالية، تثير "إيفا تراتاكوفسكي" مسألة الهيمنة، أي هيمنة التاريخ، و الهوية والاختلاف ضمن الأدب الفرنكفوني والأدب الفرنسي. إنها تتساءل عن التصنيفات التي تتجسد في ثنائية مجحفة: حيث يمثل الغربي  كل ما هو عالمي (كوسموبوليتاني) (سامبرون، كونديرا، أليكساكيس)، بينما يكون المغاربي أو الإفريقي مجرد مهاجر. مما يعني من وجهة نظرها بالحصر الموضوعاتي. و لهذا تفضل تراتاكوفسكي تفعيل مفهوم اللعبة الأدبية (لاهير) بدلا من مفهوم الحقل الأدبي. إنها تعاين الطريقة التي تنبني عليها مسيرة "جيل بان أيش" التي تتأرجح بين الأدب المعياري وأدب الشباب.

فهذا المؤلف المصنف في حقل ثانوي، يقدم وجهة نظر نقدية للنظام الأدبي و ذلك بعرض خطاب مزدوج، خطاب المربّي وخطاب الكاتب. و من خلال هذا النموذج، تسعى تراتاكوفسكي إلى تسليط الضوء على الدينامية التي تطبع المواقع المهيمن عليها في الحقل الأدبي و كذلك الكيفية التي تمارس بها "الماهوية الاستراتيجية" (سبيفاك).

أما "صارا برنوتزكي" و "كايجو هارينان" فإنهما تسجلان مفهوم الحقل الأدبي ضمن رؤية مجازية (الحقل المغناطيسي) وضمن مفاهيم اللعبة والمقاومة. وبعد التذكير بأطروحات كل من "بيير هالان" و "جيزيل سابيرو" أو "بسكال كزانوفا"، تحاولان تقديم صياغة تركيبية تجمع بين نظرية ما بعد الكولونيالية و سوسيولوجيا الأدب لبيير بورديو. إنهما  تشيران إلى أن  النقطة المشتركة بين هاتين النظريتين، تكمن في إبراز طرق الهيمنة التي تتمثل في العنف الرمزي عند بورديو، و في تأميم العلاقات الاجتماعية في نظرية ما بعد الكولونيالية. فإدوارد السعيد الذي تعتمدانه كثيرا، يرى أن هناك تواطؤ أكيد للمنتوجات الرمزية في ظل الهيمنة الإمبريالية. فالنص الأدبي مؤسس بوصفه إنتاجا اجتماعيا، حتى وإن حاول النظام الاجتماعي إخفاء الرهانات الاقتصادية التي تشتغل داخل السوق الأدبية. و بالإضافة إلى التقسيم بين القطب المهيمن و القطب المهيمن عليه داخل الأدب الفرنسي، تسجل صاحبتا الدراسة أيضا الاختلافات الموجودة بين الأدب الفرنسي والأدب الفرنكفوني.

تعتمد كل من "برنوتزكي" و "هارينان" خصوصيات الوساطة الأدبية التي تعرفها "سابيرو" على أساس (الظروف المادية للإنتاج وتنقل الأعمال الأدبية، وطرق إنتاج الأعمال من قبل أصحابها وظروف تلقي الأعمال) لوضع مؤثرات الغرائبية الذاتية بوصفها دليل يسمح بمطابقة الكتابات مع معايير التأكيد و النجاح، و ذلك بدراسة كاتبتين افريقيتين و هما "كاليكس بايالا" و"كان بوقول". تركز صاحبتا الدراسة على مفهوم التقاطع (الذي طرحته صاحبة النزعة النسوية السوداء "كيمبرلي ف.غرينشو" سنة 1989)  من أجل دراسة نموذج من نماذج الهيمنة.

و في سياق مختلف يتعرض الأخضر بن سايح في مداخلته الموسومة بـ "الاستراتيجيات المعتمدة في كتابة الرواية – المشهد الابداعي و تداعيات الرؤيا-"، فإن الجنس الروائي ليس إعادة كتابة للواقع كما تتم رؤيته، ولكنه اشتغال على اللغة. و بهذا المعنى، يلجأ الروائي إلى الاستعارة و إلى المقارنة والصور البلاغية بغية تعنيف اللغة اليومية. وهو ما يفترض توظيف خطاب شعري ينقل القارئ نحو المجهول، نحو عالم مفتوح حيث تعدد المعاني و تعددية القراءات. يركز بن سايح في ذلك على "نموذج روائي" يتمثل في "موسم الهجرة إلى الشمال " لطيب صالح، ذلك الروائي السوداني الذي عالج العلاقة بين الشرق و الغرب.  و لهذا نجد صاحب الدراسة يشير إلى حداثة هذا النص المشحون سيميائيا و شعريا. بينما يجد أن رواية "عصفور الشرق" لتوفيق الحكيم و رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، أقل حدة من "الموسم" مع أنهما يعالجان الإشكالية نفسها. ففي رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " تشابك  للتاريخ، و للهوية و اللاوعي، من خلال لغة وصفية ممزوجة بلغة انفعالية تثمينية. ولكن وبفضل الرؤية التي طورها الكاتب، يتمكن النص من مساءلة المعنى المستتر، البعد الإنساني في شموليته وتجاوز الكليشيهات اللسانية. بالنسبة لكاتب هذه المداخلة، فإن عبد الحميد بن هدوقة (روائي جزائري)، وبسبب عدم تعمقه في جوهر الأشياء، فقد بقي حبيسا لرؤية مانوية. فمن وجهة نظر بن سايح، لابدّ للرواية أن تمتلك رؤية تعبر عن ما لا يمكن التعبير عنه و تبني النص في مجمله. وبالرجوع إلى مسار الرواية العربية، يرى صاحب الدراسة، أن هذا الأخير قد عرف تطورا معتبرا و ذلك بارتكاز النص الروائي على الرؤية بوصفها نواة دينامية تؤسس لمعالمه. كما يذكر مجموعة من الروائية و الإصدارات الجديدة، مثل رواية "خناثة بنونة" (المغرب).

أما الطاهر رواينية، فإنه يعود إلى "شعرية الكتابة الروائية عند واسيني لعرج"، حيث يجمع هذا الأخير بين الخيال و المعرفي و الهامشي في كتابته. إنه ينشئ بنية روائية وحوارية هجينة، تستعيد لحسابها الخاص التاريخ و الخيال و التراث والأسطورة، إلخ. إنه يبرز الأصول التاريخية للعنف في الثقافة العربية الإسلامية. يستوحي الروائي في أفق استراتيجيته للكتابة، أفكاره من التراث الأدبي "ألف ليلة وليلة"، و "سيرة بنو هلال"، كما أنه يعتمد أيضا على الأدب العالمي، و على وجه الخصوص رواية "دون كيشوت دي لامانشا" لسرفانتس أو رواية أمريكا الجنوبية (غارسيا ماركيز). ذلك أن الهدف يكمن في خرق هذا التراث السردي و الانفتاح على قيم أخرى جمالية، ثقافية و إيديولوجية جديدة.

و لتدعيم ما يسعى إليه يأخذ رواينية رواية  "نوار اللوز" لواسيني من أجل تحليل العتبات (العنوان، الأقوال، الإهداء، إلخ.) فهو يرى أن الروائي يقحم القارئ في كتاباته و يجعله عنصرا أساسيا في البناء النصي مما يسمح بتأويل النص، انطلاقا من العناصر المذكورة أعلاه. كما يقتحم عالم المهشمين بواسطة تداخل الأزمنة (الماضي والحاضر)، وبمساءلة التراث و الأساطير و أيضا بتحيين أداء السلطة و تصاعد النزاعات. و في الخلاصة، يمكن وصف الأعمال الأدبية التي نشرها لعرج واسيني بمثابة كتابة سردية متمردة ونقدية.

بقلم محمد داود وحاج ملياني

ترجمة صورية مولوجي – قروجي

مراجعة محمد داود

 الهوامش

[1] Lahire, Bernard (2012), Monde pluriel. Penser l’unité des sciences sociales, coll. La couleur des idées, Seuil Edition, p.184

[2] Lahire, Bernard, Ibid, p.185.