Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2016، ص.25-37، ردمك: 978-9931-598-02-2 | نص كامل 


 

 

عابد بن جليد

 

مقدمة

تميزّ المدن الكبرى بإفريقيا بالتوسّع الكبير والحديث لضواحيها التي تتحدّد بخاصيّتي التجهيز الجزئي لمنشآتها القاعديّة والنقص الجليّ في التجهيزات الثقافية وأماكن الترفيه. وتعتبر مدينة وهران، الحاضرة الجهويّة للغرب الجزائري الحالة النموذجية، حيث تصعب الحياة في ذات المكان على الشباب المقيم بالمجالات التي تمّ تعميرها حديثا، مما يجعل هؤلاء يضطرّون للتوجّه نحو الأماكن ذات المركزية الحضرية التي تكون غالبا مزوّدة بشكل جيّد بالتجهيزات الجماعية. ويمرّ عموما البحث عن وسائل الترفيه عن النفس دون نفقة كبيرة وفي أكبر جزء من الوقت، بالنسبة للشباب المنحدر من عائلات فقيرة وحتّى من طبقات متوسّطة، عبر الجاذبية التي تمارسها عليه الأماكن الموجودة في محيط رياضة كرة القدم.

وهكذا يبرهن الشباب الوهراني، بخروجه من العزلة التي يعيشها في مقام سكناه الواقع بهوامش المدينة وبتردّده على الأماكن العمومية المركزية، بحثا عن شباب آخرين، على استعداداته لنسج العلاقات الاجتماعية التي تمكنّه من الاندماج في المدينة وبالتالي في المجتمع. وتتجلّى الرغبة القوّية في التمدّن التي يمتلكها شباب الضاحية وهي كذلك طريقة معيّنة في إنتاج المدينة، وإن اقتصر الأمر في البداية على مخيال هؤلاء الشباب، ومن ثمّ على ممارساتهم الفعلية لمناطق المركزية الحضرية، وبطرقهم لفرض أماكن مدنية عن طريق كثافة التدفّقات المولّدة، وبالاحتياجات المعبّر عنها بشأن التجهيزات وأخيرا بالكتلة الديموغرافية. وفي هذا الصدد، ستدفع، مجمل العقبات التي واجهها هؤلاء الشباب والاختلالات المؤكدة في نهاية المطاف بالهيئات المكلّفة بالتهيئة للتدخّل، إن قليلا أو كثيرا، من أجل تحسين الحياة اليومية في المدينة.

المدينة والشباب : بين نقص التجهيز الثقافي والطلب القوي على أماكن الترفيه

أ. الفقر الحضري في تجهيزات التسلية

يجد شباب المدن الأفريقية أكثر من غيره في البلدان المتطوّرة، صعوبات كبيرة في الترفيه عن نفسه، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية التي تعيشها العائلات وبسبب الخلفيات الاجتماعية الثابتة التي لا يمكن الكشف إلاّ من قبل علم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.

إن المدن الجزائرية التي تنتمي إلى هذا النموذج المذكور أعلاه تتميّز بطبيعة الحال، بالفقر الثقافي للحياة الحضرية، التي هي في الأصل تعاني، إن قليلا أو كثيرا، من الإهمال الاختياري للسلطات. وهذا ما يفسّر العدد المنخفض للتجهيزات الثقافية الموجهة للسكان عموما وللشباب خصوصا، بل بالتقهقر الكمّي لها في مدينة وهران مثلا، بالمقارنة مع المدينة الكولونيالية سابقا.

ولا بد من الإشارة حقا للجهود التي بذلتها مؤخّرا وزارة الشباب والرياضة من أجل تمويل المشاريع الخاصّة بالشباب، لكن التجهيزات الجماعية التي أُنجزت تظّل مرتبطة منطقيا بتسيير منهك ويُعقده بشكل كبير التنازع في الصلاحيات القائم بين الهيئات العمومية.

ب. الإمكانيات الديموغرافية لشباب الضاحية الوهرانية

ومع ذلك، يبقى الطلب على التجهيزات الجماعية قويّا في الحواضر الكبرى في الجزائر، إذ تعرف هذه التجمّعات الحضرية الضخمة تشكّلا كبيرا لعملية تعمير هامشي مخطط لها أو غير ذلك، متشظّية إن قليلا أو كثيرا. وينفرد هذا الفكّ الحضري الهامشي، الملاحظ منذ عقود خلت، بالمدن الكبرى للمعمورة، بنموّ ديموغرافي قويّ وبتوسّع جغرافي هائل للمبني. وهكذا "شهدت خلال الربع الأخير من القرن الماضي، كتلة مباني مدينة وهران وضواحيها (بلديات وهران، السانيا، بئر الجير وسيدي الشحمي) التي كان يقطنها 832.000 ساكن سنة 1998، تكاثرا ونموّا سريعا للنوى الصغيرة والكثيفة المسكونة، وهذا على محيط الاثنا عشر كيلومترا القائمة حول المدينة. ويطبع المجال المحيط بالمدينة، الذي هو عبارة عن ورشة مفتوحة بشكّل دائم، تشكل اختلافي من حيث القطع المبنية التي تتعاقب في المجال مع فراغات الأراضي الزراعية...، وقد كانت نسبة النموّ الكلّي لهذه المنطقة خلال فترة (1966-1998) تمثل 11,36 % بينما نسبة المدينة لم تكن تتجاوز 3,08 %. وتبيّن حصيلة كلّ تجمّع سكّاني أنّ بعض الضّواحي قد عرفت سابقا نسب نمو قوية خلال الفترة المتعلّقة بدفع الضرائب المشتركة (1977-1987)، وينطبق ذلك على بئر الجير وعين البيضاء   وسيدي معروف. وقد سُجّلت خلال الفترة المتعلقة بدفع الضرائب المشتركة (1987-1998) أعلى نسب النموّ السنويّ المتوسّط، كلّ من بئر الجير بنسبة (24,40 %)   والنجمة بنسبة (20,32 %). وتضاعف تعداد سكان هذا التجمّع السكاني الأخير ثماني مرات تقريبا، إذ انتقل من 4316 ساكن سنة 1987 إلى 33044 ساكن سنة 1998"[1].

ومن المؤكّد أن تكثر طلبات التجهيز بالوسائل، التي تُستعمَل في التسلية والترفيه من قِبَل الشباب التي تتراوح أعمارهم بين 15 سنة و24 سنة، من الناحية النظرية بحكم العدد المتزايد لهؤلاء الشباب سواء بالمدينة أو بمحيطها المباشر، إذ بلغ سنة 1998، مجموعُ هذه الشريحة التي حُدّدت أعمارها فيما بين 15 سنة و24 سنة، إلى 178000 فرد بالنسبة للجنسين معا، أي بنسبة 21,4 % من كافة سكان الحاضرة.

ولنفرض أنّ الشباب الذكوري هو الذي يهتمّ أكثر من غيره برياضة كرة القدم، باعتبارها اللعبة الأكثر تفضيلا لديه على غيرها من الألعاب الأخرى، نجد من المحتمل أن ينشغل أكثر من 66000 شخص بهذه الرياضة – الفُرْجة في بلدية وهران لوحدها وأكثر من 89000 شخص في التجمّعات السكنية، كما تمّ تحديدها سابقا، أي بنسبة
(10,7 %) ولا بدّ أن نأخذ بعين الاعتبار، ضمن هذه المعطيات، أنّ مختلف النوى السكنية غير المُخطّط لها وبالمُحصّلة غير شرعيّة، قد ضمّت سنة 2000 حسب تقديراتنا وتقاطع معلوماتنا، أكثر من 120.000 ساكن، أي حوالي 15 % من مجموع سكّان الحاضرة. مما يعني بالضبط أنّ هناك مقدار معتبر من الشباب - يمكن أن نستنبط أنّ عدده يفوق 12000 شخص – وهو رقم يجب أن نضيف إليه الكمية الكبيرة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و 14 سنة. وهم كذلك سكّان "غير شرعيّين" لهذه القطع المبنية، لكنّهم حاضرون في الميدان، يبحثون بمختلف الممارسات الاجتماعية علي الاندماج في المدينة بواسطة الرياضية عموما وكرة القدم منها على وجه الخصوص. وهذا يمثّل، في حقيقة الأمر وفي الجزء الأكبر منه، موضوع هذا  البحث.

ج. البحث اليائس عن وسائل التسلية في الـ "هناك" : شباب الضاحية

يقتضي كلّ عرض للتسلية والترفيه عن النفس في المدينة، إمكانيات مالية وبشريّة معتبرة لتسيير الهياكل القاعدية الموجودة. ويملأ الشباب أوقات فراغه، في حالة القصور والعجز في هذه الهياكل، حسب الإمكانيات المتوفّرة لديه ولدى أسره، ويتدبّر أموره وفق الاستطاعة. ويتوجّه الشباب عموما، حسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها (غنية، متوسطة وفقيرة) إلى أماكن معيّنة وإلى ألعاب رياضيّة محدّدة لأجل الممارسة أو الفرجة؛ وتكون هذه المشاركة، بطبيعة الحال، وفق النفقات المالية المحسوبة. أمّا بالنسبة للشباب المنحدر من عائلات فقيرة لا تملك إلاّ المداخيل الضعيفة، فتقتصر تسلياته الرياضية على الذهاب إلى ملعب كرة القدم مرّة كلّ أسبوع لتشجيع "فريقه". وإذا كان أغلب ممارسي هذه الرياضة يستعملون لأجل ذلك مجالات بسيطة للألعاب[2] لممارسة كرة القدم، فإنّ أقلية قليلة من الشباب والمراهقين تمارس هذه الرياضة بشكل منتظم ضمن الفرق المتعدّدة لأحياء التجمع السكّاني الوهراني.

ويُنهك المراهقون أنفسهم في لعب كرة القدم فيما يشبه مجالات الألعاب، في أحياء السكن العفويّ بالضاحية الوهرانية، إذ أن هذه الفضاءات المبنّية محرومة من التجهيزات الرياضية الجديرة بذلك بحكم مكانتها الّلاقانونية. وبدءا من سنّ معيّنة يتوجّه أغلب هؤلاء الشباب (من 15 إلى 24 سنة) للبحث في الـ "هناك" عما لا يجدونه هنا، أي في داخل المدينة، يبحثون عن الأحاسيس التي تجعلهم يشعرون أنّهم مثل الآخرين من أقرانهم ؛ وهكذا يدفعون ثمن مقعد في ملعب كرة القدم كلّ خميس، لأجل التسلية باعتبار أنّ ذلك هو الأقلّ تكلفة والأكثر بعثا على النشوة.

د. في الجزائر: مجالات الحواضر موزعة إقليميا من قبل نوادي كرة القدم

تتميّز الحواضر الثلاث الكبرى بالجزائر بنوع من الاستقطاب الثنائي "الكروي" المرسوم من قبل فريقين كبيرين لكرة القدم اللذين يوزّعان إقليميا المجال الحضري وضواحيه، ولكنّ هذا لا يستـثــــني بطبيعة الحال، وجود نوادي أخرى أقلّ شأنا.

ينطبق هذا على العاصمة حيث نجد التنافس الحادّ بين نادي مولودية الجزائر (MCA) والاتحاد الرياضي المسلم للجزائر (USMA) وفي مدينة وهران بين نادي مولودية وهران (MCO) والجمعية الرياضية المسلمة لوهران (ASMO) وفي مدينة قسنطينة بين نادي مولودية قسنطينة (MOC) والنادي الرياضي لقسنطينة (CSC). إذ نجد بمدينة قسنطينة أنّ "إحدى أشكال التعايش الاجتماعي، وتكوين الانتماءات وصياغة المخيال الحضري تمرّ عبر الانشطار بين الفريقين CSC /MOC، وهما الجمعيتان الرياضيتان البارزتان للمدينة"[3]. ويُعتبر كلّ من حي بلكور وحي سوستارة بالعاصمة، مَعْلَمين بسبب تمركز المقرين الأّولين للفريقين بهما والممثّلين في نادي مولودية الجزائر والاتحاد الرياضي المسلم للجزائر. والأمر نفسُه نجده بمدينة وهران بين حي الحمري وحي مدينة الجديدة المتعلّقين بالجمعيتين الرياضيتين لنادي مولودية وهران والجمعية الرياضية المسلمة لوهران.

وهكذا يملك كلّ من الفريقين المذكورين تاريخه، ومقرّه الذي تمّ نقله منذ مدّة إلى وسط مدينة وهران، ومقهاه، وجمعية مناصريه...؛ مما يعطي للمدينة طابعا خاصّا وغيرَ مألوف خلال نهاية الأسبوع حيث نجد الأنصار يرفعون بحماس منقطع النظير الألوان الزاهية الممثّلة للفريق ويجعل شوارع المدينة مليئة بالإثارة والبشاشة، وخاصّة لمّا يكون الرهان حاسما بالنسبة للفريق أثناء المنافسات الشديدة مع فرق المدن المجاورة.

وتقوم البلديّة بتسيير هذه الأملاك التي تنازلت عنها الدولة لصالحها، كما تدير مجموع الهياكل القاعدية للرياضة بواسطة القسم البلدي للألعاب الرياضية، وهكذا فقد خصّصت ثلاثة عشر (13) ملعبا لكرة القدم للنوادي المحلية بمدينة وهران. كما تمّ، في هذا الشأن، منح الملعب الكبير أحمد زبانة (فوك دوبارك Fouques Duparc سابقا) الذي يتّسع لخمسة وأربعين ألف (45000) مقعد، للديوان العمومي للألعاب الرياضية للولاية في إطار تسيير تعاقدي، بينما يستفيد كلّ من الفريقين الكبيرين لمدينة وهران من تنازل عن ملعب كاسطور (Castors) المسمّى يوامبلي (Wembley) لصالح المولودية (MCO) وعن ملعب ميلود هادفي بمرافال لصالح الجمعية (ASMO).

نوادي كرة القدم : بين انجذاب الشباب وتعايشهم الاجتماعي عن طريق المناصرة

أ. الشباب ومناصرة كرة القدم في الحاضرة

ينجذب شباب كلّ الأحياء نحو هذه الرياضة الممتعة والمثيرة في ذات الوقت، وإن كان الأمر يتطلب التمييز بين الشباب الذي يسكن داخل المدينة والذي تعوّد الترّدد على فضاءات النادي (نادي المناصرين، مقهى النادي، مقر النادي) وأولئك الذين يأتون من بعيد. ويمتدّ التمييز بينهما كذلك عن طريق نوعية الانخراط بين "المناصرين الناشطين الذين يقدّمون دعما ماليا، اقتصاديا ومعنويا للجمعية... والقِوام الهامشي (للمناصرين)، وهو جمهور "حامل" لمكوّنات متنوّعة تُدْعى بـِ "المتفرّجين المحتملين"... إذ يضمّ المناصرون ضمن صفوفهم جماهير متعدّدة تلعب دورا حاسما"، كما يكشف عن ذلك أحد الباحثين في معرض دراسته لمسار نادي كبير لكرة القدم بوهران[4]. يبحث شباب البناءات الحضرية الجديدة التي تحيط بالمدينة، باعتبارهم ينتمون للفرقة الثانية من المناصرين، عن شكل من أشكال الاعتراف بالجميل بواسطة التعايش الاجتماعي الذي يتمّ بفضل التردّد المحتشم حقيقة على النادي وعلى الملعب. يظل هذا الانخراط قصيّا على الرغم من كونه، لا يكلّف أصحابه شيئا، وإن بدا مُكتسبا ومُواظبا.

ب. نوى السكن غير المخطّط له والمتخلّفة التجهيزات لعدم شرعيتها

يأتي هؤلاء الشباب الذين يبحثون عن التعايش الاجتماعي بواسطة الانخراط الطوعي في النادي، من نوى السكن غير المخطّط له والمبني فوق أراضي غير مزروعة. وقد ظهرت هذه القطع السكنية اللاقانونية التي نشأت أساسا خلال العقدين الممتدّين بين سنوات 1980 إلى 1990، على هامش الأنسجة الحضريّة لكل المدن الجزائرية الكبرى. إنّها تتميز بمبنى ذي نوعية رديئة حيث استعمال حجر الربط (parpaing) والصفائح التوتياء المتموّجة (tôle ondulée)، حتى وإن لزم الأمر لا بدّ من تسجيل أنّ هذا السكن قد تحسّن فيما بعد وأُقيمت في مجالاته بناءات ذات نوعيّة جيدة. "تتحدّد أوّلا هذه الضاحية ذات النوع الثالث بوهران باكتساح لأراض واسعةٍ بشكل كبير أو قليل، وهي مساحات ملكية عامّة للدولة، إذ تشتمل على تسجيل في التربة لبنيات مخطّط غير واضحة المعالم أصلا...، كما تتحدّد ثانيا مواقع هذه الضاحية بميزة الضرر بالصحة، وإن كانت البلديات تقبل وتتحمّل هذا الشكل من التجمعات السكنية، فإنها لا تعترف بشرعية قانونية محتلّيها"[5].

وفي المقابل، لا بدّ أن يقرأ هذا الاستيلاء المحظور قانونا، حسب أقوال القائمين به، على أنّه نوع من "الاسترجاع الشرعي للعقار" من قبل العائلات التي لم تستفد سواء من قطعة أرض تابعة للبلدية أو من سكن اجتماعي حكومي. وقد تمّ اكتساح هذه الأراضي في ظلّ تزامن ظروف سياسية صعبة للغاية، انسحبت خلالها الدولة من الضواحي الحضرية وعلى وجه الخصوص مع بداية الحرب الأهلية. ولم تسمح أجواء اختلال الأمن والإقامة اللاشرعية على هوامش المدينة التي طبعت هذه المرحلة، للجماعات المحلّية من تسيير هذه المجالات، والسعي للتسوية القانونية لأوضاع هؤلاء المقيمين الذين خالفوا القانون وبالتالي إنجاز التجهيزات والبنيات القاعدية الضرورية. وهكذا ظلّت لسنوات طويلة هذه القطع السكنية التي لم تخضع للتخطيط العمراني، بدون تجهيزات جماعية وحتى بدون مدارس. وهذا يعني أن الشباب القاطن بها لم تكن لديه أية إمكانية للتّسلية في عين المكان، مما اضطرّه للتوجّه نحو وسط مدينة وهران وأحياءها القريبة من الوسط، وفضلا عن ذلك استمرّ العديد من الشباب والمراهقين بالتردّد، كما تعوّدوا من قبل، على أحياءهم السكنية السابقة لمخالطة أصدقائهم وارتياد الأماكن المألوفة لديهم. والجدير بالإشارة في هذا الشأن، أنّ تحرير النقل العمومي في بداية التسعينيات يمثّل نقطة إيجابية، إذ سهّل، من خلال ربط هذه النوى الهامشية بالمدينة عن طريق المواصلات بأثمان غير مكلفة، حركية المراهقين والشباب وممارسي النشاطات المختلفة (عمال، تلاميذ، ثانويين، متسوقين...) في اتجاه وسط المدينة وبعض الأحياء للحاضرة الوهرانية.

الرغبة في المدينة : الاستعمالات المختلفة للمجال الحضري المركزي والممارسات الإدماجية بواسطة كرة القدم.

أ. رغبة قوية في المدينة لدى شباب الضاحية الوهرانية

تمثّل الرغبة في المدينة فكرة جدّ معقولة بالنسبة لأيّ مخلوق بشريّ يطمح في حياة مليئة بالنشاطات والاستراحة، وهو الأمر ذاته بالنسبة للشباب الذي تمّ نقله خلال الربع الأخير من القرن الماضي إلى سكن فوضوي في ضاحية مدينة وهران لقطع مبنية في أحياء : بوعمامة وبن داود، وعين البيضاء والنجمة والشهيد محمود...).

يبدو أن الرغبة في المدينة، تمرّ بالضرورة، بالنسبة لشباب الضاحية، عبر الممارسة الفعلية للأنسجة الحضرية التي تشكّل المدينة، وبخاصة منها وسط المدينة الأمير، حيث يعتبر التجوال بهذه المجالات الحضرية المركزية، بالنسبة لكلّ واحد منهم، حقا وشكلا من أشكال الامتلاك الذهني لهذه الأقاليم المدينية التي يرغب في الانتماء إليها. ويتعلّق الأمر، من الناحية الفعلية، بالتنزّه عبر الشوارع الرئيسية لوسط المدينة – الذي كان كولونياليا في السابق وتمّ استرجاعه – أي في الشوارع والساحات التالية (بن مهيدي، وخميستي والأمير عبد القادر  والصومام ومحمد الخامس والتبسي وجبهة البحر وساحتي أول نوفمبر والانتصار...) وهي مجالات تنفرد بحيويتها وبكثافة تجوابها من قبل الرجال والنساء القادمين إليها من مختلف المناطق الحضرية الرحبة ومن الجهات البعيدة.

ويلعب هنا، المخيال دورا هائلا في التكوين الاجتماعي والثقافي للكائن، ويتعلّق الأمر بالنسبة للشاب في ذات الوقت، بالتحديد الفردي للمعالم الخاصّة به ضمن المجال الحضري وببناء محيط اجتماعي يتكوّن أساسا من شباب آخرين، تائهين إلى حدّ ما، يسعون فعليا لإقامة اتصالات وعلاقات اجتماعية. ولهذا نجد بمدينة وهران، أنّ الآلاف من الشباب القاطنين في الضواحي يتّجهون نحو وسط المدينة والأحياء القريبة منه، بسبب الغياب الحادّ في نواهم السكنية الجديدة واللاشرعية، للتجهيزات الجماعية ووسائل الترفيه، باستثناء بعض الأراضي المهملة التي يقوم المراهقون بتهيئتها واستعمالها بوصفها مجالات للّعب... وذلك لممارسة كرة القدم، وهو الأمر الذي لا بدّ من التذكير به كلّما أقتضى الحال ذلك. يدفع بهم هذا الوضع، بطبيعة الحال، إلى ارتياد مجالات مجهّزة بعيدة عن مقرّ سكناهم، بغرض التجوال والتسلية أو العمل و إقامة العلاقات الاجتماعية، وبكلمة واحدة، استهداف ترسيخ مجموعة من المعالم التي تحدّد ممارساتهم ضمن الحاضرة.

وقد قام هؤلاء الشباب ذوي الحيويّة الفائقة والباحثين عن المؤانسة والعلاقات الاجتماعية الحميمية، بالتحديد الإقليمي لبعض المجالات من المساحة الحضرية المركزية. وهكذا أصبح المقهى، بالنسبة إليهم، معلما دالاًّ ومرادفا للراحة والالتقاء بالآخرين، وكثيرا ما تتمّ متاءمة المقهى مع مكان خارجي، قد يمثّله غالبا الرصيف الذي يسمح لهم بالتوقّف به بشكل مريح، وبالتحدّث بين الأصدقاء وبـ "النظر" في المارّة (نساء ورجال) وهم يعبرون الطريق... ويمكن أن نضيف لهذين المعلمين، أماكن أخرى يتردّد هؤلاء عليها حسب الإمكانيات والقدرات، وبخاصة أيام الراحة ونهاية الأسبوع، مثل قاعات الألعاب الالكترونية ومقاهي الانترنيت والمراكز الثقافية للشباب، وقاعات التمرين العضلي (التعضيل)... يقوم الشاب خلال نهاية الأسبوع بارتداء الملابس اللائقة لكي يندمج في الغُفلية التي تسمح بها المدينة فقط، وفي ذات الوقت بالتمتع بجوّ البهجة الذي يغمر فضاءاتها وباللقاء مع الأصدقاء في المعالم المحدّدة، ولعلّ ما يبحث عنه هذا الأخير يتمثّل في أصداء المدينة، وبخاصّة منها تلك المتعلّقة بأخبار كرة القدم، وبصفة أدقّ الإشاعات والنقاشات التي ترتبط بمباراة الأسبوع. وإلى جانب مقهاه المفضّل الكائن بوسط المدينة، يقصد باحتشام شابُّ الضاحية نادي فريق مدينته الكبير - نادي مولودية وهران مثلا – لأنّه مُلْزَم بشراء تذكرة الدخول إلى الملعب وبالتالي اختيار مكان في مقاعد المدرّج أو في المنعطفات بناءا على المحادثات التي تّمت بينه وبين أصدقائه، ومن ثمَّ يتوجه للملعب مع المجموعة بركوب وسائل النقل العمومي غالبا.

ب. مواقف وسلوك الشباب داخل أسوار الملعب

يلتزم شباب أحياء الضاحية الفقيرة بعدم الاقتراب من عناصر جمعية المناصرين بسبب عدم إمكانية الحصول على عنوان سكني رسمي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الوسم السلبي (Stigmatisation) الذي يتعرّض له من قبل "المناصرين الحقيقيين" الذي "يطلقون عليه اسم "السويد" وذلك استنادا لرفوف العصافير التي تأتي من الهناك"[6].

ويمكن عموما التعرّف بسهولة على هؤلاء الشباب بالمدرجات حتى ولو يسلكون السلوك نفسه مثل المناصرين الآخرين ويردّدون الأناشيد نفسها، والشعارات نفسها، والعنف الكلامي نفسه تجاه الآخر وتجاه حكّام المقابلة، وكلمات التنديد بالسلطات نفسها، لأنهم بهذه الوسيلة سيتمكّنون من الاندماج ضمن الآلاف من الأشخاص الذين يشكّلون جمهور مناصري النادي... وبهذا يتمكّنون من الانتماء إلى المدينة أيضا...

يتراءى ملعب كرة القدم لكلّ هؤلاء المتفرّجين الشباب وحتّى المراهقين الذين تمكّنوا من الدخول إليه سواء بدفع ثمن التذكرة أو بالتحايل، بوصفه مكانا لتصريف الانفعالات المكبوتة حيث يسمح بكلّ شيء داخل هذا الهيكل المهيب وهو بالأمر المختلف خارجه : إذ تنطلق بداخله من لدن المتفرجين وبأعلى الأصوات كلّ الأناشيد المتعلّقة بموضوعات مختلفة مثل: التنديد بالنظام السياسي، وبالشخصيات المستهدفة، وبانحرافات المجتمع الجزائري وبالاعتداءات على الشعوب المسلمة... وهي ظاهرة اجتماعية، وشكل من أشكال التعبير السياسي قد نجده، طبعا، متطورا بشكل ملفت للانتباه لدى مناصري النوادي الكبرى لمدينة الجزائر العاصمة (USMA, MCA) أكثر من غيرهم ؛ وتستوحي قيادات المتفرّجين شعاراتها من الأحداث الراهنة (البؤس الاجتماعي، البطالة، الإرهاب، الرشوة والفساد، الرغبة في الهجرة، الحقرة، "وصولية" الأغنياء الجدد...) لنشر أناشيدهم القادحة بفضل الجوقة الموسيقية المرافقة لهم.

ويبدو لنا، على مقاعد المدرّجات، أنّ كلّ شاب مناصر للنادي قد وجد فعلا وفي ذات الوقت شخصيته المتميّزة وأكتشف جمهور الشباب أولا، كما عثر ثانيا على تعبير كلامي وعلى هويته من خلال انضمامه لـ "فريقه الكبير" لكرة القدم. يرخّص ملعب كرة القدم بأجوائه الهائجة إمكانية نسج العلاقات الاجتماعية الجديدة بواسطة الأداء الممكن لعملية الشبكات القائمة، التي قد تُستغلّ دائما عن دراية للبحث عن عمل، أو طلب مساعدة أو بالبحث عن مكان للتخييم (Camping) خلال عطلة الصيف...

خاتمة

تختلف، في أحياء السكن الفوضوي، الإستراتيجيات الموضوعة من قِبَلِ الراشدين عن تلك التي يضعها الشباب اختلافا تامًّا، حيث يملك الأوّلون انشغالات ترتبط بالحياة اليومية (العمل، المداخيل، التسوية العقارية، تمدرس الأطفال، إقامة التجهيزات الجماعية، إنشاء المرافق العامّة للموقع السكني...) بينما يبحث الشباب، الذي تمّ نقله إلى هذه النوى السكنية اللاشرعية والفوضوية وغير المندمجة بشكل صحيح في الحياة الحضرية، عن السبل المريحة للاندراج في المجتمع وفي مجال المدينة.

وهكذا نجد هؤلاء الشباب يسعون للاندماج ضمن عامة الناس، ولابتكار معالم في وسط المدينة (مقهى، نادي الفريق الرياضي، أماكن للتسلية...) أو ضمن التجمّع السكاني (مكان العمل أو مكان التسوق...).

ويمكن أن تقرأ، هذه الممارسة المجالية ومن بينها التردّد على نادي فريق كرة القدم، والمكانة التي تُمنح للاستراحة الأسبوعية التي تتمثّل في التردّد على الملعب التي تشهد على تعلّق هؤلاء "بفريقهم" الرياضي الكبير للمدينة، على أنّه بحث عن التعايش الاجتماعي وعن رغبة في الانتماء للمدينة. كما تعتبر أسوار الملعب الآن، مكانا مفضّلا للتعبير بصوت عال عن سوء المعيشة، والهشاشة والطلب الاجتماعي والتنديد بانحرافات المجتمع وبالاحتقار الذي تمارسه تجاههم السلطات السياسية... هذه الحرية المحروسة المسموح بها داخل ملعب كرة القدم، لا يمكن أن تكون كذلك في الفضاءات العامّة وذلك منذ إقامة حالة الطوارئ منذ سنة 1991، مما يضع حدودا للممارسات الديمقراطية (تظاهرات، مسيرات، الاستعراضات، المهرجانات...) الأمر الذي يجعل مجموع المواطنين يشعرون بالملل وعدم الصبر، ومن بينهم جزء كبير من الشباب الحضري الذي لا بدّ من أخذه في الحسبان. وفي هذا المضمار، لا بدّ من الإشارة أخيرا إلى أنّ هذا التعايش الاجتماعي الذي تمّ صقله بالممارسة الرياضية بالإضافة إلى ممارسات أخرى، يشكّل جزءا من تاريخ البلد. لقد كان المعلب على امتداد القرن العشرين ومنذ تأسيسه في المدى البعيد وبمناسبة منافسات كرة القدم التي تجمع بين الفرق الأوروبّية والفرق المسلمة، في ذات الوقت، أحد الأمكنة للتعبير النضالي الجماهيري المتمثّل في توجهه الأكثر بروزا من الحركة الوطنية، ذلك التوجه الذي كان يطالب بالحرية السياسية في مواجهة السلطة الكولونيالية، وللتدرّب السياسي الموجّه لصالح الأجيال الشبانية. وضمن الفكرة نفسها يمكن أن نتصوّر هذا الهيكل المبجّل لكرة القدم بوصفه مقاما وجيها لرفع المطالب السياسية والاجتماعية من قبل شباب نفذ صبره، في البحث عن عدالة اجتماعية وعن ممارسات ديمقراطية داخل المجتمع الجزائري.

 ترجمة محمد داود

بيبليوغرافيا

ساعد، ن. وبن موسى، ف. (2006)، المنشآت القاعدية والممارسات الرياضية بولاية وهران، وهران، مذكرة مهندس في الجغرافيا، جامعة وهران، ص. 146.   

Benaamar, M. et Tahir, L. (1989), Le football et ses supporters : étude sociologique des supporters de la Jeunesse sportive de Tiaret. (Texte en langue arabe), Oran, mémoire de licence, sociologie, Université d’Oran.

Bendjelid, A. ; Hadeid, M. ; Messahel A. et Trache S.-M. (2004),  « Différenciations socio spatiales dans les nouveaux espaces urbanisés d’Oran », Insaniyat, n° 23-24, janvier-juin., p. 7-44.

Bendjelid, A. (2005), «  Modalités d’intégration sociale dans le processus de régulation urbaine au Maghreb : le cas d’Oran (Algérie) », in Boumaza N. et al., Villes maghrébines en fabrication, villes réelle et ville projetée, Paris, Maisonneuve & Larose.

——————  (1998), « La fragmentation spatiale de l’espace urbain d’Oran », Insaniyat, n° 5, mai-août, p. 61-84.

Boulebier, D. (2006), Constantine : de la ville au sport. Constantine, Université, Habilitation universitaire, sociologie, 58 p.

—————— (1999), « Le football, l’urbain et la démocratie », Insaniyat, n° 8, mai-août, p. 43-62.

Bromberger, C. (2001), Football, la bagatelle la plus sérieuse de Monde, Paris, Coll. Agora, Pocket, 130 p.

 Carlier, O. (1988), « Espace politique et socialité juvénile », URASC (éd.), Lettrés, intellectuels et militants en Algérie (1880-1950), Alger, OPU, p. 107-174.

Gharbi, S. (1985), Approche sociologique d’une association sportive : le MCO-MPO (1916-1984), Oran, mémoire de licence, sociologie, Université d’Oran, 77 p.

 


الهوامش

* قدمت هذه الورقة في ملتقى "فضاءات التعايش الاجتماعي الحضري على المدى الطويل بإفريقيا (مع إفريقيا الشمالية و مدغشقر كذلك)"، مخبر (SEDET)، جامعة ديني ديدرو (Diderot)، باريس VII، 22، 23 و24 جوان 2006.

[1] Bendjelid, A. ; Hadeid, M. ; Messahel A. et Trache S.-M. (2004),  « Différenciations socio spatiales dans les nouveaux espaces urbanisés d’Oran », Insaniyat, nos 23-24, janvier -juin., p. 7-44.

[2] تخصص بلدية وهران 17 مجالا لممارسة كرة القدم ضمن مجموع مساحتها الحضرية، و قد صادقت مصالح البلدية على هذه المجالات سنة 2005.

[3] Boulebier, Dj. (1999), « Le football, l’urbain et la démocratie », Insaniyat, n° 8, mai-août, p. 43-62.

[4] Gharbi, S.,  (1985), Approche sociologique d’une association sportive : le MCO-MPO (1916-1984), Oran, mémoire de licence, sociologie, Université d’Oran, 77 p.

[5] Bendjelid, A. (2005), «  Modalités d’intégration sociale dans le processus de régulation urbaine au Maghreb : le cas d’Oran (Algérie) », Boumaza N. et al., Villes maghrébines en fabrication, villes réelle et ville projetée, Paris, Maisonneuve & Larose.

[6] Idem.