Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2007، ص.11-14، ردمك 3-26-813-9961-978 | نص كامل


 

 

 

أحمد أمين دلاي

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم.

الحمد لله الذي اعطى العرب سجية  الشعر و الفصاحة فكانوا بها اشعر الامم والصلاة و السلام على القائل ان من البيان لسحر او ان من الشعر لحكمة و ربما يظن القاري في قوله اشعر الامم مبالغة في الشكر و افتخارا بالسلف فاقول ان تلك السجية التي خصهم الله بها دون سائر مخلوقاته شهدت لهم بها شعراء اجنبيون منهم الفرنساوي لَمَرْتِينْ حيث قال: "العربي يشعر كما الانسان يتنفس" و هاته السجية انها موجودة الآن لا تحتاج لدليل فانك تجد عندهم جميع العلوم منظومة كالفقه و النحو والتوحيد و الجغرافية و الطب و غير ذلك شيء لم يعثر عليه عند امة اخرى و مما اختصوا به وحدهم و امتازوا به عن غيرهم كذلك ثمَّاك شيء آخر يبهض العقول وهو انك تجد العربي يشعر و هو امي لا يعرف كتابة و لا دخل المكتب ابدا.

و الاصل في الشعر العربي هو ان يوتى به باللغة الفصحاء موزونا على حسب قواعد علم العروض و لكن لما ضعفت اللغة العربية بوطننا و قل تدريس علم العروض به و كانت تلك السجية في العرب مخلوقة معهم و ممتزجة بدمهم فلا بد من بروزها بوجه ما و لو على طريق غير الاصل فظهرت على وجه آخر و هو الملحون كمثل الماء الموجود باسفل الارض فلا بد من خروجه منها و لو سدت عليه الطريق واحمده سبحانه عز وجل حيث جعل للعـرب لغتـين الفـصـحى و الملحونة فان غابت الاولى قامت الاخرى مقامها كما قيل في المثل العربي: "الافضل للصياد ان يصطاد بعصى" لانه لو لا وجود اللغة الملحونة بوطن الجزائر لبقي الكثير فينا ابكم يضيق صدره و لا ينصلق لسانه و احمده و اشكره ايضا حيث اكرم وطن افريقية بشعراء عظام من فحول العرب تركوا لنا كلاما نفيسا يجد القاري فيه الفصاحة والبلاغة والحكمة و بالجملة فوائد عظيمة يحتاجها لمصالح دنياه يجب عليه العمل بها والامتثال اليها و من اراد ان يشبه السلف فليتبع كلامهم لان كل ما قالوه قالوه بعد التجربة والمحن و لان الاصل افضل من الفرع عملا بالحديث الشريف: "أباؤكم افضل من ابنائكم الى يوم الدّين".

و لما رايت الشعر الملحون ادركه التّلاشي و كاد ان ينسى بوطننا و خشيت ضياعه و علمت ان الكثير منه مجهول عند الكثير فينا عزمت على جمع بعض القصائد وطبعها لتبقى محفوظة و لينتفع بها اخواننا المسلمون الذين لا قدرة  لهم على قراءة كتب الادب من حيث انهم اميون و ليتذكر القاري بها اسلافه الطاهرة و يطلع على الحالة التي كانوا عليها و يعرف قدرهم لعلى و عسى ان يشـبهـهم و لو في بعض ما عملوا.

 و لما كانت هاته القصائد منظومة باللغة الملحونة يسهل على كل احد فهـمها و لا شك ان القاري يستفيد منها فوائد عظيمة يستعين بها على قضاء حوائـجـه و يتخدها قائدا تقوده ليسلك بها طريق الصواب: فمن كان رائسا يحتاجها لرياسته يعني تريه بان لابد من الطاعة لمن هو اعلى منه رتبة و بان لا يستصغر مرءوسه و لو وجده ضعيفا و ان لا يتكبر على اخيه و لو بلغ ما بلغ من السطوة و الحرمة و ان لا يتجبر و لا يطغى في احكامه لان الطغيان و التجبر يهلك صاحبه و لان الله تعالى يبقي لعبده الرفعة التي اعطاها له لما يراه استعملها في الخير و النـفع و ياخذها له لما يراه استعملها في الضرر او الاغراض الشخصية و ان يرفع همته على حسب منصبه ويعلو على الحرمة و لا يتركها تعلوا عليه و من كان مرءوسا تريه كيف يعمل مع رائسه ليسلك مسلك النجاة و ذلك بالطاعة لامره ودفع ما يجب عليه امتثالا لقول العرب: " ادفع حق السلطنة و ارقد بالباب" و ان لا يتخذه عدوا لان عداوته صعيبة وعاقبتها مضرة من حيث انه صاحب الحل و العقد و ربما يحتاجه لمصلحة او دفع مضرة كما قيل: "جانب السلطان و احذر بطشته" و "لا تخاصم من اذا قال فعل" و من عزم على فعل شيء تريه كيف يتدبر عاقبته قبل الوقوع في الندامة يعني بان لا بد له من المشورة و غاية التامل قبل الشروع في المقصود و يتعلم بها التربص و ترك العجلة و الصبر على الشدائد و الحذر من الدهر و العدو و كيف يسوس العدو حتى يرجعه حبيبا و يتلاطف مع الحـبيـب و يغفر له عثراته ليبقيه حبيبا و ليلا يصير له يوما عدوا و يتعلم مـنـهـا الادب و الاحسان مع مخلوقات الله و توسع فكره وتهذب اخلاقه و تصير له سلاحا لما يكون بوسطة المجالس يعني يصمت لما يجب الصمت ويحسن الكلام لما تدعيه الضرورة اليه و من كان بقرية اجنبية منه فلا يتداخل في امور اهلها و لا يجعل منهم عدوا و يعرف مقامه مقام الاجنبي و لو بلغ ما بلغ لان كثيرا من الناس صاروا اليوم ينظرون الاجنبي بعين ناقصة و لو علموا و تحققوا ان فيه فوائد عظيمة و هذا المرض قد طرأ حتى باجساد بعض الناس المتمدنة مع ان في الحقيقة الارض لله فليست هي لمخلوق كما ذلك مبين في الآية الشريفة ان الارض لله و اذا نظرنا المسألة على الوجه الشرعي فنجدها للدولة الفرنساوية من حيث اخذتها عنوة كما كانت لاسلافنا في السابق.

و اذا كان القاري صاحب بلاد تريه بان لا ينكر الاجنبي و لا يتباعد منه لان الاطلاع على احواله واجبة و الاطلاع على الاحوال لا يحصل الا بالمقاربة و اذا كان ضعيفا بان لا يعاند من هو اقوى منه و لو ظلمه فليتركه لمن هو اقـوى منه و يتذكر قوله تعالى:" فلا تحسبنّ الله غافلا عما يعمل الظالمون" و يجد القاري فيها ايضا مدح الكرم و الشجاعة و ارتفاع الهمم و بالجملة جميع الافعال المحـمـودة و ذم البخل والرذالة و الانحطاط و كل ما تاباه الانسانية و كذلك يقف على مسائل تاريخية و من اراد معرفة اللغة الملحونة لاجل الترجيم يبلغ بها مقصوده لان تلك القصائد ملتقطة من نواحي مختلفة و القائلون لها من احرار العرب.

و اني رايت بعض الناس لم يعتبروا الشعر الملحون الا من حيث انه ملحون فهذا غلط كبير يجب على صاحبه الرجوع فيه لان الفائدة هي حصول الثمرة بترك النظر عن كونه ملحون و عن شخصية قائله و في ذلك الموضوع قالت الحكماء: "الذهب يستخرج من التراب و النرجس من البصل و الترياق من الحيات و يجتنى الورد من الشوك" و كما قيل ايضا " فاجن الثمرة و اترك العمود للنار" و الشعر الملحون هو كما ذكره الاستاذ ابن خلدون في مقدمته و ان كان خاليا عن الاعراب فهو مشحون بانواع البلاغة و اصناف الحكم و ضروب الامثال و ما قالوه هؤلاء الشعراء العظام لم تسعه كتب عديدة و لكن اقتصرت على البعض منه لما رايت فيه كفاية و لان المقصود بهذا الكتاب هو تاديب من لم تكن له معرفة بكتب الادب من اخواننا المسلمين الاميين الذين لم تسبق لهم قراءة في صغارهم فيسهل عليهم تعلم الادب بلغتهم الملحونة التي لا تحتاج لتفسير و لا لبيان و كذلك الطلبة يذيقون حلاوة الشعر الملحون و يجدون فيه ابياتا هي ابلغ و افصح من بعض ابيات الشعر الموزون.

و اني سميته الكنز المكنون في الشعر الملحون نعم كنز لمـن كـان لـه ذوق وعشق في كلام العرب و لما فيه من الفوائد العظيمة التي هي ابلغ قيمة من الذهب والاحجار النفيسة و مكنون لان تلك الجواهر التي كانت مخفية البعض منها بمزونة والبعض في تلمسان و البعض في القرى و البعض بالخيام جمعت الآن و رصعت بسلك واحد و القيت على العاشقين.

فادع ايه القاري بالرحمة و المغفرة لهؤلاء الاسد الذين تعبوا على صـنعـهـا ولناقلها عبيد ربه بالهامه للصواب بجاه صاحب الغمامة و المحراب عليه الصلاة والسلام.