Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2007، ص.05-08، ردمك  3-26-813-9961-978 | نص كامل


 

 

 

أحمد أمين دلاي

 

 

يعتبر هذا الديوان من أقدم و أهم المراجع فيما يخص الشعر الملحون في الجزائر.

و قد صدر بطباعة حجرية بالجزائر سنة 1928[1] و عرف حينه إقبالا شعبيا قويا  سرعان ما أدّى إلى نفاذه و أصبح منذ ذلك الوقت من المصادر الأكثر بحثا عليها و الأكثر ندرة في ميدان المطبوعات المحلية.

فنظرا لأهميته الثقافية و العلمية و نظرا لتعذّر الحصول عليه من طرف القرّاء و الباحثين،  رأينا من واجبنا إعادة نشره في شكل حديث.

و ها نحن اليوم، و بكل سرور و افتخار، نقدم هذا المؤلف في طبعة جديدة، أشرف عليها مركز البحث (CRASC)  في إطار مشاركته في " الجزائر، عاصمة الثقافة العربية ". 

المؤلف :

هو محمد قاضي ابن الحاج بالقاسم، المولود سنة 1882 بالقلعة — المدينة العتيقة التي تقع على منتصف الطريق الرابط بين معسكر و غليزان — و المتوفى سنة 1942 في مدينة تلمسان.

درس محمد قاضي بمدرسة (la Médersa) تلمسان ثم بمدرسة الجزائر العاصمة (الثعالبية)، في القسم العالي، و بعد تخرّجه، شغل في سنة 1909 منصب وكيل شرعي(oukil judiciaire)  تم منصب كاتب أو ترجمان مساعد[2] (interprète auxiliaire) في المكتب العربي (bureau arabe) بمدينة وجدة المغربية إلى نهاية سنة 1914. انتقل بعدها إلى فرنسا حيث زاول دراسة الحقوق بكلية باريس، من سنة 1919 إلى نهاية سنة 1921، أين تحصّل على شهادة الليسانس. و ابتداء من سنة 1923، انخرط في هيئة المحاماة بتيارت ثم بتلمسان أين استقر نهائيا.

و أثناء إقامته سنة 1928 بمدينة تيارت، بدر بنشر كتابه المعروف " الكنز المكنون".

كان محمد قاضي عضوا في اتحادية المنتخَبين المسلمين الجزائريين (la Fédération des Elus musulmans algériens) التي تأسست سنة 1921 و حلّت سنة 1941، و عضوا في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي الجزائري (le Congrès musulman). و كان ضمن الوفد الذي توجه إلى باريس، سنة 1937، قصد تقديم ميثاق المطالب.

و انتخب قاضي عدة مرات كنائب بلدي (conseiller municipal) في تلمسان حيث توفي يوم 21 ابريل سنة 1942.

الكتاب :

 كما سلف الذكر، مثّل كتاب " الكنز المكنون" عند ظهوره مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه من طرف المهتمين بالشعر العامي العربي في المغرب أو ما يسمى بالشعر الملحون. و شكّل، على سبيل المثال، المصدر الرئيسي للمستعرب و الإثنوغرافي جوزيف ديبارمي (Joseph Desparmet) (1863-1942) عند كتابة مقاله المعروف بـ" ردود الفعل الجنسيتية في الجزائر" (les réactions nationalitaires en Algérie) (1933) حيث شرح فكرة أن الشعر الملحون هو " الشعر الوطني القديم" و اعتبر أن ممارسة هذا الأدب العريق " تستجيب لمتطلبات سياسية للمجتمع المغاربي".

و استشهد بمقتطفات شعرية طويلة من ديوان محمد قاضي مؤكدا أيضا أن صدور هذا الديوان، سنة 1928، ساهم في رفع الستار عن ما كان يخفيه الجزائريون من مشاعرهم العميقة عندما كانوا يحفظون الدواوين المخطوطة للشعر الملحون عن عيون المستعمر الأجنبي.

لم يظهر الكثير من الكتب في هذا المجال قبل " الكنز" و نذكر مثلا : كتاب "مجموع الأغاني العربية بالمغرب العربي"(chants arabes du Maghreb)(1902-1904) للمستعرب سونيك، مدير المدرسة العليا الإسلامية في قسنطينة ، و كتاب " كشف القناع عن آلة السماع" (1904) للمدرّس في مسجد بالعبّاس، بوعلي الغوثي بن محمد، و كتابان "مجموع الأغاني و الألحان من كلام الأندلس"(1904) و "مجموع زهو الأنيس المختص بالتباسي و القوادس" (1907) للموسيقي اليهودي الجزائري أدمون نطان يافيل.

و الكتاب الوحيد الذي يمكن مقارنته بكتاب "الكنز" حيث المضمون و الحجم هو كتاب شارل سونيك "أغاني عرب المغرب" برغم احتوائه على أغراض أكثر تنوعا. و جمعه لأنواع مختلفة من الشعر الشعبي الشفهي  كأغاني الصبيان و الشوارع التي لا نجدها عند قاضي.

و زيادة على هذا، يمتاز مجموع سونيك، بضمّه عدة نصوص من شعراء المنطقة الشرقية من الجزائر و شعراء آخرين من تونس و ليبيا.

أما المؤلفات الأخرى، فتندرج عموما في نطاق الثقافة الموسيقية "الحضْرية" لحواضر  كتلمسان و الجزائر العاصمة. و تحتل هنا الموسيقى الكلاسيكية الأندلسية الصدارة، بنصوصها و ما يليها من أنواع غنائية فرعية. و بصفة طبيعية، شكّلت و لا زالت تشكل هذه الموسيقى أبرز شعار لإثبات الهوية "الحضرية" الجزائرية.

أما كتاب "الكنز المكنون"، فبمجرّد تصفّحنا لمحتواه نستنتج أن اختيار النصوص خضع إلى ثلاثة شروط أو معايير:

  1. التوزيع الزمني للنصوص ، حسب المراحل المتتابعة، ، و تغطية مرحلة تاريخية معينة : من أقدم شاعر، سيدي الاخضر بن خلوف (16م-10ﻫ) إلى أحدث شاعر و هو أحمد بن حرّاث (20م-14ﻫ). و تعتبر هذه المرحلة، مرحلة تطور و ازدهار للشعر الملحون حيث برز فيها فحول هذا الفن.إذ تضم هذه المجموعة الشعرية قصائد الفطاحل من شعراء الملحون في الجزائر و أجود ما أنتج شعراءنا. حيث أن معظم هذه القصائد هي بمثابة معلقات خالدة. و لا يسعنا إلا أن نعترف لمحمد قاضي بسلامة ذوقه و صواب اختياره.
  2. الأغراض، التي يطغى عليها نوع " الجدّ"، و من ضمن هذا النوع من الشعر تتعدد النصوص ذات الفحوى التاريخي و السياسي (بن حواء، بن مسايب، بن حراث). مثل القصائد التي تعكس العلاقة بين الشاعر و الحاكم (المنداسي، بصحراوي، بن الحصيني، ولد امحمد، بن حوا). و لا غرابة إن كانت المرحلة التاريخية ما قبل الاحتلال الفرنسي حاضرة بقوة في هذا الديوان.    و يبدو لنا أن الكاتب أراد — سنتين قبل الاحتفال بالذكرى المئوية للاستعمار (les fêtes du centenaire de la colonisation) (1930) — استحضار أرواح فرسان الماضي المجيد، بشيء من الحنين، ليعلّم صفحة تاريخية بارزة قبل طيّها. و هكذا يظهر الديوان كأنه خطاب الوداع لماض الفروسية و الملاحم و البطولات. و، تاريخيا، هي مرحلة المقاومة الشعبية التي أخلت الساحة أمام مرحلة الممارسة السياسية الحديثة.

  نجد أيضا عددا كبيرا من نصوص الحكمة و التربية الأخلاقية و الإرشاد. و كأن قاضي  كان يبحث، من خلال الأشعار الوعظية (منداسي، بوعلام بطّيب، عدّة التحلايتي) عن مجموعة من القواعد يطابق الجزائري المسلم سلوكه عليها في ممارسته اليومية للمجتمع الاستعماري. و نجد قاضي يؤكد في مقدمته على القيم الأخلاقية الموروثة عن السلف و التي يجب أن تنير مسيرتنا في هذه الأوقات العصيبة. يبدو أن الظرف الراهن، حسب قاضي، ليس للتطرف و لا للمغامرة و لكن للواقعية و الحذر. فيدعو قاضي إلى التحلّي بالاعتدال و الصبر و احترام الرئيس و المرؤوس.

  1. أكثر من ثلثي النصوص تتعلق بالملحون المنظوم باللغة العامية ذات الطابع " البدوي". و تعتبر هذه المجموعة خزّانا معجميا ثريا للغلة المستعملة من طرف القبائل الجزائرية و أهالي المدن ذات اللهجة العربية البدوية. و بقدر ما يمكن اعتبار الدواوين الخاصة بالأشعار الأندلسية التي نشرها يافيل، مثلا، إثباتا للثقافة الوطنية في  لونها "الحضري" بقدر ما يمكن اعتبار ديوان "الكنز" تعبيرا رائعا عن الموروث العربي البدوي للشعب الجزائري.

  يجب الإشارة هنا إلى أن هذه المعايير الثلاثة، التي طبقت في انتقاء هذه القصائد، ناجمة، حسب رأينا، عن تصوّر قاضي لدوره كعضو لنخبة مثقفة تنتمي إلى شعب مستعمر يسيطر عليه الجهل و الأمية.

فتصوره هذا يتميز بالنظرة النخبوية، و الرؤية التاريخية، و الانشغال بإشكالية الوساطة بين السلطة و العامة. لنتذّكر هنا أن مشكلة الانفصام أو الطلاق بين الطبقة الشعبية و المثقفين، مشكلة طالما عانت منها نخبة تلك الفترة التاريخية. أمّا  قاضي فيبدو أنه عالجها باستعمال و بتوظيف الملحون بكونه لغة إجماعية (consensuelle) و أدب مشترك ومجال تفاهم و تعايش في حين واحد. يشكل الملحون في نظره المدلول (le référent) المشترك لجميع المغاربة سواء كانوا من النخبة المثقفة أو من الطبقات الشعبية. و لكنه ملحون ذو مستوى رفيع جدّا بحيث لا نجد في الكنز المكنون إلاّ فحول الشعراء — يجمعون في أغلبيتهم بين الثقافة الشعبية و الثقافة المدرسية — و  القصائد الرنّانة. مما يفسّر الحضور البارز  لسعيد المنداسي، بكونه أديب من الطراز الأول و شاعر البلاط العلوي ، مربّي و مؤنس للسلاطين.

 لقد شكلت معركة التاريخ الوطني و معركة اللغة الوطنية، في عهد قاضي،  أعتا المعارك التي خاضتها الحركة الوطنية لوضع مقوّمات راسخة للهوية الجزائرية.

أمّا التاريخ في هذا الديوان فحدث و لا حرج : تاريخ انقضى يجب الآن استخلاص الدروس منه من جهة و تاريخ علينا إنجازه لتحرير الشعب الجزائري من قيود البؤس و الاستسلام من جهة أخرى.

  أمّا فيما يتعلق بمسألة استعمال اللغة العربية المدرسية أو العامية في مخاطبة الشعب، يظهر أن قاضي اختار الأدب المكتوب باللغة العامية، لغة يسهل فهمها من الطبقة الشعبية الغير المتعلمة.

إذ يقول قاضي أنه قام بإعداد هذا الكتاب لسد الحاجة الثقافية للطبقة الشعبية. و لهذا استعمل في مقدمة الكتاب و النصوص أسلوبا مرنا أقرب من العامية المهذبة منه إلى العربية المدرسية.

و على كل، فإن هذه المجموعة الشعرية الثمينة عبارة عن نصب تذكاري أقيم من طرف خبير، تمجيدا للإبداعات الأدبية الأصيلة لعبقريتنا الوطنية. فهي مرآة للروح و الإحساس الجزائري و أدب يجد فيه القارئ متعة و طرب. كما يتسنى لكل باحث في العلوم الإنسانية أن يتخذ هذا الديوان وثيقة للدراسة لأنه مشحون بمعطيات متنوعة، أدبية، لسانية، تاريخية، أنثروبولوجية إلى غيرها من الميادين المتعلقة بحقبة تاريخية هامّة و فئات من الشعب الجزائري قلما سجّل أصواتهم التاريخ الرسمي و الأدب المشهور.

 


الهوامش

[1]  الكنز المكنون في الشعر الملحون، لمؤلفه قاضي محمد، المحامي الشرعي بتيارت، سنة ۱٩۲۸، طبع بالمطبعة الثعالبية، الجزائر، 224ص.

[2]  حسب المصادر.