Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2016، ص.40-148، ردمك: 5-04-598-9931-978 | نص كامل


عبد الله تاني قدور. بن عمر حمدادو و العربي بوفمامة  

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على سيدنا و مولانا محمد و آله

الحمد لله الذي لا يزول على تواريخ الدهور ولا يدول، ولا لمشيئته وإرادته اضمحلال ولا عدول، وعزّه دائم، وأحوال ما سواه تحول، وإليه وإن طال المدى الرجوع وبين يديه المثول، الذي جعل الدنيا جسرا عليه للآخرة الوصول، ومتاعها على قصره ابتلاء يعقبه النكير أو القبول، فمتى طلع في دولها شرق أعقبه الأفول، أو أتى في أرجائها ضحى تلاه الطفول. فالأزمنة كالأفلاك، ودول الأملاك كأنجم الأحلاك، تطلع من المشرق نيرة، ثم تغرب غائدة متغيرة، بينما ترى الدست عظيم الزحام، والموكب شديد الالتحام، والرعايا تشير، والأبواب يقرعها البشير، والسرور قد شمل الأهل والعشير،/2/ والأطراف تلثمها الأشراف، والطاعة يشهد لها الاعتراف، والأموال يحرسها العدل، أو يبيحها[1] الإسراف، والرايات تعقد، والأعطيات تنقذ، إذا رأيت الأبواب مهجورة، والدسوت لا مؤمنة[2] ولا مزورة، كأن لم يسمر سامر، ولا نهي ناه، ولا أمر آمر، ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، كالغصن تراه ناعما ثم تراه ذوى مجاح، كالنبات الغض يصبح هشيما تذروه الرياح، وأشهد أن لا إله إلا الله، الذي لا إله للعالم سواه، خلق الخلق وعدله وسوّاه، وأشهد أنّ محمدا نبيه الأوّاه، حبذا به من مجتبى ونعم الرسول، الذي باتباعه يبلغ من رضى الله السول، ويؤمل المأمول، المحذّر من الدنيا بما كان يفعل ويقول، وغبط في الآخرة التي في مستقرها الحلول، والرضى عن أصحابه سيوف دينه التي بها يصول، إذا فوقت السهام والنصول، وهدات[3] أمته إذا تهودى الصحيح المنقول، والصريح المعقول، صلى الله عليه وعلى آله عدد كل قائل ومقول.

أما بعد : فيقول المذنب القاصر محمد أبوراس بن الناصر: أسعد الله مأواه وأوطانه، وأدخله[4] من رياض الفردوس ميطانه، إنه لا أجلب للاعتبار[5]، من استطلاع الأخبار، ولا أبث[6] في عضد الاغترار، من وقائع الليل والنهار، وتحول الأحوال، وتطور الأطوار، وذكر الأمم الماضيين الأقدمين، إلى بعثة خاتم النّبيين، ولا أذكر ما بعده في هذا التأليف المهذب المختار، إلا على طريق الانجرار، لأن أخبار الأوائل، ومعرفة أجناس الناس والقبائل، من أهم ما يعتنى به ويدخر.

ولا يقال الأصل في الأخبار أن تؤخر، لأن في القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، من القصص ما يذهل الألباب[7]، ويخجل منه البحر العباب، على أن ما للإخباريين قشر وما في القرآن اللباب. والإخباريون إذ ذاك داهر، مؤرخ الفرس، وهرشيوش مؤرخ الروم، ويوسف/3/ بن كريون مؤرخ اليهود، وقبله بلوقي، منهم نسخ بنو إسرائيل، تاريخه في أربعين سنة، وسابور[8] بن سليمان المطماطي مؤرخ البربر، ودعبل المعروف بالنسابة مؤرخ العرب، وهم كلهم قبل الإسلام بمئين[9] من الأعوام.

وقد قال علماء القصص طلب منا لقوله تعالى: ‹‹ أولمْ يَسِيرُوا فِي الْأرض فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ››[10]، وقال تعالى: ‹‹ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ ››[11]، وقال: ‹‹إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ››[12]، قال: " مِنهُم مَن قَصَصْنَا عَليْكَ وَمِنهُم مَن لَمْ نَقصُص عَليْكَ"، وقال: ‹‹ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأولي الأَلْبَابِ››[13] إلى غير ذلك.

وإني بعون الله أؤلف تاريخا، يطلع في سماء الأخبار[14] عطارد أو مريخا، وبالله المستعان، وعليه في مصاعب الأمور التكلان. وسَمَّيْتُهُ زَهْرُ الشَّمَارِيخ فِي عِلْمِ التَّارِيخ[15].

أصل كلمة التاريخ

ويقال لأهله مؤرخون مشتق من الأرخ وهو الفتى من البقر وإخباريون جمع خبر وهو عام، خص بهذه الطائفة نسب للجمع لمشابهته العلم، فيقول أخبار وإخباري كأنصار وأنصاري، ولولا هذا رد في النسب لمفرده كسائر الجموع المنسوب إليها.

واعلم أنّ الله تعالى اعتمر هذا العالم من خلقه، وكرّم بني آدم باستخلافهم في أرضه، وبثهم فيها تماما لحكمته وتحقيقا لموضع اسمه الغفور وفائدته؛ لأنّ هذا الاسم من صفاته تعالى، وهي قديمة. فلولم يخلق بني آدم أو لم يقترفوا ذنبا لم تقع المغفرة، ولم يوجد موضوعها انظر السلوانية وشروحها[16]. وأنّ النّسب والتاريخ ضعفا في هذا الزمان واندرسا، فلا يكاد يتفق فيه اثنان حتى يقع اختلافا كثيرا في الأمة الواحدة، لاختلاط الأنساب، واختلاط المذاهب، وتباين الدعاوى، كما في كتاب بعثة ابن عرضون للقصّار، ولذا أنكر مالك معرفة الرجل نسبه إلى آدم. وقال: /4/ "من أين يعلم ذلك"، فقيل له وإلى إسماعيل، فقال: من يخبره به، وعلى هذا درج بعض علماء السّلف، وكان بعضهم إذا تلى قوله تعالى: ‹‹ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدهمْ لَا يَعْلَمهُمْ إِلَّا اللَّه››[17]، قال:" كذب النسابون". وممّا في حديث "كذب النسابون فوق عدنان".

ومما ثبت أنه "علم لا ينفع وجهالة لا تضر" إلى غير ذلك. وذهب كثير كابن إسحاق والطبري والبخاري إلى جواز الرفع في الأنساب، وقال أبو مصعب الزندي : "ما رأيت أحدا أعلم من الشافعي بالناس". وقال أبو شامة:" جاهل التاريخ يركب عميا ويخمط عشواء".

ولقد حضرت ثلاثة عشر مدرسا فيهم قاضى القضاة؛ فذكروا من لا تحل لهم الصدقة، فقالوا هم بنو عبد المطلب، وهو هاشم فما أحقهم بكل لوم لجهلهم أصلا من أصول الدين، وقد ينسب خبر المتقدم للمتأخر. وكان أبو بكر أنسب قريش، وسائر العرب، وكذا ابن عباس، وجبير ابن مطعم، وعقيل بن أبى طالب رضي الله عنه. ومن الجاهلية دغفل، وأكثم ابن صيفي وغيرهما. ومن التابعين السعيدان، والزهري، وابن سيرين، والشعبي، وبعدهم أبو عبيدة والأصمعي، والرقاشي، وابن الكلبي.

أهمية معرفة علم النسب

وتدعو الحاجة إليه في التعصيب في الوراثة والنكاح، والقود في الدماء، والعاقلة[18]، والعلم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من فروض الإيمان. وفي الحديث" كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسيى وسببي"[19] رواه عمر رضي الله عنه، وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها. وأما حديث "كذب النسابون" المتقدم أنكر السهيلي، روايته من طريق ابن عباس، مرفوعا، وقال الأصّح أنه موقوف على ابن مسعود، وخرج السهيلى أيضا عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن البراء..."الخ[20].

فالنسب معرفته مطلوبة، ألا ترى إلى قوله تعالى: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ"[21] إلى قوله: "وَيُونُسَ وَلُوطًا"[22] وقوله:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا"[23] إلى قوله: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"[24] وقال أيضا:"وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ "[25] إلى غير ذلك.

وأما حديث "علم لا ينفع وجهالة لا تضر"[26]، فقد ضعّفه الجرجاني،  وابن حزم، وابن عبد البر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"[27] وفي الشفا للقاضي عياض كان صلى الله عليه وسلم يتحدث مع/5/ جلسائه بحديث أولهم، قال الخفاجى: "أي بما كان قبل الإسلام من حروبهم، كحلف الفضول، ويوم بعاث، فاسلك السهل وتجنب الوعث، وخذ السمين، ودع الغث"، قلت : ولو لم يكن من شرف علم التاريخ إلى قوله تعالى:‹‹ يَا أَهْل الْكِتَاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم،  وَمَا أنزلتْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا مِنْ بَعْده أَفَلَا تَعْقِلُونَ ››[28]، لكفي وبطل كل دعوى أنه يهودي أو نصراني وكذا كتاب اليهودي الذي فيه شهادة معاوية وسعد بن معاذ وعلى بن أبي طالب وغيرهم انه عليه السلام أسقط الجزية عن أهل خيبر فعظمت حيرة الناس فقال الحافظ أبو بكر الخطيب، بعد تأمله هذا زور لأنّ معاوية أسلم بعد الفتح وخيبر فتحت سنة سبع وسعد بن معاذ مات سنة أربع فسر الناس، وقال تعالى:‹‹فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا››[29]، وأخبار عاد، وثمود وجرجيص وبلعام وغير ذلك وقوله:‹‹وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ››[30]، وقوله : ‹‹إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ››[31].

واتفق النسابون على أنّ الأب الأول هو آدم الخليفة عليه السلام، إلا ما ذكره ضعفاء الإخباريين من أمر الجن، وأن يوسف بن أقيان قبله، وأنه عاش مائة وستين حقبا. قال ابن خلدون : "وهذا ضعيف متروك". قلت أمّا في ابن أقيان فمسلم، وأما الجن فلا خلاف أنهم كانوا قبل آدم عليه السلام،  لقوله تعالى: ‹‹ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ››[32]، وفي المبتدأ لإسحاق بن بشر الفرتنى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن الله خلق الجن قبل آدم بألفين عام، وقال المفسرون: في قوله تعالى: ‹‹وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ››[33]، إلى آخر الآية. لما تعلمون ما نصه، ولم قالوا ذلك، لما رأوا من فساد الجن، وقتال بعضهم مع بعض، واتفقوا على أن الأرض عمرت بنسل آدم إلى نوح، وفيهم أنبياء مثل إدريس، وملوك مثل سورديب بن شلهوف بن شريا باني الأهرام بمصر، أنظر حسن المحاضرة للسيوطى.

قال أحمد بن يوسف التيفا، شي في كتابه سجع الهديل في أوصاف النيل ما نصه:"ذكروا أئمة التاريخ أن آدم أوصى لابنه شيث بالثاء المثلثة، فكان فيه وفي بيته النبوءة والدين، وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت تدعى الرايلون[34]، فنزلها هو وأولاد أخيه قابيل واستخلف شيث ابنه انوش/6/ بكسر الهمزة، وأستخلف انوش ابنه قينان، واستخلف قينان ابنه مهلياييل[35]، واستخلف مهلياييل ابنه يرد، ودفع الوصية إليه، وعلمه جميع العلوم، وولد يرد خنوخ، وهوهرشوش وهو إدريس النبي، وكان الملك في بني قابل بنى آدم قاتل أخيه هأبيل، وتنبأ إدريس. فأراده الملك بسوء فعصمه الله منه، واتصلت بيده وصية آدم، وطاف الأرض كلها، وأطاعه جميع ملوكها، وبنى مدنا منها الرها بالجزيرة، وعلى بابها ما يكون إلى قيام الساعة، بخط سريانى، ولما رجع دبّر أمر النيل، وسوّى أرضه، وتوفي ودفن بمصر. وقال السيوطي، في كتابه المتقدم إدريس نبي وملك وحكيم فهو المثلث وهو أول من اخترع الطب.

ومن الملوك قبل الطوفان أيضا فقراس، وهو الذي بنى مدينة أقسوس، ثم ابنه نقراس وهو الذي بنى مدينة حكمة، ثم أخوه مصرام ثم عيقام، وكانوا كلهم أهل كهانة وطلسمات، ونظر في النجوم، ورفع إدريس في أيامه، وملك بعده ابنه عرياق، وكان في وقته هاروت وماروت، ثم ملك نوحيم بن مقراس، وهو أول من عمل مقياس النيل، ثم ملك هوصل وبعث نوح في أيامه، ثم ترسان، ثم سرفان، ثم سورديب.

قال السيوطي : وهو باني الهرمين الكبيرين، ودفن في إحداهما مع أمواله، ثم ملك ابنه منقاوس، ثم أقروس ثم مالينوس، ثم ابن عمه فرعان، وفي أيامه الطوفان، وفي هؤلاء الأمم طوائف، مثل الكلدانيين، وهم الموحدون، والسريانيون وهم المشركون، أهل اللغة المشهورة. وكان إدريس أول رسول قاتل الكفار قال النقاش، وغيره: فقول الشيخ الخراشي في خطبة المختصر، أول الرسل نوح غير مسلم.

تنبيه: زعموا أن أمم الصابئة من جملة هؤلاء الأمم من ولد صابي بن لامك بن خنوخ كما في ابن خلدون، وفي ابن خلكان، نسبته إلى صابي ابن متوشلخ بن إدريس، وذكرهم المحقق مصعب الزبيري في جمهرته وابن حزم وابن الرقيق وابن أبي زرع، ونحلتهم علم الكواكب واستنزال روحانيتها.

قال ابن خلدون : "وقد ألف أبو إسحاق الصابي، كتابا في نسبهم ودينهم، وكذا
داهر، مؤرخ السريانيين، وقد بادوا/7/ وانمحى أثرهم"[36]. قلت : أبو إسحاق هذا كان كاتبا لملوك بنى بويه الديلمي عضد الدولة، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة من الهجرة، فصريح ابن خلدون أنه من ولد صابي الذي قبل نوح، وليس كذلك بل انقرضوا بالطوفان، ولم يبق بعد نوح إلا أولاده الثلاثة الآتي ذكرهم، وهم: أهل العقيب جقط.

وأما الثمانين الذين معه في السفينة، فليس عندهم نساء ولا عقب لهم، والصواب أن أبا إسحاق المذكور من ولد صابي بن بادي في عهد الخليل، ولا شك أنهم المقصودون في القرآن لذكرهم فيه مع اليهود، والنصارى في آيات، وفي حواشي الكبرى عن الفهري، أنهم من المثنوية، وقيل هم فرقة من النصارى، ينكرون الرسالة، واعتقدوا تأثير الأفلاك، وقِدَمِ العَالمَ وأُلُوهِيَة الشّمس، والذي في الكشّاف أنهم يعبدون الملائكة. وفي تفسير المهدوي الصابون الخارجون عن الحقّ من صاب يصبو، إذا مال، ثم قال عن الحسن وقتادة قوم يعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلّون للقبلة، وإذا مات من هو كامل الرتبة فيهم اتخذوا تمثالا على صورته، وعظّموه، وتوسلوا به إلى الله تعالى.

واتفقوا على أن الأب الثاني هو نوح، وقالوا أنه آدم الثاني، وهو ابن لأمك
بن متوشلخ بن خنوخ ابن برد بن مهلاييل بن قنين بن أنوش بن شيت بن آدم عليه السلام.

تنبيه: أكثر النسابين على أن إدريس ليس بجد لنوح، خلافا لنقل ابن إسحاق، قلت: ولذا وقع في صحيح البخاري في حديث الإسراء أن إدريس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ"، كقول عيسى وموسى ويحيا، ولم يقل آباؤه إبراهيم، ونوح وآدم، مرحبا بالنبي الصّالح والأبن الصّالح. أنظر تفسيرنا وشرحنا على دلائل الخيرات، وقولنا فيما مرّ، إدريس هو هرمس، هذا الذي جزم به الحكماء، وهو الذي ابتكر جودة الصنائع المهمة كالخياطة ونحوها.

وأول من عمّر مصر بعد الطوفان بيصر بن حام، ثم ابنه مصر بن بيصر، وبه سميت، أتاها في ثلاثين من أهل بيته، ولذا سميت المدينة التي بناها ثمة منف لأنّ منف بلغة القبط، ثلاثين.

تنبيه: في صحيح البخاري عنه عليه /8/ السلام" لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ"[37]، قال الفسطلاني:" كان شرعنا غير محتاج لذلك فان لم يوجد نص ففي النظر غنى"، نعم لا يدخل في النهي أخبارهم عن الأمم المتقدمة. واعلم أن التوراة ذكرت نسب موسى ويعقوب عليهما السلام، ونسب ما بينهما وبين آدم عليه السلام، والنسب والقصص أمر لا يدخله النسخ، إلا أنها لم تذكر قينان المتقدم في عمود نسب نوح لأنه كان ساحرا أو ادعى الإلهية.

تنبيه: وأما ما يقال من أن علماء اليهود، بدلوا مواضع من التوراة على حسب أغراضهم في دنياهم، فقد قال البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن ابن عباس : أن ذلك بعيد، ومعاذ الله أن تبدل أمة كتاب نبيِّها مع أنه مستحيل بعد انتشارها، ولا مانع من قراءتها، ووقع في الأحاديث النقل عنها.

وقد ارتضى هذا ابن تيمية، وفي شرح التجانى للشفا، إذا أفاد النظر فيها مقصدا؛ فلا يبعد الاستدلال بها، وقال ابن أبي جمرة، في الجزء الأول: معرفة الشرائع المتقدمة من المحمود شرعا، وإن لم يكن فيها حكم لنا، مع أنه قد يكون لنا حكم فيها، كمن هدم وقفا؛ فعليه إعادته. فهو من أحكام التوراة، وأصله قضية جريح العابد، وأما حكم الإسلام فالقيمة؛ وإنما بدلوا وحرفوا بالتأويل، ويشهد له قوله تعالى : "وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ"[38]، ولو بدلوا الألفاظ لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله وقوله : "قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا"[39]، ولو تبدلت ألفاظها لم تكن بها حجة، إلا أن يكون ذلك عن غير عمد أو عند ذهاب ملكهم في وقعة طيطش، ومع ذلك يمكن وجود الصّحيح منها، حسبما هي عند عالمهم إذ ذاك الحِبْرُ يوسف بن كريون، على ما ينبغى من الصِّحة والضبط، وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم عند عالمهم ابن سورما الأعور، ومالك بن الضيف وغيرهم.

وأمّا كعب الأحبار،  بن ماتع بن عمرو بن قيس، بن ذي رعين أوذى الكلاع الحميري فتهود. قلت: فما لشرّاح مختصر الشيخ خليل وغيرهم في فضل قضاء الحاجة غير صحيح، ولم يصب من اعترض على القاضي عياض،  وغيره في كثرة النقل عنها، لا سيما في كتاب الشفا، وتحريم الفقهاء قراءتها، حتى بالغ بعضهم فقال: يجوز الاستجمار بأوراقها، وهذا مما لاينبغي. أنظر شرح شهاب الدين الخفاجى على/ 9/ الشفا، ويشمل توراة وقتنا قوله تعالى:" وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ"[40].

واعلم أن أولاد نوح خمسة: كنعان هلك بالطوفان كما في القرآن، وعابر مات قبله، وثلاثة هم أصول الدنيا حام وسام ويافث، قال تعالى:" وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ "[41]، فأولاد سام أوسطهم حسا ومعنى، وهم أرفخشد، ولاوذ، وأرم، وأشور، وعيلام. فولد أشور أهل الموصل، وولد عيلام أهل خراسان، ومن ولد أرفخشذ سبأ بن يقطن، بن عابر، بن سالخ، بن أرفخشذ هكذا في التوراة.

وفي غيرها، سالخ بن قيس، ومن ولد أرم حول بن أرم بن سام، وسوريان بن نبيط بن ماش بن أرم بن سام، وعاد بن عوص بن أرم بن سام، وثمود بن كاثر بن أرم بن سام، ومن ولد لاوذ طسم، وجديس وعمليق، ومن ولد عيلام أيضا فارس بن عيلام بن سام، وهواز بن حاسم بن عمليق بن لاوذ بن سام، وجرجان بن لاوذ، وبابل بن جاسم، وديلم بن بابل بن أشور، وكرد، ونبيط، وخزر، الثلاثة من ولد أشور، ولم يذكره الله تعالى في التوراة ولد لاوذ. وفهم اللغة العربية عاد، وثمود كما يأتي.

ومن ولد يافث الترك، والصّين والصقالبة ويأجوج ومأجوج باتفاق، وكان له من الولد على ما في التوراة سبعة: كومر، وياران، ومادى، وماغوغ وطوبال، وماسخ، وطيراش. فمن كومر ترك بن كومر، ومنهم التركمان، ويقال لهم ترك إيمان، أسلم منهم في شهر مائة ألف ومنهم الخزر،  أسلموا على يد حذيفة بن اليماني، كما في ابن جرير،  الطبري، ومنهم الزُط بضم الزّاي، ومنهم الطغرغر، وهم الطرطر ويقال لهم التتار، أيضا، زحفوا لبغداد سنة سبع وخمسين وستمائة، فقتلوا آخر خلفائها من العباسيين، اسمه عبد الله المستعصم، وقتلوا وزيره الذي كان سببا لدخولهم، وهو ابن العلقمي، فجوزي من جنس عمله، وأطلقوا السيف في بغداد أربعة وثلاثين يوما، ثم آمنوا الناس، وأميرهم إذ ذاك جنكزخان، ثم ابنه هلاكو، ثم تيمور.

قال الديار بكرى:" وقد فشا فيهم الإسلام، وقد زحفوا للشام فهزمهم الله"، وقد ظهرت شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية إذ ذاك، وقد هزم الله قبلهم من الشام القرامطة، في القرن الرابع على يد جوهر، قائد المعز العبيدي، وحسّان بن الجرّاح الطائي.

ومن الترك، الغور، ورأيت في بعض التواريخ أنهم المغور، قال:"ومنهم العثامنة، سلاطين اسلامول"، وقال السّخاوي:" هم من ولد عثمان بن عفان،  رضيى الله عنه"، والأول أصّح. ومن/10/ ولد ياران الروم، لا من ولد العيص بن إسحاق بن يعقوب، كما في شرح الشيخ خليل في باب الجهاد، تبعا لضعفة المفسّرين والإخباريين التابعين ليوسف بن كريون مؤرخ اليهود،  ؛ فإن ذلك غير صحيح. لأن ولد العيص كانوا توطنوا جبل أروم وانقرضوا، ومن ثم سرى الوهم لمن ذكر. انظر" تفسيرنا[42] أو الحلل السندسية في أخبار وهران والعدوة الأندلسية"[43]. فإني نقلت فيهما عن ابن خلدون، وجمهرة ابن حزم، ما يشفي ويكفي.

وأن باني رومة منهم اسمه روملش، بناها قبل الهجرة بتسعمائة سنة، ولعلّ اسم الروم، اشتق منه، كما اشتق اسم المدينة التي بناها منه، ومن مادى الديلم منهم بنو بويه، ملوك العراق. كما أن من كومر سلجوق منهم ملوك السلجوقية، ملكوا بعد بني بويه، أولهم أبو طالب محمد، وآخرهم سنجر بن ملكشاه بن البارسلان، بن داوود بن مكيال بن سلجوق بن دقاق، أبتز ملكه الأنحرجيل من الترك، سنة اثنين وخمسين وخمسمائة، وفي بنى مكيال نظم بن دريد مقصورته المشهورة.

ومن ماغوغ ياجوج وماجوج أكثر الخليقة، منهم بنو علجان، بن يافث أربعمائة أمة، وهم الذين يلون سد ذي القرنين، وهم الذين يفتحونه آخر الزمان، وهم مشوهون الخلقة، متفاوتونها عرضا وطولا، ومن مات منهم أكلوه، ومن ولد منهم ألفا كان ذلك علامة على موته، يتسافدون في الطرق كالبهائم، وعيشهم التنين، وإذا تأخر عليهم استمطروا كما يستمطر الغيث، وآذانهم إحداهما مشعّرة، والأخرى مزغبة، يتغطى بالمشعرة أيام البرد، ويتفرشون المزغبة وفي الحر بالعكس، وبعضهم كالنخلة طولا، وبعضهم نحو الذراع، وبعضهم عرضه كطوله، ومن طوبال الهياطلة، كانوا بنواحي العراق، وملكهم يقال له الخنشوار، أبادهم ملوك الفرس.

وانظر الصقالبة، لم يرجعون من ولد يافث، وكذا أمة صول وناسك وواق والوقواق وغيرهم. وأما الفرانسيس[44] فهم من ولد أريغ بن كوم بن يافث نسبة إلى مدينتهم القديمة وهي افرنسة، وقد تُبْدل السِّين جيما ؛ فيقال أفرنجة، ولذا يقال له الفرنج،
كانوا مجوس لا دين لهم، ولما غلبهم الروم، حملوهم على دينهم كما حملوا البربر، الذين يقربون من البحر الرومي، مثل: مغراوة، وبنى يفرن، ومغيلة وغيرهم. ولم أقف لماسخ وطيراش على نسل/11/ منصوص فمن وجده فليلحقه، وعند بعض علماء اليهود، أن ليافث ولدًا ثامنًا اسمه هيمذان من بنى همذان بن يافث وبه سميت، همذان بذال معجمة مدينة من مدون جبال العراق، منها بديع الزمان صاحب الأربعمائة مقامة، واقتفاه الحريري، وذكره في مقاماته ونصّه بديع الزمان وعلامة همذان بفتحتين.

وأمّا حام وهو أصغرهم فمن ولده السودان والهند والسند. والقبط منهم مصر بن بيصر بن حام، وبه سميت تلك الأرض كما مرّ، ومن ولده لفقط، وولد لفقط وهو والد الأمة المعمرة ذاك الإقليم، ثم بنيت عين شمس مدينة فرعون، وهي على تل عالي خراب، ثم بنيت مصر العتيق، التي فيها جامع أحمد بن طولون، والقرافتين، ثم القاهرة،  المسكونة الآن التي بها الجامع الأزهر، اختطها جوهر، وزير المعزّ العبيدي، وسط القرن الرابع.

ومن ولد كنعان على ما في التوراة صيدون، ولهم ناحية صيدا، وكركاش كانوا بالشام، وانتقلوا إلى إفريقية عند غلبة يوشع عليهم، ومن كنعان بيوسا، هربوا أمام داوود عليه السلام،  من القدس إلى المغرب. والبربر من هؤلاء المنتقلين من ولد مازيغ بن كنعان، مثل: مغيلة، والبرانس والبتر، ومن كنعان حيث كان الذين ملكهم عوج بن عناق صاحب الطول المفرط، لكن قال القسطلاني،  في سورة المائدة :" وفي ذلك نظر".

ومنهم أهل نابلس، وطرابلس وصمارى أهل حمص، وحاسي أهل أنطاكية، وكانت تسمى باسمهم ؛ وفي التوراة أن النمرود من ولد كوش، وفي تفاسيرها أن منهم زويلية، وأهل برقة والنوبة وفزّان ووداق والواحات وسوى، وعند بعض علماء اليهود، أن القبط، من ولد قوط والأصّح ما مرّ.

الخبر عن العرب العاربة

سُمّيت عاربة لأنّ الله ألهمها اللسان العربي بلا تلقين أحد، فهي بمعنى الراسخة في العربية المبتدعة لها، وفي القاموس عرب عاربة وعربة وعرباء صرحا، ومستعربة دخلا، وفي الصّحاح العرباء/12/ الخاص منهم، وأما ما في الخفاجي، شارح الشفا، أن العرب، أبوهم قحطان، وأمهم جرهم فغير صحيح.

وهذه العرب، أقدم الأمم وأعظمهم بعد قوم نوح، ومن أول الأجيال لأنّ أخبار القرون الماضية يمتنع إطلاعنا عليها لعدم لتطأول الزمان ودروسها، إلا ما يقصّه الكتاب علينا، وحديث الأنبياء بالوحي، وما ينقله زعماء المفسّرين عن الصّحابة أو سمعوا ممن أسلم من علماء اليهود، ككعب الأحبار وغيره من أهل التوراة، وما سوى ذلك من حطام المفسرين وأساطير القصص لا يُعَوَّلُ على شيء منه، وإن وجدت لمشاهير العلماء ككتاب الياقوتة للطبري، وكتاب البدء للكسائي؛ لأنهم لم يلتزموا فيها الصّحة والوثوق؛ وإنما نحوا فيها منحى القصص، فلا يعول عليها وأخبار العرب وإن لم تقع في التوراة، إلا أن بني إسرائيل أقرب إليهم وأوعى لإخبارهم، فيعتمد على نقل ثقاتهم كما مرّ. ثم إنّ هذه الأمة يقال لأرضهم جزيرة العرب؛ لأنّ بحر الهند من جنوبها، وخليج الحبشة من غربها، وبحر فارس من شرقها، يقال أنهم انتقلوا إليها من بابل.

واعلم أن بني سام على خمسة أقسام، ولهم مزية عظيمة على أبناء عمّهم حام ويافث؛ لكون الأنبياء منهم خاصة؛ القسم الأول: بنو أرم بن سام ومنهم بنو عاد، الأكبر بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، مواطنهم الأولى بأحقاف الرمل كما في القرآن بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشجر، وهم ثلاثة عشر قبيلة، وكان أبوهم عاد فيما يقال؛ أول من ملك من العرب، عاش ألف سنة ومائتين وتزوج ألف امرأة، وله أربعة آلاف ابن من صلبه، ثم ملك بعده ابنه شديد عاش خمسمائة سنة وثمانين، ثم ابنه الآخر وهو شداد الباني مدينة إرم ذات العماد المشهورة في ألسنة الناس وقصصهم، حتى أنه شيّد فيها قصور الذهب وأساطين الياقوت، والزبرجد، لما ورد في صحف شيت عليه الصلاة والسلام، وكذا إدريس ونوح لما رأى في وصفهم الجنة؛ فحاكها بها عتوا وطغيانا.

وقد قال الشيخ علي بن ثابت، في شرح البردة أن عبد الله بن قلافة، أحد هذه الأمة، كان طلب إبلاً ضلت له، فدخلها وأتى معاوية فأخبره، فبعث إلى كعب الأحبار، فأتاه فقصّ عليه ذلك/13/؛ فقال هذا وصفها "ويدخلها رجل من هذه الأمة ؛ فالتفت فوقعت عينيه على عبد الله، فقال مثل هذا" ذكر هذا عند قول البوصيري:

لم تقترن بزمان وهي تخبرنا                                   عن المعاد وعن عاد، وعن إرم

لكن قال ابن خلدون : والصّحيح أنه ليس هناك مدينة اسمها إرم ؛ وإنما من خرافات القصاص، ونقله ضعفة المفسرين، وإرم المذكورة في القرآن ؛ إنما المراد بها القبيلة لا البلد، قلت : ومثله في شرح القسطلاني، على صحيح البخاري في سورة والفجر، وزاد أن معنى ذات العماد، أهل عمود بوادى ناجعة، انظره. وقيل لطولهم ومن ولد عاد، جيرون ابن سعد بن عاد، الذي اختط مدينة دمشق، ومن أبوابها إلى هذا العهد باب جيرون وفيه يقول الأعشى :

النخل والقصر والجماد بينهما أشهى إلى القلب من باب جيرون

كما في كتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني، في الصوت الأول، وقيل سمي هذا الباب باسم مولى من موالي سليمان عليه السلام، وقد بعث الله لقبائل عاد، أخاهم هود ابن عبد الله بن رباح،  بن خلود بن عاد، وملكهم لعهده الخلجان من ولد بن عاد فآمن به مرتد بن سعد، وقيل ولقمان بن عاد، وكفر الخلجان ؛ فكان من خبرهم ما قصّه القرآن، وفي تاريخ البخاري أن الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا فهو هدد بن برد بن الخلجان، وأن القرية بساحل برقة قلت، وكأنه مستبعد لأن غَاصِبَ السُّفُن على عهد موسى والخضر عليهما السلام، وهود هذا قبل الخليل بأحقاب.

تنبيه: قال الجلالين، عاد، الأولى هي قوم هود، والثانية هم قبائل ثمود، وأما عبيل؛ فهو أخو عاد كما لابن الكلبي، وكانت ديارهم الجحفة أحد مواقيت الحجّ، فأهلكهم السَّيْل وبه سميت لإجحاف السيل لها؛ كما أنها جحفت بالسيل أيام عبد الملك بن مروان، في الثمانين من الهجرة، كما في شرّاح الشيخ خليل في باب الحجّ، فإنه غير ظاهر، قال ابن خلدون : "والذي اختط يثرب منهم وهو يثرب بن مهلهل"، وللسهيلي أنه من العماليق، وهو يثرب بن دخا.

وفي الشبراملسي،  على المواصف اللدنية "خيبر أخو يثرب ابنا فانية بن مهلهل بن إرم بن عبيل، وهو أخو عاد،  "اهـ. ولذا قال  ابن خلدون :/14/" وأما عبيل فهو أخو عاد كما مرّ، وأما عبد صحم بن إرم، فكانوا يسكنون بالطائف، قيل هم أول من كتب بالخط العربي، وقيل رجل من الأنبار، وقيل قبائل أبجد هوز حطي،... الخ، الذين بعث لهم شعيب عليه السلام، ومن عاد معاوية بن بكر،  وقومه، وكانت أخته هزيلة عند لقيم بن هزال، وكان يسكن مكّة.

قال ابن خلدون : "وهو عاد، الثانية" اهـ. خلاف ما مرّ عن الجلالين، من أنها ثمود، وأما ثمود بن كاثر بن إرم فديارهم بالحجر وواد القرى، وكانوا ينحتون الجبال بيوتا، أما لطول أعمارهم فيأمنون من الخراب الذي يلحق البنيان فيعاد؛ وإمّا لخوفهم من ريح إخوتهم عاد الذين هلكوا قبلهم، قال تعالى : "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ"[45]، وهي لهذا العهد. وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ونهى عن دخولها والوضوء بمائها، لأنها أرض عذاب، قال العلماء : وكذا التيمم بأرضها وإلا أعاد في الوقت كدابير الناقة، وهي معروفة بالتواتر؛ وأول ملوكهم عامر بن إرم بن ثمود بن جندع بن عمر، وفي أيامه بعث صالح ابن عبيد بن أسيف بن ماسخ بن كاثر بن ثمود ورَأسَ عليهم إذ ذاك نزار الأحمر بن سالف.

وقد زعموا أنّ الناقة التي خرجت من الصّخرة، وهي آية صالح عليه السلام، أضرت بالماء ؛ فأتت صدوف وهي من وجوه نسائهم وصواحبتها إلى فزار ورغبنه في قتلها، فقتلها فهو أشقى الأولين، فهلكوا بصيحة قطعت قلوبهم في ساعة بعد قتل الناقة بأربعة أيام، وما نجى منهم إلا رجل يقال له أبو رغال، وهو غير أبي رغال قائد فيل الحبشة، وزعموا بعض النسّابة أن ثقيفًا من بقاياهم، ولما سمع الحجّاج بن يوسف ذلك قال كذب، قال تعالى:" وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى"[46]، وأهل التوراة لا يعرفون أخبار عاد، ولا ثمود، ولا غيرهما من العرب، ولا هود ولا صالح، لقدم ذلك في التوراة ؛ وإنما مساق التوراة في عمود نسب موسى إلى آدم، وليس هم في ذلك العمود.

القسم الثانى: بنو لاوذ بن سام، منهم طسم، وجديس، وقيل جديس، من ولد إرم، وديارهم أرض اليمامة إلى البحرين، وكان الملك في طسم لعملوق فظلم هزيلة الجديسية،  في حكمه فقالت/15/:

أتينا أخا طسم، ليفرق بيننا                                 فأبرم حكما في هذيلة ظالما

وصار يقتض كل بكر زفت لزوجها من جديس، حتىّ زفت الشموس بنت غفار،  لزوجها فاقتضها فأنشدت في ناد قومها تقول:

أَيَصْلُحُ ما يأتي على فَتياتِكُم                                  وأنتُم رجالٌ فيكُمُ عَددُ الرملِ

فإنْ أنتُم لم تَغْضبوا بعدَ هذِه                             فَكُونُوا نِسَاءً لاَ تَفِرُّ من الفَحْلِ

فَلَو أَنّنا كُنّا رِجالاً وأنْتُمُ                                          نِسَاء لَكِن لاَ نُقِّرُ عَلَى الذُّلِّ.

قال: فنافت جديس، وتدامرت وغضبت، وتشاوروا على الغدر؛ فصنعوا طعاما، ودعوا عملوقا وقومه بموضع رمل، خزنوا سيوفهم فيه، فلما شرعوا في الأكل فتكوا بهم، فلم ينج منهم إلا رباح بن مرّة، أخو زرقاء اليمامة،  ذات البصر الحاد المشهورة، فأتى محبسان بن تُبع ملك اليمن ؛ فلما كان على ثلاثة أيام قال له رباح: إن أختي متزوجة في جديس، وإنها تبصر على مسافة ثلاثة أيام، فليأخذ كل من الجيش حزمة شجر بين يديه، ففعلوا فأبصرتهم في مشرفة لها، فأنذرتهم فلم يبالوا، فأنشات[47] تقول:

خذوا حذركم يا قوم ينفعكم                               فليس ما قد أرى بالاً من يحتقر

إني أرى شجرا من خلفها بشر                              وكيف تجتمع الأشجار والبشر

وقد تمادوا على غفلتهم وعدم مبالاتهم وهي مستمرة على الإنذار حتى أنها قالت لهم إني أرى رجلا من الجيش ينهش كتفا، وآخر يخصف نعلا، فكذبوها واستبعدوا ذلك، حتى صبّحهم حسّان فأبادهم وصلب الزرقاء على باب جو؛ فمن حينئيذ سُميت الأرض باسمها وهو اليمامة، ولقبها الزرقاء. وفي المثل أبصر من زرقاء وأغرب من عنقاء، واحتمل أختها عنز، وأفلت منهم الأسود بن غفار،  سيد جديس، وهو أخو الشموس المتقدمة ؛ فذهب إلى طي وتوطن فيهم، وبقت أرض اليمامة قفار إلى أن نزلها بنو حنيفة أحد بطون بكر بن وائل، وقصبتها يقال لها حجر؛ لأنها لما اختار تلك الأرض رؤيسهم عبيد بن ثعلبة حجر على موضع قصبتها، فسميت حجرا واسمها الأول جوقال مهلهل أخو كليب:/16/

فلولا الريح اسمعت من بجوّ                                 حليل البيض تقرع بالذكور

وأمّا العمالقة، فهم بنو عمليق بن لاوذ، وبهم يضرب المثل في الطول والجثمان، وتفرقا في البلاد، فكان أهل المشرق وعُمان والبحرين والحجاز منهم، ومنهم فراعنة مصر، ومنهم الكنعانيون، جبابرة الشام، ومنهم بنو عبد بن صحم، نزلوا تهامة لما أخرجهم النماردة، من العراق، وأدركوا إسماعيل عليه السلام، وآمن به بعضهم، وملك منهم السميدع بن لاوذ بن عمليق، وفي أيامه أخرجت جرهم العماليق من الحرم فتفرقوا، فنزل يثرب بنو عبيد، ونزل أيلة بن هدبر بن عمليق إلى أن قتل يوشع عليه السلام، آخر ملوكهم السميدع بن هدبر، وأخذ من يده أريحا قاعدة الشام، والسميدع سمة لمن ملك منهم، ثم بعث بعثا من بني إسرائيل إلى الحجاز فملكوه من يد العماليق الذين به ونزلوه، ومن بقاياهم قريظة والنظير وسائر يهود الحجاز، ثم كان بعد ذلك ملك للعمالقة في دولة الروم، في مشارق الشام، أنزلوهم فيما بينهم وبين فارس، وملكهم أدينة بن السميدع، وهو الذي عناه الأعشى،  بقوله:

أزال أديشر عن ملكه                          وأخرج عن أهله ذا يزن

ثم ابنه حسّان ثم ضَرْبُ بن حسّان، ثم عمرو بن الضَّرْب الذي قتله جذيمة بن الأبرش، وملّك ابنته الزبا المشهورة فقتلت جذيمة غدرا، في قضية مشهورة. ومن قديم يكون عاقبة الغدر البوار، كما قالت الشموس بنت غفار، لأخيها الأسود سيد جديس، لما عزم على غدر طسم ؛ فاحتال قصير بن عدي على يد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، وهي رقاش على الزبا، حتى قتلها عمرو، وبقتلها انقرض ملك بنو أدينة وانقطع ملك رهط جذيمة. واستقبل عمرو بن عدي اللخمي، الملك، واتصل في عقبه حتى صبّحه الإسلام.

ومن العمالقة : ملوك الفراعنة، بمصر، وذلك أن بعض ملوك القبط، استنصر بملك العمالقة لعهده، واسمه الوليد بن دوفغ، ؛ فجاء معه وملك مصر واستبعدا لقبط ومنهم فرعون إبراهيم، وهو سنان بن الأشد بن عبيد، بن عولج بن عمليق، وقد نزعت له ضرس فوزنت/17/عشرة منا، والمن الرطل أو الوقت، وأمّا فرعون يوسف، فهو الريان بن ثوران، وفرعون موسى هو الوليد بن مصعب بن أهاب بن الهلدان، وعن ابن الكلبي، أن فرعون موسى كان نجارا، من غير بيت الملك، فولى حرس الملك، ثم غلب عليه، وبغرقه انقرض ملك العمالقة من مصر، ثم ولى القبط من بيت ملكهم دلوكة العجوزة كما يأتي.

القسم الثالث: بنو عيلام، بن سام بن نوح عليه السلام، منهم أميم وهم أول من بنى البنيان وسقفوه بالخشب، وسكناهم العراق والفرس منهم، وأن كيومر الذي ينسبون إليه هو ابن أميم، ودولهم أعظم دول بنو آدم، كما يأتي، ومن ولده أنان بن أميم، منازاهم رمل عالج الذي يضرب به المثل، وهو بين اليمامة والشجر، فهلكوا بالريح ومران منهم أهل خراسان.

القسم الرابع: بنو أشور بن سام بن نوح عليه السلام، وهو أنهم أهل الموصل وما حوله، القسم الخامس: بنو أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وأرفخشد اسم سرياني بمعنى المصباح، وحق له هذا الاسم لأنه أبو الأنبياء، بعد نوح عدا هود وصالح الذين منهم خليل الله، وكليم الله، وروح الله، وحبيب الله محمد صلى الله عليه وسلم، وله ولد اسمه يقطن بن أرفخشد، منهم جرهم وحضرموت، وقطورا والسِّلفات، فأما قطورا فهم أهل الرّس، فبعث الله إليهم نبيء منهم اسمه شعيب بن دي مهدم أو مهدم ؛ فكذبوه فهلكوا.

وأما جرهم فكانت منازلهم اليمن، ثم نزلوا الحجاز لقحط أصابهم، ولم يزالوا بمكة إلى أن غلبتهم خزاعة، فزحفوا لليمن إلى أن هلكوا، وفي ذلك يقول عمر بن الحارث بن مضاض الجرهمي، حيث يقول :

كأن لم يكن من الحجون إلى الصفا                    أنيس ولم يسمر بمكّة سامر

وسبب تسميته لأحد جبال مكة قعيقعان كزعيفران، أنّ جرهما وخزاعة كانوا يتقاتلون نهارا، ولمّا يغشاهم الليل تضع كل طائفة سلاحها في جانب منه، فيتقعقع السلاح من بعضه بعضا لكثرته، والبقاء لله.

وأمّا حضرموت فلم يبيدوا؛ بل بقيت منهم بقية اندرجوا في كندة، وكان فيهم ملوك يقابلون بملوك التبابعة، فأولهم الأشنب بن ربيعة، بن يرام بن حضرموت، ثم ابنه الأزج، ثم ابنه كريب، ثم مرثد الذي كان ملكه في مئارب ثم علقمة ثم/18/ قيفار، وكان له صيتٌ عظيم، ولم أر من غزا الصّين من ملوك الدنيا غيره، ولو الاسكندر اليوناني،  عدا ذي القرنين، وهو أول من غزا الرّوم من ملوك اليمن بقاعدتهم رومة، فهو أبعد غارة، وما مثله الإفريقش، الذي غزا من اليمن لأقاصي المغرب الأقصى، وهو أول من أدخل الحرير إلى اليمن، ومنهم ذو حماد الذي غزا فارس في عهد سابور ذى الأكتاف. وهو أول من اتخذ الحجاب من ملوك الدنيا، ومنهم ساجي وفي أيامه غلب الحبشة على اليمن، وفرّ منهم ذو نواس آخر التبابعة، كما يأتي في الكلام على ملوك التبابعة أصحاب كرسي صنعاء.

واعلم أن جرهم كما قال ابن سعيد، أمتان إحداهما على عهد عاد، وامتدت حتى بادت، والأخرى من ولد جرهم بن قحطان، وكان اسمه يقضان؛ فلما تجبّر ومنع أرزاق الناس سمّوه قحطان لقحط الرزق بسببه، ولما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز، ثم ابنه عبد يالل ثم ابنه جرشم الخ، وهذه الأمة هي التي بعث إليها إسماعيل، وتزوّج فيهم نابتة ابنة مضاض، وأظن أن هذه الأمة هي التي حاربتها خزاعة كما مرّ، ولابن اسحاق عمارة بنت سعد بن أسامة، أو أغزا بنت سعد على ما للسهيلي، أو هي بنت أسعد بن عملوق، فيما قاله عمر بن شبّة، ولمّا طلّقها بوصية أبيه، تزوج سلمة بنت مهلهل،  كما للمسعودي وعن أبي اسحاق، وعلة بنت مضاض بن عمر الجرهمية.

واعلم أنّ هؤلاء العرب، الذين ذكرنا كلهم بادوا، إلاّ بعض بنو أرفخشد كما يأتي وعدّ ابن خلدون، من الذين فهّمهم الله اللسان العربي أميم، وعمليق ليس على عمومه ؛ بل من أميم الفرس، وهم العجم، حقيقة، لأنه إذا أطلق لفظ العجم، لاينصرف إلا إليهم، وإنمّا سمّي غيرهم عجما تقليبا، كما أن لفظ زناتة، فهو حقيقة في مغراوة، وبني يفرن، وإطلاقه على غيرهم من بني يلوما، وبني مرين، وبني راشد، وبني ومانوا وغيرهم مما لايحصى، إنما هو على طريق التغليب فقط، لكون مغراوة ويفرن نالا ملكا عظيما. ومن عمليق الفراعنة، وهم عجم وقوله : "ومن العاربة يقطن" صوابا، لأن بنيه الأربعة عرب قح وبادوا، وأمّا ما اندرج من بني حضرموت في كندة فكالعدم واحترز بقوله يقطن من أخيه، وهم شالخ أو سالخ بالسّين أيضا لأن أولاده عجم، وهم من عمود نسب الخليل ولذا /19/لم يعدهم من العاربة فللّه درّه.

وأما بنو سبأ أخو يقطن وليس هو قحطان، فكان لهم أجيال باليمن فلم يبيدوا منهم حمير، وكهلان، وهى جملة الطبقة الثانية من العرب، وهي المستعربة، لأنه لم يكن في أباء قحطان من يتكلم بالعربية، وكذا أخوه فالغ من آباء الخليل؛ لأنه ثبت أن قحطان بن عابر، كان يتكلم بالعربية، لقنها من الأجيال قبله، فكانت لغة نبيّه. كما أنه لم يتكلم أحد من آباء فالغ لا من بنيه بالعربية ؛ وإنما لغتهم العجمية إلى إسماعيل، فلقنها من جرهم سنة أربع عشر من سنه فبقيت لغة بنيه الخ الدهر.

والحاصل أن بني أرفخشد بن سام، منهم العرب، العاربة كإخوتهم عاد، وثمود كما مرّ، ومنهم من بقي على عجميته حتى استعرب، وهم قحطان وإسماعيل. فالعاربة بادت، والمستعربة دامت، وقول  ابن خلدون : العرب طبقات صُحَّ، فإن أراد العاربة والمستعربة فهما طبقتان لا غيركما ترى، وإن أراد باعتبار الأجيال فصحيح، وإنما كانا بالمراد الأول طبقتين، لأن الطبقة الأولى العاربة، وهي التى ألهمها الله اللغة العربية، وهم ما قبل قحطان وإسماعيل، والثانية المستعربة وهم قحطان وبنوه وإسماعيل وبنوه.

تنبيه: قول ابن خلدون، رحمه الله العبرانية نسبة إلى عابر بن سالخ بن أرفخشد بن سام، لأنه هو أول من تكلم بها غير ظاهر ؛ بل أول من تكلم بها اسحاق بن الخليل، أنطقه الله بها، فكانت لسان جميع ولده وكانه عزى أنها مشتقّة من عابر، بل هو سرياني اللغة، لأن السريانية لغة إدريس، ثم نوح وإبراهيم ولوط، فكيف بعابر الأب الخامس لخليل الله إبراهيم، عليه وعلى كل الأنبياء السلام. وكذا هي لغة يونس عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام، والعربية لغة آدم وشيت وهود وصالح، وأما المستعربة لغة إسماعيل وشعيب والخضر ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، وعلى الجميع إخوانهم. قلت: ولذا قال المبتولي في شرح الجامع الذي دلّت عليه الأحاديث، أن اللسان الأول عربي، وفي الخفاجي، على الشفا السريانية لغة آدم عليه الصلاة والسلام، وهي أول اللغات ثم العبرانية والعربية، ثم قال عن السيوطي، "أن سؤال القبر يكون بالسريانية اهـ"./20/فكل على كلامه برهان ودليلا، وربك أعلم بمن هم أهدى سبيلا.

الخبر عن إبراهيم،  خليل الله عليه السلام

أبي الأنبياء عليهم وعليه الصلاة والسلام بن آزر بن ناحور بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام.

تنبيه اعلم أن بعضهم قال يقطن هو قحطان، وهو أبو اليمن كلها، وهو ابن سالخ بن أرفخشد بن سام، وعليه فبنو إسماعيل ربيعة، ومضر على حدة، وأهل اليمن بنو قحطان وغيرهم على حدة، فليس قحطان بابن لإسماعيل بن إبراهيم،  عليهما الصلاة والسلام، وعليه أكثر المؤرخين، وهو الذي تقتضيه عصوبة الفريقين على بعضهم بعضا في الجاهلية، وأتباع ربيعة ومضر كليب لحرب أهل اليمن، وغارة اليزيديون، ملك اليمن الأربعة على تميم من مضر، بأرض الكلاب بضم اللام كما يأتي وافتخار بعضهم على بعض كما وقع لعامر بن الطفيل المضري ويزيد بن عبد المدان إلى ذلك من افتخار شبيب بن شبة، على أهل اليمن في مجلس ابن أختهم الخليفة السّفاح العباسي، وبرازهم[48] في حروب القادسية وغيرها. وقول قيس، بن مضر، لمحمد بن مروان آخر ملوك بني أمية، لما زحف إليه عبد الله بن علي العباسي، بالموصل، لما قال لهم : احملوا على العدو، وقالوا حتى تحمل قضاعة، أي أهل اليمن، والذي لابن جرير، الطبري أنهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

ولذا قال ابن الكلبي : أنهم قحطان بن الهميسع ابن إسماعيل. قلت : ولذا قال إبراهيم،  بعضهم أن إبراهيم هو الأب الثالث للخليقة. وقد قال ابن خلدون : أي في رأي بعض/ مع /والمراد لأكثر الخليقة لأن الفرس، والفرنج ونحوهما ليس منه اتفاقا، وقول القاموس قحطان أبو اليمن كلها، وبما يرشد للقول الأول. وعليه يكون يقطن هو قحطان وعلى الثاني يقطن بن سالخ ابن أرفخشد بن سام، وقحطان متأخر عنه لأنه ابن الهميسع بن إسماعيل.

غريبة عجيبة: في التوراة: أرفخشد/21/ولد لسام بعد سنتين من الطوفان، ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة، ولد له ابنه سالخ، ولما بلغ سالخ ثلاثين سنة ولد له ولده عابر، ولما بلغ عابر أربعا وثلاثين سنة، ولد ابنه فالغ. ولما بلغ فالغ ثلاثين سنة ولد ابنه أرغوا، ولما بلغ أرغوا اثنين وثلاثين سنة ولد ابنه ناحور، ولما بلغ ناحور تسعا وعشرين سنة، ولد ابنه تارح، ولما بلغ تارح خمسا وسبعين سنة ولد إبراهيم، وجملة هذه السنين من الطوفان إلى ولادة إبراهيم مائتان وسبع وتسعون سنة، وعمر نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فيكون إبراهيم يوم وفاة نوح ابن ثلاث وخمسين سنة؛ فيكون لقي نوح وخالطه وأخذ عنه هـ. من ابن خلدون، بلفظه.

قلت: قوله وعمّر نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، نحوه في تفسير ابن جزي، والمعتمد أن نوحا بقي بعد الطوفان ثلاثا وستين سنة فقط، ويلزم من هذا النقل أن عاد، وثمود وقع بهم ما وقع في حياة نوح، وأن نبي الله هود، ونبي الله صالح كانا في زمنه المتأخر، وهو بعيد لأن هؤلاء بين نوح والخليل بلا شك. وأن نمرود في زمنه أيضا، وهو بعيد كل البعد وهو ظاهر وتارح هو آزر.

قال  ابن خلدون : وإنما آزر اسم لصنمه فلقب به هـ. واسمه تارح، وقيل آزر عمّه، والعرب تقول للعم أب وقال تعالى في يعقوب : "إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ"[49]، قال الجلالين : عدّ إسماعيل من الآباء تغليبا لأن العمّ بمنزلة الأب، وفي الحديث "عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ".

قال ابن سعيد، أن أول من ملك الأرض من ولد نوح كنعان بن كوش بن حام، فبنى بالعراق مدينة بابل اثني عشر فرسخا في مثلها، وورث ملكه ابنه نمرود وأخذ مدين الصابية، وكان سام بشرق دجلة بكوش فأوصاه أبوه بالتوحيد وورث ذلك ابنه أرفخشد وخرج ابن أبيه عابر مع الكلدانيين، وهم الموحدون على النمرود منكرين عليه عبادة الهياكل فغلبهم فلحق عابر بمدينة المجدل بالجزيرة بين الفرات ودجلة ثم خلفه ابنه فالغ وهو الذي قسم الأرض/22/ بين ولد نوح عليه السلام،  وتمكن بالملك في المجدل كأبيه وفي أيامه بنى النمرود الصرح ببابل وقام بأمره بعده ابنه فالغ وغلبه الجرامقة، والقبط أولاد نبيط المار واما ارغوا فدخل في دين الصابية فولد له شاروخ ثم ناحور ثم آزر وقدمه على بيت الأصنام فولد له على ما في التوراة ثلاثة بنين الخليل وناحور وهاران والدلوط وقد تحدث الكهان بولادة مولود يخالف الدين ويكسر الأصنام فامر نمرود بذبح الولدان فولدته امه بمغارة وبقى فيها إلى أن شب وتنبا فدعى أبوه للتوحيد فأبى وكسر الأصنام كما في القرآن ولما نجى من النار أمره الله بالهجرة وذلك بعد موت نمرود فخرج معه أبوه ومعهما على ما في التوراة ابنه ناحور و زوجة ابنه سارة وحفيده لوط لأن أباه هاران مات في حياة أبيه آزر فأقاموا بحران وبهما توفي تارخ ثم أمر الله الخليل بالخروج إلى أرض الكنعانيين وأن بنيه يكثرون بها مثل حصى الأرض فنزل بمكان بيت المقدس ولما كانت المجاعة خرج إلى مصر فوصف لفرعون المارجمال سارة فاحضرت عنده وهي تقول اللهم أنى قد احصنت فرجي الا عن زوجى ولما هم فرعون نها يبست يده فسالها الإقالة فدعت له فبرئى فردها إلى إبراهيم،  ووهبها ءاجر بفتح الجيم وقد تبدل هاد ولما سأله عنها قال هى أختى ولو قال زوجتى لقتله على أنه أراد إخوة الإسلام وانظر كتاب الشفا للقاضى عياض وشارحه الخفاجى عن قوله هذا وقوله للقمر هذا ربى وقوله فعله كبيرهم هذا وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولما عاد، لكنعان نزل جيرون وهو المسمى بالخليل الآن، وفيه مدفنه ومدفن ابنه إسحاق ويعقوب ويوسف عليهما السلام، وكذا سارة أم اسحاق و ربقة زوجته، و لايقة زوجة يوسف، و ليا زوجة يعقوب، و أمّا راحيل فبطريق الخليل للقدس وعليها قبة قبل مشهد إلياس عليه السلام ثم أن لوطا فارق إبراهيم لكثرة غنمهما فنزل الموتفكة بأرض فلسطين على نحو اليوم من القدس وهي سدوم وعاموراء /23/وأدوماء وصاعورا فكان من خبرهم ما قصه القرآن ولما كبرت رضى الله عنها وهبت هاجر لإبراهيم عليه السلام لعل الله يرزقه ولدا فولدت له إسماعيل عليه السلام،  فادركت سارة الغيرة وطلبت إخراجها عنها فذهب بها إلى مكة ووضعها عند بير زمزم وانطلق فقالت له: أأمرك الله بهذا، قال نعم، قالت: إذا
لا يضيعنا. فكانت من أكبر المتوكلين لصبرها على أرض لاماء بها ولاطعام فعطش
إسماعيل فقامت تتردد بين الصفا والمروة إلى أن صعدت عليهما سبع مرات لعلها تجد ماء ثم أتته وهو يبكى وهو يفحص برجليه فنبع ماء زمزم وأخبرها جبريل أنها عين يشرب منها ضيفان الله ثم أتى بعض جرهم فنزلوا أسفل مكة فرأوا الطير حائمة فقالوا ما بال الطيور وإنا لا نعلم هناك ماء ثم أشرفوا فرأوا عين زمزم والمراة حولها فنزلوا معها ولما شب إسماعيل زوجوه امراة منهم وماتت أمه فدفنها في الحجر، ولما ذهب إبراهيم عليه السلام للشام صار يتعهد ابنه إسماعيل عليهما السلام ثم أن الملائكة بشروه بولادة سارة اسحاق كما قص القرآن وفي سن إبراهيم إذ ذاك ماية سنة وسارة تسعين.

تنبيه ترحج لنا أن الذبيح هو إسماعيل لثلاثة وجوه الأول أن الذي سكن مكة ومنى واسوطنهما إلى الموت هو إسماعيل لا إسحاق عليهما السلام الثانى لقوله تعالى : "واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيئا" وهو قوله : "يا أبت افعل ما تومر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين" فصدق وعده حتى تله أبوه للجبين وصبر لمرور السكين في حلقه حتى فدى بالكبش ونبت السكين فلم تقطع شيئا الثالث كيف يكون الله تعالى أمر إبراهيم،  بذبح اسحاق عليهما الصلاة والسلام في حال صباه وكان بشر به سارة وبانه يلد يعقوب عليه السلام ووجه رابع أنه قال هب لى من الصالحين قال تعالى : "فبشرناه بغلام حليم"[50] فلاشك أنه إسماعيل عليه السلام،  كان الدعاء وقع قبل أن يبلغ الشيخوخة ولا ولد له، ولما بُشر بإسحاق أنكر وقال أبشرتمونى على أن مسني الكبر فبم تبشرون، قالوا بشّرناك بالحق فلا تكن من القانطين..." إلخ. وذلك لما بلغ الشيخوخة وأيس/24/ من الولد فلا شك أن إسماعيل منحه الله إياه بسبب دعائه أن يرزق ذرية صالحة وذلك في وقت لاينكر فيه النسل، ووجه خامس وهو حديث أنا ابن الذبيحين، وما أحسن قول عالم من الأمم " أيها العرب، إن قول اليهود، أن الذبيح هو جدهم إسحاق إنما هو حسد لكم، أن تكون هذه المنقبة العظمى لجدكم إسماعيل وقد زار إبراهيم ابنه إسماعيل مرة فوجد عنده امراة من العماليق وهي عمارة بنت سعيد لم تعجبه فاوصاها بتبديل عتبة بابه فلما جاء من الصيد أخبرته فطلقها وتزوج بعدها السيدة ابنة مضاض الجرهمى ولما جاء تأدبت معه فأوصاها بانى قد رضيت عتبة بابك فقال لها : لما أخبرته أنه أمرنى بإمساكك ثم جاء ثالثة لبناء البيت الحرام بأمر الله، ولم يعرف مكانه فاراه له جبريل قال تعالى : "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من
البيت وإسماعيل"[51] ثم أن لوط زوّج ابنته من مدين بن إبراهيم فكان منها أهل مدين، الأمة المعروفة المبعوث إليها أخاهم شعيب ولما توفت سارة قبله وهبه عفرون بن صخرة مغارة كانت في مزرعته فأبى أن يقبلها إلا بالثمن فاشتراها بأربعمائة مثقال فضية ومنها فيها وتزوج بعدها قاطوراء بنت يقطان الكنعانية فولد له كما في التوراة أيران ونفشان ومدين وأشبق وشوخ فولد نفشان سبا ودادان كما في قول ولإبراهيم زوجة اخرى اسمها حجين بنت أهين ومن نفشان جيل البربر، على ماقال الطبرى وولد له عشر قلت وكون سبا والبربر من نسل الخليل مخالف لما تقدم والصحيح ما تقدم وتزوج اسحاق ربقا بنت بنوائل بن ناحور فولدت له يعقوب وعيصوا توءمين ثم توفي إبراهيم عن مائة وخمس وسبعين سنة ودفن مع سارة في غارة عفرون وهوالموضع المعروف بالخليل إلى هذا العهد قلت وفي الشيخ إبراهيم في باب الحجران الخليل مات عن مائتي سنة أما إسماعيل فبعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين بمكة ولما توفي ترك اثنى عشر ولدا كما في التوراة أكبرهم نبايوت وهو الذي تقول له العرب نابت فولي/25/أمر البيت بعد أبيه وفي التوراة قبض وهو ابن مائة وسبع وثلاثين سنة، ولما كثر بنو نابت نزل العراق منهم عك وأياد وربيعة وأنمار وأقامت مضر، حوإلى مكة وفتق لسانه بالعربية.

قال ابن هشام، أن عربيته كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا جرهم، وأما يعقوب فهم أخوه عيصوا بقتله لما بارك عليه أبوه اسحاق عليهما السلام فذهب إلى حران عند خاله كابان فزوجه بنته ليا واخدمها جارية اسمها زلفي ثم راحيل واخدمها بلهى فولدت له راحيل يوسف وبنيامين وماتت من نفاسه ثم كان من رؤيا يوسف وما بعدها ما قص القرآن عجيبه أريبة دخل يعقوب مصر في سبعين من نسله ومعه ايوب النبي وزوجته رحمة بنت لوط نفعنا الله وذريتى بالجميع ثم أحصاهم موسى في التيه بعد من يطيق حمل السلاح من ابن عشرين ففوق فكانوا ستمائة ألف وعشرين الف ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها مائتا سنة وعشرين سنة واستعبادهم ملوك القبط، والعمالقة بعد موت يوسف معلوم في التنزيل قال تعالى حكاية عن موسى من قوله لفرعون "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بنى اسراءيل"[52] وكان ليوسف بنون منهم أقراءين وميشا وبارك عليهما جدهما يعقوب عليه السلام.

تنبيه زعم بعض المفسرين أن يوسف عليه السلام، استقل بملك مصر واحتج بقوله : "رب قد آتيتنى من الملك"[53] وقوله "نفقد صواع الملك"[54] ولا دليل لهم فيه كان كل من له دار وعبد ومركوب يسمى ملكا وقد قال موسى لقومه وجعلكم ملوكا لهذا مع إنّ أول ملوكهم طالوت وقبله مدة الحكام ثلاثمائة سنة وقبلها يوشع بوصية موسى وقد كان العرب، يسمون أهل القرى ملوكا مثل هجر ودومة الجندل ومعان فما ظنك بوزير مصر مع زيادة أن على يده خرائرالأرض وقد كان هو أول من عمل مقياس المكيال وقد كان عمال الأطراف في الخلافة العباسية يسمون ملوك أولا ينافي في ذلك قوله تعالى :
"و كذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء"[55]، لأن التمكين يكون بغير الملك ونص القرآن إنما هو في ولايته على أمور الزرع كما قال تعالى:/26/" اجعلنى على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"[56] وأيضا فالقصة في التوراة قد وقعت صريحا في أنه لم يكن ملكا ولا صار إليه الملك، وأمّا عيصوا ابن اسحاق عليه السلام فسكن جبال السرات بين تبوك وفلسطين مع بنى حوا أحد بطون كنعان وهي بلاد الكرد والشويك وكان من شعوبهم على ما في التوراة بنو الورطان وبنو شوبال وبنو صفعون وبنو عنا وبنو ديشون وبنو يسر وبنو يشر أنّ سبعة شعوب من بنى ديشان إلا شباب وتزوج عيصوا أهليقا بنت هنا بن يسعير وعدا بنت أيلون وباسمة بنت إسماعيل عليه السلام،  وله من الولد خمسة مذكورون في التوراة أكبرهم البيهاز وفي التوراة أنّ العيص اسمه أروم فلذا يقال لهم بنو أروم وهو بالعبرانية الجبل الاحمر الذي لا نبات فيه قلت وهذا سبب غلط بعض المورخين والطبرى أن الروم، من ولد رعوءيل بن عيصوا وقد تبعوا ابن كريون مؤرخ العمارة الثانية بالقدس وهو غلط قبيح كما مر ومن ملوك بني عيصوا فالغ بن ساعور ثم يوباب بن زبرج ومنهم هود بن برد الذين أخرج بنى مدين عن مواطنهم وهو الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا قال الحافظ ابن كثير  وهو مذكور في التوراة من بنى العيص بن اسحاق ومن الملوك القصوص عليهم فيها قلت هذا هو الظاهر دون ما مر من أنه ابن الخلجان بن عاد، واستمر ملكهم إلى أن زحف اليهم يوشع بن نور من سبط يوسف
فانتزع الملك منهم ثم استلحمهم بختنصر فلحق جلهم باليونان وإفريقية فانمحا
ذكرهم أجمع وأما مدين بن إبراهيم،  فله، فكفروا وعثوا فبعث الله إليهم أخاهم شعيبا بن نويل بن رعوءيل بن عفا بن مدين وكانوا ملوكا عدة على عدد كلمات، أبجد، هوز، حطي، كلهن، صعفض، فرصت، ثخز، ضغش، ملك لا يشارك ملك في حرب ولا في رعية، فوعظهم شعيب وذكرهم وكان عليه وعلى إخوانه النبيين والمرسلين الصلاة والسلا، ذا فصاحة وهو خطيب الأنبياء ونهاهم عن نقص المكيال والميزان فلم ينتهوا فهلكوأبيوم الظلة/27/حسبما نص القرآن فقالت ابنت كلمن وهو أكبر أولئك الملوك حيث تقول:

كلمن وإخوته فنوا                                                  في يوم هلكة وهلكه

سيد القوم أتاه                              ..                       الحتف نار وسط ظله

وقالت أيضا :

ألا يا شعيب قد نطقت مقاله                               سبقت بها عمرا وهي بنى عمر

ملوك بنى حطي وهور منهم                                   وصعفض أهل للمكارم والفخر

ونبي الله شعيب هو الذي أخذ عنه موسى أدب النبوءة وزوجه ابنته صفورا فولدت له جرشور والعارز وقيل أن الذي أجار موسى هو بثوا ابن رعوءيل وفي التوراة بيثر وكان لبنى مدين حروب مع بنى إسراءيل كما مرواما نبي الله لوط فكان له من الولد على ما في التوراة عمون وموداب فكانوا أكثر قبائل الشام وأرضهم البلقاء وكانت لهم مع بنى إسراءيل حروب ومنهم بلعام، بكسر الباء بن باعوراء وقصته مع كنعان لما طلبه أن يدعوا على بنى اسراءيل فصرف الله دعاءه على الكنعانيين مذكورة في التوراة وكان يعرف اسم الله الأعظم وهو المعنى بقوله تعالى : "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ءايتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين"[57] وأما ناحور فهاجر مع الخليل من بابل كمامر وكانت عنده ملكا بنت هاران اخت سارة وكان له منها ثمانية أولاد على ما في التوراة كاسربن ناحور ومنهم الكسرانيون الذين منهم ملك الدنيا بختنصر، وكان له من سرية اسمها ءادوما أربعة من الولد كلهم مذكورون في التوراة فباد عقب الاثنى عشر كلهم ولم يبقى منهم إلا الأرمن بن فموءيل بن ناحور وهم على دين النصرانية إلى الآن ومواطنهم في شمال أرمينيه شرقى القسطنطينية.

الخبر عن أولاد نبي الله يعقوب وهو إسرائيل

/28/أي عبد الله أكبرهم روبيل ثم شمعون ثم لاوي ثم يهودا هؤلاء الأربعة من ليا[58] بنت خاله وهضالى وودان من جارية راحيل أخت ليا وهبتها ليعقوب وكادواشير من جارية ليا وهبتها ليعقوب كفعل اختها ثم ولدت ليا بعد ذلك يساخر ثم زقلون ثم أن راحيل دعت الله أن يهب لها نسلا من يعقوب فولدت يوسف وبنيامين وفي ولم يقم دليل على نبوءة اخوه يوسف وذكر بعضهم أنه أوحي إليهم بعد ذلك ولم يزل مستندا على قوله تعلى: "قولوا ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا" إلى قوله "والأسباط" وهذا لايهنض لأن بطون بنى إسراءيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل والعجم تسعوب وإنما المراد أنه تعالى أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم أجمالا لأنهم كثيرون ثم قال وما في هذه السورة من أحوالهم يدلوا على أنهم ليسوا بأنبياء على ما لا يخفي.

تنبيه قال ابن خلدون، في لفظ إسرائيل كلمة مرادفة لعبد وما قبلها من اسماء الله تعالى والمضاف ابدا متاخرا في لسان العجم، عن المضاف إليه _واعلم أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، أو كالحفدة وهم أبناء البنين ولما كثرت الأسباط في مصر كما مر ارتاب منهم ملوكها فاستعبدوهم لما خلا لهم الجو بموت نبي الله يوسف عليه السلام، حسبما نص القرآن في قوله : "يسومونكم سوء العذاب"[59] وقوله "ولا تعذبهم" وفي التوراة أن ملكا من الفراعنة، جاء بعد يوسف لم يعرف شانه فأذل بني إسرائيل ثم تحدث الكهان بظهور نبي فيهم يكون على يده خراب ملك فرعون فأمر فرعون بذبح كل من يولد لهم من الذكور فقال له القبط، من يخدمنا إذا ذهب رجالهم فأمر بالذبح عاما بعام فولد هارون عام بطلان الذبح وولد موسى عام الذبح وهو ابن عمران بن فاهث بن لاوى بن يعقوب فجعلته أمه يوخفر في تأبوت والقته في النيل وبعثت أخته مريم تسارق النظر حتى تعرف من يلتقطه وذلك كله بوحي الله لامه كما في سورة فجاءت ابنة فرعون إلى البحر مع جواريها فرأت التابوت فأمرت بإخراجه وفتحه وإذا بصبي فيه فحملوه وفحصوا عن مرضعة فقالت أخته بعد إبايته الرضاع من/29/الرُضَّاع أنا أتيكم بمن ترضعه؛ فأتت بأمه قال تعالى " فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ "[60] ثم شب فكان له شان وحرمة بما كان له في بيت فرعون وتربيته له وما كان من تعزز بني إسرائيل به وقتله القبطى وغفران الله له وهروبه لمدين خائفا يترقب وتزوجه ابنت شعيب وانقلابه إلى أهله بعد عشر سنين التى ضربت له لرعاية غنم شعيب عليه السلام،  وانقلابه إلى مصر بزوجته وولديه وغنمه وكلام الله له في الطور من الشجرة ما هو معلوم من أخبار القرآن وكذا أمر الله له أن ياتى فرعون هو وأخوه هارون عليهما الصلاة والسلام ليرسل معهما بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة وهي الشام ليريحهم من جور القبط واشهاره آية العصا حتى انقلبت ثعبانا عظيما وفقرفاه ليلتقم فرعون وقصره فصار يقول يأولدي يأولدي ويستغيث ويستعطفه وكذا آية اليد تخرج بيضاء ناصعة من غير سوء ثم نكث فرعون فاصابتهم الجوائح العشر فصاروا يتضرعون له فدعي الله ليرجع ذلك فرجع ثم نكثوا وكذا غلبته السحرة وتوبتهم وتعذيب فرعون لهم كل ذلك قصه القرآن واشتد جور فرعون فاوحى الله إلى موسى بخروج بني إسرائيل ففي التوراة أنهم أمروا عند خروجهم أن يذبح كل أهل بيت كبشا وأن ينضحوا دمه على الأبواب وياكلونه سوى رأسه وأطرافه ولا يكسرون عظما وليكن خبزهم فطيرا ذلك اليوم وسبعة أيام بعده وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الربيع وأن يخرجوا ليلا وما فضل من عشاهم احرقوه وصار هذا عيدا لهم يسمونه عيد الفصح وفي التوراة أن الله قتل تلك الليلة أبكار الحيوانات للقبط ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل وكذا أمروا أن يستعيروا منهم حليًا كثيرًا ففعلوا فخرجوا تلك الليلة بما لهم من دواب وأنعام وكانوا ستمائة الف اويزيدون وشغل القبط عنهم بالمئاتم وحملوا معهم التابوت الذي فيه جسد يوسف عليه السلام لعهده لهم بذلك بعدما فحص موسى عليه السلام،  عمن يدله عليه فقالت عجوزا أنا أعرف التابوت الذي فيه عظامه ظنا منها أن اجساد الأنبياء بعد موتهم كساير الناس وساروا حتى انتهوا إلى البحر بجانب الطور فأدركهم/30/فرعون بجنوده فجافوا وقالوا إنا لمدركون فقال موسى عليه السلام "كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"[61] فكان من انفلاق البحر لهم اثنى عشر فلقا على عدد الأسباط ونجاتهم، وإغراق فرعون وجميع جنوده. ما قصه القرآن العظيم فإن قيل حيث كانوا ستمائة ألف من رجال الحرب لا يعدون صغيرًا ولا شيخًا كبيرا على أنى رأيت في القسطلانى وغيره أنهم يزيدون على ستمائة ألف بعشرين ألف وقيل سبعين ألف كذا وجدت في موضعين مفترقين.

فكيف يقولون لما ظهر فرعون بجنوده من زعفرانه موضع معلوم هناك إنا لمدركون وهم خائفون وجلون منه، وكيف سماهم فرعون شرذمة حيث قال إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون مع كثرتهم كما علمت فالجواب إن قلتم بالنسبة لجنود فرعون فإن كتيبته مائة ألف حصان من عتاق الخيل الدهم فقط، لايخالطهم لون آخر ولم أرَ[62] في ملوك الدنيا من يركب في خواصه في مائة ألف حصان من عتاق الخيل الدهم، وذلك مناسبة للباسه السواد فإنه أول من لبسه وجعل هامان على المقدمة في ثلاثة عشر ألف ألف حصان.

فهذان قسمان من أقسام الخميس الذي هوالجيش المقدمة والقلب فأين جناحي الجيش وساقته فلا يحصى ذلك إلاّ محصى الأنفاس سبحانه انظر إلى ما حوت مصر وتعجب وقد كان دار ابن دارمن أعظم ملوك الفرس، لقي الاسكندر اليونانى في ستمائة ألف ولم أرى[63] ولم أسمع اكثر خيلا من فرعون منذ ذلل الله الخيل لنبيه إسماعيل عليه السلام، وهذا ابريوزمن أعظم ملوك الفرس كان في اصطبلاته خمسون ألف فرس وثمانون فيلا ولما وصل فرعون من زعفرانه للبحر ورأى بنو إسرائيل يمشون في طرفه بدوابهم ونسائهم ومواشيهم في اثنتى عشرة طريقا كل طريق واسعة كما ينبغي وقف متحيرًا وهاله ذلك وأدهشه وافلاق البحر حيطان من الماء عالية كالجبال الشوامخ وهو المراد بالطود العظيم، وكل يمشى معها كما يمشى مع صور البنيان فاستقامت أصوار الماء وعلت من غير اعوجاج سبحان من هاذه قدرته الواحد التى فاقت كل خارق.

وأعجب من ذلك أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته جعل في أسوار الماء التى هي كالجبال الشوامخ/31/طاقات لينظر كل طريق للأخرين في مرورهم ليأنسوا وتطمئن قلوبهم ؛ إذ لولا الطاقات لتشوشوا لعدم علم أهل كل طريق ما فعل الله بغيرهم، ولمّا طال وقوف عدو الله على رأس الطرق، أتى جبريل على فرس أنثى أمام حصان فرعون ومضى في الطريق سائرفتبعها حصان فرعون لينزوا عليها ولم يملك فرعون راسه فظن جنوده أنه سلك تلك الطريق اختيارا وما دروا أن الحصان غلبه فسلك كل جند الطريق التى وقف عليها هامان وغيره فلما توسطوا البحر ونجا بنو إسرائيل كلهم بما يتعلق بهم انطبق البحر عليهم فلم يفلت أحد والبقاء لله.

قال الله تعالى : "وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ"[64]، ولما قال فرعون لما عاين الهلاك لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل،
صار جبريل يأخذ من حال البحراي من طينه ويلقه في فمه لئلاّ يسلم فينجو أو يموت فيدخل الجنة قال القسطلاني، في سورة يونس من كتاب التفسير في صحيح البخارى، فإن قيل بالرضى بالكفر كفر، فكيف فعل جبريل ما فعل، فالجواب أنه لا يكون كفر إلا إذا رضيه الإنسان لنفسه وانظر شراح الشيخ خليل أول باب الرّدة عند قوله كالإمامة كافرًا على الأصّح. وما لهم في ذلك تكميل لأن جبريل عليه السلام،  أتى فرعون قبل ذلك بمصر على صورة رجل فجلس حوله لأنّ فرعون كان سهل الحجاب فقال له عبد عمل معه مالكه الخير وعصاه ما جزاؤه فقال جزاؤه الغرق فقال له اكتب لي فكتب له ذلك فلما توسط البحراراه خطه فعرفه.

قال العارف بالله ابن عباد، عاش فرعون أربعمائة سنة وهو يدّعي الإلهية ولم يضرب له عرق من صداع وغيره وقال غيره كان فرعون لا يدخل الكنف إلا في اليوم السادس حتى دهش من العصا لما انقلبت ثعبانا، انطلقت بطنه وفي بعض الآثار قال موسى يا رب فرعون يضادك وهو ما هو وأطالت مدته ومهدت له كيف شاء؛ فقال له رب العزة: يا موسى إنه كان سهل الحجاب فأطال الله موته لهذا الصنع.

تنبيه : يعايا هذه القضية فيقال أخبرنى عن بقاع طلعت بها الشمس مرة واحدة في الدهر إلى يوم القيامة وألقى الحبر فرعون /32/ فعرف بدرعه الذهب وبفطسه لأن الباقين بمصر قالوا لا يغرق ؛ فحينئذ تحققوا، قال الله تعالى : "فاليوم ننجيك" أي نخرجك من البحر ببدنك أي جسدك الذي لا روح فيه ولما خرج بنو إسرائيل من البحر فكانوا يسيرون فيه ومريم أخت موسى ونساؤهم يضربن الدفوف ويقلن سبحان الرب الذي قهر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود، ثم نزل الوحي بما في الألواح وزعم علماؤهم أنها لوحات فيها الكلمات العشر وهي التوحيد وترك العمل يوم السبت الخ.

ثم سار موسى إلى ميعاد الله أربعين ليلة أنزل عليه التوراة فيها وسأل الرؤية فَمُنِعَ وخلف موضعه هارون وصنع موسى بن ظفر السامرى العجل صاغه من حلي القبط، المستعار كما مروالقى عليه ترابا من آثرحافرفرس جبريل وهو قوله تعالى: "فقبضت قبضة من أثر الرسول" قال السعد، هو على حذف مضافين أي من أثر حافر فرس الرسول المراد به جبريل عليه السلام، فكان للعجل خوار لأنّ صياح البقر يقال له في اللغة خوار والإبل زعاء والشاة يعار وسكت عنه هارون خشية الفرقة كما قص القرآن
ثم أن موسى حرق العجل وبدده وألقاه في البحر ولم جعله عجلا لأنّ السامري نشأ في أصبهان، وهم يعبدون إذ ذاك البقر، ثم أن الله أمر موسى بصنعة بيت للعبادة والوحي من خشب الشمسار وتزين بالحرير وصفايح الذهب والفضة وغير ذلك مما هو مبين في التوراة، ويعمل تابوتا طول ذراعين وفي عرضها ذراعين أيضا، مبطن بالذهب الخالص داخلا وخارجا، وأن يعمل مائدة كذلك وكل ذلك موصوف في التوراة باتم وصف وفي التوراة أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادة العجل، وأنها كانت كالبيت يصلون لها ويتقربون عندها، وأحوال القربان على يد هارون بأمر الله ثم أنهم ذهبوا من سيناء أول المصيف لثلاثة اشهر من خروجهم من مصر وواجهوا الشام وبها جبابرة الكنعانيين والعماليق ورتب موسى جنوده للغزو وعين مكان كل سبط في التعبية الأبنى لاوى قومه اسقط عليهم القتال لخدمة القبة وسار على برية قاران وبعث اثنى عشر نقيبًا على عدد الأسباط /33/ يأتونهم بالأخبار منهم كاليب من نسل يهودابن يعقوب ويوشع من سبط يوسف فجاسواالبلاد واستعظموا العدو ففشلوا الا يوشع وكاليب وهما الرجلان اللذان انعم الله عليهما فعاقبهما الله بأن لا يدخل أحد الأرض المقدسة من ذلك الجبل الاّ الرجلان وإنمّا يدخلها ابناؤهم فبقوا اربعين سنة يتيهون في الأرض ويترددون حوإلى جبال السرات وسيعير والشويك وموسى يسأل لهم اللطف فشكوا الجوع فأعطوا المن وسألوا اللحم فأعطوا السلوى وهي الطير السمانى بتخفيف الميم والقص ثم سالوا الماء فانفجرت الحجر باثنتى عشرة عينا على عدد الاسباط قد علم كل أناس مشربهم ثم ان قارون ارتاب فخسف به وهو من بنى لاوى رهط موسى حسبما قص القرآن قال ابن عباس، رضي الله عنهما هو ابن عم موسى لأنّ قارون بن يصعر بن فاهت وموسى ابن عمران بن فاهت وقال ابن اسحاق هو عم موسى اخا عمران ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة ولكنه نافق كما نافق السامري فأهلكه الله قال الاعمش عن ابن خثيمة وجدت في الإنجيل أن مفاتح كنوز قارون كل واحد مثل الأصبع فإذا ركب حملت على ستين بغلا، قال ثم مات هارون في التيه وأقام موسى ابنه الغيرار مقامه ثم إن بني إسرائيل قاتلوا العمالقة، وقد نهاهم موسى فهزموا وأرسل إلى ملك اروم يطلب الجواز إلى الأرض المقدسة فمنعه ثم يسحورفمنعه ملك الأنماريين فمنعه وغزا بني إسرائيل فهزموه ونزلوا بلاده إلى حد بنى عمون ثم قاتلوا عوج بن عنق وقومه من كنعان فهزموه وقتلوه ورزقوا النصر من الله والذي في حسن المحاضرة للسيوطى عن ابن عبد الحكم، أن موسى قتل عوجا بمصر
كانت عصاه عشرة أذرع ووثبته إليه كذلك وطول موسى كذا وكذا وضربه فأصابت كعبه فخر على النيل فجسره الناس عاما يمرون عليه قنطرة فجسر النيل سنة وعاش الف سنة وقيل ولد في عهده آدم وسلم من الطوفان، قلت ومر لنا أن القسطلانى قال في سورة المائدة في وجوده نظر وتمكن بنو إسرائيل /34/ إلى الأردن وغزاهم ملك موءاب من نسل لوط ومعه بنو مدين وأرسل إلى بلعام، بن باعوراء ليدعوا عليهم لأنه كان موجاب الدعوة فأنطقه الله بظهور بني إسرائيل فغضب الملك وكان قد قال له كيف أدعوا على قوم يأتيهم جبريل وقال البيضاوى في تفسيره لما دعى عليهم اندلع لسانه قال تعالى : "فمثله كمثل الكلب اِن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" قلت والظاهر انه امتنع واشار بذهاب النساء مزينات لعسكرهم وأن لا تمتنع امرأة من فاحشة فتزينت كشتا بفتح الكاف وسكون الشين والقصر وهي من وجوه نساء بنى موداب وأتتهم فطلب منها زمري رؤيس سبط شمعون الزنى فأجابته فسمع فنجاص بكسر الفاء بن العازر بن هارون فأتاهما فقتلهما فأصاب عسكر بني إسرائيل الطاعون وذلك أوله في الأرض قال الشبراملسى على المواهب فمات منهم سبعون ألفا في ساعة وهو الأصّح دون قول ابن خلدون، أربعة وعشرون ألفا.

ولمّا فني الجيل الذي حدد بالأربعين غزا فنحاص بن العيزار[65] في اثنى عشر ألفا لمدين فقتلوا ملوكهم وسبوا نساءهم وغنموهم وكان بلعام، فيمن قتل قلت وهو من بنى مؤداب وكانوا هم وبنو مدين يدا واحدة فاستولى موسى على أرض مدين والأنماريين
وبنى عمون وبنى مؤداب ثم ارتحل ونزل شاطئ الأردن، وتوفي موسى بعدما أكمل الله الشريعة لمائة وعشرين سنة من عمره وقد بقي بينه وبين الأرض المقدسة قيل قدر رمية حجر ودفن بالوادي في أرض مؤداب ولم يعرف قبره وقد كان عهد إلى فتاه يوشع ان يدخل بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة قال ثم أن يوشع زحف إلى الجبارين بأريحا فهزمهم وفتحها والمراد بالباب في قوله تعالى : "ادخلوا عليهم الباب"[66] هو بابها والمراد أنها القرية في ذكر المفسرين لها وعند الطبري أن بلعام كان مع الجبارين يدعو مع الجبارين على يوشع والذي في التوراة هو ما مران دعاءه كان لعهد موسى وأنه قتل وفي خبر الطبرى وغيره أن يوشع هزم الجبارين يوم الجمعة فدعى الله أن تقف له الشمس لتتم الهزيمة عليهم عند دخول ليلة السبت فوقفت بإذن الله حتى قضى وطره في تلك الغزوة كيف شاء ومهد الأرض قلت/35/ومن حينئذ التبس على المنجمين وأهل الهيئة كثير من

قوانينهم التى أخذوها من علم ادريس عليه السلام وقتل يوشع العماليق أيضا وملكهم ابن هوبربن مالك وكان زحف لبني إسرائيل مع بنى مدين وفي ذلك يقول عوف بن سعد:

ألم ترى أن العلقمى ابن هوبر                              بأيلة أمسى لحمه قد تمزعا

تداعت إليه من يهود جحاف                                ثمانون ألفا حاسرون ودرعا

تنبيه الأمم الذين كانوا بالشام في ذاك الوقت بنو كنعان وبنو اذوم والعماليق وأولاد لوط وهما قبيلتان بنو عمون وبنو مؤداب والقرى التى أرسل إليها لوط وهما الموتفكة بفلسطين مرّ عددهم والأنماريين وبنو فلسطين من بنى حام ويسمّى ملكهم جالوت وبنو مدين ولم يوذن لبني إسرائيل إلاّ في بلاد الكنعانيين فهي التى اقتسمها يوشع عليهم وورثت عنهم. وأمّا غيرها فليس لهم فيها إلا المغارم الشرعية بحكم التوراة ثم أنّ يوشع بعث الجند إلى داسم أمة من العماليق في الحجاز وكان موسى أوصاه أن لا يبقي منهم محتلم فقتلوا ملكهم الأرقم ومن معه واستحيوا ابنه لجماله ؛ فوبخوا ومنعوا من دخول الشام، فرجعوا ومنهم يهود الحجاز كخيبر وغيره مما مر، وهم من نسل هارون عليه السلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم في زوجه صفية هي بنت هارون إلاّ أن رهط عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وهم كما لابن حجر قينقاع من سبط يوسف عليه السلام،  وبنو هارون هم أشرف اليهود.

الخبر عن حكام بني إسرائيل

قال ولما قبط يوشع عليه السلام بعد تمهيده الأرض واستكمال الفتح العظيم الذي استباح فيه أحدا وثلاثين ملكا من ملوك الشام وفتح قيسارية ضيع بنو إسرائيل الشريعة فطمع/36/فيهم من يجاورهم من الأمم فتارة يكون أمرهم شورى وتارة يبعث فيهم نبيئا يأمرهم بالوحي إلى ملك طالوت ويسمون المدة التى بينه وبين يوشع مدة الحكام وهي ثلاثمائة سنة وكان يوشع لما قسم الأرض بين بني إسرائيل أعطى جبل القدس لكاليب وقد احتمل فريقس بن قيس، بن صيفي فل الكنعانيين إلى إفريقية فكانوا من جملة البربر، وترك معهم من العرب، صنهاجة وكتامة ثم قام بعد كاليب في بني إسرائيل الكوهن الأكبر وهو فنحاص بن العازر بن هارون وحارب بني يهودا وبني شمعون والكنعانيين ففتح اريلشيم وغزة وعسقلان والجبل كله.

وأمّا سبط بن يامين فكانوا في البيوسبيين وأما سبط يقطإلى فعبدوا الأوثان فسلط الله عليهم كوشان من بنى لوط فاستعبدهم إلى أن أنقذهم قينان وقتل كوشان وبعد قينان، عبد بنو إسرائيل الأوثان فسلط الله عليهم محفلون ملك بنى مؤداب إلى أن خلصهم منه يهود ابن كاواسى سبط اقرائيم وعند ابن حزم، من سبط بنيامين وقام بعده سكمار من سبط كاد فقهرهم يافين ملك كنعان فاستعبدهم عشرين سنة إلى أن خلصتهم منه دافورا نبية فيهم من سبط يقطالى فغلبت الكنعانيين ودبرت أمر بني إسرائيل عشرين سنة بمعونة زوجها باراق بن نوعم وفي أيامها كان أول ملوك الروم، اللطينيين بأنطاكيه بنقيش بن شطواش أبو القياصرة، ولما توفت دفورا عادوا للكفر فقهرهم بنو لوط إلى أن تنبأ فيهم كدعون من سبط كيشا بن يوسف فاستقاموا في أيامه.

وفي عهده بنيت مدينة طرطوش وقام بعده ابنه يملخ وطالت حروبه مع أعمامه بنى ميشا بن يوسف فاسقطت عليه امراة حجارة فقال لسيافه أجهز علي ليلا يقول قتلته امرأة ثم دبرهم طولاع من سبط يساخر ثم ياير بن كلعاد ونصب أولاده حكاما وكانوا ثلاثين فطغوا فسلط الله عليهم فلشطيق من بنى عمون فقهرهم ثم دبرهم تبد بن كلعاد فاستقاموا ثم تبدأ بصان من سبط يهود من بيت لحم. قال هرشيوش،  مؤرخ الروم  : وفي أيامه انقرض ملك السريانيين ثم قام ايلون ثم عبدون من سبط اقراءين وفي أيامه خربت طروقة قاعدة الروم ولما/37/ توفي عبد بنو إسرائيل الأوثان فسلط الله عليهم بنى فلسطين فقهروهم أربعين سنة إلى أن خلصهم شمسور بن مايوح من سبط دان واحتالوا عليه وأسروه وسملوا عينيه وكان ذا قوة فأتاه ملكهم يوما فهز سارية البيت فسقطت فماتوا كلهم وبعده انفرد كل سبط بحاكم ثم زحف إليهم بنو فلسطين فهزموهم وغنموا التأبوت لأنهم كانوا يحملونه معهم في حروبهم فعاقبهم الله ولما رأوا شومه عليهم ردوه على بقرتين لهما عجلان ثم رجعتا لعجليهما فكان لا يدنو منه أحد من بني إسرائيل إلاّ مات حتى أذن شمويل النبي لرجلين فحملاه إلى بيت أمهما فكان عنده إلى أن ملك طالوت وكان عالي الكوهن قد كفل ابن عمه شمويل هذا الكاهن يوداص من نسل فنجاص وقيل من عقب فاروق بن الصيهار المعلوم وكانت أمه نذرت أن تجعله خادما للمسجد فأتت به إلى المسجد إلى ان تنبأ فاستقام على يده أمر بني إسرائيل ورد ما أخذ أعداوهم من البلاد ثم صرف الأمر إلى ابنيه يومال وافيا فاساء السيرة فاجتمع
بنو إسرائيل إلى شمويل وسألوه أن يسئل في ولاية ملك عليهم فجاء الوحي بطالوت فولاه وصار أمر بنى اسراءيل ملكا بعدما كان مشيخة.

ولاية طالوت أول ملوك بني إسرائيل

فجمع فرقتهم وقاتل أعداءهم ورفع عنهم الذل وقد استهموا على بيوتاتهم فخرج السهم على بنى مطري رهط طالوت المعروف عند اليهود، بشأول وهو من سبط بنيامين بن يعقوب ثم استهم بنو مطر بينهم فخرج السهم على طالوت فحارب فلسطين وعمون ومؤداب والعمالقة ومدين فغلب الجميع وحاصر مدينة بلعاد وابقى ملكهم/بلغا/ أغاغ فجاء الوحي إلى شمويل أن الله سخطه وسلبه ملكه فاخبره شمويل وهجره ولم يره بعد وأمر شمويل بداوود من سبط يهود ونعته بعلامة فجاء به أبوه اليشاني إليه فمسحه شمويل وبارك عليه /38/ثم إن شمويل قبض وزحف جالوت إلى بني إسرائيل وكان غلبهم وأذلهم فبرز إليه طالوت بالجنود وفيهم داوود وكان صغيرا يرعى غنم أبيه وكان يقذف بالحجارة فلا تكاد تخطى فسلحه طالوت وأقامه في مصاف الحرب وقد احتمل الحجارة في مخلاة فلما رأى جالوت قذفه بحجارة لرأسه فمات وانهزمت جنوده وحصل النصر حسبما نص القرآن في سورة البقرة ثم أن طالوت زوج ابنته لداوود وجعله صاحب سلاحه وولاه الحروب فكان فيه كفاية وأحبه بني إسرائيل فامتلا بنو طالوت غيرة وحسدا ثم توفي طالوت لأربعين سنة من ملكه.

ولما قتل بنوه في وقعة بينهم وبين بنى فلسطين ولي داوود عليه السلام،  ملك خليفة الله داوود أبى إيشا بكسر الهمزة ابن عوبد بوزن جعفر ابن باعر بن سلحوق بن أياب بن آدم بن جهرون ابن فارص بن يهود ابن يعقوب عليه السلام اعلم أنه لايقال لملك خليفة الله سوى داوود عليه السلام وآدم عليه الصلاة والسلام هذا قول الاكثر ثم أن داوود عليه السلام نزل عفرون وهو المسمى بالخليل الآن لأنها قرية بنى يهودا واجتمع ساير الأسباط عدا سبط يهود إلى شوسات بن طالون فملكوه في أريشليم وقام بأمره وزير أبيه أفيز لصغره فدارت الحرب بينه وبين داوود نحو عامين حتى اغتاله بعض قواده وجاء برأسه إلى داوود فقتله به وكفل ذرية طالوت أحسن كفالة فبايعه جميع الأسباط وغلب جميع أمم الشام ورتب عليهم الخراج ثم خرب بلادهم حتى أنه ضرب الجزية على الأرمن بدمشق وحلب وهداه ملك أنطاكية واختط مدينة ظيهون وسكنها قال الخفاجى في شرح الشفا لم تجتمع بني إسرائيل على ملك غيره وكان يحرس محرابه ثلاثين ألف مدرع قلت وكيف لا وقد قال تعالى : "وشددنا ملكه" قول الخفاجى لم تجتمع الح هو غفلة منه عن ملك ابنه سليمان عليهما وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام فقد اجتمعت عليه كل الأسباط حتى الجن والانس والطير وغيرهما لأن الله وهب له ملكا لاينبغى لأحد من بعده وانما افترقت بنو إسرائيل في ولاية إبنه رجعم وعزم داوود عليه السلام/39/على بناء مسجد مكان القبة التى بها تابوت العهد فاوحى الله إلى يانال نبي على عهده لا يبني وإنما يبنيه ابنه فسر داوود بذلك ثم أنه أحصى بنى اسراءئيل فكانوا ألف ألف ومائة ألف ونزلت عليه سور الزبور وسبط يهود أزيد من أربعمائة ألف وعدتها بالوحي لأنه أحصاهم من غير إذن وقام في ملكه وسور الزبور تنزل عليه وكان يسبح بالاوتار والمزأمير وفرض على الكهنوتية من سبط لاوي التسبيح بالمزامير أمام تابوت العهد في كل ساعة وهم أثنى عشر كهنوتا وعند تمام أربعين سنة من دولته عهد لابنه سليمان وأوصاه بالتسبيح وبناء بيت المقدس ثم قبض ودفن ببيت لحم كما قال ابن خلدون، وهي على أميال من بيت المقدس.

قلت وقد زرنا قبره بالقدس من الجهة الغربية منها سنة سبع وعشرين ومايتين وألف وعليه مشهد عظيم في غاية كثافة البنيان في طول يكاد يقص الجو منه وضريحه المبارك عليه قبرية عظيمة مكتوب على لحفها بذهب قديم هذا قبر داوود النبي الخليفة كان عليه السلام عظيم الملك شديد الباس في غاية الرمادة كثير الجهاد في سبيل الله في غاية مسرمن العبادة له مائة إمراة من بنات البيوتات العظام كثير الخوف من الله والتوبة والاستغفار لايفتر عن التسبيح وبه يضرب المثل في حسن الالحان والقراءة وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعرى يقرأ القرآن ليلا فقال له من الغد لقد أعطيت مزمارا من مزامر آل داوود فقال له أبو موسى لو علمت أنك تسمعني لحبرته تحبيرا.

قال شهاب الدين الخفاجى كان داوود عليه السلام إذا قرأ الزبور بالألحان تأتي الوحوش وتمد أعناقها حتى قال ويقف له الماء الجاري، وقد قال تعالى "وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير" وكان في ابتداء أمره يرتزق من بيت المال وكان كثيرا ما يتنكر للناس ويسأل من وجده هل تعرف وهما في داوود فيقول المسؤول معاذ الله وأي عيب في نبي الله صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه النيئين وسلم حتى تصورله جبريل في صورة انسان/40/وجلس في موضع فأتى داوود وجلس إلى جنبه فساله بأن قال ما يقول الناس في داوود فقال جبريل ما يقولون إلا خيرا لولا أنه ياكل من بيت مال المسلمين فخشع لها واغتم لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين فعند ذلك قال يارب علمنى حرفة
أعيش فيها فألآن الله له الحديد وعلمه صنعة الدرع قال تعالى : "وعلمناه صنعة لبوس لكم ليحصنكم من باسكم"[67] فكان ينسج السابغات وغيرها ويبيع ويشترى مؤونته ومؤونة عياله وبيوت الأموال مملوة ذهبا وفضة وياقوتا وجوهرا ونحو ذلك يفرقهاعلى المساكين ويصرفها في وجوه الجهاد وكان لعهده من الأنبياء يانال المتقدم وكاد واصف عليهم السلام.

الخبر عن ملك نبي الله سليمان عليه السلام

وذلك لاثنين وعشرين سنة من عهده فعظم ملكه وغلب الأمم وضرب الجزية على جميع ملوك الشام قال ابن خلدون، قلت بل ضربها على جميع من لم يسلم من أهل الأرض لانه ملك الدنيا كلها وتصل رسله من جن وانس لاقصى مكان في اقرب وقت إلى ترى إلى قضية الهدهد وصل إلى بلقيس في اقصى اليمن في أقرب وقت وبينها وبين القدس نحو شهرين واصهر اليه الملوك من كل باحية ببناتهم حتى قال بعض المؤرخين كان له أربعمائة امرأة حرة وقال غيره تسعمائة واما الجواري فلا تسأل عنهم وكان فيمن أهدي له بنت فرعون مصر وشيدت لها العفاريت مشهدا من عجايب الدنيا ثم شرع في بناء بيت المقدس لأربع سنين من ملكه بعد ان هدم مدينة انطاكية وبنا مدينة تدمر وقد حمل له الخشب ملك صور من لبنان جبل العباد وعدد عملة البنيان سبعون الفا ونحته الحجارة ثمانون ألف والمناولة سبعون ألف /41/والوكلاء والعرفاء على ذلك ثلاثة آلاف وثلاثمائة ثم بنى الهيكل وجعل ارتفاعه ماية ذراع في طول ستين وعرضه عشرين وجعل في دائره كله أروقة وفوقها مناظر وجعل بيت تأبوت العهد وسقفها بالذهب وصنع كوربيين من خشب مصفر بالذهب والكروبيون في الأصل الملائكة المقربون عليهم السلام فصنعة هؤلاء تماثيل فقط وجعل للبيت أبوابا من الصنوبر ونقش عليها تماثيل من الكوربيين أيضا وغشاها كلها بالذهب فتم بناء الهيكل في سبع سنين وجعل له بابا من ذهب ثم بنا بيتا لسلاحه اقامه على أربعة صفوف من العمد في كل صف خمسة عشر عمودامن الصنوبر ووضع فيه مائتي ترس من الذهب وثلاثمائة دوقة من الذهب وصنع منبرا لجلوسه وكراسى كثيرة كلها من العاج ملبسة بالذهب ثم بنا فوق هذا البناء لابنة فرعون وعمل أوعية النحاس لسائر ما يحتاج اليه في البيت وعمل مذبح القربان من الذهب ومائدة من الذهب وخمس منابر عن يمين الهيكل وخمسا عن يساره وجميع آلاتها من الذهب ومحابر من الذهب واحضر موروث أبيه من الذهب والفضة والأوعية الحسنة فأدخلها للبيت وبعث لتابوت العهد من ظيهون قرية أبيه داوود؛ فوضعه في البيت الذي بناه له، فحمله رؤساء الأسباط والكهنوتية على كواهلهم حتى وضعوه على أجنحة التماثيل الكروبيين بالمسجد، وكان في التأبوت لوحان من الحجارة اللذان صنعهما موسى عوض الألواح المنكسرة وحملوا على تابوت العهد قبة الرمان وأعيتها وقام سليمان أمام المذبح يدعوا في يوم مشهود واتخذ فيه وليمة لذلك ذبح فيه اثنين وعشرين ألفا من البقر وثلاثا وعشرين ألفا من الغنم ثم صار يقرب القرأبين في كل سنة ثلاث مرات يذبح وينحر ما لايحصى وجميع أوعية ذلك ذهب وكانت جبايته في كل سنة ستمائة قنطار وستة وستون قنطارا من الذهب غير الهدايا والقرابين إلى بيت الله وكانت له سفن في بحر الهند تجلب الذهب والفضة واليواقيت والجواهر والبضائع النفيسة والفيلة والزرافة والطواويس والقرود وكانت له خيول كثيرة مربوطة تجلب من مصروغيرها تبلغ الف وستمائة/42/فرس معدة للجهاد.

قال ابن خلدون وكانت له ألف امرأة منها ثلاثمائة سرية وتجهز للحج فوافي الحرم وأقام به ما شاء الله وكان يقرب كل يوم خمسة الآف بدنة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألفا شاة ثم حملته الريح إلى اليمن فوافي صنعاء من يومه وقد طلب الهدهد لالتماس الماء لوضوئه فكان ما قصه القرآن وتزوج، بلقيس وأمر الجن فبنوا لها سيلجى وغمدان وكان يزورها مرة في الشهر يقيم عندها ثلاثا وعلماء بنى إسراءيل ينكرون وصوله للحجاز واليمن وإنما ملك اليمن بمراسلة ملكة سبأ بلقيس ووفدت إليه بهدية قدرها مائة وعشرون قنطارا من الذهب ويواقيت وجوهرا وأصنافا من الطيب والمسك والعنبر فأجازها وأحسن إليها وانصرفت بعرشها وقالت أسلمت مع سليمان لله رب العلمين وقيل زوجها من ذا تبع ملك همدان، وقد عمل في البنيان وغيره كما مر العجب العجاب وأعجب منه القبة التى بناها على الصخرة يقال طولها للسماء اثنا عشر ميلا بنتها العفاريت وكانت أول النهار تعمل الضل على مدينة الرملة وبينهما مسيرة يوم وتعمل الظل على مدينة عمراس بالعشي وبينهما مسيرة يوم أيضا وفي أعلاها ياقوتة تغزل النساء على ضوئها في القدس وما حوله ولما خرب بختنصر القبة رفعت تلك الياقوتة ولما قال كما في القرآن رب اغفر لى وهب لى ملكا لاينبغى لأحد من بعدى قال الحجاج بن يوسف كان سليمان حسودا قلت وهذه احدى كفريات الحجاج لأن الأنبياء معصومون من الصغاير فضلا عن الكباير قال العلماء وصدور ذلك منه عليه السلام على طريق الشكر لله والتحدث بنعمه ولا باس أن يطلب الإنسان من ربه مزية يخص بها ومعاذ الله أن يخطر بباله ما رماه به الحجاج وقد قال أعظم من ذلك لكن قال الونشريسى في معياره أن ثبت عنه أن نبي الله سليمان كان في غاية الزهد يطعم أجناده من كل جنس الدمرمك وهو خالص الحنطة والفالوذج والدجاج المشوى وغير ذلك من طيبات الرزق ولا ياكل هو الا خبز الشعير وجريش العيش وربما يجوع لإن الجوع حلية الأنبياء ومن اقتفاهم من الأولياء /43/على أن الجفان التى كالجوابى والقدور الراسية لا تفتر من الطبخ وعين النحاس تسيل كما يسيل الماء لعمل القدور ونحوها وأبعد الله اليهود، كل البعد من رحمته بسبب قولهم أنه ساحر ومعاذ الله أن يتصف بذلك وانظر التفاسير في سورة البقرة بعده وكان ولى على ضواحى القدس يربعاع بن قباط من سبط أقرأيم وكان جبارا فعوقب بالوحي على لسان خيار النبي في توليته فأراد قتله فهرب إلى مصر فزوجه فرعون ابنته فولدت له ابنه قباط وأقام بمصر وقيض سليمان لاثنتين وخمسين سنة من ملكه لأربعين ودفن عند أبيه قلت زرنا قبره سنة سبع عشر ومائتين وألف أسفل المسجد القصى وزرنا أيضا قبر آخر ينسب له أسفل ذلك مقابل لمشهد مريم عليها السلام وبينهما الوادي وكلاهما بعيد من ضريح أبيه عليهما السلام فقول ابن خلدون عند أبيه يخالفه التواتر.

تنبيه قد علمت ممامران بني إسرائيل أصل بلاد آبائهم يعقوب واسحاق وإبراهيم هي الأرض المقدسة التي هي الشام، وأن موسى لما أرسل من الواد المقدس بالطور، إنما أرسل إلى فرعون ليرسلهم معه إلى أرض آبائهم ولينقاذهم من استعباد القبط، لهم قال تعالى لموسى وهارون:" فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَائِيلَ "[68] أي ولا تعدهم وأفرد الرسول لأنهما لما كانت دعوتهما واحدة كانا كالواحد، وقال تعالى في سورة طه:" إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ "[69] أي إلى أرض آبائهم ولا تعذبهم فإرسال موسى وهارون، إنما هو لفرعون لأجل إرسال بني إسرائيل معه فقط وإنما الوقت الذي قال فيه موسى لفرعون لما ساله عن القرون الأولى :علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى، لم ينزل عليه فيه التوراة، وإنما أنزل بعد إغراق فرعون كما مرّ، ورسالة موسى عليه عليه السلام خاصة برسالة ببني إسرائيل، وأما عموم الرسالة
فخاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء، ولما أبى فرعون من إرسال بني إسرائيل معهما، أمرهم الله بالخروج؛ فخرجوا كلهم من مصر ونجوا وأغرق الله فرعون وقومه، ثم أنزل الله/44/التوراة. قال تعالى : "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولى"[70]، ثم توجهوا للشام وقاموا في التيه أربعين سنة ثم دخلوا الشام، الخ، كما مرّ ولم يعودوا لمصر. هذا وقد قال الله حكاية عن موسى:"يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ"[71] وهي الشام وقول الله تعالى في سورة الشعراء:"كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إسرائيل"[72]، وقال في سورة الدخان:"كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ"[73].

قال المفسّرون: المراد ببنو إسرائيل واصا بنتى حيرة حتى رأيت في شيخ الإسلام البيضاوي، في سورة المائدة أن إرث بني إسرائيل لها أيام سليمان عليه السلام، أو كلاما هذا معناه لأن أهل مصر لما غزى رجالهم، ولوا عليهم دلوكة العجوز من بيوتات ملكهم كما مر ويأتى.

الخبر عن ملك رحبعم بن سليمان عليه السلام

براء وحاء مهملتين مضمومتين وباء ساكنة وعين مضمومة فقام بأمر أبيه وزاد في عمارة بيت لحم وغزة وصورة وائلة، واشتد على بني إسرائيل وأخذ فيهم برأي الاحداث فكثرت الضرائب فنقموا عليه وجاءهم يربعام بن قباط فبايعوه كلهم عدا سبط يهود وبنيامين وتزاحفوا للحرب ثم صالح بينهم أنبيائهم؛ فصار ملك بنى داوود على سبطى يهود وبنيامين في القدس، وعسقلان وغزة والرملة وحلب ودمشق وحمص وحماة والحجاز وملك الأسباط العشرة بنواحى نابلس وفلسطين ثم نزلوا شومرون وهي السامرة في الناحية الشرقية الشمالية الشرقية من الشام، مما يلي الفرات والجزيرة واتخذوها كرسى ملكهم واقاموا على هذا الافتراق إلى أن انقرض ملكهم كما يأتى ثم مات رجبعم لسبع عشرة سنة من ملكه، وولي بعده على السّبطين المذكورين، ابنه أفيّا بفتح الفاء وشد الياء، وكان على سيرة أبيه وكان عابد صنم وكانت أيامه كلها حرب مع/45/يربعام وهلك لثلاث سنين، ثم ولي ابنه أُسا بضم الهمزة، وكان صالحا على سيرة جده داوود، وتعودت الأنبياء في بني إسرائيل في أيامه، وهلك يربعام لعأمين من ملكه قتله يعشا بن احيا كما يأتي، وخرج عليه ورزح ملك الكوشر في الف الف مقاتل فهزمه أسا وأثخن فيه، وفي أيامه بنيت سامرة ومات لاحدى واربعين من ملكه ثو ولي ابنه يهوشاط، وكان على سيرة أبيه وصالح أهل السامرة واستباغ العمالقة، وأدوم.

وكان على عهده من الأنبياء إلياس بن شرياق، واليسع بن شافات وائليا ومنحيا وعبوديا، ثم مات وولي ابنه يهورام فأوقع بادوم لما انتقضوا عليه، وضرب مائتا شاة جزية على بنى موداب كل سنة، ومات ودفن عند جدّه داوود، وولى ابنه احزياهوا فبقي سنة واحدة ولعهده من الأنبياء عاموص ومنحا، ثم وليت امه عثليا بنت عمرى واستعجلت ملكها فقتلت بنو داوود كلهم، وأغفلت رضيعا من ولد أخزياهو المتقدم اسمه يوداس اخفته عمته يوشيع وزوجها يوناذاع الكوهن الأعظم ولما نقموا اليهود، بسيرتها اجتمعوا إلى يوناذاع فاخرجه لهم فبايعوا له وقتلوا جدته عثليا ومن معهالسبع سنين من ملكها، ولما كبر أراد عبادة الأصنام، فمنعه زكرياء عليه السلام فقتله، وفي أيامه قبض نبي الله اليسع، ولأربعين من ملكه قتلوه وزراءه، وولوا مكانه ابنه امصياهوا ثم أنه قتل الوزراء كلهم بأبيه وزحف إلى أدوم، فقتل منهم نحو العشرين ألف، ثم زحف إليه ملك الأسباط العشرة فهزمه وحصل في أسره وسار إلى القدس فحاصرها، وهدم من سورها وغنم الخزائن، وما في بيت الهيكل من الأموال، ورجع إلى السامرة، فأطلق مصياهوا ملك القدس، فرجع إلى قومه ورم صدره، وقتل السبع وعشرين من ملكه ولعهده من الأنبياء يوشان وناحوم ثم ولي ابنه غريانو لخمس من ملكه، كان ابتداء وضع سنى الكبس الذي هو مشر بعد أربع تزيد يوما على الماضية حساب ربع يوم في كل سنة الذي اقتضاه حساب سير الشمس عندهم وفي أيامه ملك على بابل وسنوس ولعهده ملك أيضا/46/على اليونان ملكهم الأول ولإحدى وخمسين ملك بختنصر الأول ولعهده ملك الأول من الروم، المعدوسر، ويسمى أيضا فروسن ولعهده من الأنبياء يهوشع وعوزيا وأموص وشعيا ويونس بن متى، وانتهت عساكره إلى ثلاثمائة ألف وأصابه البرص بدعاء الكوهن، لما أراد أن يخالف سنة التوراة في استعمال البخور، وهو محرم على سبط لاوي، ومات لثلاث وخمسين من ملكه، وولي ابنه يؤدام، وكان صالحا.

وعلى عهده من الأنبياء يوديل وعوفل ثم هلك لست عشرة من ملكه وولي ابنه أحاز فخالف السنة وعبد بنو إسرائيل، الأوثان في أيامه، وحارب الأرمن، واستباحهم بدمشق، ورجع ثم حاربهم ثانية، فهزموه وقتلوا من اليهود، مائة وعشرين ألفا، وأسروا أجاز، وفي أيامه انقرض ملك الماديس على يد كيرش الآتي ذكره، وعلى عهده اختط روملش مدينة رومة، وبعد موته ولي ابنه حزقياه، فقطع عبادة الأوثان وسار بسيرة جدّه داوود، ولم يكن في بنى يهود مثله، وفي أيامه سار سلميشار ملك الجزيرة والموصل، إلى أسباط السامرة، فضرب عليهم الجزية وزحف إليه سخاريب بعد فتحه سامرة، فحاصره فصالحه حزفيا هو بثلاثماية قنطار فضة وثلاثين ذهبا، أخرج فيها ما كان في هيكل، وبيوت الأموال، حتى قشر الذهب من أبواب المسجد، ودفع له ذلك ورجع عنه ثم فسد ما بينهما وزحف اليه سخاريب أيضا ثانيا وحاصره، وأبى من قبول الصلح.

وقال من الذي خلصه إلاهه من يدي حتى يخلصكم إلاهكم؛ فخافوا منه وفزعوا إلى النبي شعياء في الدعاء، فأمنهم منه ودعا عليه فوقع الطاعون بعسكره، ثم تواقع عسكره مع عسكر سليمان، إلا عسر ما ملك أذربيجان الذي أتى به معونة له بعض الليالى، فمات منهم مائة ألف وثمانون ألف، فصار ما معهما غنيمة لبني إسرائيل، ورجع سخاريب إلى الموصل، فقتلا ابناه وهربا إلى القدس، ثم مات حزفياه لتسع وعشرين من ملكه، وولي ابنه منشا، وكان عاصيا قبيح السيرة، وأنكر عليه شعيا النبي فقتله نشرا بالمنشار، وقتل جماعة من الصّالحين معه، وفي أيامه ملك سخاريب الصغير.

وفي أيامه بنيت برنيطة بناها رونس/47/الملك، وهي التي جددها قسطنطين، وسمّاها باسمه، وفي الحادية والخمسين زحف سخاريب الأصغر ملك الموصل إلى القدس فحاصرها ثلاث سنين، وافتتحها في السنة الرابعة، واستباحها قتلا وسبيا وأسر منشا وسجنه ثم عاد، لملكه ومات لخمس وخمسين من ملكه وولي بعده ابنه أمون، وبعده ابنه يوشيا فأحسن السيرة وهدم الأوثان، وقتل كهنة الأصنام ولعهده من الأنبياء سقوفيا وكلدى امرأة شالوم وناحوم وأرمياء بن الحياس سبط هارون، وأخبرهم بالجلاء إلى بابل سبعين سنة، فأخذ يوشيا قبة الرومان وتابوت العهد، فأطبق عليهما في مغارة، فلم يعرف مكانهما إلى الآن، وفي أيامه ملكت المجوس، بابل وملك فرعون الاعرج مصر وقتل يوشيا في معركة بسهم أصابه لثنتين وثلاثين من ملكه وولي ابنه يوءاش فأساء السيرة وعطل أحكام التوراة ؛ فزحف إليه فرعون الأعرج، فأسره ومات بمصر ؛ فضرب على قومه الخراج مائة قنطار فضة وعشرة ذهب، وولي أخاه أليافيم، وكان عاصيا كافرا، ومات ببابل أسيرًا بأيدي الكسرانيين، وولي بختنصر مكانه ابنه تحتيوا، ثم زحف اليه وأسره مع أمه وأهل دولته في نحو عشرة آلاف، وأشخصه إلى بابل وأخذ الأوانى التي صنعها سليمان للمسجد، وخزائن الأموال ولم يترك بالقدس إلا الفقراء والضعفاء وبقي يحتيوا سبعا وثلاثين سنة وكان في السبي دانيال وخانيا وعزريار وسيصاييل وولى مكانه متنيا عمه ثم صدقيا وهو آخر ملوك آل داوود وكان متنيا عاصيا، وقد كان بختنصر أطال حصاره على القدس، حتى بنا مدنا للحصار، فلما طال الحصار خرجوا هاربين إلى الصّحراء، وتبعتهم العساكر من الكسرانيين، فأسروا من لحقوا عليه، ولحق فل منهم بالحجاز، فأقاموا مع العرب، وكان من الأنبياء يومئذ أرميا وجيفون وباروخ، وبعث بختنصر قائده زراذون إلى القدس، وكانت تسمى أرشليم فخربها وخرب الهيكل، وكسر العمد الصفر التي عملها سليمان وكسر صرح الزجاج أيضا وغير كل ما بها من معالم الدين وسبا الكوهن ماريا والحبر فنشا وخدمة الهيكل وبقي صرقيا محبوسا إلى أن أطلقه برذا وقائد بهمن ملك الفرس، حين غلب على بابل ووصله واقطعه وهرب/48/بنو إسرائيل إلى مصر فأجارهم فرعون الاعرج فسار إليه بختنصر فقتله وملك مصر وفتح من المغرب مدائن واحتمل أرمياء النبيء وجده في سجن مرفيا وكذا دنيال من أنبيائهم وولى صوبيا من أجار على من بقى من يهود القدس فأتى إسماعيل من بيت الملك فقتل صدايا والكسرانيين معه وهرب إلى مصر وفي مصر تنبأ أرمياء وأخبر أهل مصر باستيلاء بختنصر عليهما وأما حزقيل فقتله اليهود في السبيى وافترقت جالية بني إسرائيل في كل ناحية إلى أن ردهم ملوك الفرس فعمروه وبنوا مسجده ورجع فيهم الملك إلى فتنة طيطش الاتية وهي أعظم من هاذه وبها انقرض ملكهم قلت وسبب هذه الفتنة ببني إسرائيل أنه لما كثرت جرائمهم أوحى الله إلى أرميا أن يذكرهم فقام فيهم خطيبا فوعضهم ولمالم يمتثلوا أوحى الله أنى مهلكهم بيافث ويافث هم أهل بابل لأنهم أولاد يافث بن نوح ولما سمع ذلك حزن ورمى التراب على رأسه فاوحجى الله إليه أنى لا نهلكهم إلا على يدك ففرح وقال إنّي لا أرضى بهلاك قومى أبدا ثم بعث ذلك ثلاثين سنة فلم يزدادوا إلا طغيانا فسلط الله عليهم بختنصر قال الشيخ الحسن اليوسي في حاشيته على الكبرى فخرج بختنصر من بابل في ستمائة راية وقد بعث الله إلى ارمياء ملكا في سورة انسان من بني إسرائيل فجلس بين يديه فقال أتيتك استفتيك في أهل رحم وصلت أرحامهم وأحسنت إليهم غاية الاحسان ولايزيدهم ذلك إلاّ سخطا فقال له أرمياء أحسن معهم وأبشر بخير فانصرف عنه ثم جاء إليه بعد أيام في صورة ذلك الرجل فقال له من أنت فقال له أنا الذي استفتيتك في أهلى ورحمي فقال له ارمياء أما طهرت أخلاقهم بعد فقال له أرجع وأحسن اليهم فلعله يصلح الله حالهم فانصرف عنه أياما وقد نزل بختنصر بجنوده حول القدس كالجراد وقد فزع بنو إسرائيل فجاءه ذلك الرجل وهو الملك ثالثة فقال له أنا الذي أتيتك في أهلى ورحمى مرتين فقال له أرمياء الم يان لهم أن يتوبوا من الذي هم فيه فقال له يا نبي الله كل شيء كتب اصبر عليه قبل اليوم واليوم/49/رأيتهم على عمل لايرضاه الله ورسوله فقال له أرمياء على أي عمل رأيتهم قال على كل عظيم من سخط الله فغضبت لله وأتيتك وأنا أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم فيهلكهم فقال أرمياء يا مالك السموات والأرض أن كانوا على حق فابقيهم وأن كانوا على عمل لاترضاه فأهلكهم فلما خرجت هذه الكلمة من أرمياء أرسل الله صاعقة لبيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه وقال يا رب اين ميعادك الذي وعدتنى فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم الأبفتياك ودعائك فعلم أنها فتياه وأن ذلك السائل رسول الله اليه فخرج بنفسه ودخل بختنصر القدس وخربه وقتل وأمر جنوده أن يملآ كل واحد ترسه ترابا ويقذفه في بيت المقدس حتى ملآه ترابا وأمر بجمع بني إسرائيل فجمع إليه صغيرهم وكبيرهم فاختار منهم ألف غلام وقسمهم على الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد منهم أربعة أغنمة فكان ذلك الغلمان دانيال وحنانيا وفرق بني إسرائيل ثلاث فرق ثلثا قتلهم وثلثا سباهم وثلثا أبقاهم،كلام الحاشية المذكورة.

الخبر عن بختنصر

قال الشيخ الحسي اليوسي،  في حاشيته على الشيخ السنوسى لكبراه المتقدمة الذكي بختنصر بضم الباء وسكون الخاء المعجمة ونصر بفتح النون وشد الصاد المهملة المضافة وبخت مضاف إلى نصر وفي القاموس بخت معناه ابن ونصر اسم صنم وجد عنده ولا يعرف له أب، مع، فقوله بخت مضاف إلى نصر الصواب العكس كان قاعدة العجم، إضافة المضاف إليه للمضاف نص عليه كثير كالقسطلانى في سورة البقرة والشيخ خالد في توضيحه في باب الندا وهو/50/ظاهر وقال ابن خلدون، قيل أن بختنصر من عقب سخاريب وقيل من نسل أشوربن سام أصفهيمن ما بين الأهواز والروم غربى دجلة أيام بهمن من ملوك الفرس، وقال صاحب اللباب ولدته أمه في أصل نخلة وهم يقولون نجوخت وعند علماء اليهود، أن ابن نبوزراد من الكسدانيين، من ولد ناحور بن ءازر اخى إبراهيم، عليه السلام وكانوا ملوك بابل وهو من أعظم ملوك
العالم ولم يوصف الله تعالى حد بالباس الشديد سوى بختنصر وجنوده فقال في سورة الإسراء : "فاذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد" وقول الجلالين.  وقد أفسدوا في الأولى بقتل زكرياء عليه السلام؛ فبعث الله عليهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم وخربوا بيت المقدس، غير صحيح لأنّ جالوت متقدم بكثير، وقتله داوود عليه السلام، من جند طالوت كما مر وانهزمت جنوده كما في القرآن فكيف يمكن سبي جالوت لبني إسرائيل وهو مقتول وجنده مهزوم وإن كان جالوت له عليهم غلب قبل ملك طالوت ولذا قالو اليشمال النبي ومالنا الا نقاتل في سبيل الله وقد اخرجنا من ديارنا وابنائنا أي بسبيهم وقتلهم فعل ذلك بهم قوم جالوت كما في الجلالين فهو صحيح، إلا أن زكرياء عليه السلام متاخر عن ذلك كثير كما لا يخفي وكذا قوله وخربوا بيت المقدس فهو غير صحيح أيضا لأن بيت المقدس إنّما بناها سليمان عليه السلام،  بعد ملك طالوت وداوود و بعد قتل جالوت بنحو خمس وثمانون سنة وإنما الذي خرب بيت المقدس بختنصر وجالوت قبله بأزيد من خمسمائة سنة بكثير فكيف يمكن تسليط جالوت عليهم بسبب قتل زكرياء وتسليط بختنصر بسبب قتلهم ابنه يحي وحكى الله تعلى عن عزير قوله : "أنى يحي هاذه الله بعد موتها"[74] بعد قوله "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها"[75] وقيل هو من النماردة.

كما لداهر مؤرخ الفرس ونقل علماء اليهود من كتاب دانيال وأرمياء عليهما السلام وانه من نسل كاسر بن ناحور كما مر وهم ملوك بابل ويعرفون بالكسدانيين إلا أنهم ليسوا من يافث بل من سام ابن نوح ومن ملوك بابل هاروت وماروت بل لبعضهم إنهم من ولد كاسد ويشهد لهذا قراءة كسر اللام في قوله تعالى "وما أنزل/52/على الملكين ببابل هاروت وماروت"[76] وقد خرب بختنصر مصر وغلب كل الأمم وإفريقية والسودان وغيرهم وغز العرب ودوخهم وأمر بحفظ معد بن عدنان أخبر به على لسان بعض الأنبياء وكانت مدة دولته خمسا وأربعين سنة ثم ابنه أويل ثلاثا وعشرون ثم حافده بلتنصر ثلاث سنين وسبب هلاكهم وانقطاع ملكهم أن الحافد المذكور لما هزم عامله دارينوش الديلمى وكبرش الفرسى عمل صنيعا ببابل لسروره بالنصر وسقاهم الخمر في أوانى القدس التى احتملها جده من جملة متاع الهيكل والمدينة على سبعين ألف عجلة أي قريطة فرأى في مهرجانه ذلك يدا خرجت من الحائط بكتابة كلمات عبرانية أحصى وزنا نفرفارتاع هو والحاضرون وفرغ إلى دانيال في تفسيرها وفي جملة السبي وهو من أعقاب حزفيل وكان خلفا من دانيال الأكبر فقال هاذه الكلمات توذى بزوال ملكك ومعناها أن الله أحصا مدة ملكك ووزن أعمالك فنفد قضاؤه فيك فقتل في تلك الليلة وقيل أن بختنصر ولاه بهمن على بابل فملكها وولى ابنه وابن ابنه لما بلغه من سوء سيرته وولى داريوش ثم عزله وولى كيرش ثم استقل بالملك ولعلماء اليهود أن بلتنصر ملك بابل والكسدانيين وداريوش ملك مادى وكيرش ملك فارس كانا في طاعته وانتقظ عليه وزحف اليهم فهزمهم ثم اغتاله خادمه ولحق بداريوش وكيرش وذهبا إلى بابل فغلبا الكسدانيين عليها واختصر داريوش وقومه مادى وهم الديلم ببابل ونواحيها واختص كيرش وقومه فارس سباير الأعمال، قلت ولا يبعد أن قتله كان بعد الرؤيا على هذا القول الذي لعلماء اليهود والله اعلم بغيبه،عمارة بيت المقدس كان كيرش وهو يستاسب بن لهراسب جد بهمن وكان عاملا على حوزستان من قبل كى قاوس وكى خسر ولهراسب من بعدهما فتزوج أبوه اخشوارش من سبي بني إسرائيل شترابنت جاويل اخت مردخاي من الرضاعة وهو من انبيائهم فولدت له كيرش هذا فحظنه مردخاي ولقنه دين اليهودية ولزم النبي حبسا وعزرياء وميشايل وولى دانيال احكام دولته وجعل له أمره وكان نذر أنه ان تم له الملك/52/رد بني إسرائيل إلى القدس وكان أرميا من سبط لاوى اتى وقومه بالهلاك على يد بختنصر فحبسوه وكان يقول أنهم يرجعون بعد سبعين سنة مدة ملك بختنصر وابنه وحافده وأخبر شعياء أنهم يرجعون على يد كيرش ولم يكن موجودا حينئذ.

ولما هلك دارا وانفرد كيرش بالملك على فارس ومادى وبابل والكسدانيين وفي نبذه أمر مردخاي أن يخرج بالسبي والدخاير والانية إلى القدس ويبنيه فطلبه بها وكلاء الأنبياء أن يرجعون معه فأبى اغتباطا بمكانهم عنده فرجعوا في اثنين وأربعين ألف وعليهم زرفاييل منهم وجرد لهم عزير التوراة وهو من عقب أيشوع بن فنجاص بن العازر بن هارون وكان من حفظته فافتتنوا به وقالوا أنه ابن الله ورد كيرش الأواني وكانت خمسة آلاف واربعمائة فضة وذهب ثم إنهم صنعوا بسراية أسباط السامرة إلى أن انقضت الثمان عشرة سنة التي ملكها بختنصر قبل خرابه القدس كأنها بقيت من السبعين ثم عمروا بيت المقدس على حدودها ثم تراجعوا ومات زرفاييل فبايعوا بهشياش ومات عزير وخلفه شمعون من نسل فاروق من سبط لاوي وكان كيرش يبعث لهم كل سنة ما يحتاجون إليه من حنطة وزيت وبقر وغنم وخمر لخدمة البناء وجرى ملوك الفرس بعده على سنته إلا قليلا في أيام اخشريوش كان وزيره هامان من العمالقة، الذين استلحموهم بنو إسرائيل ولم ينجح له سعي إلى أن انقضت دولة الفرس الكينية بموت دار الاصغر عجيبة غريبة صخرة القدس التي هي القبلة الأولى معلقة في الهواء بين السماء والأرض ما يمسكها إلا الله ولذا قال الخفاجي في شرح الشفا هي من عجايب الدنيا، وهي قبلة حقيقة وقد منع الإمام أحمد بن حنبل استقبالها ببول أو غائط أو وطء وكان النبي صلى الله عليه وسلم مدة اقامته بمكة يصلي للبيت ولها لأنها مسامتة للكعبة فيمن يستقبل الجوف جهة بنات نعش الكبرى والقطب الشمإلى ولما هاجر صلى الله عليه وسلم للمدينة زأى ا ليهود يستدبرون الكعبة ويستقبلون صخرة القدس في صلاتهم فعل كفعلهم لأنه كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أحكام التوراة فيما لم ينزل عليه شيء بخلافه/53/فصلى لها سبعة عشر شهرا ولما نزل قوله تعلى : "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها"[77] فحول وجهه في وسط صلاة الظهر ولا ينافيه أن أول صلاة صليت للكعبة صلاة العصر لأن المراد صلاة تامة لا تحويل فيها قال الشيخ قويسم في شرح الشفأولما بويع لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه بالحجاز واليمن والعراق خشي عبد الملك بن مروان، ملك الشام أن يحج أهل الشام فيأخذهم ابن الزبير بالبيعة عمد إلى القدس وبنا على الصخرة بناء عظيما وأمرهم بالوقوف عندها يوم عرفة ولما زرناها سنة سبع وعشرين ومائتين وألف رأيت عليها قبة لا نظير لها في الأرض تاريخها سنة ثلاث وعشرين وتسع مائة ظن أنها من بناء السلطان سليم العثمانى لأن التاريخ يقبل ذلك لأنه ملك مصر وقتل الملك الغورى بمرج دابغ آخر ملوك الجراكسة سنة خمس وعشرين وتسع مائة.

وفي هاذه السنة مات الإمام القسطلانى صاحب الشرح الحافل على صحيح البخارى ولما دخلن الزيارة القبة لزيارة الصخرة القبلة فإذا هي نفعنا الله ببركتها ربوة من حجرلونها يقرب من لون الجاوي في غاية الكبر والضخامة وإذا ببنيان من الأرض قد وقفه الرجل الطويل أو أطول متصل بها يظنه الرآءى تدعيما لها وإنما ذلك لما رآها بختنصر في الهوى على عرضها وطولها وضخامتها تعجب وحسد اليهود من هاذه المنقبة العظيمة فبنا تحتها إلى إن وصلها ثم صار ذلك سنة وبركة عند الملوك وقد قال لي علماء القدس قد سمعنا أن البناء وضعوه الأولون بسبب أن حاملا وقفت تحتها فلما رأتها بين السماء والأرض في الهوى فارتاعت فاسقطت جنينا بسبب ذلك الخوف على الحوامل قلت لهم هذا بعيد وكيف يكون الخوف من ضخرة مباركة في الهوى كالطير في الجو منذ خلق الله السموات والأرض ولما لم يقدر بختنصر على حملها تركها ولو قدر أخذها إلاّ أنّه قطع منها قطعة حملها إلى بابل فصبحتها الملائكة حول قبة الصخرة أمام محكمة سليمان عليه السلام وزرناها وعليها قبة فهذا دليل على أنه لم يقدر حمل الصخرة المباركة كلها ولو قدر ما تركها مع أنه ملك الدنيا كلها ألا ترى ان القرامطة، لما قدروا على الحجر الأسعد/54/قلعوه من البيت الشريف وذهبوا به إلى مدينتهم هجر سنة سبع عشر وثلاثمائة وأما كونها رفعت من الأرض ودعمت فغير معقول ومن يقدر يرفع هضبة من الأرض يبنى تحتها فهذا من المحال ولو فرض تصوره فإن البناء لايثبت تحتها بل تجعله دكا دكا على أن البناء الذي رأيناه لا يظن أنه أعظم من البناء المعتاد ولا أعظم ضخامة منه وموضع ربط البراق ليلة الأسرا هو حول قبة القطعة وبين قبة صخرة القبلة وبين المسجد الاقصى شيء يسير تتمة وكان القدس المبارك المشتمل على المسجد الاقصى وصخرة القبلة ومشاهد أنبياء الله وأضرحتهم تهلك الجبابرة كما أهلكت مكة باذن الله تعالى أبرهة ابن الصباح الحبشى صاحب الفيل وأجناده فهذا بختبصر تعرض لها فانقطع الملك من عقبه فابن ابنه بلتنصر قتل وأخذ ملكه الأبعدون كما مر ولذا خافوها وصاروا يهدون لها ولما ملك الاسكندر اليوناني، الأرض وسار إلى القدس خافته بنو إسرائيل فرآى في طريقه تمثلان ملك وقال له أرسلت لمعونتك على عدوك دار ابن دار الفرسى ونهاه عن اذاية أهل القدس، ولما وصل إليه أتاه الكوهن وبالغ في تعظيمه وأدخله الهيكل وبارك عليه ورغب إليه الاسكندر أن يضع تمثالاً له من الذهب، ليذكر به فقال له : هو حرام ولكن تصرفه في مصالح بيت الله والعبادوالمصلين ليدعوالك في أذكارهم وان يسمى كل مولد لبني إسرائيل في هاذه السنة بالاسكندر فرضي وحمل لهم المال أجزل في عطيه الكوهن وسأله أن يستخير له الله في حرب دارا فقال له أمض له والله ينصرك فنصره الله نصرامؤزرا فقتل داراوملك الفرس كيف شاء وزاد خلفهم.

تنبيه ظاهر شرح الشريسى على الحريرى أو صريحه في المقامة الاسكندرية أن الاسكندر هو ذو القرنين وليس كذلك بل ذو القرنين حميري يمني عند الأقل من العلماء أنه نبي عند الأكثر أنه ولي من أولياء الله تعالى، وأما الاسكندر فهو يونانى كافر كشيخه أرسطو، وأن ذا القرنين قبل الاسكندر بكثيروان ذا القرنين عمّر طويلاً، وملك زمانًا ممتدًا حسبما في القرآن من بلوغه مغرب الشمس وطلوعها وبناؤه السد العظيم المستلزم لطول الزمان واماالاسكندر اليوناني فمدة ملكه اثنا /55/ عشر سنة قال ابن خلدون، مات لاثنين واربعين سنة بعد أن ملك اثنتي عشر سنة سبعة منها قبل مقتل دارا وخمسا بعده والله اعلم.

الخبر عن دولة الأسباط العشرة

كما تقدم لنا أنّ الأسباط العشرة بايعوا يربعاع بعد موت سليمان عليه السلام،  كما مر ونزلوا فلسطين في عمل بنى يوسف ثم نزلوا مدينة بابلس والسامرة ثم هلك لثلاث وعشرين من ملكه ثم ولى ابنه ناداب، وكان مثل أبيه في الجور وعبادة الأصنام فسلط الله عليه يعشا بن أحيا فقتله وجميع أهل بيته، وهو من سبط اقراءيم بن يعقوب، وقام شعياء بالملك وحارب أهل القدس مدة أيامه، وذهب لبناء يثرب فسمع بأسا فهرب، وترك ألالات فنقلها أسا إلى القدس ثم هلك يعشا لأربع وعشرين من ملكه ودفن بأرصا مدينة ملكهم، وعلى عهده النبي فاهوا ثم ولي ابنه أبلا فقتله صاحب مراكبه وهو زمرا من سبط أفرايم ثم ولي عمواوهو الذي أختط مدينة السامرة ابتاع لها جبلا من رجل سامر بقنطار فضة وبنى فيه قصوره وسميت سبسطية ثم غلب عليها النسب إلى البايع ومات عموا لإثنى عشر من ملكه ولما ملك الاسكندر اليوناني، وذهب لحرب دارالقيه سنبلاط السامري فاهدى له أموالا واستأذنه في بناء هيكل في طول بريد فأذن له فبناه وأقام صهره ميشا كوهنا فيه وزعم أنه المراد بقول الله تعالى في التوراة اجعل البركة على جبل كديوم فقصده اليهود، في الأعياد وحمل إليه القرأبين وعظم أمره وغص له أهل القدس إلى أن خربه هرقانوس الأتى ابن شمعون لما هلك الاسكندر وملك بعده سلياقوس.

وكان أعظم أصحابه أكرم اليهود وحمل الفقراء ثم نصى له بمال في الهيكل، فبعث قائده أردوس إليه فصرع في طريقه فجاء /56/أصحابه للكوهن يسلونه الإقالة فعوفي وارتحل عنهم ثم أن سلياقوس ضاعف للقدس الأموال ثم ترجمت التوراة لليونان لغتهم بمعونة سبعين من أحبار اليهود بسؤال تلماي ملك مصر وولي أنطخوس صاحب مقرونية أمر بعبادة الأصنام فأبى اليهود فقتل منهم وسبا فهربوا إلى الجبال ثم رجع عنهم بعدما قتل الكوهن ثم ولي ماحاب ابن عموا على الأسباط العاشرة وكان كافرا كأبيه وتزوج بيت ملك صيدا وأفحش في قتل الأنبياء فدعا عليه أيليا النبي فقحطواوقيل هذا النبيء الياس بن سمى وقيل بن ياسين وكان بعث إلى أهل بعلبك وأحاب وتنبا بعد الياس اليسع ابن خطوب من سبط افرايم ولما هلك أحاب ولى ابنه أجزيا وكان سيء السيرة قتل عاموص النبي صفلا الصنم وبعد موته ملك أخوه يوءام وبعده ملك باهوا فقتل بنى أحاب كما أمره اليسع ومات لخمس وثلاثين من ملكه وولى ابنه يوءاش وهو الذي زحف إليه إلى القدس وهدم من السور نحو أربع مائة ذراع وسبا أهل القدس ومرض اليسع فقاده يوءاش فوعده بأن يظفر بئادوم فكان كذلك وهلك لثلاث عشرة من ملكه وولي ابنه يربعام وكان يسيء السيرة وهلك لإحدى وأربعين من ملكه ثم ولي ابنه زكريا ثم وثب عليه مناحيم ابن كادي من سبط روبين فقتله وولىّ مكانه ستين سنة فزحف إليه فورملك الموصل فصانعه بألف قنطار فضة ثم ولى ابن مناحيم بن كادى وهو نقجبا وكان عاصيا فهلك لعشرين سنة من ملكه ثم ولي بالخ بن رمليا فقتله وهو شيع وتملك عليهم وزحف إليه ملك الموصل فأدى إليه الخراج ثم سمع به ملك الموصل صانع ملك مصر فزحف إليه وحاصره ثلاث سنين وفتحها في الرابعة وقبض على هوشيع لست من ملكه ونقله مع الأسباط كلهم إلى الموصل ثم بعثهم إلى قراء /قرى/أصبهان وأنزلهم بها وانقطع ملك بني إسرائيل من السامرة وبقي ملك القدس وذلك لست من ملكه حزقيا بن أحاز من ملوك القدس وجمع ملك الموصل من كورة عاراوحماه وصفرواروم وكوشى وأسكنهم السامرة فسلط الله عليهم السباع يفترسونهم فبعثوا إلى الملك أن يعرفهم بصاحب قسمة/57/السامرة من الكواكب ليتوجهوا إليه بما يناسب على طريقة الصابية فقيل له أن الشريعة التي رسخت فيها وهي دين اليهودية تمنع من ذلك فبعث إليهم كهنونين من عامة اليهود يعلمونهم دين اليهودية وليسوا منهم لا في نسبهم ولا في دينهم إلا أنهم أخذوا ببغض دين اليهودية.

الخبر عن عمارة القدس المرة الثانية

كانت عمرت المرة الأولى على يد كيرش الفرسى كما مرواستهل لها بنو إسرائيل واطمأنوا إلى أن ولي انطانوس اليونانى بمقرونية وأطاعه العراق وأمر بعبادة الأصنام فأبوا فقتل وسبا فهربوا إلى الجبال بعدما قتل العازرالكوهن وخلق كثير لما امتنعوا من السجود للصنم وترك الختان والسبت وغير ذلك.

الخبر عن ابتداء ملك بني جشمناي

وقد وقعت تلك العمارة على أيديهم قال يوسف بن كريون، وكان فيمن هرب للجبال من اليهود، متيتيا بن يوحنا بن شمعون الكوهن الأعظم من بني جشمناي، من نسل هارون عليه السلام وكان صالحا شجاعا فلما انطيخوس الرحلة عن القدس بعث إلى قومه يعرفهم بمكانه ويحرضهم على الفتك باليونانيين فأجابوه وبلغ الخبر فيلفوس قائد انطخوس على القدس فسار في العساكر إلى البرية طالبا متيتيا فحاربوه فقتلوه
وانهزم عسكره ومات متيتيا خلال ذلك وولي الملك ابنه يهود واشتغل انطحوس بحرب الفرس، وبعث إلى ابنه الذي خلفه على قاعدة مقرونية واسمه أضفتراى يبعث الجنود فبعث تيعاتور/58/في عسكر وتليماس في عسكر وهيردوس في عسكر وعهد إليهم أن يبيدوا اليهود حيث كانوا وزحف إليهم يهود بن متيتيا بعد أن تضرع إلى الله وطاف ببيت الصخرة فهزم باذن الله العساكر الثلاثة وأسر تيفاتور وأحرقه بالنار ورجع القائدين إلى مقرونية وأخبروا ابنيه اليشاوس واضفتر بما وقع فجزعا لذلك ثم أتاهما الخبر بهزيمة أبيهما انطحوس أمام الفرس ثم دخل مقرونية واشتد غضبه على اليهود فمات بالطاعون وملك اضفتر وهدم اليهود بيوت الأصنام التى وضعها انطخوس بالقدس ووضعوا فيها حطبا، فاشتعل من غير نار واتخذوا ذلك اليوم عيد العساكر ثم زحف إليهم اليشاوس فهزموه ثم وقع الصلح وفي عهديهود طهر الروم، الكيتم، فزحف صاحب حربهم دمترياس إلى اضفتر فهزمه وقتله مع لوشاوش وسعى باليهود عنده فزحف إليهم فلقيه الملك يهود بالهدايا وأصناف التحف فكف عنهم ثم بعث اليهم نبفانور فهزمه يهود وأخذه أسيرا وصلب على حائط الهيكل بالقدس واتخذوا ذلك اليوم عيدا وهو ثالث عشر آذار، ثم بعث قائد الروم يفتروس في ثلاثين ألفا ففروا و تركوا ملكهم يهود واقتتلوا فقتل يهود لسبع من ولايته ودفن إلى جنب أبيه متيتيا المذكور بعد أن أبلى بلاء حسنا.

واعلم أنّ بنى جشمناي هؤلاء من نسل هارون من سبط لاوى رهط موسى عليه الصلاة والسلام ولما بايع الأسباط العشرة يربعاع بن نباطء كان من جملتهم سبط لاوى وانحاز اخوانهم وهم نسل هارون لسبط يهود وبنيامين لأنهم أهل القربان والكهنوتية ببيت لحم منذ عينهم موسى عليه السلام، فانضموا إلى هاذين السبطين وفارقوا اخوانهم من بنى لاوى المبايعين ليربعاع أول دولة رجبعم بن سليمان عليه السلام، واتصل الملك في بنى سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام من سبط يهود إلى أن منح الله الملك لبنى هارون هؤلاء فاجتمعت لهم الكهنوتية بالأردن،  فحاصرهم يفتروس أياما ثم حاربوه فهزموه وأسروه وأطلقوه على المسالمة وأن لا يسير إلى حربهم ثم مات يوناتال وقام بأمر اليهود، أخوهما الثالث شمعون فاجتمع له اليهود من كل ناحية /59/وعظمت عساكره وغزا جميع أعدائهم وزحف إليه دمترياس صاحب حروب الروم، المار من إنطاكية فهزموه وأثخنوا فيه، ولم تعدهم الروم بحرب بعدها إلى أن هلك ملك شمعون على يد تلماي زوج أخته وقبض على ابنيه وامرأته، وهرب ابنه الأكبر هرفانوس إلى غزة فامتنع بها فاجتمعوا إليه وملكوه وسار إلى القدس وفر تلماي إلى حصن دأبور ثم زحف دمتريانوس بن سليافوس إلى القدس وحاصر اليهود وراسلوه في تأخير الحرب إلى انقضاء عيدهم ففعل ووقعت في نفسه صاغية إليهم وأهدى تماثيل للبيت وأتوه بنصيب من القربان فوقع بينهما الصلح وأعطوه ثلاثمائة بدرة ذهبا استخرجها هرفانوس من بعض قبور بني داوود ورحل عنهم ثم تحارب الفرس، والروم فكانت للفرس على الروم فانتهز هرفانوس الفرصة وزحف إلى أعدائه من أهل الشام ففتح نابلس وحصون من الروم ومن بجبل من أهل السرات وقتل منهم خلقا ووضع عليهم الجزية وأخذهم بالختان والتزام أحكام التوراة وخرب الهيكل الذي اختطه سنباط السامري بإذن الملك الإسكندر اليونانى وقهر جميع الأمم المجاورين له ثم بعث إلى أعيان الروم المدبرين أمرهم برومة وهم ثلاثماية وعشرون ويدفعون للحرب من يقوم ليجدد العهد ويردون له ما أخذ ايطخوس من بلادهم فأجابوه وكتبوا له العهد وخاطبوه بملك اليهود وأنما كان يسمى من قبله من آبابائه بالكوهن فجمع بين الكهنوتية والملك ثم سار إلى السامرة فخربها وقتل أهلها ومات لإحدى وثلاثين من دولته ومن عهده ألقى الله الفتنة بين الفقهاء وأهل القياس وهم الربانيون ويسمونهم الفروشيم وبين الصدوقية وهم القراء المتعلقون بظاهر الفاظ التوراة وسائر كتبهم ثم ملك بعده ابنه استبلوس ولما مات ملك أخوه الاسكندر وكان محبوسا في أيام أخيه واستقام أمره وانتقض عليه أهل عكة وصيدا وغزة فسار إلى عكة فحاصرها وكلابضرة يومئذ ملكة مصر من بقية اليونان وانتقض عليها لضير ابنها فملك قبرص وبعث إليه أهل عكا يملكونه فآتاهم في ثلاثين ألفا فلما أفرج عنهم الإسكندر منعوا لضير فسار في بلاد الإسكندر حتى نزل الخليل والأردن قتل وسبا ثم الإسكندر فتح صيدا عنوة في خلال ذلك وعاد وبعث إلى كلابضرة،  بخبر ابنها وسار إليه /60/فهزمه لضير ثم خرجت كلابضرة بالعساكر في طلب ابنها فهرب منها إلى قبرص وفتح الاسكندر غزة وأطاعته البلاد وفي عهده تقاتل اليهود بينهم بالقدس في عيد المضال إلى ست سنين فقتل القراء من الربانيين خمسون ألفا ثم خرج الاسكندر إلى أرض بتريوس ففتح الكثير منها ثم رجع بعد ثلاث سنين ثم هلك ووليت امرأته الملك حتى كبر ابنيها منه فقدمت هرفانوس الكهنوتية وأرستبلوس على العساكر وسألها الربانيون الأخذ بثأرهم من القراء فأذنت لهم في ذلك فقتلوا منهم خلقا كثيرا ثم ماتت لتسع من دولتها.

ظهور عيسى عليه السلام

وفي أيامها ظهر عيسى عليه السلام ثم سعى في الفتنة بين ولديها اتصفترا بوهيردوس وكان من عظماء بني إسرائيل ومن أكثرهم مالا وكان الإسكندر قد ولاه على أدوم وعلى جبال السرات وكان يذكر للناس ان هرفانوس أحق بالملك من ارستبلوس ثم خرج معه إلى هرثمة ملك العرب، فدعوه إلى حرب أرستبلوس فأجابهم بعد مراوضة وطال الحصار بالقدس وحضر عيد الفطيرة وافتقد اليهود، القرأبين فبعثوا إلى أصحاب هرفانوس فاشتطوا في الثمن فدفعوه لهم ولم يعطوهم شيئا فدعا عليهم بعض النساك فماتت منهم أمم وفي خلل هذا نزع الأرمن وجصى وحمص وحلب من الروم، إلى الفرس، قائدهم شكاروس فمهد من ذكرو بعث إليه كل من الأخوين يستنجده على الآخر فأبى ونهى هرثمة على الدخول بينهما فرحل ورحل معه هرفانوس وانظفتر ثم افضت الحال إلى ملك شكاروس على اليهود هرفانوس وضرب عليه الخراج كل سنة ورفع يد اليهود عن كل الأمم الذين في طاعته ثم رجع إلى رومة وترك مع هرفانوس قائدا وحمل أرسيتبلوس وابنه مقيدين معه وهرب ابنه الثالث إسكندر فلم يظفر به.

ثم خرج /61/هرفانوس وانطفتر إلى الأمم يحملونهم على طاعة الروم فخلفهم إسكندر إلى القدس فبايعه اليهود فزحفا إليه فخرج لهما وهزمهما ثم استنجدا قائد اللروم بدمشق فأتى معهما فهزموا اسكندر فسار هرفانوس إلى القدس فاستولى عليه وفي اثناء ذلك هرب ارستنلوس من السجن برومة فقبض ورد إليه ولم يزل محبوسا إلى أن تغلّب أحد الروم على رومة وأحدث الملك في الروم فاطلق ارستنبلوس وسرح معه قائدين في اثنى عشر ألفا إلى دمشق والقدس فدس إليه اليهود سما فمات في بلاد الأرمن قال يوسف بن كريون، ثم أنّ الروم بعثوا الجرنبوس بالجند لحرب الفرس فمر بالقدس ودخل الهيكل وطلب الكوهن واسمه العازر من الصالحين بالمال واشتد عليه فدفع إليه سبيكة ذهب على صفة خشبة وزنها ثلاثمائة منا فأخذها وتعدى على الهيكل وأخذ كل ما فيه من الأموال وجميع آلات القدس وسار إلى الفرس فهزموه وقتلوه وغنموا جميع ما معه واستولت الفرس على الشام ثم إن الروم بعثوا القائد كسناو بجنود عظام إلى الفرس فغلبهم ودخل تحت طاعته اثنان وعشرون ملكا منهم ثم ابتدأ أمر القياصرة، وملك على الروم يوليانوس ولقبه قيصر لأن أمه ماتت حاملا به عند مخاضها فشق بطنها عنه فلذا سمي قيصر ومعناه بلغتهم القاطع وسموه أيضا باسم الشهر الذي ولد فيه وهو يوليانوس خامس لشهورهم وهو يوليه فعظم ملكه وقتل من خالفه وفتح مصر بمعونة هرفانوس وانظفتر فشكرهما وقدم انظفتر لحرب الفرس واستقام الملك لهرفانوس وكان خيرا إلا أنه كان ضعيفا على الحرب فتغلب عليه انظفتر واستبد على الدولة وقدم ابنه فسيلوا ناظرا في القدس وابنه هيردوس عاملا على جبل الخليل واستمر ملكه إلى أن دس له اليهود سما فمات وملك هرفانوس ثانية وهيردوس بن انظفتر من بطانته ولحق جماعة من اليهود بالفرس وضمنوا لملكهم أن يحملوا إليه ألف بدرة وثمانمائة جارية من أحسن بنات اليهود على أن يقتل هيردوس ويملك ابن أخ انطقيوش بن أخ هرفانوس ويسلمه إليه فأجابهم وسار في العساكر وفتح بلاد الأرمن وقتل الروم الذين بها ونادى الصلاة/62/في المسجد والتبرك بالهيكل فلما توسط المدينة ثار بها وأفحش في القتل ففطن به اليهود وقتلوا المجوس، عن آخرهم وفسد تدبيرهم فرجع القائد إلى استمالة هرفانوس وطلب الطاعة للفرس ويعتذر لهم عند الملك في صلاح خالهما فراحا معه إلى الملك ببلاد الأرمن فقبض على هيردوس وبعث ملك الفرس قائده إلى اليهود مع أنطغنوس ليملكه فهرب هيردوس للسرات ثم إلى مصر فأكرمته كلابضرة، وأركبته في السفن إلى رومية وخبر اغشيطش بخبر الفرس فملكه وألبسه التاج وأركبه في رومية بزي الملك وإلها بين يديه بأن اغشيطش قيصر ملكه وسار بالعساكر إلى الفرس ومعه أنطيانوس قائد قيصر فلقيه انطغنوس فهزم وقتل أكثر عسكره وأفحش قائد قيصر في قتل اليهود فرغب اليه هيردوس في الأبقاء وقال له إن قتلت خيار قومى فعلى من تملكنى فرفع عنهم ثم ظفروا بانطغنوس فقيده سبسار القائد ورجع به فلحقه هيردوس وسأله قتل انطغنوس فقتله وبه انقرض ملك بنى جشمناي والدوام لله.

الخبر عن ملك هيردوس وبنيه

وكان أول أمره بعثا إلى هرفانوس الذي حمله الفرس، يستقدمه ليامن على ملكه من ناحيته ويرغبه في الكهنوتية التي كان عليها وحذره ملك الفرس من هيدروس وعزله اليهود، الذين معه وأروه أنها خديعة فلم يقبل وحسن ظنه بهيردوس فسلم إليه وتلقاه بالكرامة والمزية ثم استعمل فيه الحيلة والمكائد فقتله واستقام ملك هيرودوس وصالح الملوك الذين بازائه واستباح العرب، بعد حروب وفرض عليهم الخراج كل سنة وقيل بقية بني جشمناي وجماعة من كبار اليهود وبنا مدنا وحصنا ومنها قيسارية وحدثت
المجاعة في أيامه فشمر لها وأخرج الزرع للناس بين بيع وهبة وقرض وأجرى على الشيوخ/63/المنقطعين والأيتام وألزمنا النفقة فرجع المجاعة وارتفع له الثناء الجميل ولما استحفل ملكه وعظم سلطانه شمر لبناء البيت المبارك على ما بناه سليمان عليه السلام،  كان اليهود لما رجعوا إلى القدس من بابل بإذن كيرش عين لهم مقدارفي البناء لا يتجاوزونه وهذا خلاف ما مر من أنه تم على حدود سليمان ولما عزم على ذلك أحضر الالات مستوفات خشية أن تعوق العوائق فأكمل الآلات في ست سنين ثم جمع صناع البنا وما يتعلق به فكانوا عشرة آلاف وعين قوس الأقداس للكهنوتية يبنونه ولا يتوله غيرهم ثم بنا البيت على هيئته وحدوده أيام سليمان فكمل في ثلاث سنين ثم قرب القرأبين شكرا لله على ما هيأ له من ذلك واحتفل في الولايم وإطعام الطعام فكان ذلك من محاسن دولته ثم ابتلاه الله بقتل ولديه لأنه قتل أمَهما قبل ذلك وهما غائبان يتعلمان خط الروم، برومة فلما قدما فسد ما بينهما فأدى الحال إلى أن قتلهما وكان موته لخمس وثلاثين من ملكه وعهد إلى ابنه اركلاوش وتقرب إلى الناس باطلاق المسجونين واستقام أمره ولسبع من دولته بعث قيصر من قيده وحمله إلى رومة بشكاية اليهود وولى على اليهود أخاه أنطيفس وكان لذلك العهد يهوحنان ابن زكرياء عليهما السلام فقتله في جماعة منهم وهذا هو المعروف عند النصارى، بالعمداوة الذي عمد عيسى أي طهره بماء المعمودية بزعمهم وفي أيامه مات أغشطش قيصر وولى بعده طبريوس قيصر وبعث قائده بعلاس بصنم من ذهب على صورته ليسجد له اليهود فامتنعوا فقتلوه فهزموه ثم بعث لهم طبريانوس قيصر العساكر فقبض على انطيفس وغربه إلى الأندلس فمات بها وولى اعرباس ابن اخيه وهلك في أيامه طبريانوس قيصر وملك نيروش قيصر وأمر أن يسمى الاها وبنى المذبح للغربان وإطاعته الأمم إلا اليهود ثم ثار عليه أهل دولته فقتلوه وأكل شلوه الكلاب ثم بنى ملك اليهود على يد القياصرة، إلى أن وقعت بينهم الفتنة العظيمة التي ليس مثلها فتنة ولا تقاربها محنة وهي وقعة طيطش العظمى باليهود واحدة كان يوسف بن كريون، من عظماء علماء اليهود غير مدافع ولما حاصر أسيانوس/64/ملك الروم والد طيطش القدس فر يوسف إلى بعض الشعاب فحصل في قبضته ومن عليه وبقي عنده وكانت تلك وسيلة لابنه طيطش عند وقعته ببني إسرائيل فتركه بها للعبادة فيوسف هذا هو الذي استوعب أحبار اليهود بتلك الجلوة واخبار الدولتين لبني جشمناي وبنى هيردوس ولما عظمت الفتنة بينهم وأفرغ ذلك طيطش قيصر ملك الروم أتى بالجنود إلى أن نزل على باب القدس ثم ركب يدعوهم إلى السلم فصموا عنه وقاتلوه فخلص منهم بشدة فعبأ عساكره من الغد ونزل
جبل الزيتون شرقي البلد ورتب العساكر والآلات للحصار واتفق اليهود داخل المدينة ورفعوا الحرب بينهم وبرزوا إلى الروم فانهزموا ثم انتفضوا وتحاربوا بينهم ودخل يوحنان يوم عيد الفطيرة إلى القدس فقتل جماعة من الكهنوتية وأخرى خارج المسجد وزحف لهم طيطش فردوه إلى قرب عسكره وبعث إليهم قائده لقتابور في الصلح بينهم فأصابه سهم فقتل فغضب طيطش وصاغ أبراجا من الحديد للمقاتلة فأفسد اليهود تلك الآلات وعادوا إلى الحرب بينهم وكان يوحنان قد ملك القدس ومعه ستة الآف مقاتل ومع شمعون عشرة الآف وبقية اليهود بالمدينة مع العازر وأعاد طيطش الآلات وثلم السور الأول وملكه فحينئذ اصطلح اليهود بينهم واشتدت الحرب بينهم وباشرها طيطش بنفسه وتقدم حتى ثلم السور الثاني وأخرّوه اليهود واقتتلوا أربعة أيام وجاء المدد إلى طيطش من كل جهة فأغلق اليهود الأبواب فرفع طيطش الحرب ودعاهم إلى المسالمة فامتنعوا فجاءهم في اليوم الخامس بنفسه ومعهم يوسف بن كريون فوعظهم وأطلق أسراهم فامتنع رؤساءهم وقتلوا من جنح إلى الروم ولم يبق لهم إلا السور الثالث واشتد الحصاروضرهم الجوع والقتل ثم زحف طيطش إلى السور الثالث من أربع جهات ونصب آلالات وصبر اليهود على الحرب وتدامر الروم واشتد الأمر فاستاء من ميتا الكوهن إلى الروم فقتله شمعون وقتل بنيه وعظمت المجاعة حتى أكلوا الجلود ومات أكثرهم وأكل بعضهم بعضا وعثر على امراة تأكل في ابنها وحينئذ أذن رؤساؤهم للناس في الخروج فخرجت أمم وهلك أكثرهم حين أكلوا الطعام وابتلع بعضهم ماكان له من نقد/65/وجوهر ظنة به فصار الروم يقتلونهم ويشقون بطونهم لما شعروا بذلك ثم زحف الروم إلى السور الثالث فثلموه وسدوه اليهود ثم صدموه الروم واقتتلوا إلى الليل ثم إن الروم ملكوا السور المذكور وقاتلوهم من الغد فانهزموا إلى المسجد وقاتلوا في صحنه وهدم طيطش البناء الذي بين الأسوار والمسجد ليتسع المجال ووقف ابن كريون يدعوهم إلى الطاعة فلم يجيبوا ثم باكرهم طيطش بالقتال من الغد فانهزموا إلى قدس الأقداس وملكت الروم المسجد واتصل الحرب أياما وثلم سور الهيكل وأحاطت العساكر بهم فمات كثير وفر كثير ثم اقتحم عليهم الهيكل وملكه ونصب فيه الأصنام ومنع الناس من تخريبه وأنكر رؤساء الروم ذلك ودسوا من أضرم النار في أبوابه وسقفه فاحترق والقى الكهنونة أنفسهم في النار جزعا على دينهم فحرقوا واختفي شمعون ويوحنا في جبل صيهون وبعث إليهم طيطش بالأمان فأبوا وبيتاه في بعض الليالي، فقتلوا
قائدا من قواده ورجعا ثم فدى عنهما أتباعهما وجاءه يوشع الكوهن بالألات من الذهب وفيها منارتان ومائدتان ثم اطلعه فنحاص خازن الهيكل على خزائن كثيرة ذهبا وجوهر وطيبا فامتلأت يده، ورحل عن القدس بالأموال والأسارى قال يوسف بن كريون فكان عدة الموتى الذين خرجوامن الباب للدفن بأخبار مناحيم البواب مائة ألف وخمسة وعشرون الف وثمانمائة غير من ألقي في الأبار أو طرح خارج القصر أو طرح في الطرقات وقال غيره القتلى ألف ألف ومائة ألف والسبي والاسر مائة الف فكان طيطش يلقي في كل مترومنهم للسباع إلى أن فرغوا وقال ابن خلدون، في أخبار ملوك الروم فقتل منهم طيطش قيصر ستمائة ألف وهلك منهم جوعا نحو هذا العدد وباع منهم في الاسواق تسعين ألف وحمل إلى رومة مائة ألف يتعلمون/يعلمون/ فتيان الروم رمي السهام وطعن الرماح وكان فيمن هلك شمعون أحد الرؤساء الثلاثة ثم اجتمع فل اليهود على العازر الثانى من الخوارج ونزل في بعض القرى عند رحلة طيطش فسمع به وهو بانطاكية فبعث اليه قائده أسلباس فحاصرهم أياما ثم قتلهم عن آخرهم وأما الحبر يوسف ابن كريون فلم يقف على خبر أهله وماله وأراده طيطش في السكنى عنده/66/برومة فتضرع اليه في البقاء بالقدس للعبادة فأجابه وانقرض ملك اليهود جمع إلى الان والبقاء لله وحده وهاذه هي الجلوة العظمى أكبر من جلوة بختنصر وغيرها لأن اليهود بعدها سلط الله عليهم الذلة ولا ملك لهم بعدها ولا أميرا ابدا وهي بعد الف ومائة وستين سنة من بناء القدس على يد سليمان في السنة الرابعة من ملكه ولخمسة آلاف ومائة وستين سنة من مبدأ الخليقة والدوام والبقاء لله وحده.

الخبر عن مبعث عيسى عليه السلام

كان بنو ماتان من ولد يوحينا بن يوشيا السادس عشر من ملوك بنى داوود من سبط يهود بن يعقوب عليهم السلام ولد في جلاء بابل وكانت الكهنوتية العظمى بعد بني جشمناي لهم وكان كبيرهم عمران أبومريم وهو ابن ياشيم بن آمون ولابن عساكر أنه من ولدزريافيل الذي ولاه كيرش على بني إسرائيل لما ردهم من بابل إلى القدس وهو ابن يوحنا آخر ملوكهم الذي حبسه بختنصر ولابن خلدون فيما مرا ن آخرهم صرقيا هو أولاد عمران كهنونا في عصره وتحته حنة بنت فاقود وكانت من العابدات وأختها ايشاع وقيل خالتها عند زكرياء بن بوخيا من نسل يهوشافاد خامس ملوك بنى داوود وبينه وبين يهوشافاد المذكوراثنا عشرابا وهوأبو يحيا بالمد والقصروعمران بالعبرانية يوءا قيم بن متان ولمتان ابنا يسمى يعقوب وهو أبو يوسف خطيب مريم وابن عمها وكانت أم يوسف تزوجها أولا مطنان فولدت له هإلى ثم تزوج ومات ولم يعقب فتزوج امراته أخوه لأمه يعقوب بن متان فولدت منه يوسف فنسب إلى هالى لأنّ من أحكام التوراة أن من مات من غير عقب فامرأته لاخيه وأول ولد منها ينسب للأول وكانت حنة أم مريم عاقر؛ فنذرت إن حملت لتجعلنّ ذلك الحمل خادمًا للمسجد على عادتهم؛ فأتت بمريم فجاءت بها إلى/67/عباد المسجد وهي بنت إمامهم عمران فتنازعوا في كفالتها لموت أبيها؛ فخرج سهم زكرياء فكفلها ووضعها في مكان شريف في المسجد وهو المحراب والظاهر أنها دفعتها لهم بعد مدة رضاعها فصارت تعبد الله وتقوم بالمسجد في نوبتها حتى كانت يضرب بها المثل في العبادة وكانت خالتها ايشاع عاقر فطلب زكرياء الله كما في القرآن فولد له يحيا وذاك في دولة هيردوس المتقدم وكان يسكن القفار ويقتات الجراد ويلبس وبر الأبل فولاه اليهود، الكهنونيةإلى أن تنبأ ولعهده الملك انطيفش بن هيردوس فاغتصب امرأة أخيه فتزوجها وكان فاسقا فنكر عليه العلماء والأنبياء وفيهم يحيا وكان يسمونه بيوحنان ويعرفه النصارى، بالعمداني فقتل جميع من أنكر عليه وتحلل فيهم يحي عليه السلام وفر أبوه زكرياء عليه السلام فوجد في شجرة كرامة له فدلهم عليها طرف ردائه فشقّوها بالمنشار وشقّ زكرياء في وسطها على نصفين وقيل قتل زكرياء قبل هذا والمشقوق في الشجرة هو شعياء النبي.

تنبيه وما لأبى عبيدة عن ابن المسيب أن دم يحي عليه السلام بقي يفور إلا أن وجده بختنصر كذلك فقتل عليه سبعين ألفا من بني إسرائيل فسكن فمشكل لأن يحيا في زمن عيسى باتفاق وذلك بعد بختنصر بأحقاب متطاولة وتوفت حنة لثمان سنين من عمر مريم وكان من شأن ولادة مريم عيسى ما قصه القرآن ثم ذهبت به إلى قريتهم ناصرة ثم إلى مصروهو المراد بقوله تعالى : "وءاويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" فبقيت عامين ثم ظهر أمر عيسى عليه السلام وشاع خبره فأمرت أن ترجع به إلى القدس فرجعت به وهو ابن اثنتا عشرة سنة وتتابعت عليه المعجزات وكثرت عليه الناس يستشفون ويسألون عن الغيوب وإحياء الموتى وفي بعض الروايات أن مريم وضعته ببيت لحم على نحو ثلاثة أميال من القدس وهو الذي بنا عليه ملوك الروم، البناء العظام إلى هذا العهد وهم يرومون على العبادة هناك رهبانهم وقسيسهم وغيرهما ومصابيح الذهب تشعل فيه ليلا ونهارا وكان مولده لثلاثة أشهر من ولادة يحيا ولاثنين
وثلاثين من ملك هيردوس ثم نزل عليه/68/الانجيل وشرع الشرائع وأتى علماء المجوس يسألون عنه قائلين يولد مولود ببيت لحم وهذا زمانه فأمر هيردوس بقتل الصبيان ببيت لحم وأرسل في شأنه قيصرأيضا وعنده خبر كخبر الفرس ولذا خرج به وبامه يوسف إلى مصر مدة عامين كما مروبعد موت هيردوس رجع إلى ناصرة وكثرت المعجزات وشرع الشرايع من صلاة وغيرها وحلل وحرم وظهرت على يديه العجايب واتبعه الكثير من اليهود، وتسامعت به أهل الأقطار المتباعدة في المشرق والمغرب وخافه رؤساء اليهود وتؤامروا في قتله وجمع عيسى الحواريين، فباتوا عنده ليلتين يعضهم وبلغ في خدمتهم بما استعظموه وقال إنما فعلت هذا لتتاشد بي ثم افترقوا وكان اليهود قد بثوا العيون عليه فأخذوا شمعون الحواري فتبرأ فتركوه وجاءهم الاسخريوطى اليهودي فدلهم عليه بثلاثين درهم أواراهم مكانه فجاءوا به إلى ابلاطش النبطى قائد قيصر الرومي على اليهود وحضر جماعة الكهنونية وقالوا هذا يفسد ديننا ويدعو الملك فاقتله فتوقف يتوعدوه بإبلاغ الأمر إلى قيصر فأمر بقتله وكان عيسى عليه السلام أخبر الحواريين بأنه يشبه على اليهود في شأنه فألقى الله شبهه على واحد منهم فقتل وصلب وأقام سبعا وكان عيسى أمر الحواريين أن يلقوه بمكان عينه لهم فحضروا عنده وأمر بتبليغ الرسالة في الأقطار فعيّن لرومة بطرس ومعه قولس من الأتباع ولم يكن حواريا وإلى الحبشة والسودان متى العشار واندراوس وإلى بابل والمشرق نوماس وإلى إفريقية في لفس وإلى دقيوس من قرية أصحاب الكهف يوحناس وإلى القدس يوحنا وإلى المغرب والحجاز برتلوما وإلى برقة والبربر شمعون العبانى رضي الله عنهم، ثم رفع قال الجلالي وروى أنّ الله تعالى أرسل سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ببيت المقدس ليلة القدر وله ثلاث وثلاثون سنة وعاشت أمه بعده ست سنين، قال الخفاجى والأشهر عند المفسرين والمحدثين أنه ابن أربع وثلاثين وقيل ثمانون وقيل مائة وعشرين كما نقله ابن حجر، في الإصابة واختلف في مكثه في الدنيا بعد نزوله من السماء قيل سبع سنين وقيل أربعين/69/وفي حديث رواه الشيخان أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعتنا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب أربعين سنة ويضع الجزية وفي حديث مسلم يمكث سبع سنين وفي حديث أبي داوود الطيالسى أربعين سنة فيحتمل أن المراد مجموع لبثه قبل الرفع وبعده.

لطيفة ضريفة قال التلمساني، في شرح الشفا لم يذكر الله اسم امرأة في القرآن باسمها إلا مريم ذكرها في نحو ثلاثين موضعا والحكمة فيه أن الملوك والأشراف لايذكرون حرائر أزواجهم بأسمائهن بل يكنون عنهن بالأهل والعيال ونحوه فإذا ذكروا إلا ما لم يكنوا أو لم يحتشموا عن التصريح ؛ فلذا صرّح الله باسمها إشارة إلى أنها أمة من إيمائه وابنها عبدا من عبيده ردا على ظلمة اليهود، الذين قالوا ما قالوا ما قصه القرآن في غير ما آية قال ابن اسحاق وثب اليهود على الحواريين، يعذبونهم فسمع قيصر ملك الروم، فأمرهم بالكف عن ذلك وانطلق الحواريون إلى الجهات كما أمر عيسى فآمن بعض وكفر بعض ولما ولي عاينوس قيصر قتل يوحنان وحبس شمعون ثم خلص في أيام فلوديش قيصر ورجع إلى رومة واتبعه كثير من النساء وآمن به بعض نساء القياصرة، وأخبرها بأمر الصليب فجاءت إلى القدس واخرجته من الزيل وغشته بالحرير وكتب بطرس قيصر الإنجيل برومة بالرومية وكتب مُتَى إنجيله بالعبرانية في القدس ثم إن الرسل من الحواريين اجتمعوا برومة ووضعوا القوانين الشرعية لدينهم وتصلبوا فيه ولم يخشى لومة لائم.

تنبيه ضوابط دين نبي الله عيسى فالمقيم لمراسمه يسمونه البطرك وهو رؤيس الملة وخليفة المسيح ونائبه في البلدان البعيدة قد يسمونه الأسقف والقرّاء يسمونهم القسيسين والربى العالم والحبر الفقيه بإحكام الفتوى وصاحب الصلوة الجاثليق وفوق المسجد من ضارب ناقوس لصلاتهم وسادى الشمامسة والذي انقطع للعبادة الراهب وأما تسمية كفرة الأندلوس العلما الفرايلية فمولدة ثم اختلف القياصرة، ملوك الروم، في هذا الدين إلى أن ملك قسطنطين، كما يأتي خبره وخبر أمه إن شاء الله تنبيه الروم نسبة إلى روملش باني /70/رومة قبل الهجرة بتسعمائة سنة وهي قاعدتهم حتى نسختها القسطنطينة التي اختطها قسطنطين قبل الهجرة بنحو ثلاثمائة سنة واثنين وسبعين سنة تقريبا وهي المسمات الآن باسلامول قاعدة كرسي ءال عثمان ملوك الأتراك وكان هؤلاء الروم من جملة المجوس، الذين لاكتاب لهم ومن تبع منهم عيسى والتزم أحكام الانجيل يسمى نصرانى نسبة إلى نصرة قرية عيسى المارة لأن غالب الأنبياء إنما يبعثون من القرى لا المدن فالمنتصر منهم إذ ذاك بمنزلة المسلم عندنا وأما الذي لم يتبع عيسى منهم فلا يقال فيه نصرانى بل رومي فقط فإذا أسلم أحد منهم سموه نصرانى كما أن من تبع نبينا من الكفرة يسمى مسلما فالنصراني لفظ شريف ألاترى إلى قوله تعالى:
"ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" إلى قوله تعالى : "وذلك جزاء المحسنين" ومن تبع منهم نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يوتيه الله أجره مرتين مرة باتباعه عيسى ومرة باتباعه محمدا صلى الله عليه وسلم.

الخبر عن الفرس ودولهم العظيمة

نسبة إلى فارس بن كومرت بن سام وقيل سام فارس بن إيران بن اشور بن سام هاذه الأمة من أقدم أمم العالم واكثرهم عددا وقوة واشدهم باسا وأفخمهم ملكا مسكنهم العراق لأنّ إيران لما عرب صار عراق وكانوا ملكوا أكثر المعمورحيث أطلق اسم المجوس، واسم العجم، لا ينصرف إلا لهم وانصرافه لغيرهم على طريق التغليب والمجوس جمع واحده مجوسى نسبة إلى رجل يقال له مجوس لمغر أذنيه وضع لهم دينار ودعاهم إليه ويقال نجوس بالنون لتدينهم باستعمال النجاسة خلافا للشيخ الخراشى في باب الزكاة والأولى ما في حواشى الكبرى كان النسبة للنجاسات إنما تظهر في التدين بها لالكونها لاتضرهم والذين يشاركون المجوس/71/في القول بالهين نور وظلمة المانوية والكرمزنية والزواونية والمرنوفية والزوداشية والبيضائية وقيل المجوس بين اليهودية والنصرانية وقيل قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات
والشائع أنهم عبدة النار وحواشى شرح الكبرى أن المجوس كان لهم كتاب فرفع وسبب رفعه أن عظيمهم تزوج بابنته فأرادوا رجمه فتحصن بحصنه وقال لهم نعم الدين دين آدم الذي يزوج الآخ من اخته وفي الخفاجى نسب هذا المذهب لريصان رجل مجوسى ينسب له القول بالنور والظلمة وقالوا الخير والشر إلا الذي قال الظلمة ميت والنور حي والمانوية أصحاب صانى الحكيم ظهر في زمن سابور بن ازدشير بن بابك بعد عيسى وقتله بهرام زعم أن موجد العالم اثنان النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وهما ازليان حيان وهذا ونحوه من الخرافات قال المتنبي :

وكم لظلام الليل عندي من يد                             تُخَيِّر أنّ المانوية تكذب

والنبط إخوة الفرس، كما مر أولاد نبيط بن اُشور وفي التوراة ذكر ملك ألا هو ازكردا نعم من بنى عيلام والآهواز من ممالك فارس واتسعت مملكة الفرس إلى أن وصلت إلى الإسكندرية وهم أربع طبقات الأولى القشدانية وهي التى قام عليها الضحاك
الآتي والثانية الكينية وهي التي غلب عليها الاسكندر اليونانى والثالثة الاشقانية وهي التى غلب عليها ازدشير بن بابك والرابعة الساسانية وهي التى صبحها الإسلام وأول ملوك الطبقة الأولى كيومرت قال ابن خلدون، وهو أول ملك نصب في الأرض أي من بني ليلا يخالف ما مر أول الكتاب من ذكرنا الملوك بين آدم ونوح ومن كيومرت أولهم إلى يزدجرد آخرهم المقتول في خلافة عثمان أربعة آلاف سنة ومائة سنة وإحدى وثمانين وعمر كيومرت زمنا طويلا يقرب من الف سنة ولما مات ولي اقروال ثم ابنه منوشهرج وملك الأقاليم السبعة وكيومرت هذا هو أول من بنا المدن واتخذا الحيل وتسمى بآدم وحمل الناس على دعائه بذلك وعظم أمر بني كيومرت حتى ملكوا بابل وأول من ملكها منهم من يد النماردة، طمهورت بن أخياذياد وكان محمود السيرة وبعد طمهورت ملك/72/جمشيد ومعناه الشعاع لجماله أخو طمهورت ثم قام عليه بيوراسب وهو الضحاك المعلوم وملك زمنا طويلا حتى قيل أنه ملك سبع مائة سنة وعند ابن هشام، أن الضحاك هو نمرود الخليل ثم قام عليه رجل من اصبهان حداد واتخذا جرابا على عصا فجعله راية واجتمع عليه الناس فنصروه، وقتل الضّحاك. ولم يدع الملك وولى بنى جمشيد من عقب اوشهند بن أقروال فاستخرج أفريدون من مكان اختفائه فملكه واتبع الضحاك فقتله وردغصوبه وملك مائتي سنة وكان يغشاه نور من يوم قتل الضحاك ومن نسله بنو شهر الملك وأمه من بنيى اسحاق عليه السلام وحمل الفرس على دين إبراهيم،  عليه السلام وهو الذي كان يحارب اقراسيات ملك الترك، قلت ولما رجع الملك للفرس بقتل الضحاك رفعوا قورراية الحداد الأصبهانى وهي أول راية وزينوها باليواقيت والجواهر أحسن زينة بعدما كانت جرابا مرفوعا على عصا حتى صارت أن كل من ولي منهم يزيد في زينتها من ديباج وذهب وغيره وكبرت حتى صارت من أعظم ما يكون من أركان دولتهم إلى أن أخذها الصحابة بالقادسية آخر تلك الحروب العظام فقسموا عليها وذلك آخر العهد بها ويسمونها بالفارسية ذوفش كأبيان ثم ملك الفرس زق بن صمار ست وغلب اقراسيات واتخذ الفرس ذلك اليوم عيدا وهو ثالث أعيادهم وأصلح ما أفسدالترك وكان محمود السيرة وفي أيامه خرج بنو إسرائيل، من التيه وفتحوا أريحا.

الطبقة الثانية من الفرس، وهم الكنيسة

أولهم كي قباد من عقب منوا شهر وأمه تركية وكرسي ملكه بلخ يمانع الترك، من دخول بلاده وملكه مائة سنة ثم ولى ابنه كي قاوس كان على عهد داوود عليه السلام،  وعلى عهد عمر وذيال أدعار من ملوك اليمن ولما مات ملك ابن ابنه كي سقر بن سباوخش الذي مات في حرب/73/الترك في حياة كي قاوس وقاتل الترك وغزاهم وأخذ ثارهم منهم ثم ترهب وزهد في الملك وملك لهراسف وسكن بلخ وحارب الترك مدة أيامه وعلى عهده بختنصر ملك ما بين الآهواز والروم وأضاف إليه لهراسف بابل عندما صارت إليه وفي عهده غزا بختنصر العرب، وأوصى بالتحفظ على معد بن عدنان تاسع عشر أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل أيام بهمن حافد سبا سبابن لهراسب قاله هشام بن محمد، وحى الله إلى ابريخياالنبي وكان مع زرفاييل الذي رجع بني إسرائيل إلى القدس أن يأمر بختنصر بغز والعرب الذين لإغلاق لبيوتهم ويقتلهم لكفرهم واتخاذهم الآلهة وأمره أن يخرج معد بن عدنان من بينهم ويكفله إلى انقضاء أمر الله فيهم فاحتمله ابريخيا وأردفه على البراق وهو ابن اثنتا عشرة سنة وبقي بين أنبياء بني إسرائيل ولما استلحم بختنصر العرب ورجع إلى بابل وحج بنو إسرائيل، حج معهم معد وبقي مع قومه وتزوج معانة بنت مضاض بن الحارث الجرهمي فولدت له نزار بكسر النون لمائة وعشرين سنة من ملكه وكان محمود السيرة وقيل انقطع للعبادة وولي ابنه يستاسف وكان الملوك يحملون إليه الخراج من كل قطر وفي أيامه عظمت الحرب بينه وبين الترك وولى على حربهم ابنه اسفيريارو في أيامه ظهر زرادشت الذي زعم المجوس، نبوءته وهو من أهل فلسطين كان خادما لبعض تلامذة أرميا النبي ثم لحق بأذربيجان وشرع دين المجوسية وعرض دينه على يستاسف فأعجبه وحمل الناس على الدخول فيه وقتل من امتنع وعند علماء الفرس، إنه من نسل منو شهر الملك و قالوا جاء بكتاب إدعاه وحيا في اثني عشرألف مجلد منقوش بالذهب ووضعه يستاسف باصطخروان هذا الكتاب على ثلاثة أقسام قسم في أخبار الأمم الماضية وقسم في حدثان المستقبل وقسم في شرائعهم مثل المشرق قبلة وأن الصلاة في الزوال والغروب وأنها ذات سجدات ودعوات وجدد لهم زرادشت بيوت النيران التي كان منوشهر اخمدها ورتب لهم عيدين الفيروز في الاعتدال الربيعي والمهرجان في الاعتدال الخريفي ولما غلب الإسكندر على الفرس أحرق هذا الكتاب ولما ملك أزدشير جمع الفرس على قراءة سورة منه تسمى آسيا وحارب يستاسف محروراسب ملك الترك وهزمه وقتل في الهزيمة ساحر الترك يندرفش ثم أن يستاسف ترهب[78]/74/ بعد ذلك وانقطع للعبادة وخلف أباه لهراسب في بلخ سيخا كبير افغزاهم جوهراخومحروراسف في جموع الترك فاستباح بلخ وقتل لهراسف وغنم الأموال وهدم بيوت النيران وسبا جمانى بنت يستاسف وغنم درفش الراية الكبرى وهي راية الحداد الأصبهانى الذي خرج على الضحاك فلما ولي افريدون رصع تلك الراية التى أصلها جراب وعسى كما مر بالجواهر ورفعوها في ذخائرهم يبسطونها في الحروب العظام وكان لها ذكر في دولتهم إلى أن غنمها الصحابة بالقادسية كما مرو لما سمع بالوقعة يستاسف قلد الملك ابنه اسفيريار بعث له ذلك مع جماسب العالم صاحب زرادشت، فسار إلى الترك فهزمهم واسترد الراية والغنيمة ودخل أرضهم عنوة وقتل محروراسف وإخوته واستباح عسكره وأمواله ونساءه ورد جمانة ودوخ بلادهم حتى انتهى إلى بلاد صول ثم غزا الروم، وفرض عليهم الأتاوة وهو من أعظم ملوك الفرس وبنا مدنا بالسواد وكانت أمه من بني طالوت من سبط بنيامين وهو الذي رد بني إسرائيل إلى أرضهم وقيل حافده بهمن ولما مات ملكت ابنته جمانى وهي أم دارا الأكبر، وكان ابنه ساسان مرشحا للملك فغضب ولحق باصطخر وهي حاملة بدار أو عقد لها زوجها التاج على بطنها ؛ فلذا أغضب ساسان إلى اصطخر ورعى غنمه بنفسه وكانت جمانى غالبة على الأعداء ولما كبر ابنها دارا أسلمت له الملك بعد ثلاثين سنة من ملكها وكثر عندها سبي الروم ونزل ابنها دارا ببابل وحملت إليه الملوك الخراج وقيل هو الذي رتب دواب البريد وكان معجبا بابنه دارا لما ولد عنده حتى سمّاه باسمه وولاه عنده وهلك لاثنين عشرة من ملكه وولي ابنه دارا فملك أربع عشر سنة وأساء السيرة وقتل الرؤساء وأهلك الرعية وغزاه الاسكندر من فيلس ملك بني يونان وقد كانوا سامو فقتله بعضهم ولحق بالاسكندر وتقرب بذلك إليه فقتله وقال هذا جزاء من اجترى على سلطانه وتزوج ابنته روشتك وقال الحافظ الطبري وأول من تسمى منهم كسرى كيرش ثم ابنه أخشوار وولى بعده دارا إلخ على ما قال هرشيوش، مؤرخ الروم وانظر ما مرّ عن ابن خلدون، ففيه مخالفة لما هنا.

تنبيه قال اليوسى في حواشى الكبرى ومن المجوس، /75/ لثنوية أثبتوا فاعلين فاعل الخير يسمونه أزدان وفاعل الشرّ يسمونه هرمز زعموا أن كلا منهما لا يفعل /لايفعل/ الاما يقتضيه طبعه فينسبون الخير كله إلى النور والشر كله إلى الظلمة والنور والظلمة عندهم أجسام انظر الإلهين الذين لهؤلاء الأغبياء ولا ينبغي أن يودع هذا إلا في خرافات المضاحك والخرافات والرد عليهم بقوله تعالى : "وقال الله لاتتخذوا إلهين اثنين" وقوله
تعالى : "وجعل الظلمات والنور" وكذا المانوية فإنهم ينسبون الخير إلى النور والشر إلى الظلمة ينسبون إلى مافي بن مازن الزنديق الذي تقدم بعض الكلام عليه سابقا في صدر الكتاب.

الطائفة الثالثة الأشغانية

وهم المعروفون بملوك الطوائف نسبة إلى الأشغان بن دارا الأكبر وكانوا من أعظم ملوك الطوائف عند افتراق أمر الفرس، وذلك أن الاسكندر لما قتل دار الأصغر وتغلب على الفرس شاور شيخه أرسطو الذي اخترع علم المنطق في أمرهم فأشار بأن يفرق رياستهم في أهل البيوت منهم فتفرق كلمتهم ويخلص لك أمرهم فولى عظماء النواحي من الفرس والعرب والنبط والجرامقة كل على ناحيته فاستقام له الأمر فكان أعظم ملوك الطوائف الأشغان المذكور فلما هلك الاسكندر قام بالملك يعظمه ملوك الطوائف وصار كالرؤيس على جميعهم فافترق أمر الفرس مدة طويلة ولذا كانوا يقولون كلمة فرقتنا أربعماية سنة وتسعة عشر سنة كلمة بليغة أرادوا كلمة أرسطو الحكيم للاسكندر بأن يفرق الإمارة في بيوتهم كما مر وهو تلميذ أفلاطون ولما هلك أشغان ملك ابنه سأبور ستين سنة وغزابني إسرائيل ونهب أموالهم وظهر عيسى في أيامه ثم ملك عمه جودر عشرين سنة ثم سدر بن سأبورو في أيامه كانت الجلوة الكبرى بالقدس على يد طيطش الرومى كما مر ثم ملك جودر الاصغر /76/تويسى ثم هرمز ثم أربعة ثم أردوان بن هرمزثم ابنه كسرى ثم ابنه يلاش وفي أيامه غزت الروم، لسواد العراق ثم ابنه اردوان وعليه قام ازدشيرا بن بابك الساساني وجمع ملك الفرس وجدد الدولة الساسانية وقد ملك في المدة المذكورة تسعون ملك على تسعين طائفة والأشغانيون منهم هم ملوك المدائن وإنما سموا هؤلاء الملوك الأشغانيون تغليب لأنّ عظماءهم من ولد الأشغان والله اعلم.

الطائفة الرابعة الساسانية

وهذه الدولة أعظم دول الخليقة وهي احدى الدولتين العظيمتين اللتين صبحهما الإسلام في العالم فارس الروم، وكان مبرزهامان وثوب ازدشير بن بابك على ملوك الطوائف وهو من نسل ساسان بن كي بهمن الذي غضب على أبيه لما توجه الملك اخوه دارا الأكبر وهو في بطن أمه جمانى فوثب على الملك الذي كان لأبائه الملوك الكينية واتفضمت له العراق وفارس ثم زحف إليه أردوان عيد الطوائف فهزمه وقتله وأثخن في الأرض ومدن المدن واستكثر العمارة وكان ازدشير أسرف في قتل الأشغانية ذكورا وإناثا حتى أنه وجد بقصر أردوان جارية فأعجبته وقالت له أنا مولات لترفع عن نفسها القتل فواقعها فحملت ولما ظمنت/ظتن/الأمن على نفسها أخبرته بأنها ابنة أردوان فشكر ودفعها إلى بعض المرازبة ليقتلها فاستبقاها ذلك المرزبان عنده وقد أتت بابن وكتم شأنه إلى أن شكا له ازدشير قلة الولد وخوف انقطاع الملك من عقبه والندم على ما سلف منه من قتل الجارية واتلاف الحمل فأخبره بحياتها وأنها ولدت ولدا ذكرا وأنه سماه سأبور وكملت خصاله وأدبه فأمر بإحضاره فحضر بين يديه فاستخبره فرضيه وتوجه ولما توفي ازدشير تقلّد سابور الملك وافاض العطا في أهل الدولة/77/وتخير
العمال ثم ذهب إلى خراسان فمهدها ثم غزا الجزيرة وسبا مدينة نصيبين وفتح مدنا من الشام وحاصر أنطاكية وكان بها أريانوس فأسره وحمله إلى جندى سابور إلى أن فداه على مال عظبم وكان بجبال تكرية بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحظيرة وبها ملك من الجرامقة، يقال له الساطرون من ملوك الطوائف والعرب تسميه الضيرون وعند ابن هشام، هومن قضاعة، وهو الضيرين بن معاوية بن العميد بن عمر بن نخع بن سليخ بن قضاعة فخلف سأبور في غزاته إلى أرض خراسان وعاث في السواد فشخص اليه سأبور عند انقضاء غزاته وحاصره أربع سنين ثم إن ابنته وهي النظيره خرجت إلى ركن المدينة وكانت من أجمل النساء ورأت سابور فعشقته، ودلته على عورة الحصن فدخله عنوة وقتل الضيرن وأباد قضاعة وخرب حصن الحضرة وقال عدى بن زيد في رثائه:

وَأَخُو الْحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ                                      دِجْلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالْخَابُورُ

أَشَادَ مَرْمَرًا وَجلَّلَه كِلْسًا                                         فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وَكُورُ

لَمْ يَهَبْهُ رَيْبَ الْمَنُونِ فَبَادَ                                         الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ

ثم أن سابور عرس بالنظيرة في عين التمرفباتت ليلتها تتضرر في فراشها وكان كله من حرير وذيباج محشو بالخر فإذا أورقة بين لحمها والفراش من ورق الرياحين توذيها فقال لها ويحك ما كان أبوك يغذيك فقالت الزبد والمخ والشهد والخمرة فقال لها لا أحدا حدث عهد أو أقرب ودا من أبيك الذي غذاك بمثل هذا وأمر رجلا فركب فرسا جموحا وعصب عذايرها بذنبه ولم يزل يركضه حتى تقطعت أوصالها وهو الذي ولى
على عرب الحيرة عمر ابن عى جردال المنذر وهلك سابور لثلاثين سنة من ملكه وولى بعده ابنه هرمز ويعرف بالبطل فملك سنة واحدة وهلك وولي ابنه بهرام ابن هرمز وعامله على سائر العرب، إمرؤ القيس الندائن عمر بن عى اللخمى وهو أول من تنصر من ملوك الحيرة ملك مائة وأربعة عشر سنة وكان بهرام حليما حسن السيرة وفي أيامه ظهرما في الزنديق القائل بالنور والظلمة وكان في أيام جدّه سابور أيضا فاتبعه قليلا ثم رجع إلى المجوسية ولما ولي/78/ بهرام جمع الناس لامتحانه فأشاروا بكفره وقالوا زنديق لأن كتاب رزادشت اسمه زندة فعرفته العرب فقالوا زنديق ودخل كل من خالف ظاهر إلى باطن ثم صار في عرف الشرع من يظهر الإيمان ويخفي الكفر ثم هلك لثلاث سنين وثلاثة أشهر من ملكه وولي ابنه بهرام بن بهرام عكف أول أيامه على اللذات وامتدت أني بطانته إلى الرعايا بالجور والظلم فخربت القرى والضياع حتى نبهه المويذان لذلك بمثل وذلك أنه ذهب معه للصيد فسمعا بومتين يتجاوبان في خراب فقال بهرام ليت شعرى هل أعطي أحد لغات الطير فقال الموبذان أنا لذاكرك أيها الملك وأنهما يتجاوبان في عقد نكاح وأن الأنثى اشترطت على الذكران ينقر لها في صداقها عشرين ضيعة من الخراب فقبل الذكر وقال إن دامت أيام بهرام فطعتك ألفا فتفطن الملك وتقيد من غفلته فأشرف على أحوال ملكه وباشرها بنفسه وأصلحها وحسنت أيامه وملك ثمانية عشر سنة وملك بعده ابنه بهرام بن بهرام ومات لأربع سنين من ملكه وولي أخوه قريسي بن بهرام تسعا وكان عدلا وملك بعده ابنه هرمز فسار في آخر أيامه بالعدل ومات لسبع سنين وكان جميع هؤلاء كرسى ملكهم جندى سابور من خراسان ولم يترك هرمز ولدا سوى حملا من بعض نسائه فانتظروه وطمعت فيهم الملوك وكثر فيهم الفساد ولما كبر وأطاق حمل السلاح نهض للاستبداد بملكه وسمي سأبور فأول ما تبدأ به العرب فجهز لهم العساكر وعهد أن لا يبقوا على من وجدوه منهم ثم قاتلهم بنفسه وهربوا أمامه وهو في طلبهم يقتل ويخرب واستباح عبد القيس ثم اليمامة ولم يبق إلاّ من لم يقدر عليه وسكن دارين بالبحرين وبنا مدينة الأخبار والكرخ والسوس وقال السهيلي،  وكان يخلع أكتاف العرب، ولذا يلقب بذى الأكتاف وأخذ عمر بن تميم ابن ثلاثمائة سنة وقال له إنّما أقبلكم معاشر العرب لأنكم تزعمون أن لكم دولة فقال له عمر ليس هذا من الحرم أيها الملك فإن يكن حقا فليس قتلك إياهم يرفعه ويكون قد اتخذت عندهم كي ينتفع بها أولادك وقومك من بعدك فاستبقاه ورحم كبرته وعفا عنهم ثم أنه غزا بلاد الروم، وتوغل/79/فيها وكان ملك الروم حينئذ قسطنطين، وهو أول من تنصر ثم ملك بعده ليانوس وانحرف عن دين النصرانية وقتل الأساقفة وهدم اليبع وجمع وزحف لقتال سابور واجتمعت العرب معهم لثارهم عند سأبور فسار قائده بزهانوس في مائة ألف وسبعين ألفا حتى دخل أرض فارس وأحجم سأبور عن لقائه وأجفل وفض العرب جموعه وهرب في فل من عسكره واحتوى العرب على أمواله وخزائنه واستولوا على مدينة طيسون من مدائن ملكه ثم زحف إليهم سابور بالجنود فاسترد طيسون وقتل ليانوس بسهم أصابه وبقى الروم/ فو/ فوضى وفزعوا إلى بر سانوس القائدان يملكوه فشرط عليهم الرجوع إلى دين النصرانية فقبلوا واصطلح مع سابور على اعطاء الروم لفارس نصيبين في نظير ما أفسدوه لهم فرضي الفرس، وأما ما ينقلوه الاخباريون أن سأبور دخل أرض الروم متنكرا فقبضوا عليه وحبسوه وعشقته ابنة المصراز ملكهم وقد مرض وطلب على شمة من تراب اصطخر وشربة من ماء دجلة فحضر ذلك عنده في أقرب وقت فبرئ ثم إن الروم غزوه ايغزوا أرضه وحملوه معهم في جلد ثور ثم تحيل كاتبه الذي قبض معه وفكه وبعث إلى الفرس فهزموا الروم إلخ.

كل ذلك من أساطير الخرافات وسيرة البطال تشهد العادة بكذبها ثم هلك لاثنين وسبعين من ملكه فهو أطول بني ساسان، مدة وهو الذي بنا نيسابور وسجستان والإيوان المشهور ثم ولى أخوه ازدشير بن هرمز ومات لأربع سنين ثم ولي سأبور بن سابور ذى الاكتاف فأحسن السيرة وكان له حروب مع أياد قال شاعرهم:

على رغم سابور بن سابور أصبحت بنات إياد حولها الخيل والنعم ثم هلك لسبع وولى أخوه بهرام وكان عادلا لإحدى عشر سنة من ملكه وملك بعده يزجرد الأشبح وكان جائرا فظاً غليظا ووزيره دهيرس الحكيم ومات لأحدى وعشرين من ملكه برمح دس له ثم ولي بعده ابنه بهرام ويعرف بجور وكان شب ببلاد العرب، فتكلم بلغاتهم ولما مات أبوه قدم أهل فارس غيره من نسل ازدشير فزحف بهرام بالعرب واستولى وهزم بهرام خافان ملك الترك، وغزا الهند وهابته الملوك وحمل إليه الروم، في سبيل/80/المهادنة وهلك لتسع وعشرين من ملكه وكان مشهورا بالصيد والرماءة والحيا والإعطاء حتى أنه نزل على صيد وناول حصانه لداع فأخذ بعض الحلي من اللجام فلما أتى يركب وقربه له الراعى أغمظ عينيه كان فيهما الغذا وذهب ولم يفضح الراعي ثم ولي ابنه يزدجرد بن بهرام وكان حسن السيرة وهلك لعشرين من ملكه ثم ولي ابنه هرمز ثم أخوه فيروز وكان عاملا على الصفر بمر والروذ والصفرهم الهياطلة، بين خوارزم وفرغانة ثم غزاهم
فقتلوه وأربع بنين وأرجع أخوه وأصاب القحط سبع سنين فأحسن للناس فيها واستولى الهياطلة على خراسان بأسرها وكان قتله لسبع وعشرين من ملكه وملك الهياطلة يقال له الخنشوار والذي استرجع خراسان من يده هو سوحر من نسل منوشهروان فيروز خلفه لما سار إلى الخنشوار على مدينتي الملك وهما طيهون وفهرسير ثمك ملك ابنه يوكاش وكان عدلا وبنا مدينة سابط بقرب المدائن وهلاك لأربع من ملكه ثم ملك بعده اخوه فنادو في أيامه ظهر مردك الزنديق الأبادى الزنديق الذي يقول لا ملك لأحد على شئ وإنما الأشياء كلها لله وباح الفروج وتبعه قباد على اعتقاده فقتلوه وملكوا أخاه جماسب ثم ولي انوشروان ومعناه مجدد الملك كما قال السهيلى وهو ابن قباد بن فيروزبن يزدجرد واسطة عقد بنى ساسان وكان على الأصفهيد وهي الرياسة على الجنود فدوخ المجاورين له من كل جبهة وناحية مثل السند وزابستان وطخرستان ودهستان وآباء أتباع مردك وصلب منهم مائة ألف فدخل عليه فقال له أنت تريد أن تقتل الدنيا كلها فقال له يا ابن الخقا مازال نتن خفيك في أنفي وذلك أن مردك كأن قال لقبادا أبى أنوشروان إن كنت على اعتقادي لاتمنع نساءك من الرجال فأجابه لذلك ولما رأى أنوشروان أنّ أباه أباح نساءه أتى إلى مردك وقبل خفه في أن يعف أمه من الزنا فأجابه لذلك فدسها له أنوشروان وصلبه وأباد الأباحية كلها واستلحم أمة صول والجرامقة ووندال وأحكم بناء الحصون بصور وكمل بناء الأبواب والسور الذي بناه جده بجبل الفتح فبنوه على الأزقاق المنفوخة تغوص في الماء كلما ارتفع البناء إلى أن استقرت بقعر البحر وحينئذ شقت الزقاق بالحناجر فتمكن الحائط من الأرض ثم وصل الصور/81/في البرما بين جبل الفتح والبحر وفتحت فيه الأبواب وبقى كما هو إلى أن خربه الطرطر لما استولوا على بغداد في المائة السابعة من الهجرة ومكانه اليوم في مملكة بنى ذوشيمنان ملوك الشمال قد زحف ملك الترك البرصول بالجنود فامتنع بماحصنه انوشروان والجهة الأخرى بسور الأبواب وأخذ انوشروان في إصلاح السائلة والأخذ بالعدل وافتتح حلب وقنسرين وحمص وانطاكية ومدينة مصر وهرقل واسكندرية وضرب الجزية على القبط، وأدى اليه الخراج ملك الروم وملك الصين ودوخ الخرز وجهز الجيوش وعليهم وهرز سيف بن ذى يزن فملك اليمن وفتح سرنديب من أرض الهند وولى على العرب المنذر ابن ماء السماء في مدينة الحيرة والمنذربن ساوى العيدى على البحرين موضع بين البصرة وعمان ثم زحف إلى الهياطلة فقتل ملكهم واستاصل أهل بيته أخذا بثأره لأنهم قتلوا جده فيروز وجاوز بلخ وأنزل عساكره فرغانة وأثخن في بلاد الروم وهادنه الملوك
كلها وبالجملة فقد أعطي من السعد،  وبلوغ الآمال ومسالمة الدهر ما لايوصف مع زيادة أنه مكرما للعلماء محبا للعلم ذا عدل عظيم حتى أنه أنصف من ابنه خصما وكفي بفخره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال خلقني الله في زمن الملك العادل كما في شرح الخفاجى على الشفا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لاثنين وسبعين من ملكه وذلك عام الفيل وولد عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين من ملكه وفي أيامه رأى الموبذان الرؤيا المشهورة وهي أنه رأى إبلا صعابا تقودها خيلا عرابا فقطعت دجلة وانتشرت في جميع البلاد الخ ذلك فالإبل العجم، ستقودها العرب وتلك الرؤيا ليلة مولده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا انشقاق الإيوان وغصوص بحيرة ساوت وواد السماوة وخمود النيران وتوج هوذه بن علي على اليمامة وأثخن في بنى تميم لماغاروا على عيره وفي أيامه حروب العيماربين كنانة وهوازن قتل فيها العوام بن خويلد والد الزبير رضي الله عنه، وكان إذا ركب يقول له أحد علمائه لست برب ليلا يدخله عجب فيشير برأسه أبى نعم وله تاج عظيم يقال له القنفل وبالجملة فملوك الجاهلية كلهم الحائدين عن الإسلام منذ ملكوا بنى قابل بن آدم لايشبهه أحد منهم ولايفاربه نصرا وقودة وعقلا/82/وتدبيرا ومحبة للعلم والعلماء وتواضعا ومالا وهذا الاسكندر اليونانى على بعد صيته لم يبلغ ما بلغ أنوشروان على أن الاسكندر مدة ملكه اثنتا عشرة سنة ومدة انو شروان ثمان وأربعون سنة وشيء والله أعلم عجيبة غريبه كان يوما في مجلسه بين قومه وإذا بحية قاصدة له في فيها شيء فأرادوا قتلها فنهاهم فألقت ما في فمها أمامه وذهبت فاذاهوبزرفامربغرسه فخرج منه أنواع عجيب منه الورد الأبيض قُلتُ وانظر هذا مع ما للخفاجى في شرح الشفا في مبحث الإسراء أن الورد الأحمر خلق من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم والورد الأبيض من عرق البراق مع ان الاسراء متأخر عن هذه القضية بنحو سبعين سنة ثم ولي ابنه هرمز وكان قصير جدا فقال لأبيه لما عهد إليه من ازبته لا يصلح للملك لقصره جدا فقال لهم وما عليكم منه أنه لن يرى إلاّ جالسا أو راكبا ولما سمع شبابة ملك الترك بموت انواشروان وولاية ابنه هرمززحف له في ثلاثمائة الف مقاتل وملك الخرزالباب وملكت العرب شاطىء الفرات فوهنت مملكة الفرس، وحينئذ بعث قائده بهرام لقتال الترك فقتل شبابة ثم زحف إليه برمودة بن شبابة فهزمه وأسره وبعث به إلى هرمز وبعث معه مائتين وخمسين ألفا من الأحمال من غنيمة الترك فعظم بهرام عنده وغص أهل الدولة منه
حسدا فكثرت فيه السعاية وبلغ الخبر إلى بهرام فخشي على نفسه واتفق الحرازبة فخلعو اهرمز ودعوا لإبنه ابرويز فاستولى على الملك بعد أن سلموا أباه ثم زحف ابرويز المظفر
إلى بهرام ودعاه للدخول في ملكه ويشترط عليه ما أحب فلم يقبل وناجزه الحرب فهزمه بهرام مرارا وأحس ابرويز بالفشل ورجع للمدائن مهزوما وعرض للمنذر ابن النعمان أن يركبه فرسه للنجا فابى وأعطاه حنضلة حسان بن حنضلة فرسه فنجا عليها إلى المدائن وكان أبوه محبوسا فشاوره فأشار عليه بان يقصد موريق ملك الروم يستجيشه فذهب
إليه وعساكر بهرام وراءه إلى تخوم الروم وقد قتل بندى وسبطاع خالا ابرويز أباه في
سجنه فلحق ابرويز وأصحابه إلى أنطاكية وبعث إلى قيصر يستنجده فأجابه وأكرمه
وزوّجه بنته وبعث إليه أخاه في ستين ألفا وسار بالعساكر/83/فانهزم بهرام ولحق بالترك وسار ابرويز إلى المدائن فدخلها وفرق في الروم عشرين الفا ألفا دينار وسرحهم وطمع
ابرويز ملك الترك وزوجته في بهرام حتى دست عليه من قتله غيلة واغتنم لذلك ملك الترك وطلقها من أجله وبعث إلى أخت بهرام ان يتزوجها فأبت ثم أن موريق خلعه الروم
وقتلوه وملكوا عليهم مومى قيصر ولحق ابنه بابرويز فبعث معه العساكر مع ثلاثة من
القواد فدوخ أحدهم الشام وطالب أهل القدس بخشبة الصليب فاخرجوها وبعثوها إلى كسرى ابرويز وسار الآخر إلى مصر والنوبة ففتح ذلك وسار الثالث إلى القسطنطينية
وخيم على الخليج وعاث في مماليك الروم ولم يجب أحد إلى طاعته ولد موريق وقتل
الروم الذي ملكوه وهو مومي لفجوره وملكوا عليهم هرقل فابتدأ بغزو العراق وهزم قواد ابرويز ودخل المدائن ثم رجع وعاقب كسرى جنوده المنهزمين واستقدم شهر براز من خراسان وجهزه بالعساكر وبعث هرقل عساكره والتقيا باذرعات وبصرى فكانت على الروم وسار شهر براز في أرض الروم يقتل ويسبى ويخرب حتى بلغ إلى القسطنطينبة وفي هذا الغلب نزل قوله تعالى : "الم غلبت الروم" أي غلبت الفرس الروم وذاك قبل الهجرة فلما حذف الفاعل صار لفظ الروم مرفوع نائب الفاعل بعد بناء غلبت للمجهول بضم الغين وكسر اللام ثم غلبت الروم الفرس لسبع سنين من ذلك العهد وهو معنى قوله تعال : "وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" وعلى ذلك وقع الرهان بين أبى بكر رضي الله عنه، وأبي بن خلف الجمحى القرشى أنظر التفاسير وابرويز هو الذي قتل النعمان بن المنذر آخر ملوك الحيرة من آل صحرق اللخمى بسعاية عدى بن زيد العبادى بكسر العين وتخفيف الباء لان النعمان قتل اباه زيدا فلما ولي عدى كتابة الديوان لابرويز سعى به مع ما تقدم له في هزيمته من بهرام وخطبة ابرويز أخته فابى وقال في
مهى السواد كفاية فقال عدى لابرويزبل قال في بقر السواد كفاية فأشخصه وأوقف ألف امرأة من أحسن النساء زينة وجمالا وقلن للنعمان أنت القائل في بقر السواد كفاية فتيقن بالقتل فرمي تحت أرجل الفيلة فطحنته وبسببه كانت وقعة قار بعد بدر بشهرين وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام أبرويز لعشر سنين من ملكه/84/وفي آخر سنة من ملكه كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الحديبية مع عبد الله بن حذافة السهمى يدعوه إلى الإسلام كما في صحيح الإمام البخارى فمزق ابرويز الكتاب وقال يقدم اسمه على اسمى وهو عبدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مزق كل ممزق فكان كذلك وقد قال للرسول لستم خير من بني إسرائيل وليس فرعون الذي ملكهم خير مني ما افصحه قاتله الله وقد بلغ ملكا عظيما حتى بلغت جنوده إلى إفريقية وكان يشتي بالمدائن ويصيف بهمدان عجيبة غريبة قال ابن خلدون، كان لابرويز اثنتا عشرة ألف امراة والف فيل وخمسون الف دابة وبنا بيوت النيران واقام فيها اثنا عشرالف برمك أي وكيل ومنهم جد البرامكة وزراء هارون الرشيد، وجمع من الأموال ما لم يجمعه ملك كانت جبايته أربعمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف وكان هناك أموال آخر لجده أنوشروان ثمانية وأربعون ألف ألف مثقال إلى غير ذلك من صنوف الجواهر والطيوف والأمتعة والآنية التي لا يحصيها إلا الله تعالى ثم بلغ من عتوه انه امر بقتل المسجونين وكانوا ستة وثلاثين الفا فنقم عليه أهل الدولة واطلقوا ابنه شيروية وكان محبوسا مع أولاده كلهم لانذار بعض المنجمين له بأن بعض ولده يغتاله وجمعوا له الذين امر بقتلهم ونهض إلى قصور الملك فملكها وحبس أباه فلم يرض أهل الدولة الأبقتله فقتله لثمان وثلاثين من ملكه وذلك سنة سبع من الهجرة وجاءته اختاه بوران وأنذر ميدخت فاغلظتا له فبكى ورمى بالتاج وهلك لثمانية أشهر من موت أبيه في طاعون هلك فيه نصف الناس او ثلثهم وكان ملكه لسبع من الهجرة وكتابته لبذان أمير اليمن بقتل أبيه هي سبب اسلامه وفي  بعض شراح الإمام البخاريان ابرويز لما حس بقتل ابنه له جعل سما في قارورة وكتب عليها هذا يصلح للبادة أي الجماع ففتش شيرويه خزائن أبيه، وفي الشهر الثامن ظفر بتلك القارورة، وكان مشغوفا على الجماع؛ فاستعمل ذلك فمات. فيقال أب وابن كل منهما قتل الآخر والقول الأول لابن عجيبة أدبية واتفاقية غريبة وذلك أن المنتصر أغرى عبيد أبيه الأتراك مثل بغا واسناس والافشين وغيرهم على قتل أبيه الخليفة المتوكل، /85/ابن المعتصم بن هارون الرشيد فقتلوه ليلا وقتلوا وزيره الفتح بن خاقان وبايعوه بالخلافة فبعثت إليه أمه بساطا مستغرق القيمة وإذا فيه مكتوب بالفارسية هذا بساط شيروية الذي قتل أباه ومات بعده لثمانية أشهر، فتطير به وأمر بقسمته على جنده فمن أخذ منه قطعة كفنه ثم إنه بقي بعده ستة أشهر ومرض فمات، وقبيحه هذه هي جارية ولكن برعت في الجمال وابهرت العقول في الحسن والكمال سميت بضد صفتها لا مراريد لهان قال: ثم أن الفرس ولوا ابن شيرويه[79] وهو ازدشير[80] ابن سبع سنين حين لم يجدوا سواه لأنّ جده ابرويز قتل المرشحين للملك كلهم من بيوت الملك، وكان شيروية يعلمه الحكمة التي نقلها عن شيخه بزرجمهر الحكيم وكان ابرويز أمره بتعليم أولاده الحكمة ومن العجب أن ابرويز دعا ابنه شيروية هذا يوما يختبره عن الحكم التى علمها له شيخه بزرجمهر المذكور فقال له ما لذة ساعة فقال له شيرويه : الجماع ثم قال له وما لذة يوم قال له دخول الحمام ثم قال له وما لذة جمعة قال غسل الثياب ثم قال له وما لذة شهر قال لبس الجديد ثم قال له وما لذة سنة قال تزويج الأبكار ثم قال له وما لذة الأبد فقال له أما في الدنيا فمجالسة الإخوان وأما في الآخرة فنعيم الجنة، فقال له أبوه وما الجنة قال له أخبرني شيخي يبعث الله الناس من قبورهم فيسكنها السعيد أبدا خالدا لايموت ولا يفنا قال فتعجب أبوه منه وتوجه وقال معاوية بن أبي سفيان تأمرت عشرين سنة وعشرون خليفة وملكت كل شيء إلا مجالسة الإخوان وكفل الملك الصبي ازدشير الصبي مهيار وفوضت الأمور إليه ولما لم يشاور الفرس في ذلك شهربراز في ذلك غضب وكان في حأمية في تخوم الروم فبسط يده في القتل وطمع في الملك وأقبل إلى المدائن فتحصن منه مهيار بن رجسيس وحاصرها ثم داخل بعض العسس فدله على عورة فسلكها وقتل العظماء وأخذ الاموال وفضح النساء وقتل ازدشير الملك لسنة ونصف من ملكه وملك شهربراز ولم يكن من بيت الملك، وقد غضب لقتل ازدشير جماعة من أعيان الدولة فيهم زادان[81] وتعاقدوا على قتل شهربراز وكانوا يقفون على عادتهم في المشاهد والمواسم /86/ صفين وقد مر بهم شهربراز وهم متسلحون فلما حاذاهم طعنوه فقتلوه ثم ملكوا أبوران بنت ابرويز وولت أمرها إلى قاتل شهربراز من الحرس وهو سفروج الاصطخري ورفعت ورتبته وأسقطت الخراج على الناس وأمرت بضرب السكة وردت خشبة الصليب على الجاثليق وهلكت لسنة وأربعة أشهر من ملكها لأنّ أخوها ملك منهم من القدس ولمّا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بملكها قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امراة".

لطيفة لما سارت الناس إلى عائشة رضي الله عنها في وقعة الجمل كان فيمن أراد نصرها الأحنف بن قيس، المنقرى ثم التميمي، فلقيه أبوبكرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له هذا الحديث فأمسك عن جوابه انظر الشيخ قوسيم على رجال الشفا ثم إنّ عليّا رضي الله عنه هزم أصحاب الجمل كما هو معلوم ثم ملكوا إخشنشر من عمومة إبرويز الأبعدين فملك أقل من شهر ثم ملكوا أزرميدخت بنت أبرويز من أعظم نسائهم، وكان عظيم فارس حينئذ أبوقهر فأرسل لها في التزويج فقالت له: حرام على الملكة التزويج ثم قتلته وأقبل ابنه وحصد المدائن وقبض على الملكة وسملها وقتلها لستة أشهر من ملكها وملكوا رجلا من نسل ازدشير بن بادان وقتل الأيام ثم ولوا رجلا من بيوت الملك وجدوه بميسان اسمه فيروز ثم خلعوه وقتلوه ثم استخرجوا ابن كسرى فملكوه ثم قتلوه لأيام ثم أن أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن إبرويز فملكوه وأقبلوا به إلى المدائن وقتلوا فرخر أخسر لسنة من ملكه واستقل يزدجرد بالملك وتوزر رستم بن جستان وهو الذي تولى حرب القادسية لما وجه عمر بن الخطاب سعد بن أبى وقاص بالجنود لحرب يزدجرد وبتلك الحروب قتل رستم وانهزمت الفرس، وإلى الصحابة رضي الله عنهم الهزائم عليهم وهرب يزدجرد إلى حلوان وتبعه الصحابة ثم هرب لاقصى العراق ولما توفي عمر بعث له عثمان رضي الله عنه الأحنف بن قيس وأبا موسى الاشعرى فهرب لمر وقاعدة خراسان وكان له منجم في زمن ملكه وهنا به أنك تحتاج أربعة دراهم فلم تجدها فاستبعد ذلك ولمااستقر بمرو بعث إلى نيروك ملك الترك، فأتاه في ثلاثين ألفا ثم بعث له أن يزوجه بنته فأبى واستنكف فخذله ولما ضايقوه الصحابة رضوان الله/87/عليهم إلى بيت طحان واختفي فقال له ذلك الطحان أدى أربعة دراهم استر عليك فلم يجدها فدل عليه فقتل لنيف وعشرين من ملكه وبه انقرض ملك آل ساسان، وأورث الله المسلمين ذخائرهم وأرضهم وبناتهم وكان ملوك بنى أمية كثيرا ماتستر وأمنهم وأن يزيد بن الوليد بن عبد الملك، أمه منهم وكان كاهن قال لعبد الملك إذ أولى منكم ابن أمة خرب ملككم فكان كذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق الله أكبر قد أعطيت كنوز كسرى وقيصر وقال أيضا كما في صحيح البخارى لا كسرى ولا قيصر وستأتي تتمة لهذافي موضعه إن شاء الله تتمات الأولى وإن ملوك الساسانية هؤلاء كانوا في تكبّر وأَنَفَةٍ وشماخة وظنوا أن الدنيا إنما خلقها الله لخدمتهم وذلك لعظمة ملكهم ونقص رأيهم قال الشيخ على بن ثابت في شرح البردة كان يظن الناس أن ملكهم قمر وملوك الأرض كواكب وفي القسطلانى أن كسرى كان أكبر ملوك الأرض وكانوا يهادنوه ويهادنوه، وقال في مبحث الجزية لم يكن في زمانه ملك أكبر منه ولما مزق إبرويز كتاب النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقدم اسمه على اسمي وهو من جملة عبيدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمزيق ملكه كما مر ثم أنه كتب إلى باذان عامله على اليمن أن أشخص إلي هذا الرجل الذي يدعى النبوءة فبعث باذان رجلين من الفرس بانوه وجدميرة القهارمة وذلك سنة سبع فاتيا النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا أن كسرى أمر عامله باذان أن يأتي بك فإن ذهبت معه يكرمك ويؤمرك ويردك لبلادك وأن أبيت يهلكك ويخرب بلادك فقال النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما إلى غد فتركا عند بعض الأنصار وأتوه من الغد فقالا وعدنا فقالا لهما قولا لينا قولا لباذان أن ربي قتل ربك البارحة ليلة الثلاثاء بتسليط ابنه شيرويه عليه فقالوا عنك فقال عنى فانقلبا إلى باذان وأخبراه فقال سانظر فلم يكن إلا قليل حتى ورد كتاب شيروية على باذان أني قتلت أبي ليلة كذا لما استحل من قتل اشراف الفرس فخذ بالطاعة لي على أهل اليمن والأبناء وأن الرجل الذي كتب لك أبى عليه فامهل حتى يأتيك أمرى عليه فتيقن باذان بالحق والصدق فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه من الأبناء من الفرس ومن تكبرهم/88/ واستنكافهم وإباية نفوسهم أن سعدا رضي الله عنه لما أمره عمر رضي الله عنه وزحف لهم بالجنود ولما نزل القادسية بعث جماعة من الصحابة لكسرى وهو يزدجرد المتقدم الذكر يدعوه للاسلام أو الجزية أو الحرب فلما فسرله ترجمانه الجزية أمر بجراب كبيران يملئ ترابا فأتى به مرزبانه فقال يزدجرد من كبيركم فقال المغيرة بن شعبة، أنا فقال له أحمل هذا الجراب واديه[82] لصاحبك فحمله على عاتقه وذهب هو وأصحابه فلما انفصلوا من المدائن قال لهم المغيرة ابشروا بالفتح هذا فال عظيم للأرض نملكها إذا شاء الله وكذا فهم عمرلما بعثواله بذلك الثانية اعلم أن كل دولة يدخلها الاضطراب والتبدل من بيت إلى بيت عدا دولة الفرس فهي من أول ملوكهم كيومرت مسلسلة في عقبه من الدول
الأربع إلى يزد جرد هذا مدة أربعة آلاف سنة ونيف إلاّ ما تخلل الدولة الأولى من شأن الضحاك كما مرحتى أن الاسكندر لما غلبهم ولىّ عليهم من بيوتاتهم كما تقدم الثالثة قال الطبري فجميع سنين العالم من آدم إلى الهجرة عند اليهود، أربعة آلاف سنة وستمائة واثنان وأربعون وعند النصارى، في توراة اليونانيين، ستة آلاف سنة غير ثمانية سنين وعند الفرس آربعة آلاف ومائة وثمانون وعند مؤرخي الإسلام مثل سابق بن سليمان المطماطي وغيره بين آدم ونوح الفي سنة وكذا بين نوح وإبراهيم وكذا بين إبراهيم،  وعيسى ونقله الطبري عن ابن عباس.

قال ابن خلدون، وروي عن سلمان الفارسي أن الفترة التي بين عيسى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وفي الحديث بعثت أول آلاف السابعة بمعناه التتمة الرابعة الفرس، أجمل الناس لسكناهم بالعراق معتدل الأرض فسلموا من بلغة الروم، وسمرة أهل اليمن منهم شيرين بنت كسرى الذي لا نظير لها في عصرها وقد وصفها الحريري بالجمال في المقامة التبريزية ولم يوصف امراة بالجمال غيرها ومنهم الملكات كجمانى أم دارا الأكبر وووهان وجوران وزرميدخت وتقدم الكلام عليهن مفصلا الخامسة سقط ليلة مولود النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيوان اثنا عشر شرافه وانصدع فبعث أنواشروان المار للكهان فأخبره عبد المسيح بن بغيلة الغساني /89/أن علم ذلك عند خاله سطيح المشهور بالشام فبعثه إليه فوجده مشرفا على الموت فقال عند رأسه عبد المسيح جاء على جمل مشيح إلى خاله سطيح وقد أشفي على الضريح ثم قال له أرسلني إليك ملك بني ساسان، لانصداع الإيوان ورديا الموبذان وخمود النيران قال فرمقه بعينيه، وقال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة فليست الشام لآل سطيح شاما ولا العراق لآل ساسان عراقا يملك منهم ملوكا وملكات وذلك على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت ولما وصل عبد المسيح إلى أنوشروان وقص عليه ذلك فتغرأ أي تصبر وقال إلى أن يملك منا اثنا عشربدور الزمان فملك اثنا عشررجلا وامراتان كما مرقال ثم انقضى ملكهم أجمع والملك والبقاء لله وحده لاشريك له السادسة اعلم ان دول الفرس هي أعظم دول الخليقة وأطول مدة وهم أول الملوك كما مروهم العجم، حقيقة فسادوا الناس بضخامة الملك والعز  والترف ولما ذهب ملكهم وركد ريحه وخبت مصأبيحه سادوا الناس بالعلم والورع والزهد وكفي بالصحبة التي هي أعلى المراتب فسلمان بلغ قاصيتها وملك ناصيتها حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت ولما نزل قوله تعالى : "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو كان هذا الدّين منوطا بالثريا لناله رجال من رهط هذا، وأشار إلى سلمان قال القرطبي، وقد ظهر ذلك في العيان فانه ظهر فيهم الدين وكان وجود ذلك فيهم دليلا من أدلة صدقه عليه السلام.

وأمّا في الزهد فهم أفضل الزهاد كإبراهيم بن أدهم من بيوت ملوكهم وشقيق البلخي ومعروف الكرخي وغيرهم مما لايحصى رضي الله عنهم ونفعني وذريتي ببركاتهم بعد ولا ينضبط بحدو الكرخي بسكون الراء أبو محفوظ بن فيروز، يستشفي بقبره قال أبو عبد الرحمان الزهري، من قرأ عند قبره الإخلاص مائة مرة قضيت حاجته، وأمّا الصوفية أهل طريق القوم فإمامهم الجنيدي أبو القاسم، وهو فارسي وخاله سرى السقطى ومنهم أبو يزيد البسطامي وهو طيفور بن عيسى بن شروان من عرف اسمه دخل الجنة وأما النحويون فإمامهم سيبويه وهو عمر بن عثمان الفارسى مولى لبني الحارث بن كعب، وابن درستويه الجواد الذي لا يشق غباره فيه مع ورع زائد حتى أنه يكلمه الملك/90/في اليقضة وقبره بنيسابور يستجاب الدعاء عنده وأما الفقهاء أهل المذاهب المرضية فإمامهم أبو حنيفة وهو النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه الفرسي حتى أن الإمام الشافعي وغيره قالوا الخلق عيال على الله في القوت وعيال على أبى حنيفة في الفقه وأما اسحاق بن راهوية الذي أحيا السنة بالمشرق فتميمي حنظلي وراه هو بالفارسية وأما الحديث فهل للبخاري نظير في الأمة وهو محمد بن إسماعيل بن المغيرة ابن بردزبه الفارسي أمير المؤمنين في الحديث وكذا تلميذه الفربرى وشيخ شيوخه الأعمش وهو سليم بن مهران ومنهم طاوس وكان يلقب ياقوتة أهل الحديث ومنهم ابن ماجة، المشهور أصله من قزوين وأما اللغة فلما استعربوا حازوا قصب السبق فيها ولا سيما ابن فروخ عبد الله على وزن تنوروابن المثنى وغيرهما وأما القراء فعبد الله بن كيسان المكي ومنهم الكساءى وأصله من أصبهان، وأما الأدب فالحريري بديع الزمان وغيرهما إنما اقتدوا فيه بابن فارس.

وأما الجود والشجاعة فلا أحد يداني في ذلك يحيا بن خالد بن برمك وأولاده جعفر والفضل ومحمد وكفي بيرمك هذا بضم الميم كان من وكلاء نار فارس التى يعبدونها لأنّ برمك بالفارسية هو وكيلها. وأمّا العدل فلا ملك من ملوك الجاهلية يشق فيه غبار أنواشروان وإن كان على مجوسيته وعبادته للنار وله في ذلك أخبار مروية وكذا تواضعه
كما مر وكفى قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت في زمن الملك العادل وأما الحكمة ففيهم حكماء يضاهون حكماء اليونان كبزرجهتر المتقدم الذكر وجماسب وغيرهما والملك. فانظر فيما مرّ، ما اجتمع لابرويز منه ما يحير فيه العقل إلا أن النبوءة لم يبعث فيهم نبيء سوى ابن مهدم وزرادشت على ما قيل لكنهم من صميم أولاد سام، وهو أبو الأنبياء دون حام ويافث، ولذا وجد في حجر باليمن لمن ملك ذمار للفرس الأحرار، وقال أمية بن الصلت في سيف بن ذى يزن الحميرى.

حتى أتى ببني الأحرار تقدمهم                                مخائل قد جرت في الأرض أحبالا

السابعة في خزائنهم وقد تقدم ما في خزانة أبرويز ونقل عن أهل التاريخ أنه/91/كان في القصر الأبيض لكسرى ثلاثة ألاف ألف ألف ألف ثلاث مرات غير الأمتعة، ولما مر منهزما حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال وترك النصف فأخذه المسلمون فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا والمراد بكسرى هذا يزدجرد المقتول بمروره.

قلت فانظر هداك الله بإنصاف هل هذه المزايا اجتمعت في الروم، أو البربر، أو الحبشان أو اليونان أو السقالبة أو الهياطلة، أو بني إسرائيل لكن بنو إسرائيل انفردوا بالنبوءة دون الفرس، والنبط والقبط والخزر والترك أو رهيل أو غيرهم من أجناس العالم قلت وإن كان بنو إسرائبل أكثر أنبياء فقد تسلّط ملوكهم عليهم بالقتل بغير حق كمااخبر القرآن ولما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اليهود، اشد بغضا له فانحطت رتبتهم وقال تعالى :"وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله" وبسبب قتلهم أنبيائهم سلط الله عليهم بختنصر وسخاريب الأكبر والأصغر حتى ان طيطش الرومي أباد ملكهم فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك بما عصوا ومع ذلك كانوا يعبدون الله ولما حج عبد الملك بن مروان، سنة خمس وسبعين من الهجرة وقد اجتمعت عليه العرب، فقال يا معشر العرب انظر إلى الفرس المجوس، عباد النار كانوا في مجوسيتهم الأعظم الأمم ملك وأكثر مالا حتى ظنوا أن الله إنما خلق الخلق لخدمتهم فقط وقال الحكماء ملك الفرس قمر وسواه كواكب ولما انمحى ملكهم ودخلوا في الإسلام كان عالمهم أكبر العلماء وزاهدهم[83] أكبر الزهاد ما هذا الأعجب عجاب/العجاب/وقد ذهب هو وأولاده الأربعة الذين تولوا الخلافة بعده وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام إلى عطاء ابن أبى رباح لما قدموا مكة من الشام للحج يعلمهم مناسكه فلما فرغ قال ليم تعلموا العلم فو الله اني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود وكان عطاء مولى أسود أعرج أعور أفطس أصلع ومع ذلك قيل لأهل مكة لما مات كيف كان عطاء فيكم
قالوا مثل العافية فإنه لا يعرف فضلها إلا إذا فقدت، انظر أين بلغ العلم بالرجال. قلت : ولذا كانت الشعوبية تفضل العجم، الذين من جملتهم الموالى على العرب حتى أنهم سموا صاحب هذا المعتقد شعوبى/92/منهم أبو عبيدة اللغوي وهو معمر بن المثنى،  معاصر الأصمعي وألف في ذلك كتابا وقد ألف ابن قتيبة، كتابا في فضل العرب وكذا الإمام الحافظ السيوطي، كتابا سمّاه نيل الأرب في فضل العرب وبعضهم سمى ما ألف نيل الإرب في محبة العرب إلاّ أن الموالي أكثر منهم واكثرهم بلغ النهاية في العلم والزهد والورع العظيم. كما حكى ابن أبي ليلى، معاصر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما قال سألني عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عمن هوفقيه البصرة قلت له الحسن ابن ابى الحسن البصري ومحمد بن سيرين قال فماهما قلت من الموالي قال فمن فقيه مكة قلت عطاء بن أبي رباح، ومجاهد وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار قال فما هؤلاء قلت من الموالي قال فمن فقهاء المدينة قلت زيد بن اسلم ومحمد بن المنكدر ونافع بن أبي نجيح قال فما هؤلاء قلت موالي قال فمن هو فقيه مصر قلت ربيعة، ابن أبي عبد الرحمان وأبو الزناد قال فما كانا قلت من الموالي قال فمن كان فقيه خراسان قلت عطاء بن عبد الله وابن المبارك قال فما هما قلت من الموالي فتغير لونه ثم قال فمن فقيه الشام قلت مكحول وعمر مولى عتبة قال فما مكحول قلت مولى فتنفس الصعداء ثم قال فمن كان فقبه الكوفة قال فوالله لولا خوفه لقلت له الحكم بن عتبة، وحمادبن أبي سليمان وأبو حنيفة ولكنى رأيت في وجهه الشر فقلت له إبراهيم،  النخعى وعامر الشعبي،  قال فما كانا قلت : عربيان قال الله أكبر وسكن جأشه، وأمّا الفقهاء السبعة فما فيهم مولى إلا سليمان بن يسار، وأما القُراّء السبعة فكلهم موالي عدا بن عامر وأبي عمرو بن العلا والذي في آخر شرح الفقيه العراقى أَنَ السائل عبد الملك بن مروان والمسؤول الزهرى وهو الصواب لأنّ هؤلاء الفقهاء في زمن بني أمية، لا في زمن بني العباس، من ابن المبارك، ثم قال له عبد الملك: لستم من الموالي على العرب حتى يخطب لهما على المنابر والعرب تحتها وهذا من عبد الملك فراسة أو بلغه عن أهل العلم أو أهل الكتاب.

الخبر عن ملوك الغوط ودولة هذه الأمة

من أعظم الدول العظيمة القديمة وكانوا يدعون قديما السيسيين نسبة إلى أرضهم الأولى بين الفرس، ويونان وهم إخوة يونان الصين من ولد ماغوغ بن يافث وكانت لهم مع السريانيين حروب عظام على عهد الخليل عليه السلام، وحاربوا الفرس ثم غلبهم الاسكندر وصاروا في مملكته ثم غلبهم القياصرة، ولما فشل ريحهم برومة زحف إليها القوط وملكوها عنوة واستباحوها ثم خرجواعنها بعد حروب كثيرة وكان أميرهم انظرتك ثم صالح الروم، على أن يكون له ما يفتح من الأندلس لما ضعف أمر الروم عنه ولحق به القلنشد من القريقيين وباسم القلنشد سميت الأندلس وكان قبلهم بها الأرباريون من ولد طوال بن يافث إخوة انطاليس سكنوها بعد الطوفان ودخلوا في طاعة الروم إلى أن دخلها هؤلاء واقتسموها فكانت جليقة لقلنشد واشبونة وماردة وطليطلة و/مطرتي/ للشوانس وهم من أشرفهم واشبيلية وقرطبة وجيانة وطالقة لريقلش حتى زحف اليهم القوط من رومة واتصل ملكهم بالأندلس إلى أن أخذها منهم المسلمون لعهد الوليد بن عبد الملك، على يد طارق، من ابن خلدون، وفي نفح الطيب أن الأندلس كانت للأفارقة ودار ملكهم طالقة الخراب اليوم على يد اشبان بن طيطش الرومي وبنا اشبانية وهي اشبيلية ثم غلب هذاالاسم على الأندلس عند العجم، وطيطش هو الذي فتك باليهود ومن عهده لم تقم لهم قائمة والله اعلم.

الخبر عن القبط، وأيامهم

/115/هذه الأمة من أعظم أمم العالم وأطولهم أمدا بملك مصر ملكوها من أول الخليقة وربما غلب عليهم من عاصرهم من الفرس، واليونان والروم ثم يتقلص ظلهم فيراجع القبط، ملكهم وكانوا قديما يسمون الفراعنة، ثم تغير هذا الاسم كما تغيرت السريانية إلى الرومية ونسبتهم في المشهور إلى بيصر بن حام بن نوح وليس في التوراة ذكر بيصر قال المسعودى اختص بيصر بن حام أيام النمرود ابن اخيه كنعان بولاية مصر واستبد بها ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لابنه مصر فاستحفل ملكه ما بين أسوان والعريش وائلة وبرسية فسميت كلها أرض مصر نسبة إليه في قبلتها النوبة وفي شرقها الشام وفي شمالها بحر الزقاق وفي غربها برقة والنيل ولما مات مصر بعدما ملك أربعمائة سنة ولم يهرم ولم يسقم ثم ولي أكبر ولده وهو قبط أبو الأقباط ثم ابنه فقط بن قبط وفي أيامه زحف شراد بن مداد بن هواد بن شداد بن عاد، إلى مصر وغلب على أسفلها ومات فقط في حروبه فاستولى الملك ابنه ارتيب فاستظهر بالسودان والبرابر على العرب، حتى أخرجهم من الشام وبنى المدينة المنسوبة اليه ومدينة عين شمس ثم مات وملك بعده ابن أخيه البودشير بن فقط وهو الذي بعث هرمس إلى جبل التمر فرتب جرى النيل وعدل البطحة الكبرى التى تنصب فيها عيون النيل وعمر بلاد الواحات ثم ملك بعده ابنه عديم ثم ابنه منارش وعبد البقر وصورها من الذهب ثم أخوه أشمين وهو الذي بنا مدينة الأشمونيين ثم ملك بعده ابنه أشاد ثم عمه صاثم ابنه ندراهم وكان حكيما وهو الذي بنا هيكل الزهر/الزهد/الذي هدمه بختنصر بعد ذلك وملك بعده ابنه ماليق فرفض الصابية ودان بالتوحيد ودوخ البربر، والأندلس ثم ابنه حربيا فرجع من التوحيد إلى الصابية وغزا بلاد الهند والسودان والشام وملك بعده كلكن وهو الذي يقال له حكيم الملوك واتخذ هيكل زحل ثم قتله ابنه طرطيش وكان سفاكا للدماء وهو فرعون خليل عليه السلام وهو أول الفراعنة ثم سمته ابنته حوريا وملكت القبط فزحف اليها ابن عمها اتريب فهزمته واستظهر بالكنعانيين من الشام فبعث معه ملكهم قائده حيرون فطمعته حوريا في زواجها فلما اتصلت بقتلته واستقام لها الأمر وبنت منار الإسكندرية وعهدت بالملك/116/لدليقة بنت عمها يموم فخرج عليها أيمن من نسل اتريب واستظهر بملك العمالقة، يومئذ وهو الوليد بن دوفغ، فجاء به فملك الوليد ديار مصر واستبعد القبط ثم ملك بعده ابنه الريان وهو فرعون يوسف عليه السلام،  وسمته القبط نقراوش فاشتغل باللذات ثم تولى بعده ابنه ظفير فدبر له يوسف الفيوم بالوحي وكانت أرضه مغائط بالماء فأخرجه وعمر القرى مكانه عددأيام السنة فجعله على خزائنه وملك بعده ابنه دارم وكان يوسف هو الذي يدبر أمره بوصية أبيه وقبض لعهده فاساء السيرة بعد يوسف ومات غريقا في النيل ثم ملك ابنه معدانيس فترهب ثم ملك ابنه كاشم وهو الذي استبعد بني إسرائيل للقبط فقتله حاجبه ثم ملك لاطيش بن ندراس فتجبر وتذكر القبط أنه هو فرعون موسى والبعض يقولون هو الوليد بن مصعب وكان نجارا ثم ولي الوزارة ثم استبد بالملك قال ابن خلدون، وهذا بعيد ثم لما هلك هو وجنوده في البحر وخشي القبط من ملوك الشام ملكوا عليهم دلوكة ببنت ريامن بيت الملك وهي التي بنت الحائط على مصر وأرضه ويعرف بحائط العجوز وهي التي اتخذت مقاييس النيل بعد يوسف مقياس بانصنان وأخر باخميم وذكر المسعودي، بعدها
ثمانية من ملوكهم وقال في الثامن أنه فرعون الأعرج الذي أجاز بني إسرائيل من بختنصر فقتله بختنصر وهدم هياكل الصابية ووضع بيوت النيران وله ولولده ذكر في تواريخهم قال ابن عبد الحكم، وهذه العجوز هي التي أرسلت لترورة امرأة ساحرة فعملت براية من حجارة وسط مدينة ميف وصورت فيها الحيوانات كلها فلا يقع شيء بتلك الصورة الاوقع مثلها في الخارج قال الإمام السيوطي، رحمه الله في حسن المحاضرة فصورت في ذلك صور أدميين فما رات امة غزت مصر إلا قابلت لها تلك الصور فإن فقيت عيونا من الصورة بقي مثلها من أولئك القوم أو قطعت أيدي قطع مثل ذلك منهم أو ضربت عنق مصور ضرب عنق من أولئك وهذا أحد العجب، البخاري فكان لهم امتناع من الأمم بذلك وأقامت دلوكة عليهم عشرين سنة حتى بلغ صبى من أنبيائهم اسمه حمدكور فملكوه ثم بعده ابنه يودلس ثم أخاه لقماش ثم مرمينا ثم استمارس ثم قتلوه/117/وولوا من أشرافهم يغوطس أربعين سنة ثم ابنه مانوش ثم أخاه مناكيل ثم ابنه بوله مائة سنة وعشرين وهو الذي سبا أهل بيت المقدس ثم ابنه مرينوس ثم ابنه فرقور ستين سنة ثم أخاه نقاس وكانت البرايا كلما فسد منها شيء لا يصلحه الأرجل من نسل تلك العجوز الساحرة ولما انقطعت ذريتها فسدت البرايا وذلك أيام نقاس هذا ومن حينئذ تجاسر الناس على مصر ثم ابنه نومس ثم ملك بختنصر بيت المقدس واستلحم بنو إسرائيل فلحقوا بمصر فاجارهم قومس فبعث فيهم بختنصر فمنعهم فزحف اليه فتلقاه وتحاربا حربا شديدا فقتله بختنصر وخرب مدينة الصعيد وبقيت مصر خرابا مدة أربعين سنة وسكنها أرمياء النبيء ثم بعث له بختنصر فلحق به ثم ردّ أهل مصر إلى مواضعهم واقاموا على ذلك ما شاء الله إلى أن غلبوا الروم والفرس على سائر الأمم وقاتلوا أهل مصر إلى أن وضعوا عليهم الجزية و تقاسماها بينهم إلى أن محا ذلك الإسكندر اليوناني، وبنا الأسكندرية والآثار التي خارجها مثل عمود الصوارى ورواق الحكمة قال ثم غلبت الروم، على مصر والشام وصار ملك القبط على أمرهم ونهيهم إلى أن جاء الإسلام فأرسل رسول الله زهادهم إلى المقوقس القبطي يدعوه إلى الإسلام إلى أخر القصة واخرج مسلم في صحيحه من رواية أبي ذر الغفاري أن النبيء زهادهم قال إذا افتحتم مصر وأنكم ستفتحون مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحمه وصهرا الرحم من هاجر والصهر من مارية و بمهلك المقوقس انقرض من القبط وبقي اعقابهم يستعملهم أهل الدولة الإسلأمية في استعمال الخراجات وجبايات
 الأموال لكفايتهم في ضبطها وتنميتها وقد يهاجر بعضهم إلى الإسلام فترفع رتبته عند السلطان وعامتهم مقيمون على دين النصرانية واكثرهم بنواحي الصعيد وسائر الأعمال يحترفون بالفلاحة والله غالب على أمره وكانت مدينة ميف وعين شمس يجري الماء تحت منازلها وافنيتها بتقدير معلوم ذكر ذلك عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم ومدينة عين شمس كانت هيكل وكانت فيها من الأبنية والأفنية والملاعب ماليس في بلد وفي مكانها لهذا العهد ضيعة متصلة/118/بالقاهرة يسكنها أنصارا من القبط تسمى المصاية ومدينة منف مدينة الملوك قبل الفراعنة وبعدهم إلى أن خربها بختنصر في دولة قومس وكانت منزل فرعون وكان لها سبعون بابا وبناء حيطانها بالحديد والصفد/الصفر/ وكان أربعة أنهار تجري تحت سريره قال أبو القاسم ابن خردادية كان طولها اثنا عشر ميلا وكانت جباية مصر تسعين ألف ألف دينار بالدينار الفرعوني وهو ثلاثة مثاقيل ويقال أن مصر الذي سميت به هذه الأرض كان مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة وهو جد أبيه أن مصر بن بيصر ابن حام بن نوح عليه السلام،  فدعا له نوح فأسكنه الله هذه الأرض الطيبة وجعل البركة في نسله وكان أهلها صأبية ولما غلب عليهم الروم حملوهم على النصرانية كما حملواالامم المجاورون لهم من الجلالقة والصقالبة وبرجان والرس والقبط والحبش والنوبة والفرنج فدانوا كلهم ورجعوا على دين الصابية في تعظيم الهياكل والله اعلم.

الخبر عن ملوك الموصل ونينوى

اعلم أن ملوك الأرض بعد نوح كان لكنعان بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام،  ثم لابنه نمرود من بعده وكانوا على دين الصابئة وإن بني سام موحدون ووقع في التوراة نمرود بن كوش ولم يقع فيها ذكر كنعان وقد خرج عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح على النمرود فغلبه النمرود فصار إلى الموصل وبنا به مدينة المجدل ثم بعد موته قام بأمره فالغ وأصاب نمرود على عهده ما أصابه ثم كانت البلبلة وهي مشهورة وقد وقع ذكرها في التوراة قال ابن خلدون، ولا أدري معناها وقيل إن الناس باتوا على لغة واحدة فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم وقال ابن سعيد، أن سوريان بن نبيط ولاه فالغ على بابل فانتقض عليه وحاربه ثم حارب/119/ابنه ملكان بن فالغ بعد موت أبيه فغلبه سوريان على الجزيرة فملكها وكان الجرامقة، بنو جرموق بن شور بن سام إخوانه في النسب وكان ابن أخت سوريان منهم الموصل ابن جرموق لأن سوريان الجزيرة وأخرج بني عابرمنها ولحق ملكان بن فالغ بالجبال فأقام هنالك ويقال أن السيد أحمد الخضر عليه السلام من عقبه قلت وفي القاموس عن النقاش، أنه ابن فرعون أو أبوه، وامتاز ملك الجرامقة من ملك النبط، ولما مات الموصل ولي ابنه زانق وكانت له حروب مع النبط ثم ابنه أثور وبقي ملك الجزيرة في عقبه وهو مذكور في التوراة وملك بعده ابنه يننوى وبنا المدينة المقابلة للموصل المعروفة باسمه عمارتها كما قال الله تعالى مائة ألف أو يزيدون قال أهل العلم بل يزيدون ومن عقبه سنحارجيب بحاء وجيم بن أثور بن يننوى وهو الذي بنا مدينة سنجار وبها سمي الملك السلجوقي وبعث يونس عليه السلام إلى الملك زان بن ساطرون اخواسنجارجيب فآمن به وهو من الجرامقة قال تعالى إلا قوم يونس لما أمنوا/الآية/قال ثم إن بختنصر لما غلب على بابل زحف إلى زان فرجعه إلى دين الصليبية وأقره ثم أنه بلى صأبي حتى زحف إليه أزناق وبجيوش الفرس، فض له القيام على المجوسية على أن يبقوه في ملكه وكتب أزناق إلى بهمن فقال هذا متلاعب فاقتلوه فقتل وبه انقرض ملك الجرامقة من الجزيرة بعد الف وثلاثمائة سنة على ما للبيهقي عن أربعين ملكا منهم وصارت الجزيرة لملوك الفرس بعدهم وعند علماء اليهود، أن سنحاريب منهم من ملوك نينوي أولاد موصول بن أشور بن سام بن نوح عليه السلام وهو الذي ملك بلاد الأسباط العشرة وهي شومران المعروفة بالسامرة وغرب الأسباط إلى خراسان وأسكن أهل كوثى /كوش/وهي الكوفة في شومرن هذه انظر ما مر في أخر دولة الأسباط العشرة ثم إن سنحاريب زحف إلى القدس بجنود عظام ودخله العجب وقال لليهود من ذا الذي خلصه إلهه من يدي حتى يخلصكم إلهكم فدعا عليه حزقيا النبي فنزلت بعساكره آفة فأصبح منهم مائة ألف وخمسة وثمانون ألفا موتى فرجع إلى نينوى/120/مذموما فقتله أولاده في سجوده لمعبوده من الكواكب وفيه خلاف لما مر.

الخبر عن ملوك بابل المذكورون في القرآن العظيم

هم النبط، بنو نبيط بن اشور بن سام بن نوح عليه وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام قال وهي بالعراق وإنما سموا بذلك لتبلبل السنتهم به عند سقوط صرح نمرود أو أنّ الله أرسل ريحا لهم فلم يدرى أحد ما يقول الآخر ثم فرقتهم في البلاد فتكلم كل أحد منهم بلغة وانظر قصة هاروت وماروت في التفاسير قال فملك منهم سوريان بن نبيط بولاية فالغ كما مر فلما مات فالغ ولى كوش بن حام بن نوح عليه السلام،  وانتحل دين الصابية ثم ولي بعده ابنه كنعان ثم كوش ثم هامر وهو نمرود إبراهيم،  عليه الصلاة والسلام وهو الذي قدم أباه آزر على الأصنام لأن ارغوا لما مات أبوه فالغ وكان موحدا على دين آبائه رجع ارغوا إلى كوش ودخل مع النماردة، في دين الصابية قال ثم توالت ملوك النماردة ببابل وعند داهر،  مؤرخ الفرس، أن بختنصر منهم وقال ابن ملكون السريانيون، هم أول من اتخذا الخمر من الأمم وعد المسعودى ملوك النبط ببابل ستا وأربعين ملكا في ألف وأربعمائة سنة بأسماء عجمية متعددة وأن آخرهم داريانوش وأن الذي اختط بابل منهم اسمه نبن/نبر/وكانوا على الإسلام حتى دعاهم نمرود لعنه الله إلى عبادة الأصنام فعبدوها عجيبة غريبة قال هرشيوش، مؤرخ الروم، كابن العميد مؤرخ النصارى، كان سوربابل في دور ثمانين ميلا وارتفاعه مائتا ذراع وعرضه خمسون ذراعا كله مبني بالآجر والرصاص وفيه مائتا باب من النحاس وفي اعلاه مساكن الحرس والمقاتلة بنيت من الجانبين في سائر دوره والطريق بينهما قدر مرور عشرة فرسان غيرمتفاوتين وحول السور خندق بعيد المهوى أجري فيه ماء الفرات وأن كيرش ملك الفرس /121/لما غلب على بابل هدمه وأن النمرود سمة على كل من ملك بابل لوقوع الملوك في أنساب مختلفة مرة إلى سام ومرة إلى حام والدوام والبقاء لله.

الخبر عن الجزيرة التي قدمنا أنها ملك للجرامقة

وفيها يونس عليه السلام وهي إقليم متسع بين الشام والعراق محتوى على ديار ملك بكربن وائل ورحبة مالك بن طوق وشميشاروالخأبور التي قام به الوليد بن طريف الشاوى على هارون الرشيد، ونصيبين التي فتحها المسلمون بعقارب شهرزور بعد اقامتهم عليها حولا كاملا وأمير الجيش عياض بن غنم الفهرى انظر سيرة الحافظ بن جرير الطبري ومن مدنها أيضا الرها بضم الراء وهي مدينة عريقة في التمدن وفي حسن المحاضرة للسيوطي أن إدريس هو الذي بناها وإدريس قبل نوح عليهما السلام وقال غيره مكتوب على بابها مايكون/على/إلى قيام الساعة وكانت في القديم لا تخلو من توحيد ومن مدنها أيضا مدينة المجدل ومدينة الموصول ونينوي كما مر ومنها أيضا مدينة حران ومنه أيضا مدينة راس العين سميت بذلك لأن عيون نهر الفرات تنبع منها ثم يذهب إلى العراق محاذيا للكوفة ومنه يسقون ثم يلتقى في نهردجلة الذي يمروسط مدينة بغداد في البطائح قرب البصرة ومن البطائح أم عبيدة قرية العارف بالله القطب الشيخ أحمد الرفاعى فتحت أيام عمر ومضت فيها حروب بين الروم، وغيرهم وليس منها ملطية ومقرة النعمان ونحوها والشام أقرب إليها ولذا عدوا أرزاقها للمسلمين أيام عمرمن نوع أرزاق الشام والله اعلم.

الخبر عن ذكر العرب، المستعربة

/122/وقد تقدم الكلام على العرب، العاربة وما يتعلق بأحوالها وأقسامها والكلام الآن على العرب المستعربة وهي على قسمين:الأول قحطان ونسله وهو أول من تكلم بالعربية من هذا الجيل أمتها من الجيل الأول وهم العرب العاربة كما مر والثاني إسماعيل عليه السلام،  لقنها وفي سنة أربع عشر سنة من أصهاره جرهم كما مر واعلم أن نسابة اليهود، كيوسف بن كريون وغيره يزعمون أن أب هذا الجيل هو سبأ من ولد كوش بن كنعان بن حام بن نوح عليه السلام،  وهو غير ظاهر فيلزم عليه أن العرب من ولد حام إخوة السودان مع ان نسابة العرب متفقون أنهم من نسل قحطان وأن سبأ هو ابن يسجب بن يعرب بن قحطان ولابن إسحاق يعرب بن يسجب فقدم وأخر إلاّ أنّ بين النسابة خلاف في قحطان فقيل هو ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام أخو فالغ ولم يقع له ذكر في التوراة وإنما ذكرت فالغ ويقطن وقيل هو معرب يقطن أنه اسم عجمي والعرب تتصرف في الأسماء العجمية بتبديل حروفها وتغييرها وتقديم بعضها على بعض وقيل إن قحطان من ولد إسماعيل عليه السلام وهو قحطان بن يمن بن قيرو بن إسماعيل عليه السلام وأن يمن هذا هو الذي سميت به اليمن فعلى هذا العرب كلها من ولد إسماعيل عليه السلام وقد احتج صاحب هذا القول بأن النبي زهادهم قال إلى رمات الأنصار ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا والأنصار من ولد سبأ وهو إبن قحطان وقيل قال ذلك لقوم من أسلم بن افعانجران اخوة خزاعة بن حارثة بنا على ان نسبهم في سبأ قال السهيلي،  ولا حجة في شيء منهما والصحيح أن النبي زهادهم قال هذا القول لأسلم كما مر وإنما أراد أن خزاعة بن قمعة بن إلياس بن مضر، وليسوا من سبأ ولا من قحطان وكان بنو قحطان هؤلاء معاصرين للعرب العاربة وكان يعرب من أعظم ملوك العرب وهو أول من حياه قومه بتحية الملك وهي أبيت اللعن وهو الذي ملك اليمن وغلب عليها قوم عاد، وغلب العمالقة، على الحجاز وولى إخوته جميع أعمالها فولى جرهم على الحجاز وعاد بن قحطان على الشجر وعمان على
عمان ولقحطان ولدا يقال له الحارث فولد / فيهم/الذي يقول فيهم الشاعر: فأبت إلى فهم وما كدت أبيا : وهم رهط حنظلة بن صفوان نبي الرس والرس ما بين /123/نجران واليمن ومن حضرموت إلى اليمامة وقيل اسم بين ونبيهم قيل هو شعيب بن مهرم وقيل غيره كانوا قعودا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم وملك بعد يعرب ابنه يسجب ثم ابنه عبد شمس ثم عابر ويسمى سبأ لآنه هو أول من سن السبي وبنا سبأ المدينة المنسوبة اليه وسد مأرب وغزا الأقطار وقيل هو الذي بنا مدينة عين شمس بمصر وكان له بنون كثيرون وأشهرهم حمير، وكهلان وفي كل ملوك عظام والتبابعة منهما معا ومن حميرنجران الذي سميت به البلد فملك حمير بعد سبأ وهو أول من تتوج بالذهب ملك خمسين سنة وملك بعده ابنه واثل وتملك أخوه مالك على عمان فكانت بينهما حروب ثم بعده ملك السكسك ابن واثل بعدما غلب اخوه قضاعة، على الملك ثم بعد السكسك ابنه يعفر وكان بينه وبين مالك بن الحاف بن قضاعة حروب طوال ثم ملك ابنه معافر ثم اسمح بن معافرثم اضطرب حمير وصارامر ملكهم طوائف إلى/ الرائش/الآتي وتداول بنو كهلان، الملك مع حمير هؤلاء فملك منهم جبار بن غالب بن زيد بن كهلان وملك أيضا من شعوب قحطان نجران بن زيد بن يعرب بن قحطان ومن ملوك حمير عدن بن زهير بن ايمن بن الهميسع وإليه ينسب عدن الذي على سيف البحر ثم ملك من بني الهميسع عبد شمس بن واثل ثم شداد بن الملطاط ثم أخوه لقمان، ثم أخوهما ذو شدد وبعده ابنه الصعب بن أبي مراثد ويقال أنه ذو القرنين وقيل هويوناني اسمه مرديس وفي حسن المحاضرة للإمام السيوطي، أن الخضر من عسكر ذى القرنين وقيل أنه بن فرعون ومن مثله عن النقاش، وبعده أخوه الحرث وهو الرائش جد الملوك التبابعة، وملك من بني الهميسع حسان بن عمر بن قيس، بن معاوية بن جشم وهو الذي وجد بخط القلضى المحدث أبى القاسم عبد الرحمن عيش عن ابن الكلبي، عن رجل من حمير قال أقبل قيس يحرق موضعا من اليمن فدخل مغارة فإذا فيها سرير وعليه رجل ميت وعليه ثياب ذهب وعلى راسه تاج فيه ياقوتة حمراء وفي يده محجن من ذهب وعند رأسه لوح مكتوب فيه باسم الله رب حمير أن حسان بن عمروبنيت ذاشعبين ليجيرني من الموت فآخفرني قال الطبري وقيل إن أول من ملك اليمن من حمير شمربن لاموك/كاموك//124/كان لعهد موسى عليه الصلاة والسلام وبنا ظفار وأخرج منها العمالقة وكان على يد الفرس.

الخبر عن ملوك التبابعة، من حمير 

من ولد/عثد سمي/ بن واثل بن الغوث بن حيدار بن قطربن عريب بن زهير ابن أنمر بن الهميسع بن حمير، وقاعدتهم صنعاء ومأرب على ثلاثة مراحل منها وكان بمأرب بنته بلقيس الملكة المشهورة سد مأبين جبلين بالصخور والنقار تجمعت فيه العيون والأمطار من سبعين واديا وتركت فيه خرقا على قدرما يحتاجون في سقيهم وهو الذي يسمى العرم وقيل بناه لقمان، الأكبر بن عاد، والأصوب أنه من بناء سبأ بن يسجب ودولتهم يومئذ اوفر ما كانت فلما طغوا واعرضوا سلط الله عليهم الخلد وهو الجرد فثقبه من أسفله فخربت أرضهم وتمزق ملكهم كل ممزق كما في القرآن العظيم قال الزمخشرى قيل لملوك التبابعة، يعني ملوك اليمن لأنهم يتبعون الأقيال لأنهم يتقيلون ولا يسمى تبعا حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت وقيل حتى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس ومن لم يكن له شيء من الأمرين يسمى ملكا أو قيلا فقط ولما كتب زهادهم إليهم قال إلى الاقيال العبأهلة انظر معنى ذلك في الخفاجى على الشفا فانه ذكر ما يكفي ويشفي ويقال لهم أيضا/ الاذوأ/ لتغلبهم/ بذوأ/كذا وفي صحيح البخارى تبع لملوك اليمن واحد منهم كل يتبع صاحبه،قال وعقبه وقيل لأن أهل الدنيا يتبعونه وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وأولهم باتفاق المؤرخين الحدث الرائش وإنما سمي الرائش لأنه راش الناس بالعطاء ملك مائة وخمسا وعشرين وكان مومنا فيما قال البيهقى ثم ملك بعده ابنه أبرهة ذو المنار مائة وثمانين سنة وسمي ذو المنار لأنه رفع المنار ليلا ليقتدى به كي لا يضل أحدا من العساكر ثم تبعوه الملوك على ذلك ثم ملك ابنه فريقش مائة وستين سنة قال ابن الكلبي، هو الذي غزا إفريقية وبه سميت وسار إليها من أرض كنعان لما غلبهم/125/يوشع عليه السلام ويقال هو الذي سمى البربر بهذا الاسم لأنه لما سمع رطانتهم قال مال كثر بربرنكم والبربرة في لغة العرب، هي أخلاط اصوات غير مفهومة ومنه بربر الأسد ولما رجع من إفريقية ترك من العرب فيها صنهاجة واكتامة وهم بها إلى الآن وليسوا من البربر، قال ابن جرير الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والبيهقي وكل النسابين/وكل النسابين/ثم ملك أخوه العبد بن أبرهة وهو ذو الأذْعار لكثرة ذعر الناس من شدة جوره ملك خمسا وعشرين سنة وهو الذي أسر كي فارس ملك الفرس، حتى أنقذه منه وزيره رستم لما زحف إليه باصم فارس ومات مسموما على يد بلقيس وعند علماء المشرق أن الحرث الرائش هو ابن ذو شرد ويعرف بذى مراثروان الذي ملك بعده ابنه الصعب وهو ذو القرنين ثم ابنه أبرهة بن الصعب ذو المنار ثم العبد بن أبرهة ثم عمرو ذو الأذعار الذي سمته بلقيس ثم شرحبيل بن غالب جدها ثم أبوها الهرهاد ثم بلقيس والذي في الشيخ سالم، أول النكاح بلقيس بنت شرحبيل انظره وأمها جنية اسمها رواحة بنت مسكين وغلب عليها سليمان عليه الصلاة والسلام حسبما نص القرآن وتزوجها وقيل زوجها من ذو تبع ملك همدان، كما مر وقام أهل اليمن في ملك سليمان وابنه رجيعم ثم اجتمعوا على ياسرانعم لانعامه عليهم وقوى ملكه وغزا المغرب حتى وصل واد الرمل فلم يجد مجاز لكثرة الرمل وعبره بعض أصحابه فلم يرجع وأمر بصنم نحاس نصب على شفير الوادي وكتب فيه بالخط السندي هذا الصنم لياسرانعم الحميرى ليس وراءه مذهب فلا يتكلف أحد لذلك فيعطب ثم ملك ابنه شمريرعش سمي بذلك لارتعاشه وطىء العراق وخراسان وخرب مدينة الصفد وراء جبجون فقالت العجم، شمركند أي شمرغرب وبنا مدينة باقصى المشرق فسميت باسمه شمركند فعربتها العرب، فقالت سمرقند قال العلامة الشريسي، /هي بش/في بغداد بستة أشهر. ثم إني رأيت في غيره أقل من ذلك وهو الذي أسر قياد ملك الفرس وبنا مدينة الحيرة وفي اللباب بناها بختنصرالأسارى وسماها حيرة لأنه لا يدخلها إلا متحيرا وقال أيضا اخبر بالنبي زهادهم في شعره وهو قبله بسبعمائة عام حيث يقول رحمه الله ورضي عنه أمين/126/

طربت وماذا لي من طرب                                       ولكن بدالي وهنا سبب

حربت جموعا فافنيتها                                           وفي الأرض منى بقومي إرب

إلى أن قال:

إلى أن يلي الملك من هاشم                                    نبي كريم أمين النسب

رسول من الله اتباعه                                             على الحق منها رجال غلب

فلو مر عمري إلى عمره                                           لفرجت عنه جميع الكرب

وأنى أدين بما دار بيه                                             ولا أقول وما كذب

قال ملك بلاد الروم، واستعمل عليهم ما هان قيصر ثم مات عن مائة وسبعين سنة من ملكه ثم ولي ابنه تبع الأقرن لشامة كانت في قرنه وقدملك ثلاثا وخمسين سنة وهو أخر ملوك بني حمير، بن سبأ ثم ملك بنو كهلان بن سبأ فأول من ملك منهم عمران بن عامرماء السماء بن حارثة بن امرج القيس ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، بن سبأ كان كاهنا عهد لابنه عمرالمعروف مزيقي لأنه كان يلبس كل يوم حلة فإذا أمسى مزقها كراهية أن يلبسها غيره وأعلمه بخراب السد فخرج من اليمن بقومه بعد ماباع ضياعه زاعما أنه غضب على ابنه فاشتروا منه وهم يقولون اغتنموا غضبة عمرو فسارت مثلا واصاب السد سيل العرم كما في القرآن فلم ينتظم قرار لقحطان وافترقوا وفي المثل افترقوا أيدي سبأ ونزل الأنصار يثرب وهم من ابناء مزيقيا المتقدم الذكر حسبما في شعر حسان بن ثابت، رضي الله عنه وأرضاه عنا وعن ذريتنا حيث يقول :

أنا ابن مزيقيا أبي وجدي                                       أبوه منذر بن ماء السماء

وقد استولى على مئارب من بعده ربيعة، ابن نصر اللخمي الذي رأىالرءيا المشهورة وهي جمجمة خرجت منها حمحمة فاكلت كل نسمة فبعث لسطيح الكاهن فلما مثل بين يديه قال له ما رأيت في منأمي قال له سطيح أيها الملك رأيت جمجمة إلخ ثم عبرها له الأغربة وهم الحبشة يملكون اليمن ثم بعث إلىشق فقال مثل سطيح وهما كاهنا ذلك/127/العصر وحينئذ أنذر بملك الحبشة اليمن وبعث أولاده إلى العراق وكتب إلى سأبور فاسكنهم أرض الحيرة ثم اجتمعوا بعده على أبي كرب اسعد بن عدي بن صيفي وهو المشهور من ملوك التبابعة، وغزا العراق فتحين قومه بموضع فسمي الحيرة وخلف بها قوم من الأزد ولخم وعاملة وقضاعة ثم جاز إلى الترك، فهزمهم وفتح الموصل وأذربيجان وهابته الملوك ودوخ الأقطار وانفرد هو بغزو الترك وابنه حسان بغزو الصفد وابنه يعفر بغزو الروم، وابن اخيه شمر بغزو الفرس ووطىء العراق في عهد الطوائف ثم أن يعفر حاصر القسطنطينية ورومة واصاب جنده الطاعون فاستضعفه الروم فلن يفلت منهم أحد وكان منصورا جدا قلت وهذا الملك هو الذي غزا الأنصار على ما لابن خلدون خلاف ما في اللباب من أنه العبد ابن ابرهة من ملوك حمير، المار الذكر لانهم وقت العبد لم يكونوا ثمة ومن خبر ذلك أن سلف الأنصار لم يؤدوا أتاوة لملك قط على تقادم الأعصار فبعث إليهم تبع هذا بالخراج فأبوا وأنفوا فهم بغزوهم فكتبوا إليه بهذا:

العبد تبعكم يريد غزاتنا                                        ومكانه بالموضع المتذلل

إننا أناس لاينام بأرضنا                                          غض الرسول يظن أم المرسل

قال فلما وقف على هاذين البيتين غزاهم فكانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القراء ليلا ويقولون هاذه الجنود ضيافنا فثدمم من قتالهم ورحل عنهم مع ما قيل له أن هاذه القرية ادخرها الله لنبيء يأتي آخر الدهر قلت وهل توهم صاحب اللباب من حبة القول العبد تبعكم إلخ، مع أن قولهم لهذا الملك العبد إنما هو هجاء على حد قولهم عبد القفا وهذا الملك هو أول من كسا الكعبة وأوصى ولاته من جرهم بتطهيرها وفي اللباب إن أول من كساها تبع بن وردع وهو أول من اختط يثرب انظره وفي ابن خلدون، أن أبا كرب هذا هو أول من أخذ بدين اليهودية من ملوك التبابعة، وحمل أهل اليمن عليها وسببه إنّه غزا يثرب فأتاه حبران من بني قريضة، فقالا له أنك لاتقدر عليها لأنها مهاجرنبي يأتي آخر الزمان فصرفهما واتبعهما على دينهما ثم مضى لمكة وأغراه نفر من هذيل على كنوز/128/الكعبة فنهاه الحبران وقالا له إنما أرادوا هؤلاء هلاكك فقتل المغرى وأمراه بالطواف فطاف بها ثم كساها القباطى وجعل لها بابا ومفتاحا فلما قدم اليمن تعرض قومه للأخذ بدين اليهود، وتركه عبادة الأوثان فحاكموه إلى نار كانوا يتحاكمون إليها وجاءوا بأوثانهم وجاء الحبران متقلدين التوراة فدخلوا لها جميعا فأكلت النار الأوثان وأهلها وخرج الحبران منها ترشح جباههم عرقا فأجمع حمير، على اليهودية وكانت لبني معد معه حروب حتى غلبهم وولى عليهم حجربن عمرابن معاوية بن ثورالكندى/الكنى/من ملوك كهلان، فدانوا له ثم ان ابا كرب قتله حمير بعدما ملك ثلاثمائة وعشرين سنة ثم ملكوا بعده ابنه حسان وهو الذي أباد جديسا لما غدروا باخوتهم طسما وقد استنصربه من أفلت من طسم، وهو رباح بن مرة، أخو زرقاء اليمامة كما مر ولما مات ملك اخوه عمر ثم أخوه لأمه عبد كلال وفي عهده خلع سابورأكتاف العرب، ثم ملك بعده تبع بن حسان ثلاثا وسبعين سنة وهو تبع الأصغر ذو المغازي والأثار البعيدة وانعقد الصلح بينه وبين قباد ملك فارس على أن يكون الفرات تخما بينهما ثم أن الحرث كتب إلى تبع يغريه بغزوالفرس فغزاهم ثم ملك بعده مرثد بن عبد كلال إحدى وأربعين سنة ثم ابنه لهيعة ابن مرثد سبعا وثلاثين ثم أبرهة بن لهيعة بن شيلبة بن مرثد ثم ذو اجتح الحرث بن ملك اخواذورعين واليه ينتسب أمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه ولا عبرة بما للإمام محمد بن اسحاق وذوا اجتح هذا هو أول من عملت له السياط الأصبحية ثم ملك حسان بن عمر بن تبع بن كليكرب سبعا وخمسين سنة ثم ملك الخنيعة نتوف ذوشناتر ولم يكن من بيت الملك وغلب ابناء الملوك وقتل خيارهم ولاط أبناء حمير يريد بذلك بطلان ملكهم لأنهم كانوا لا يملكون عليهم ملوطابه نقله ابن اسحاق ثم ان ذونواس،  قتل الخنيعة لسبع وعشرين سنة من ملكه واسم ذونواس زرعه من نسل تبع أسعد أبو أكرب وكان شديد التعصب لدين اليهودية فملك ثمانية وستين سنة وكان أهل نجران يدينون بدين النصرانية ولهم فضل في الدين واستقامة في اليقين وكان هذا الدين وقع بهم قديما من بقية أصحاب الحواريين،  /129/من رجل وقع عندهم يقال له ميمون وكان عابدا مجاب الدعوة ظهرت على يده الكرامات وتبعه رجل من أهل الشام على دينه اسمه صالح وخرجا من الشام فارين بدينهما فلما وصلا بلاد العرب اختطفتهم سيارة فباعوهما بنجران وهم يومئذ يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم ويعلقون عليها من حليهم وثيابهم فأعجب سيد ميمون صلاته ودينه فسأله عن شأنه فدعاه ميمون إلى عبادة الله تعالى وقال له أن عبادتكم للنخلة باطلة واني لو ندعي الله عليها هلكت لوقتها هذا وصارت كأنها لم تكن فقال له سيده أن فعلت وصدقت دخلنا في دينك قال فدعا السيد على تلك النخلة فأرسل الله عليها ريحا قلعتها من أصلها وقطعت إربا إربا فاتبع حينئذ أهل نجران دين عيسى عليه الصلاة والسلام ورسخ فيهم فلما دعاهم ذونواس إلى دين اليهودية فأبوا فغزاهم وعرض عليهم القتل فلم يزدهم إلا إيمانا فجدد لهم الخدود وهي شقوق حفرت في الأرض ومليت نارا فكل من يرجع عن دينه كب فيها حتى حرق منهم فيما قال ابن اسحاق عشرون ألفا أو أزيد قال تعالى قتل اصحاب الأخدود النار ذات الوقود أذهم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمومنين شهود ففي الجلالين، مانصه روي ان الله قبض أرواحهم قبل حلولهم في النار واخرجت إلى الذين يلقونهم فأحرقتهم وهو معنى ولهم عذاب الحريق والمراد فلهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في/ النار/الدنيا وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان فسلك الرمل على فرسه فأعجزهم فقدم على قيصر يستصرخه على ذو نواس وأخبره بما جرا واراه الإنجيل قد احترق بالنار بعضه فحركته الغيرة الدينية وكان الحبشة إخوانه في الدين وهم أقرب إلى اليمن منه فكتب له إلى النجاشي سلطان الحبشة يأمره بأخذ ثاره فذهب له فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وولي عليهم ارياطا ومعه أبرهة بن الصباح فركبوا البحر ونزلوا ساحل اليمن فزحف إليهم ذونواس فانهزم وتوجه إلى البحر وخاض فيه بفرسه حتى غرق فكان آخر العهد به ودوخ ارياط اليمن وبموت ذونواس انقرض ملك التبابعة والدوام والبقاء لله وحده./130/

الخبر عن ملك الحبشة لليمن

تمت الهزيمة على ملوك اليمن وغرق آخرهم ذونواس، استولى أرياط على جميع اليمن ومهده وبعث إلى النجاشى بثلث السبي كما عهد له وأذل رجال حمير، وهدم ديار الملك بها مثل سيلحين وبنيون وغمدان القصر المشيد الذي في القرآن وفي ذلك يقول ذوجدل:

هداك اليمن يرد الدهر ما فات                           لاتهلكن أسفا في أثر من مات

أبعد بنيون لأعين ولا أثر                                        وبعد سيلحين يبني الناس أبيات

وأعجب من ذلك أن الحبشان العبيد السود اتخذوا بنات الملوك جواري وسراري وأجروا عليهن حكم الملك مثل ريحانة وغيرها من ذوات الحسب،وصميم الفخر والنسب ثم دخل شيء بين أرياطا وأبرهة واتسع الخرق بينهما وانقسم الحبشان عليهما وكان أبرهة ذا عقل راسخ وذادين في النصرانية وأحكام الإنجيل فبعث إلى إرياط أنا لا نفنى الحبشة بالقتال وإنما نتقاتلا نحن فقط فاجابه وهرز إلى ذلك فتبارزا فرمي أرياطا بحربة فشرمت شفتاه وأنفه وحاجبه ومن ثم قيل له أبرهة الأشرم ثم أن عتوده غلام أبرهة طعن أرياطا فقتله وصفي الأمر لأبرهة وتزوج ريحانة بنت الملوك زوجة تبع ذو يزن حتى أن سيفا ابنها صار ربيبها فولدت له يسكوما ومسروفا وأختهما بساسة وفي ابن خلدون، أن أبرهة أساء السيرة في وجوه حميروبعث في ريحانة بنت علقمة من ولد كنعان فانتزعها من زوجها أبى مرة ذي يزن فولدت له مسروفا وأخته بساسة وولدت للأول معرى كرب ابن مرة وكان غلام أبرهة عتوده الذي كمن لارياط يوم المحاربة فقتله قد ولاّه الكثير من أمره ففعل الأفاعيل فقتله رجل من حمير، وكان أبرهة حليما فأهدر دمه ثم أن أبرهة لما استوثق له الأمر بنا كيسة/كنيسة/بصنعاء تسمى القليس لم يرى مثلها وكتب إلى النجاشي وقيصر بذلك فقالا/131/له أصرف حج العرب إليها ففعل وتحدث الناس بذلك فغضب رجل من بني فقيم أحد بني مالك بن كنانة وخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها ولحق بأرضه فبلغ الخبر أبرهة فسأل عن ذلك فقيل له ان الرجل الذي كان هنا من أهل البيت الذي تحج له العرب هو الذي فعل ذلك فحلف ليهدمنه ثم بعث في الناس لحج القليس فضرب الداعى في بلاد كنانة بسهم فقتل فحينئذ خرج أبرهة بالحبشة إلى البيت ومعه الفيل فلقيه ذو بقر الحميرى وقاتله فهزمه وأسره ثم تعرض له عقيل ابن حبيب الخثعمي فهزمه وأسره ولما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معبت في ثقيف فاتوه/ /وبعثوا معه أبو أرغال دليلا فأنزله المغمس بين الطائف ومكة فهلك هنالك ورجمت العرب قبره بعدذلك وقال جرير،  حيث يقول:

إذا مات الفرزدق فارجموه                                   كما ترمون قبر أبي رغال

ثم إنّ أبرهة بعث خيلا إلى مكة فاستافوا/استولوا/أموال أهلها وكان فيها مائتا بعير لعبد المطلب وهوحينئذ سيد قريش، فهمّوا بقتاله ثم علموا أن لاطاقة لهم به فاقصروا وبعث ابرهة إلى مكة الحميرى يعلمهم بمقصوده من هدم البيت ويحاربهم أن تعرضوا له فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه وهذا بيت الله فإن يمنعه فهو بيته وأن يخر له فمالنا نحن من مدافع ثم أن حناطة انطلق بعبد المطلب إلى أبرهة فلما رأه نزل من سريره وأجلس معه على سريره البساط فوق الأرض وأقبل عليه فساله عبد المطلب في الأبل فقال له أبرهة هلا سألت في البيت الذي هو دينك ودين آباءك وتركت الأبعرة فقال له عبد المطلب إن ربّ الأبل سألتك في إبلي وللبيت رب قادر ملك عظيم سيمنع بيته منك ومن هو أعظم منك فرد أبرهة عليه أبله وقد ذهب مع عبد المطلب عمرو بن لعاية بن عدي سيد كتامة، وخويلد بن واثلة سيد هذيل وعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ويرجع عن هدم البيت فأبى وانصرفوا فأمر عبد المطلب قريشا بالخروج من مكة إلى الجبال للتحرز فيها ثم قام عند الكعبة ممسكا بحلق الباب معه نفر من قريش يدعون الله فقال عبد المطلب اللهم إن العبد يمنع رحاله وعساك أنت رب الكائنات قاهر الجبابرة من أهل السموات فامنع/132/رحالك لايغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك ولما أتوا بطن محسر حبس الفيل بحيث وجهوا به توجه فإذا وجهوه إلى جهة مكة حبس وأن وجهوه لغيرها ذهب يقال ان دليله نفيل قال له في أذنه إنك ذاهب إلى بيت الله ويلك حبس وهرب نفيل لثليد أحد جبال منى/منا/فصار كل من أتى الفيل من الحبش يسأل عن سائس الفيل وهو نفيل فصار يقول :

فكلهم يسئلن عن نفيل                                         كان للحبشان علي دينا

وليس سياستي لفيلهم بزين                                  ولكن كان علي ذاك شينا

قال ثم أرسل الله عليهم من البحر طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فسدت فوقهم الجو وكان فيها الأسود والأبيض والأحمر فلما رأوها تكدرت فوقهم لا تتحرك كأنها جامدة صامتة بهتوا وتعجبوا وحاروا في أمرهم ودهشوا من شدة مارأوا فوق لها وزير أبرهة الشمر بن مصفود سهما ليرميها فإذا بها صوتت تطلب الإذن من مالكها وراسلها وهو الله فأذن لها فأول حصات وقعت على رأس الوزير المذكور فسرت في جسده حتى خرجت من دبره فخر ميتا وانصبت عليهم الحصى صبا قدرحب الجدري ولذا قال الشيخ الخراشي في باب الجنائز أول جدري وقع في الأرض من قضية أصحاب الفيل فمات ببطن محسر منهم نحو عشرين ألفا وفّر الباقى وهم سبعون ألفا فحيث مالوا تميل معهم حتى أنه لم ينج منهم إلاّ قليل وفي ابن خلدون، فلا تصيب الحجارة أحدا منهم إلا هلك مكانه ذلك ويصيبه موضع الحجر من جسده كالجدري وأصيب أبرهة بمثل ذلك فسقط عضوا عضوا وبعثوا بالفيل ليقدم مكة فربض ولم يتحرك فنجا وبعث الله سيلا مجحفا فرماهم في البحر ثم قال ورجع أبرهة إلى صنعاء وقد انصدع قلبه من صدره ومات وفي شرح الشيخ علي بن ثابت، للبردة عند قول الأبوصيري رحمه الله وأرضاه وجعل الجنة دار السلام مأواه :

كأنهم هربا أبطال أبرهة                                         أو عسكر بالحصى من راحتيه رم

نبذا به بعد تسبيح ببطنهما                                   نبذ المسبح من أحشاء ملتقم

ما نصه فكل طير من طيور أبابيل ثلاث حصيات واحدة في فمه وأخرى في رجله اليمنى/133/والأخرى في اليسرى فتأخذ الحصات الرجل في فنة رأسه فتسري في جسده حتى تخرج من دبره حتى قيل أنه إذا اتقى بشيء اوتستر تحت حجر نزلت الحصى من فم الطير  ورجله على تلك الحجر أو غيرها فتثقب الحجر ثم تغوص في رأسه وتخرج من دبره قال ثم لما تقطعت أوصال أبرهة ومات واختل أمرهم /بخ/ قال ولما هلك أبرهة ملّكوا ابنه يكسوم وبه كان يكنى وعظم ملكه وأذل حمير، وقبائل اليمن بقتل الحبشة الرجال ونكحوا النساء واستحرموا أبناءهم ثم هلك لثلاث سنين من ملكه ثم ملك أخوه مسروف وساءت سيرته فخرج عليه سيف بن ذى يزن وكان من أبناء ملوكهم العظام ورأى ما جرى ببنات الملوك وأولاد الملوك يتفخذهن أغربة الحبشة فتحرك منه عرق الأنفة وأباية الضيم فوفد على قيصر وبقي ببابه تسع سنين ولما لقيه قال له بلادي ملكتها الأغربة قال له قيصر السندام الحبشة فقال له الحبشة فقال له هم إخواننا في الدين فلا خير لك عندي ثم تركه وذهب إلى المنذر والد النعمان الخ. وفي ابن خلدون، ولما طال بلاء أهل الحبشة على أهل اليمن خرج سيف بن ذى يزن وهو بقية اسلاف ملوكهم وقد نزعت منه امرأته وهو من نسل مالك بن زيد الجمهور وهو أبوا لاذوا فخرج إلى قيصر وشكى اليه الحبشة فلم يقبل منه شكواه وقال له هم على ديني وأنتم على دين اليهودية فذهب من منكسر القلب بعد تسع سنين إلى ملك الحيرة وهو المنذر والد النعمان فشكي إليه فاستمهله إلى حين وفادته على كسرى فلما وفد أو فده معه فلما بلغه سأله النصرة على الحبشة وأن يكون ملك اليمن له وكان المنذر عرفه بمكانته في بلاده فقال له كسرى وهو انواشروان وأن بعدت أرضك من أرضنا وهي قليلة الخير وإنما هي بلاد شاه وبعير ونحن لاحاجة لنا بذلك ثم كساه وأجازه بعشرة الآف دينار وقال له انظر غيرنا فلما خرج من المجلس فرق ذلك على الناس يوهم القنا/ /عن ذلك بما في أرضه فبلغ خبره كسرى فأمر به فرد فساله عن حاله وأنكر عليه ما فعل قال له أيها الملك الكريم والسيد العظيم لا حاجة لي بذلك وإنما جبال أرضي كلها ذهب وفضة وجوهر وياقوت وانما جئت لحمايتك لتنقدى من الظلم فرغب كسرى في ذلك مع كونه كان عدلا يتحامى عن الظلم كما مرّ فأمهله واستشار مرازبته فقالوا له أيها الملك هنا رجالا حبستهم للقتل /134/ابعثهم معه فإن هلكوا كان الذي أردت بهم وأن ملكوا كان ملكا زائدا وهم ثمانية آلاف ففعل وولى عليهم أفضلهم وأعظمهم بيتا وأفخرهم نسبا وأكبرهم سنّا وهو وهرز الديلمي وعند المسعودي، هشام بن محمد، والسهيلي أن كسرى وعده بالنصرة وشغل بحرب الروم، فهلك سيف عنده وكبر معه كربلا بن ريحانة ابنه وعرفته أمه بأبيه فخرج ووفد على كسرى للنصرة التي وعد بها أباه فقيل له هذا ابن الشيخ الكيمانى الذي وعدته فوهبه الدنانيرونثرها/لخ/ الفضة وكان وهرز هذا من عقب جماسب عم أنواشروان فركبوا في ثمان سفن فغرق اثنان وخلصت ستة إلى ساحل عدن فقال وهرز لسيف ما عندك قال ماشئت من قوس عربي ورجل عربي ورجلي مع رجلك حتى نظفر أو نموت فقال له وهرز أنصفت وجمع ابن ذيي يزن ما استطاع من قومه وسار إليهم مسروف في مائة ألف من الحبشة وأوباش اليمن فتواقفوا للحرب فأمر وهرز ابنه أن يناوشهم الحرب ففعل فقتلوه فأخنقه ذلك وقال أين ملكهم فأروه إياه على فيل عليه تاجه وبين عينيه ياقوتة حمراء ثم انسل عن الفيل على بغله ابنة أن يقاتلهم على فرس أو فيل فقال وهرز ركب بنت الحمار وذل ملكه ثم أنه أخرج عصابة فرفع بها حاجباه عن عينيه وقال أن رأيتموني رميته ورأيتم قومه بقوا على حالهم فقد أخطأته وإن داروا به فقد قتلته فاحملواعليهم وتجدوني أمامكم أقارعهم ثم فوق نبله ساعة ورماه فصك الياقوتة من بين عينيه وتغلغلت النشابة فخرجت من قفاه فنكسر/فانكسر/عن دابته وداروابه وحمل سيف وقومه عليهم من كل جانب فانهزم الحبشة من كل وجه وذلك آخر العهد بهم وركبتهم الأبطال ووضعت السيوف في رقابهم حتى لم ينج منهم أحد وانقطع ملك الحبشة من اليمن والبقاء لله بعد أن توارثه اربعة ملوك منهم ارياطا وأبرهة وابناه يسكوم ومسروف في اثنين وسبعين سنة ولما أقبل وهرز إلى صنعاء بعد الفتح قال لاتدخل رايتي منكسة فهدم الباب ودخلت مستقيمة ولما ودعه كسرى قال له إن هذاالرجل إن كان من أبناء الملوك فتوجه وإن كان كاذبا فاقتله فلما وجده من أبناء الملوك العظام وقد ملك اليمن ونفي /نفا/ عنه الحبشة كتب إلى كسرى بذلك وأخبره بما وقع له مع الحبشة وبامر سيف/135/وبعث بالغنائم ففرح بذلك وكان له يوم مشهود وفرحت فارس واستبشرت بالنصرة وكتب له توقيعا بملك سيف وأشخاصه هو فيمن معه فتوج سيفا وخلف معه نائبا في جماعة من الفرس، وجعله لنظر سيف واستقل سيف بسلطانه ونزل دارا لملك بصنعاء وهو رأس غمدان يقال أن الضحاك بناه على اسم الزهرة وهو احد البيوت السبعة الموضوعة على اسماء الكواكب وروحانيتها وخرب في خلافة عثمان وصنعاء سميت باسم بانيها صنعاء ابن أوال بن عمير بن عامر بن صالح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه عليه السلام قال الشعنبي /الشعبي /رحمه الله لوجاز لاحد السجود من دون الله لسجدت الناس لسيف بن ذيي يزن الذي نفي الحبشة عن اليمن، قال وقد ملك سيف من الحبش وسبيهم ما لا يدخل تحت حصر قال ثم إن العرب، قدمت على سيف يهنؤونه بالفتح والملك فأتى وفد قريش، فيهم عبد المطلب وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد ووائل السهمي والد العاصى ومن ثقيف مسعود وأمية بن الصلت وغيرهم وقد أذن لهم فدخلوا وهنؤوه وفرحوا بالفتح ثم إن أمية ابن الصلت، مدح سيفا بقصيدته المشهورة وهي من عرز القصائد وقد ذكرها ابن هشام، اللخمي في شرحه لمقصورة ابن دريد عند قوله:

وسيف استعلت به همته                                      إلخ وهي هاذه القصيدة

لن يطلب الثأر إلاّ كابن ذي يزن                            يتم الخبء على الأعداء جوالا

لن يطلب الثأر إلاّ ابن ريحانة                                أقام في البحر للأعداء أحوالا

يمم قيصر لما رصان رحلته                                    فلم يجد عنده بعض الذي سالا

ثم أتى ابن كسرى من بعد تاسعة                        على الأعداء يهين النفس والمالا

حتى أتى ببني الأحرار تقدمهم                                مخائل قد جرت في الأرض أحبالا

لله درهم من عصابة خرجوا                                ما إن أرالهم في الناس أمثالا

أسدًا أساورة علبا من أزبة                                    أسدا تربب في الفيضات أشبالا

يرمون عنسجف كأنها عبط                                  نرمجر تعجل الرمي أعجالا

أرسلت أسدًا على سود الكلاب فقد                    أضحى شريرهم في الأرض فلالا /136/

أشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا                          برأس غمدان دارالملك محالا

أشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم                          واسبل اليوم في برديك اسبالا

تلك المكارم لاقعبان من لمن                                  شيب بماء فعاد بعد أبوالا

قلت وهذا البيت الأخير وقد تمثل به عمر بن عبد العزيز، مرات، وأمية بن الصلت هذا من شعراء الجاهلية، وهو الذي قال فيه رسول الله زهادهم آمن شعره ولم يومن قلبه وهو الذي كان يكتب في أول رسائله باسمك اللهم وقد كتب كذلك النبي زهادهم حتى نزل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فصار يكتب بسم الله الرحمن حتى كملت البسملة في سورة النمل وأجاز سيف وفد التهنية من قريش، وهم عشرة بمائة بعير وعشرة أعبد ومثلها إماء وعشرة أرطال من الذهب والورق وكرش/ / ملئان من العنبر وضاعف ذلك بعشرة أمثاله وخلابه وحده دون ابن عمه وقال له هل ولد لك مولود فأخبره بولادة ابن ابنه عبد الله غلام فسأله عن اسمه قال سميته محمد قال له أحرزه من هؤلاء قومك وأوصاه به ولذلك أضعف له العطاء قال ابن الرومي، في قصيدة المشهورة:

وكم من جد سماء بابن                                               كما سمت برسول الله أجداده

قال ابن اسحاق ولما انصرف وهرز إلى كسرى عدا سيف على الحبشة وجعل يبقر بطون النساء ويقتل حتى إنه لم يبق منهم إلا القليل وجعلهم خولا واتخذ منهم طوأمير يسعون بين يديه بالحراب وعظم خوفهم منه فخرج يوما وهم يسعون بين يديه فلما توسطهم وقد انفردوا به عن الناس رموه بالحراب فقتلوه ووثب رجل منهم على الملك وركب خليفة وهرز فيمن معه من المسلحة واستلحم الحبشة بمن معه حتى أتى على آخرهم.

الخبر عن تأمير كسرى على اليمن بعد سيف

قال ولما بلغ كسرى قتل سيف بن ذى يزن بعث وهرز المتقدم في أربعة الآف من أبطال الفرس، /137/ وأمره أن يقتل كل أسود ومنتسب إلى السود ولوجعرا قططا فلما
بلغ صنعاء قتل الحبشة حيث كانوا وأمر بقتلهم أين ما وجدوا وكتب بذلك إلى كسرى
وقد أمره على اليمن حتى هلك ومن العجب أن مملكة الحميريين أضيفت بعد سيف
وأهل بيته إلى الفرس وورثوا ملك العرب، وسلطان حمير باليمن بعد إن كانوا يغزوهم في أرضهم ولم يبقى للعرب في ملك اليمن اسم ولا رسم إلاّ أقيالا من حمير، من قحطان رؤساء في اجيابهم لاتعرف لهم طاعة إلاّ ما كان من كهلان، إخوانهم بأرض العرب من ملك آل المنذر من لخم على الحيرة مع أنه بتولية كسرى ملك الفرس وإلاّ ملك آل جفنة بالغوطة من الشام مع أنه بتولية قيصر ملك الروم، كما يأتي قال الطبري ولما هلك وهرز وهو أول عامل على اليمن من قبل كسرى ملك الفرس ثم ولى كسرى ابن وهرز وهو المرزبان ولما هلك ولى حافده خرخرة ثم سخط عليه وحمل إليه مقيدا وأجاره ابرويز ولما أفضى الملك لابرويز المذكور ولي على اليمن باذان فلم يزل به ملكا إلى أن كانت البعثة فأسلم باذان والأبناء وفشي الإسلام في اليمن، قال المسعودي، ملوك اليمن سبعة وثلاثين ملكا في مدة ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة الاّ عشرا قال السهيلي، وكانوا ينزلون مدينة ضفار قيل لمن أتت قالت لحمير الاخيار ثم سئلت بعد ذلك فقالت ان ملكي لقريش التجار وظفار هي صاحبة الجزع الذي يحاكي الجوهر ومنه أيضا بشمال البحر الرومي، الآن الظفار أجود والله اعلم.

الخبر عن البربر، وزناتة

اعلم أن نسب البربر، في القديم قيل أولاد نقشان بن إبراهيم، الخليل عليه الصلاة والسلام والظاهر أن هاذه اللغة إنما تعلقت بهم عند تبلبل الألسنة من أن الناس باتوا على لغة واحدة ببابل فأصبحوا/138/وكل أحد على لغة وقيل أوزاع تفرقوا من مئارب عندما كان سيل العرم وقيل من لخم وجذام وقيل من كنعان والعماليق وقيل من بربرتملا بن مازيغ بن كنعان بن حام وقال مالك بن الموصل البربر قبائل شتى من حمير، ومضر والقبط والعمالقة وكنعان تالفوا بالشام وقال الصولى أن حاما لما أسود بدعوة أبيه فر إلى المغرب حياء وتبعه بنوه ومن ولده بربربن كسلاجيم وأنضاف إلى البربر وهما حيان يمنيان عند خروجهم من مأرب ككتامة وصنهاجة قال وهوارة ولواتة أولاد حمير بن سبأ، وقال هانى بن بكور والطريسى وسابق بن سليمان المطماطى وابنءاراوايوب بن زيد من نسابة البربر ان البربر فرقتان وهما البرانس، والبتر، فالبترمن وادقيس بن قيس، والبرانس بنو بربن سفجوبن جناح بن واليل بن شواظ بن نام بن دام بن مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح عليه الصلاة والسلام وعند أعمو المعتمد عندهم وقال الطبرى خرج بن برقيس ينشد ضالة باحياء البربرفهوى جارية منهم فتزوجها فولدت له البربر وقيل خرج للبربر فارا من أخيه عمر وأنشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي:

فاقسم أنا والبرابر اخوة                                             نمانا وهم جد كريم المناصب

أبونا أبوهم قيس، غيلان في الورى                            وفي حومة تشفي غليل المحارب

وحكى البكري عن نسابة البربر، أن لمضر ولدان الياس وغيلان وأمهما الرباب بنت حيرابن عمر بن معد بن عدنان فولد غيلان قيسا وولد قيسا سعدا وعمرامهما مزنة بنت أسد بن ربيعة، بن نزار بن معد بن عدنان وبروتماضرامهما تمريغ بنت مجدل بن عمار بن مصمود وكانت البربر يومئذ تسكن الشام وتجاور العرب، فتزوج بربنت عمدالبها بنت دهمان فحسده إخوته فذهبت به أمه إلى أخواله البربر فولدت علدان ومادغس، فعلدان مات صغيرا ولم يخلف عقب ومادغس يلقب بالأبتر وهو أبو البتر من البربر ومن ولده جميع زناتة، ولابن عبد البر أن البربر من ولد قبط بن فقط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام،  منهم لواتة بطرابلس ونفزه ثو امتدوا إلى طنجة إلى السودان إلى السوس الأقصى وقال أبو أزيد عبد الرحمان بن خلدون بعد ذكر نحو ما مر لنا والحق الذي لا ينبغى/139/التعويل على غيره ان البربر من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن جدهم مازيع وأخوتهم كريكت وفلسطين وملكهم يدعى جالوت وكان بينهم وبين إسرائيل حروب وجالوت ليس من البربر وإنما هو من إخوانهم فلسطين فلا يقعد في وهمك غير هذا والمشهور أن صنهاجة واكتامة من اليمانية ونسابة البربر يزعمون أن لواتة من حمير، وبنو أرة من السكاسك من كندة وزواوة بكسرالزاي/الزاء/ من حمير والحق أنهم بربر الصنهاجة على ما زعمته العرب وألحق أنهم من إخوانهم.

تنبيه قد علمت أن البربر، من الأمم القديمة مثل الفرس، والروم وغيرهما وتسميتهم بهذا الاسم أما نسبة لسجيك بن مادغيس بن بربر واما لأن/كالان/إفريقش بن قيس، بن صيفي من ملوك التبابعة، ساقهم لإفريقية من أرض كنعان لما غلبهم يوشع عليه السلام وسماهم بهذا الاسم لأنه لما سمع رطانتهم قال ما أكثر بربرتكم والبربرة هي الأصوات الغير المفهومة ومنه بربرالأسد وأنشد :

بربرت كنعان لما سقتهما                                         من أراضى الضنك للعيش الخصب

وكان لهم بالشام ملوك وجنود الاترى أن فلسطين إقليم متسع سمي باسم أسلافهم منه القدس وكنعان وعمداس والرملة وغزة وخان يونس إلى العريش وهو الخمس من أرض الشام وسبب انجلائهم للمغرب أن يوشع عليه السلام لما غلبهم فر البعض منهم لليمن ولما غزا إفريقيس إفريقية أخذهم معه وأنزلهم فيها والباقي منهم قال ابن الكلبى أوحى الله إلى داوود يا داوود أخرج البربر، من الشام فإنهم جذام الأرض ومنازلهم المغرب من الإسكندرية إلى السوس الأقصى ولم يكن في هاذه الأرض سواهم حتى اختط الصحابة القيروان سنة خمسين ثم سكنت العرب، المغرب بالخيام وسط القرن الخامس وكانت بينهم وبين المسلمين حروب مدونة في الدواوين وكان منهم من تهود ومن تنصر ومن تمجس ومن يعبد الأصنام والشمس والقمر قال الشيخ أبوامحمد بن أبي زيد القيروان إرتد البربر اثنا عشر مرة وزحفوا في كلها للمسلمين ولم يرسخ اسلامهم إلا في زمن موسى بن نصير، لما دوخهم وفتح الأندلس، وكانوا في الجاهلية حاربوا الفرنج كثيرا ثم اصطلحوا على أن المدن للفرنج وهم سكنوا الخيام/140/منهم نفز بن لوبن سجيد وهو أخو مغرأ ولامه ومن نفز ولهاصة وسوماتة ومرنيرة وزاتيمة كلهم من بني يطوفت ومنهم مكلاتة ويقال أن مكلات حميري فتبناه يطوفت وهو مكلات بن رعان بن كلاع بن سعد بن حمير، ومنهم تمصيت بن أطريس بن زحيك فمنهم فوغال وكرنيطة وسدرجة ومطماطة وصطفورة والماية ومديونة ومغيلة قال ابن خلدون، ويجمع البربرجدان برنس ومادغس وهما ابنا بر وقال سابق بن سليمان المطماطي أن البرانس، بنو ريغ بن كنعان والبتر من قيس، بن غيلان فمن البرانس مصمودة وأروبة وعجيسة وكتامة وصنهاجة وأوبعة ولمط وهسكورة وجزولة بضو الجيم وقال ابن حزم، في جمهرته أن صنهاج ولمط أبنا امرأة اسمها تظكى ولا يعرف لها أب فتزوجها اريغ فولدت له هوار فهما أغواهوار من أمه وزعم قوم أن اريغ كندي وقال /كنى/ وقال ابن الكلبي، صنهاجة ليس من البربر وإنما هما من اليمانية تركهما إفريقش بافريقية مع من أنزل بها من الحأمية ومن مغز بن اريغ زمور ومن البربرازواغه زوا/ /ابن سمكان بن يحيا بن تمضيت بن ظريس ابن سجيد بن مادغيس بن بربر وقد كثرالبربر حتى جاوروا السودان والنوبة.

تنبيه ومن البربر، زناتة، أولاد جانا بن أزنات وله ولدان مغراوويفرن فهما زناتة حقيقة واطلاق على هذاالاسم بني وزردالة وبني يلوما وبني مانواومرين ووطاس وزيان ومديون وغيرهم انما هو على سبيل التغليب فقط.

واعلم أن هؤلاء البربر، لما توطنوا المغرب تفرقوا فيه فسكن مغراوة، وبني يفرن ولواتة بطرابلس وبرقة ولبدة ثم توغلوا في المغرب وتفرقوا فيه ومن بني يفرن، غريان وهم قبائل بعمالة طرابلس وبقصر الطيربين قسمطينة وجبال زواوة ومنهم سركان بشلف بالمغرب الوسط ويقال أن غياثة وبني وراءين ومن جاورهم منهم وكان لهم آثار وقرى خراب الآن بليفكان ومن مغراوة بني خزرون بطرابلس وبنو صوكات/ صولات/ب إفريقية وبنو ورسفين بمليانة ومنهم سينجا ومنهم بنو الخير بوهران وبنو بختي بتلمسان وأن أول من اختطها بنو يفرن ولمديونة الجبل الذي بينهما وبين ولهاصة ونزلت يعبلة في الدهر الأول وأريزن أسفل مازونة، وأما هي فلمغراوة ونزلت صطفورة، /مطفورة/حيث بنى زروال الآن وهناك بقاياهم ونزلت هوارة، بمصراتة/141/برقة وحول ملوية وأشهرهم أهل جبل القلعة المطل على البطحاء ومنهم أهل بطحة السدار وسور كلميثو أو مسراتة وبني أخراسن وهاشم وبني موروا ورماصة بضم الراء وفتحها ولما غصب/غصف/المحال وبنو عفان البطحاء وسور كلميثوا استوطن أهلها ثغر مستغانيم وهب لهم ذلك بنو هبرة وأما لماية فكانوا بتاهرت ولما خربت على يد يحيا ابن غانية أظن أن منهم أهل فرندة والحوارث وزدمة وغيرهم وأظن أن فندلاوة منهم الحنانشة، أولاد بعرة بن حناش إلاّ أنهم تخلفوا/تخلقوا/ بالعرب في سكناه/سكناء/ الخيام وركوب الخيل وكسب الأبل ومن زواوة ونوغة وكرنيطة المنسوب إليهم الريال الكرنيطي وبنو مزغنة أهل الجزائر وبنو غبرين أهل مليكش ومنه شرشال.

وأما مصمودة فولد مصمود قبائل أهل جبال درن منهم تنملل وهسكورة وهنتاثة وحاحا وغيرهم وأما لمط وعزول فهم بالسوس وبنو وطاط بملوية ومن البربر، غثجومة بسكون الغين وفتح المثلثة منهم أبوا عمران الفاسي فقيه المغرب توفي سنة ثلاث وأربعمائة وأما لمتونة وتوركا ومسوف فهم من صنهاجة وأما زتيمة ومزنيرة ونحوهم فهم أهل جبال مليانة من ريغة إلى تنس.

وأما البرانس، فهم كثيرون وقد خفي هذاالاسم فيهم فلم يبق إلا في قبيلة بالمغرب وأما وسلات فهم أهل الجبل المعروف بهم بإفريقية وحول قابس جبال نفوسة، ونفزاوة وورغمة وغيرهم وأظن أن أهل جبل بني وراغ من لماية وكذامكناسة حول بسناس وغيرهم ومن بني يفرن، بنو لث كانواحول تازة مجاورون لمكناسة الغربية.

وأما أهل تفلالت ودرعة ودراو فجيج وتيكورارين وغيرهم كلهم من صنهاجة والله اعلم،ولو بسطنا الكلام في هاؤلاء طال ولا يسع هذاالمختصر،قال العلامة بن خلدون وحد المغرب من الجنوب الرمال الحاجزة بين بلاد السودان والبربر وتعرف بالعرق والنيل الهابط من الجنوب إلى مصر وفي قبلة بلاد المغرب الاقصى بلاد بودة وتمنطيت وتيكورارين قبلة المغرب الأوسط واغدا مصر وفزان وودان والواحات قبلة طرابلس وكل واحد من هاذه يشتمل على بلدان عامرة بالبربر ذات قرى ونخل وانهار ينتهى عددكل واحد منها إلى الماية فاكثر ويلي تلول المغرب جبال ممتدة من البحر المحيط إلى برنيق من بلاد برقة وفي قبلة مراكش ترودانت وايفري/142/وفي قبلة فاس سجلماسة ودرعة وفي قبلة تاهرت قصور متتابعة على سطر من المشرق إلى المغرب أقرب شيء إليها جبل راشد ثم قصور بني مصاب أي قراب تناهز المائة او اكثر وهي قبلة الجزائر وفي قبلة بجاية وأدوار كلى بلاد واحد كثيرالعمران وكلها بربر وفي سمتها إلى جهة التلول بلاد ريغة تناهز الثلاثمائة منتظمة على حافتي واد ينحدر من المغرب إلى المشرق ذات نخل ثم بلاد الزاب نحو مائة فأكثر قاعدتها بسكرة ثم بلاد الجريد قبلة تونس وهي قفصة وتوزر ونفطة ثم قابس قبلة بلاد سوسه وهي بلاد التجر من أعظم بلاد إفريقية فقروان وودان قبلة طرابلس والواحات قبلة برقة وكل ماذكرت عامرة بالبربر في مزارع ونخل وانهار وتبحر في العمران وما وراء هاذه كلها في جهة الجنوب قفار لا ينبت زرعا ولا كلئ، وإنما هي مفارز معطشة إلى بلاد السودان وفي مبدأ أرض الغرب بلاد الملثمين من البربر، ثم القيروان وأوراس وطبنة بين الزاب والتل وفيها مقرة ومسيلة وفيها السرسواقبلة تلمسان حيث تاهرت وأما حد المغرب من جهة المشرق قيل بحر القلزم فيدخل مصر والشام وهو الجارى على اتحاد الرية/الدية/ والميقات والغرب إلآن إنه من طرابلس كانه هو الذي كان في القديم ديار البربر والمغرب الاقصى منه من ملوية إلى آسفي حاضرة البحر المحيط، وأما بطيوة فهي مما يلي غساسة ومعهم قليل من صنهاجة وقاعدة المغرب الأقصى فاس ونهره واد أم الربيع ويمتنع عبوره أيام الامطار تنظره في البحر داخل نحو سبعين ميلا عند أزمور ومنبعه من جبال درن وينبع من نهر آخر يمر ببلاد درعة إلى أن يغوص في الرمل قبلة بلاد السرسر/السرسن/ ونهر ملوية منبعه من جبال قبلة تازة ويصب في البحر الرومي عند غساسة وعليه كانت ديار مكناسة قديما والآن يسكنه أمم من زناتة، يعرفون بوطاط وينبع من هذا النهر نهر كبير ينحدر إلى القبلة مشرقا بعض الشيء يمر إلى تمنطيت ثم يصب في القفار ويغوص في الرمل وعلى مغاصه قصور ونخل سنهرز كان ثم قصور تسانيت وقصور تيكورارن تبلغ ثلاثمائة أو أكثر في واد واحد ينحدر من المغرب إلى المشرق فيه امم من زناتة، واما المغرب الوسط فهو في الأغلب ديار زناتة لمغراوة وبني يفرن ومديونة ومغيلة وكومية ومطغرة ومطماطة ثم صار من بعدهم لبني ومانوا/143/وبني يلوما وتوجين من بني بادين وقاعدته تلمسان وشرقه بلاد صنهاجة من الجزائر ولمدية ومتيجة إلى بجاية ويمر فيه النهر الأعظم وهو نهر الشلف لبني واطيل ومنبعه من جبل راشد وهو جبل العمور ويدخل إلى التل من بلاد حصين ثم يمر إلى أن يصب في البحر الرومي قال ابن خلدون مأبين كلميتوا ومستغانيم، والصواب مأبين كلميتوا وجبل عياشة أحد بطون مغراوة، وينبع من فوهته نهر آخر مشرقا إلى أن يصب في سبخة ما بين توزر ونفزاوة وكانت ديار كتامة وعجيسة وهوارة وهي اليوم ديار العرب، استولوا على ذلك منذ/منذوا/وقائعهم مع المعزبن باديس وسط القرن الخامس وما بقي للبربر ثمة إلا ممتنع الجبال فيها بقاياهم ومن افريقية إلى طرابلس كانت ديار نفوسة، ونفزاوة وغيرهم من البربر وهي الآن مجالات للعرب من سليم وقد تبدوا مع العرب ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بالعربية وتحلوا بشعارهم والنهر الأعظم هناك وهونهر مجردة يصب في البحر عند بنزرت على مرحلة من تونس وأما برقة فقد درست معالمها وخربت أمصارها وعادت مجالات للعرب بعد أن كانت ديار للواتة أولاد لوبن ماهك بن سجيد بن بربر وكانت لهوارة أيضا ولما توغلوا في المغرب قالوا قد تهورنا وكانت بها الأمصار المستبحرة مثل زويلية ولبدة وبرقة عامرون بالبربر حتى أن رخامهم نقل إلى تونس والقيروان وغيرهما وكذا قصر حسان وعادت كلهأبيابا ومعاوز كأن لم تكن ومن أبواب مصر القاهرة، باب زويلة معروف بهم إلى الآن خاتمة كان هذا الجيل من البربر وزناتة موفور العدد كثير القبائل ولقد لقوا من محاربة الملوك ومزاحمة الدول منذ الآف السنين من لدن حروبهم مع بني إسرائيل بالشام وما كان لهم من الحروب في أول الفتح مع طوالع المسلمين وما كان لدهياء وقومها ريجومة وجراوة وغيرهم بجبل أوراس من الكبر والعز والملك قبل الإسلام وبعده وترف العيش وما كان لمكناسة من الحروب مع طوالع عقبة بن نافع، وما شيدوا من القصور بالصحراء كورا ودرعا وسجلماسة وما سامت ذلك لجهة المشرق إلى برنيق من أرض برقة ثم ما كان لهم من الملك وحروبهم مع العرب في المائة الخامسة وما لآل حماد بالقلعة وبجاية وتاهرت وماكان لبني امرين من زناتة وهم قوم مرهوب جانبهم شديد باسهم كثير جمعهم مضاهون للامم العظيمة مثل الفرس، والروم وغيرهم حسبما ما مدحهم ابن الخطيب/144/في كتابه رقم الحلل في اخبار نظم الدول، ثم قلت جموعهم وعشائرهم فاصبحواخولا للدول وقد كان أوربة وأميرهم كسيلة في غاية الملك وكذا سكرديد وكذا بنو وزمار المغراوى حتى حمل أميرهم إلى المدينة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومن بعد ذلك هوارة وكتامة وصنهاجة حتى زاحموا بني العباس، في ديارهم ولما فشى الإسلام في هاؤلاء البربر صاروا أهل قراءة وديانة وعلوم مجيد للقرآن وأهله منهم بلكين ومحمد بن الخيروابنه وعروبة بن يوسف الكتأمي وأهل الجهاد كيوسف بن تاشفين وعبد المومن بن على ويعقوب بن عبد الحق المريني ويغمراسن بن زيان العبد الوادي/من بني عبد الوادى/ثم عبد القوي التجيني وثابت بم منديل أمير مغراوة وأهل شلف ووزمار بن إبراهيم، أمير بني راشد، المتعاصرون في أزمانهم طارت عنهم أخبار في تاثيل عزهم بلغت مبلغ التواترفي إقامتهم لمواسم الشريعة واتخاذ المعلمين وصياغتهم لأحكام الدين ولأهل الخير وجهادهم ورباطهم وقراءة القرآن وردا بالغداة/الغدات/ والعشي مايدل على رسوخ ايمانهم وقد كان لهم من الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس واختطاط الزوايا والرباط وسد الثغور وبذل النفوس وإنفاق الأموال في سبيل الله ومخالطة العلماء وترفيع مكانهم والاقتداء بالشريعة والانقياد لإشارتهم في الوقائع والاحكام ومطالعة سيرالأنبياء وأخبار الأولياء وقراءتها بين أيديهم في دواوين ملكهم ومجالس أحكامهم وسماع شكوى المظلومين وأنصاف الرعايا من العمال والضرب على أيدي أهل الجور والضلال ماشهدت به أثار تخلفوها بعدهم وقلدوها عقبهم قلت وجهادهم من أعظم الحروب التي وقعت في بني آدم حتى ان يوسف بن تاشفين قتل من الكفرة بالزلاقة ثمانين ألفا ويعقوب المنصور ستين ألفا ويعقوب بن عبد الحق تسعة الآف ومثلها أسارى ونودى على العلجة بدينار ونصف إلى غير ذلك وأن عبد المومن له من الجند ثلاثمائة ألف فارس بل أزيد كما في القرطاس الكبير وهذا امر مستغرب لم أعرف هذا الأجناد من الفرسان لملك في جاهلية ولا إسلام إلاّ ما كان لبختنصر ولقد ملك المقربين إلى أقاصى برقة وملك كل الأندلس وتسعين مرحله من أرض السودان وله من العلم ماليس لغيره يقال هو أول من شرح المقامات الحريرية /145/وقد خطب لعلي بن يوسف بن تاشفين على ألف منبر وتسعمائة وأن ابا الحسن المريني، كان يقرأ/يقرؤا/القرآن بالسبع وابنه السلطان أبواعنان يقرأه/يقرؤه/ بالعشر وله تلاميذ عدة يروون عنه البخاري وغيره من الكتب الست ولما دخل النصارى، طرابلس فداها منهم بخمسبن الف دينار.

الخبر عن ظهور الكاملين من هؤلاء البرابرة

الذين أظهر الله على أيديهم خرق العادة فمن مشاهرهم سعفوا بن واسول جدبني مدرار ملوك سجلماسة أدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس، كما لابن حمير، في تاريخه ومنهم رجال من المصامدة، وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكلمهم بلسانهم كما في الخفاجى على الشفا ومنهم مخلد بن كيداد اليفريني لولا أنه اعتزل فانسلخ من آيات الله ومنهم منذر بن سعيد قاضي قرطبة البلوطي ثم الولهاصى ثم السوماتى نسبة إلى سوماتة غرب متيجة من البتر، من ولد مادغس ومنهم الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، الذي عأرض السيوطي، في تحريم المنطق بن سجيك
بن بربر ومن مغيلة، أيضا خليفة بن خياط، روي له البخارى في كتاب الجنايز ومنهم
أبو محمد بن أبي زيد عالم الملة وهو من نفزاوة ومن مشاهير زناتة، أيضا موسى بن صالح المغاري، وحدث الثقات أن أخت يعلى بن محمد اليفريني، جاءت بولد من غير أب اسمه كلماع شجاعته خرقت العادة سيما وأن آثار حملها كان من اغتسالها في عين حمية صدر عنها بعض السباع يروون أنها حملت من فضل ولوغه ولكلماي هذا تنسب تكلمامت مدينة خربة عظيمة على طريق تلمسان ومن أروبة قال ابن خلدون سطة منهم الشيخ محمد بن سليمان السطي شيخ ابن عرفة وقاضي محلة أبى الحسن ومن البربر، أيضا الشيخ محرز بن خلف سيد تونس ابن خالة أبى محمد ابى زيد المذكور وهو هوارى ومنهم القطب أبو غرّة الهسكورى وشيخه أيوب السارية الصنهاجي، دفين آزمور وابن عبد السلام الهواري وتلميذه ابن عرفه الورغي /146/والقرافي الصنهاجي وابن النحوي صاحب المنفرجة الصنهاجى أيضا و أبوا جمعة المغراوي والشيخ الهواري وتلميذه إبراهيم، النازي اللثني وصاحب العقيدة الإفريني وغيرهم وبالجملة هم كالفرس لما أسلموا بأن فضلهم ألا ترى إلى علماء الدنيا المرازقة أصلهم عجيسة من جبل وسلات أحد جبال افريقية وصاحب الدرر يحيا وأبوه موسى مؤلف المهذب الرائق وجد أبيه عيسى وأبوا عيسى القطب أبواز كرياء كلهم من مغيلة ومنهم العصموتي شارح بن التلمساني، ولم أر هذه المزية في امة ممن اسلم كالقبط والروم ونحوهم إلا في الفرس، كما مر ذلك مفصلا والله يؤتي فضله من يشاء، هذا ما لخصنا من أخبار البربر اختصار أو الله اعلم.

الخبر عن ملوك الحيرة

وهذه الحيرة من جملة عراق العرب، وسميت حيرة لان أب كرب اسعد بن عدي بن صيفي تحير جنده فيها وخلف بها قوم من الأزد ولخم وعاملة وقضاعة وقيل أن بختنصر بناها الأسارى لأنه لا يدخلها إلا متحير وقيل بناها شمركند احد ملوك التبابعة، الذي بنا سمرقند بأقصى المشرق لما غزا ذلك الإقليم ومن أعمالها عين التمر وغرين وغيرهما والحيرة هي المعينة بقول الشاعر وهو الملتمس مخاطبا سلطانها عمرو بن هند حيث هجاه في قصيدته لشدة بخله فقال:

أليت حب العراق وأطعمه                                     والحب يأكله بالقرية السوس

وهو من شعراء الجاهلية وأول ملوكها عمر بن عدي ابن قاش أخت جذيمة الأبرش من نسل محرز ولذا يقال لملوكهم آل محرز من لخم وقد قال الأسود بن يعقوب :

ماذا أأمل بعد آل محرز                                         تركوا منازلهم وبعد أيادي

أرض الخرونق والسرير بارق                                 والقصر ذو الشرقات من سنداى

ونسبتهم للخم لأنهم من بني نمارة بن لخم من بني كهلان، بن سبأ ومن سبب سكناهم فيها/147/ومنهم المنذر وابنه النعمان الأكبر الذي بنا قصر الخرونق المشهور وإليه ينسب شقائق النعمان لأنه حمى أرضا كثر فيها ذلك ومنهم عمر بن هند والمنذر بن المنذر الذي سار لحرب الأعرج القساني ومنهم النعمان الأصغر ممدوح النابغة الذبياني،  قال حسان بن ثابت، وفدت أيام[84] الجاهلية على النعمان فقيل لي أن عنده النابغة يمدحه فتلطفت حتى أتيت السرادقات قال فسمعته ينشد له قصيدته البائية التي منها :

كأنك شمس والملوك كواكب                                 اذا ظهرت لم يبد منهن كوكب

ولما أتمها أمر له بمائة ناقة سودة الأحداق من أبله الشقصية فو الله إني حسدته على جودة شعره أكثر من حسدى له على المائة ناقة ويوم حليمة المشهور الواقع بين آل محرز وآل جفنة ملوك الشام ففي التواريخ أن صاحبه المنذر المتقدم يقال أنهم روافيه النجوم في النهار لشدة نقعه ونسب لحليمة إنها عملت طيبا تعلم به من يفر وأما يوم النعيم ويوم البؤس فهو للنعمان الأكبر او المنذر أبوه فيوم النعيم يبذل فيه الأموال ويوم البؤس يقتل فيه أول من أتاه وقد اتاه في يوم بؤسه عبيد بن الأبرص، بفتح العين شاعر الجاهلية المشهور وقت البكرة فقال له الملك لو كان هذا القتل لغيرك فقال له جئتك بالحاين رجلاه فذهبت مثلا فناوله رأس ظربان بضاء مشالة وراء مكسورة وجمعه ضربى قال أبواعلى الفارسى لا يجمع على فعلى بكسر الفاء وسكون العين اللافظتين ضربى وحجلى والظربان دوبية شكل الهر منتنة الرائحة لكثرة فسوها فقال حينئذ : أبلغ قومي وطريفي والتالدة فللموت ما تلد الوالدة

فقال له أختر بما تموت أما من الداهش أو الوريد أو الودج فأنشا/فأنشد/يقول:

فخيرني ذو البؤس في يوم بؤسه                           ثلاثا أوافي كلها الموت قد برق

كما خيرت عاد، من الدهر مرة                             سحائب ما فيها لذى خيرة اتق

سحائب ريح لم توكل ببلدة                                   فتتركها إلا كما ليلة الطلق

ثم أمر به فقتلوه صبرا، وقال فيه بعض الشعراء الأدباء/148/:

له يوم بوس فيه للناس أبؤسا                             ويوم نعيم فيه للناس انعم

فلو أن يوم الجود صيلت أيامه                            توالت فلم يبق على الأرض معدم

ولو أن يوم البؤس أرخى عنانه                              على الناس لم يبق على الأرض محرم

وعمر بن هند المار الذكر هو الذي قتل أخوه تميم[85] أخاه قابوس فحلف أن يحرق مائة فحرق تسعة وتسعين وإذا بوفد البراجم من ساداتهم لما حاذا الحيرة أبيا من العراق شم رائحة المحترقين فظن أن الملك يطعم الناس وما شم رائحة شوى فقصده فلما وقف عليه قال الشيء وفد البراجم فأمر به فحرق وصارت مثلا يقال أنه قال الملك لا يكبنى في النار إلا أكفائي فأخذه اثنان من أهل الدولة فلما أوقفه على شفير خندق النار صار يمسح شسع نعليه فقيل له في ذلك فقال أردت أن لا ادخل النار إلا نظيفا ثم أخذ برجل كل واحد منهما فسقط الجميع في النار وعمر هذا هو الذي قتل طرفة بن العبد وهرب الملتمس في قضية وهي إنما مدحاه ثم هجاه فكتب لكل واحد كتابا لعامله بعين التمر لجائزة فلما أتيا الفرات وجدا شيخا على شاطئه يغوط ويأكل ويقتل القمل فضحكا منه فقال وما على أن أهبط داء وآكل غذاء وأقتل أعداء خير من الحاملين حتف أنفسهما أما الملتمس فنأول كتابه لمن قرأه فوجد فيه أمر العامل بعين التمر اذا أتا إليك الملتمس اقطع يديه ورجليه وادفنه حيا فقال لطرفة وجدت في كتابى كذا وكذا ولاشك أن في كتابك مثل ذلك فقال له طرفة أنى لا افتح كتاب الملك وهو كتب لي بالجائزة فأخذ الملتمس كتابه ومزقه وهرب وفيه قوله:

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله                           والزاد حتى نعله ألقاها

وصارت صحيفته يضرب بها المثل ولما أمر صلى الله عليه وسلم بكتب إقطاع من الأرض لحجر بن وائل ولما كتبه قال للنبي صلى الله عليه وسلم رسول الله اقرأه إني أخاف أن يكون ككتاب الملتمس وقال الحريري في مقاماته كالمتلبص إلى كتاب الملتمس ثم أن طرفة ذهب للعامل المذكور فنأوله الكتاب ففك ختامه وقرأه فأمر بقتله فقتلوه وهو القائل في عمر وكنيته أبو قابوس.

أبا قابوس أفنيت فاستبق بعضنا                        وان لبعض الشر أهون من بعض

/149/والنعمان المذكور ممدوح النابغة هو الذي قتله كسرى أبريوز وبسببه كانت وقعة قار الاتية وسببه أنه قتل زيد العبادي بكسر العين وتخفيف الباء ولما صار ابنه كاتبا عند كسرى وهو أول عربي كتب في ديوان العجم، ووافق ذلك أن كسرى خطب أخت النعمان فأنف وأبى وقال للرسول في نفر السود أن كفاية للملك فوجد/عن/السبيل لإذاية النعمان وأغراه عليه حتى قتله وآخر هؤلاء الملوك المنذر بن النعمان المذكور فلم ينتظم أمره لغلبة الإسلام على الأمم حتى هرب إلى الشام وضاق به ذرعا فأتى مسلما أيام عمر رضي الله عنه وانقرض ملك آل محرق من الحيرة وغيرها وبهدم ملك الفرس، هرموء ومن نسل النعمان بنو عباد ملوك الأندلس أولهم القاضي ابن عباد، ثم المعتضد، ثم محمد الأديب المشهور الذي مات في سجن يوسف بن تاشفين بأغمات سنة تسع وثمانين وأربعمائة وقد خطب المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه هندا بنت النعمان بن المنذر فقالت له لم يبق في أربعة للرجال إلا أنك أردت أن يقال تزوج فلان بنت النعمان بن المنذر ثم قالت:

وكنا نسوس الناس والأمر أمرنا                            إذا بنا اليوم سوقة نتكفف

ونظير هذا أن بني أمية، لما ذهب ملكهم من الأندلس قال رجل لابن واحد منهم من أنت فقال كنا لانسئل هيبة والآن صرنا بين الأوباش سوقة،الخبر عن ملوك الغوطة بالشام من الغسانيين، قال ولما أنجلوا من اليمن لما فسد سد مأرب ومزقوا كل ممزق نزلوا على ماء وهم قبائل كثيرة فقيل لهم غسان وهم على يد القياصرة، كما أن آل محرق ملوك الحيرة على يد الأكا سرة كما مر أولهم جذع الغساني وسبب ذلك أن سليخا بطنا من قضاعة، من حمير، كانوا ملوك قبلهم ولهم على غسان أتاوة دينار لكل رأس فاتى سبطة السليخى لجذع لأجل الدينار فدخل بيته وأخرج/150/السيف في يده وصار يضربه به ويقول له خذ من جذع ما أعطاك فصارت مثلا وملك موضعه وترادفت ملوكهم بالغوطة ستمائة سنة وسنة كما أن آل محرق يقربون من تلك المدة منهم الأعرج صاحب يوم حليمة المتقدم ومنهم الحارث بن ابى شمر الغسانى الذي كتب له صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فأبى ومات على كفره وهم بالغزو للمدينة وعزم على ذلك كما يؤخذ من صحيح البخاري في قصة أعثرال النبي صلى الله عليه وسلم نساء شهر أو آخرهم جبلة بن الأبهم بفتحات ولما هزم الله الروم، باليرموك وغيره وطهر الله إقليم الشام منهم أسلم جبلة ووفد على عمر في خمسمائة فارس وهو وإياهم في زي عظيم فتعجب من ذلك المسلمون وقد جعل في إذنه قرط جدته مارية الذي يضرب به المثل يقول الرجل لغيره إذا رغب في شيء اشتريه ولو بقرط مارية وكان فيه جوهرتان نفيستان قدر بيض اليمامة ما حوتهم خزانة ملك ولا امرأة ملك ولو كسرى وقيصر وقد ضرب فساطيطه وسرادقاته خارج المدينة وفرح عمر والمسلمون بإسلامه ثم إن عمر خرج للحج فخرج معه بأصحابه فبينما هو يطوف بالبيت وإذا رجل من بني فزارة أيضا يطوف فوطنى أزار جبلة فحركته نخوة الملك فلطمه فهشم أنفه فشكى الفزاري لعمر رضي الله عنه، فدعا بجبلة فأتى ومعه أهل دولته فقال له عمر ما حملك على هذا حتى هشمت أنف الرجل فقال له اعتمد حل ازاري فقال له عمر أرضه بما يرضى به وإلا فيهشم أنفك كما هشمته فقال له أيكون هذا وأنا ملك وهو من السوقة وقد قال إنى رجوت أن أكون عزيزا في الإسلام اعزّ منى في الجاهلية فقال له عمر لابد من الذي قلت لك لأن الإسلام جمعكما ولن تفوق الفرازي إلا بالتقى قال ولما رأى عمر صمم على القود أو الدية رضي الفزاري قال فقال له جبلة أمهلني الليلة أما إن أصلحه إن رضي أو أقيده منى قال فأمهله عمر إن رجع تلك الليلة فلما نام الناس رحل بأصحابه إلى غوطة الشام ثم إلى القسطنطينية فرحب به هرقل ملك الروم وأقطعه إقطاعات وأعطاه أموال عظام من كل نوع واسكنه دارا من ديار الملوك ثم إن عمر كتب لهرقل يدعوه إلى الإسلام مع دحية بن خليفة الكلبي فلما قرأ الكتاب وكتب جوابه وأجاز دحية قال له إن شئت اذهب/151/إلى جبلة ابن عمكم الذي رغب عن دينكم وأتى راغبا في ديننا فاتاه فرحب به جبلة وأمر بإحضار كرسي أجلسه عليه ثم أمر بعشر كراسي عن يمينه وعشر عن شماله فجلس عليهم جوارى مثل الأقمار بمناطق الذهب ثم أخذت كل واحدة عودها واندفعن يغنين:

تنصرت الأشراف من لطمة                                  وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكلفني فيها لجاج ونخوة                                        وبعت لها العين الصحيحة بالعوز

فيا ليت أمي لن تلدني وليتني                                رجعت إلى القول الذي قاله عمر

ويا ليتني أرغى المخاض بقفرة                                وكنت أسيرا في ربيعة، أو مضر، 

ويا ليتني بالشام أدني معيشة                               أجاور قومي ذاهب السمع والبصر

أدين بها دانوا به من شريعة                                 وقد يصبر العود الصجور على الذي بر

فواخجلتي من زلة قد زللتها                                   وعاقبتي أخشى تكون إلى صفر

قال ثم كثر السؤال عن حسان بن ثابت،  وعن عمر رضي الله عنهما ولما رأيته يسأل عن الصحابة مع ما قال لي أول دخولي عليه وقد أبيت أن أجلس على كرسى الذهب وقلت له نهى عنه صلى الله عليه وسلم قال: صدق صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس واجلس على ما شئت طمعت في إسلامه وقلت ويحك يا جبلة أسلمت وقرأت شيئا من القرآن ثم ارتديت أسلم فقد ارتد قوم وأسلموا فو الله لقد فرح بهم عمر والصحابة فقال لي إن زوجنى عمر ابنته وجعل لي الأمر من بعده أسلمت ولما شرعن الجوارى في إنشاء الشعر المار شرع هو في البكاء وجارية تمسح له الدموع قال ثم أمر بإحضار الموائد فأكلنا ثم أتت جارية على رأسها طير وفي يديها جامان فيهما أنواع الطيب وهما من ذهب فصفرت على الطير فسقط في جام منهما ثم رفرف على رأس جبلة وتاجه فذروا عليه الطيبل ثم وقع في الأخر كذلك ثم أجازني جائزة سنية وناولنى شيئا من كتاب رفيع وقال لي ادفعه لحسان بن ثابت فانصرفت وودعنى فلما بلغت المدينة أديت لعمر رسالة هرقل ثم أخبرته بخبر جبلة وما هو فيه من ترف العيش وقلت له والله إني رأيت على بابه من البهجة والحجاب والحرس وغير ذلك ما لم أراه بباب/152/هرقل ثم حضر حسان وقد عمي بصره فقال رائحة آل جفنة هنا وقال لدحية أدى الأمانة فأعطاها له فقال حسان يمدحه بقصيدة الذي منها هذه:

لم ينسنى بالشام اذ هو ربها                                  كلا ولا مقيما ببلاد الروم 

فقال له رجل من مزيتة تطرى الكافر فقال له لولا سابقة قومك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لطوّقتك طوق الحمامة وقد قال له عمر كيف رأيت وعرفت أن جبلة يبعث لك قال كنت اذهب لهم في الجاهلية بالغوطة ونمدحهم فقالو إلى متى ما لقينا أحدا من يثرب إلاّ بعثنا معه جائزة لك قال دحية ثم إن عمر أرسلنى لهرقل وقال لى إن جزت على جبلة قل له أزوجه ابنتى، وأما العهد له بالخلافة فذلك إلى الله تعالى، فلما قربت من باب القسطنطينية، واذا الناس منصرفون من جنازته، فقلت سبق عليه الشقا. قال الشريشى ويقال : أن برجولة من النصارى، من نسله قلت واحسب أن منهم غرناوط اسلموا بعد ذلك ومن شعر حسان في آل جفنة:

بيض الوجوه شريفة أحسابهم                             شم الأنوف من الطراز الأول

تراهم جلوسا عند قبر أبيهم                                 ابن مارية الماجد المتفضل

نجم غشيانهم لا يهر كلابهم                                  ولا ينظرون إلى السواد المقبل

وكانوا متعصبين لدين النصرانية وكانوا أشد النصارى، على هرقل لما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن خلكان، ما بقي من العرب، إلا ثلاث قبائل على الكفر، نتوخ، وبهرا، وتغلب، قلت ولو زاد غسان لكان أشمل وقد هدم الصحابة ملك الروم، من الشام وهدموا ملك آل جفنة من الغوطة وهدم السلطان محمد العثماني ملك القياصرة، من القسطنطينية وكان هرقل فرّ لها لما هزمت جنوده يوم اليرموك وصار يلتفت ويقول : ابقي بسلام يا سورية.

إنتهى الجزء الأول

الهوامش

[1] في النسخة (ب) يمحيها.

[2] في النسخة (ب) موصلة.

[3] الصواب "هداة".

[4] في نسخة ب "أحله"

[5] في نسخة ب "الاعتبار"

[6] في نسخة ب "أبت"

[7] في نسخة ب "الأحباب".

[8] في نسخة ب " سابق ". أنظر ترجمته: الناصري، أبو العباس (1997)، الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري/ محمد الناصري، الدار البيضاء - المغرب، دار الكتاب، ج. 1، ص. 121.

[9] في نسخة ب " بملايين "

[10] سورة الروم، الآية 09.

[11] سورة يوسف، الآية 03.

[12] سورة آل عمران، الآية 62.

[13] سورة يوسف، الآية111.

[14] في النسخة "ب" له.

[15] وجود تعليقات وعبارات تمليك مهمة لهذا المخطوط، حاولنا إيرادها هنا وهي: تملك بهذا السفر الذي هو الشماريخ في علم التاريخ الفقيد السيد عبد القادر ابن الموفق فصار ملكا له بالشراء الصحيح والثمن المدفوع من كاتبه عبد القادر الطاهر بن عمر في ثامن رمضان من عام أربعين وثلاثمائة وألف.

الحمد لله وحده استعرت هذا المجلد من مالكه السيد الطاهر ابن عمر وحين نقضى الغرض منه نرده له إن شاء الله كنت مقيدا خوف الموت والنبأ بتاريخ ثاني ربيع...؟ 1282هـ، على من ولد فيه ألف صلاة وألف سلام عبد ربه الطاهر ابن محمد بن الطاهر المحفوظ أصلح الله له الباطن والظاهر والعلانية والسراير أمين أمين.

[16] أنظر حمدادو، بن عمر (دراسة و تحقيق) (2011)، أبو راس الناصر المعسكري، الشقائق النعمانية في شرح الروض السلوانية، بيروت، دار الكتب العلمية.

[17] سورة إبراهيم، الآية 09.                                                                                   

[18] العاقلة: هم من يحملون دية الخطأ، وهم عصبة الرجل وأهل نصرته‏.

[19] فوري، البرهان (1981)، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق حياني بكري، صفوة السقا، المدينة المنورة، مؤسسة الرسالة، ط. 5، ج. 13، ص. 625.

[20] نسبه صلى الله عليه وسلم هو:" محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم،  بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، بن نزار بن معد بن عدنان. ونسبه صلى الله عليه وسلم إلى هنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، لا خلاف فيه بينهم، وما فوق عدنان مختلف.

[21] سورة الأنعام، الآية 85.

[22] سورة الأنعام، الآية 86.

[23] سورة آل عمران، الآية 33.

[24] سورة آل عمران، الآية 61.

[25] سورة التحريم، الآية 12.

[26] الجزائري، أبو بكر(2003)، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ط. 5، ج. 2، ص. 543. و المناوي، محمد عبد الرؤوف (1994)، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، صححه أحمد عبد السلام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط. 1، ج. 3، ص. 332.

[27] ينظر: بن حنبل،  أحمد، الشيباني، مسند أحمد، ج. 18.

[28] سورة آل عمران، الآية 65.

[29] سورة العنكبوت، الآية 14.

[30] سورة الأعراف، الآية 70.

[31] سورة الأعراف، الآية 74.

[32] سورة الحجر، الآية 27.

[33] سورة البقرة، الآية 30.

[34] هكذا في الأصل والصواب "باب لون". أنظر: العسكري الدمشقي، عبد الحي بن أحمد (1986)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، بيروت، دار الكتب العلمية، ج. 3، ص. 108.

[35] هكذا في الأصل والصواب "مهلاييل". ينظر: السيوطي، جلال الدين (1967)، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، مصر، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط .1.

[36] ابن خلدون، عبد الرحمن، العبر وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب، والعجم ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ج. 4، ص. 241.

[37] قال البيهقي،  في شعب الايمان (1/199) : "رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير و عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم،  بن سعد". في حين قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده ضعيف لضعف مجالد : وهو ابن سعيد.

[38] سورة المائدة، الآية 43.

[39] سورة آل عمران، الآية 93.

[40] سورة المائدة، الآية 44.

[41] سورة الصافات، الآية 77.

 [42]يقصد به الإبريز و الإكسير في علم التفسير، و هو مخطوط يشتغل عليه الباحثان العربي بوعمامة وحمدادو بن عمر بغية تحقيقه.

[43] هذا الكتاب يشتغل عليه مجموعة من الباحثين بغية دراسته و تحقيقه بجامعة وهران 1 أحمد بن بلة.

[44] يراجع : المعسكري، أبو راس الناصر، أقوال التأسيس فيما وقع أو سوف يقع من الفرنسيس، مخطوط خاص نشتغل على تحقيقه.

[45] سورة أل عمران، الآية 74.

[46] سورة النجم، الآية 51.

[47] في النسخة (ب)، أشدت.

[48] في الأصل "وبارزهم".

[49] سورة البقرة، الآية 133.

[50] سورة الصافات، الآية 101.

[51] سورة البقرة، الآية 127.

[52] سورة الشعراء، الآية 22.

[53] سورة يوسف، الآية 101.

[54] سورة يوسف، الآية 72.

[55] سورة يوسف، الآية 56.

[56] سورة يوسف، الآية 55.

[57] سورة الأعراف، الآية 175.

[58] في بعض المصادر التاريخية تكتب ليئة.

[59] سورة البقرة، الآية 49.

[60] سورة القصص، الآية 13.

[61] سورة الشعراء، الآية 62.

[62] الصواب "أر" بحذف حرف العلة.

[63] الصواب "أر" بحذف حرف العلة.

[64] سورة الشعراء، الآية 63-66.

[65] في تاريخ ابن خلدون، مجلد 2، ص. 98.

[66] سورة المائدة، الآية 23.

[67] سورة الأنبياء، الآية 80.

[68] سورة الشعراء، الآية 16-17.

[69] سورة طه، الآية 47.

[70] سورة القصص، الآية 43.

[71] سورة المائدة، الآية 21.

[72] سورة الشعراء، الآية 58.

[73] سورة الدخان، الآية 28.

[74] سورة البقرة الآية 259.

[75] سورة البقرة الآية 259.

[76] سورة البقرة الآية 102.

[77] سورة البقرة الآية 144.

[78] في النسخة "ب" يستاسف ترهبن.

[79] شيرويه بن كسرى، واسم أبيه أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباز، ولم يعش شيرويه بعد قتله أباه إلاّ ستة أشهر أو دونها. لابن كثير، البداية والنهاية، ج. 2، ص. 180.

[80] قال بعضهم : "أزدشير" بالهمزة والزاي وهو لفظ عجمي. ينظر: ابن خلكان،  وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط. 1900، ج. 2، ص. 356.

[81] في نسخة "ب" زدن.

[82] كلمة عامية معناه خُذْهُ.

[83] في الأصل وزهادهم.

[84] في نسحة "ب" وفد.

[85] في نسحة "ب" تصيم.