Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 كتب كراسك، 2016 ، ص.31-93، ردمك:6-04-598-9931-978 | نص كامل


عبد الله تاني قدور. بن عمر حمدادو و العربي بوفمامة

يعتبر مخطوط "زهر الشماريخ في علم التاريخ" لصاحبه أبي راس الناصر المعسكري من أهم مؤلفاته التاريخية لكونه يُعتبر مصدرا للتراث التاريخي الجزائري خصوصا والعربي عموما.
يتناول موضوعه استقصاء بعض أخبار المؤرخين وما صنّفوه، ويصنّف المخطوط ضمن التاريخ العام، حيث يضمّ طائفة هامة من الأخبار منذ بدء الخليقة إلى البعثة النبوية، كما يتضمّن من بين موضوعاته الأخرى عروضا مهمة عن شمال إفريقية وسكانها الأمازيغيين ومآثرهم، خصوصا قبائل البربر، وزناتة، وعن الترك، وملوك فرنسا، وملوك الأندلس، كما يتناول الحديث عن اليونان وبعض قبائل العرب،  كما يتكلم عن الصوفية ويناقش آراء ابن خلدون، ومع كل هذا، يعتبر هذا مخطوط مخطوطا فتيا لم يطبع بعد، لازال يحتاج إلى التعريف به.
اعتمد أبو راس الناصر المعسكري في جمع بعض هذه الأخبار على مجموعة هامة من مصادر التراث، ولعلّ تقريب الباي مصطفى بوشلاغم له والذي أنشاء له مكتبة كانت العامل الرئيسي الذي ساعده على جمع هذا الكم الهائل من أخبار المؤلفين ومؤلفاتهم، كما سلك في نهجه لمؤلفه "زهر الشماريخ في علم التاريخ" طريقة الإخباريين والمحدّثين القدامى، إلاّ أنّنا نجده تارة يناقش آراء ابن خلدون، في سياق النقد والردّ، ويصوّب بعض الآراء التاريخية تارة أخرى، ممّا دفع علماء عصره بتلقيبه "بحافظ المغرب الأوسط".
بعد هذا التقديم الموجز لمكانة مخطوط" زهر الشماريخ في علم التاريخ"، يمكن استخلاص الملاحظات التالية :
فمن حيث القيمة التاريخية، من مزايا هذا المخطوط إظهاره عالما من علماء المغرب الأوسط (الجزائر) ظل مغمورا يكتنف حياته الغموض، و من خلال العثور على هذا المخطوط و تحقيقه ستتمكن الأجيال اللاحقة من التعرّف عليه الاطلاع على آثاره،
إذ أنّ المادة التاريخية التي تضمنها المخطوط السالف الذكر، بين دفتيه تعين إلى حد بعيد الدارس والباحث على الكشف عن جوانب مهمة من حياته، ومكانته العلمية، وتوجهه التاريخي والفني، وذوقه الأدبي، ومستواه المعرفي.
إنّ نُسخ المخطوط التي عُثر عليها متعددة وفريدة من نوعها، وهي نُسخ كتبت بعد عصر المؤلف، ولعلّ هذا ما يؤكده تاريخ الفراغ من التأليف (1271هـ/ 1854م) بالنسبة لنسخة خزانة أبي عبد الله شراك. نسخة بالرغم مما تحويه من الأخطاء لم تراجع بعناية ولم تصحح بالدقّة اللازمة، فهي نسخة قديمة يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، و الحال نفسه بالنسبة لنسخة خزانة القصر الملكي 1293هـ).
تظل نسخ المخطوط إلى جانب مخطوطات أخرى مثل "عجائب الأسفار ولطائف الأخبار"، و"الخبر المعرب"، و"الحلل السندسية"، و"أقوال التأسيس"، كل ما تبقى من أعمال وإنتاج أبي راس الناصر، فقد ضاعت جلّ أعماله، أو هي في حكم المفقود، فلا يسع الباحث أن يتخطى هذه النسخ اليتيمة إلى غيرها بل يتوجب العمل على تحقيقها وطبعها.
أما القيمة العلمية للمخطوط من حيث الأسلوب، فقد دوّن أبوراس مخطوطه هذا على منوال كتب القدامى بأسلوب سهل واضح، غاية في الحسن والجمال، والجودة واللطافة والبيان؛ أسلوب أنْفذ إلى القلب، وأشدّ استثارة للاهتمام، وأدْعى إلى ابتعاث أنبل الأحاسيس، وأشرف العواطف، وأقوى انبثاقا لينابيع الخيال والإلهام والحدس والوحي، بعيدا عن التعقيد والغموض والتكلّف والتصنّع المبتذل والضجيج اللغوي.
 فهو أسلوب تستدعيه الطبيعة المعرفية والتكوينية، والغاية الدينية، يوازن فيها أبو راس الناصر بين السرد والإخبار والتقرير، وبين العرض والمناقشة والتحليل والتفسير والتعليق، موازنة توحي بامتلاكه الحس النقدي الجيد الذي يرفعه إلى مقام كبار العلماء.
ومن حيث المادة المعرفية، فمخطوط أبي راس الناصر يزخرُ بمادة غنية، جمعت نخبا من المعارف الطريفة المختارة المتنخلة التي تجمع إلى حد بعيد بين سمو المعنى ورقته ولطفه، وبين دقة اللفظ وجزالته وسهولته. مادة متنوعة، ليست من طبيعة
 واحدة، ولا من مذهب واحد، ولا من مَصر واحد، كما أنّها ليست لجيل واحد، وإنّما هي مادة من ألوان شتى ومذاهب متنوعة، وأمصار مختلفة متباعدة، ولأجيال متباينة متفاوتة من العلماء.
ومن حيث المنهج، يخضع مخطوط أبي راس الناصر المعسكري لمنهج محدّد ينتظم وفقه البناء العام للموضوع، وقد حدّد أبوراس معالمه بدقّة في المقدمة، قائلا: "وذكر الأمم الماضيين الأقدمين إلى بعثة خاتم النبيين، ولا أذكر ما بعده في هذا التأليف المهذّب المختار الأعلى طريق الانجرار"، وقد حاول أن يلتزم به على طول التأليف بنسب متفاوتة حسب ما يستدعيه المقام، الشيء الذي جعل من المخطوط وحدة متكاملة، منسجمة مفيدة.
البطاقة التقنية للمخطوط
الوصف الخارجي
اعتُمِد في إخراج نص مخطوط "زهر الشماريخ في علم التاريخ" على نسختين هما : النسخة "أ" وتعدّ من نفائس أحباس خزانة الزاوية العدّاوية بتيارت، وهي ملك لوزير الشؤون الدينية والأوقاف الأسبق أبو عبد الله غلام الله، أهداها لفريق البحث عن طريق أبي عبد الله شراك . و النسخة "ب" التي توجد منها نسخة أخرى مصوّرة على الميكروفيلم بمكتبة القصر الملكي بالرباط (الخزانة الحسنية) تحت رقم:13923.
ونسخ المخطوط عبارة عن مجلد متوسط من الحجم الصغير، رثّة متقادمة، مصفرّة على الطريقة القديمة، مكتوبة على ورق من القطع الغليظ ومن الحجم المتوسط، مقياسه (16/12)، عدد صفحاته (230)، ضمّت كلّ منها ما بين (22) سطرا، وفي كلّ سطر ما بين (12 و13) كلمة.
الوصف الداخلي
تمكّن فريق البحث من الحصول على نسختين، إحداهما قريبة من عصر المؤلف لمخطوط أبي راس الناصر، كان قد زوّدنا بها الشيخ أبي عبد الله شراك، وهي من توقيع الشيخ عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن بغداد ناسخ المخطوط، مكتوبة على الطريقة المعهودة عند المصنّفين القدامى، حيث يقول في آخر ورقة من هذه النسخة: "انتهى على يد كاتبه عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن بغداد"  بخط مغربي مقروء وواضح، يتوزّع اللون الأسود والأصفر والأحمر والأزرق والأخضر بين صفحاتها، فهي نسخة كاملة واضحة تحمل تاريخ الانتهاء من تأليفها.
أمّا الأخرى فهي نسخة القصر الملكي بالرباط المصنّفة تحت رقم:13923، مكتوبة هي الأخرى بخط مغربي مقروء وواضح، يتوزع اللون الأسود والأصفر والأحمر والأزرق والأخضر بين صفحاتها، وهي نسخة كاملة واضحة، تحمل تاريخ الانتهاء من نسخها، حيث يقول ناسخها: "فرغت من النسخة المباركة بحمد الله وحسن عونه، في سادس محرم الحرام يوم الأربع وقت الزوال، عام ثالث وتسعون ومائتين وألف، على يد عبيد ربه تعالى محمد بن أحمد الصديق الحسني".
ساعدت كتب الفهارس والبرامج والإثبات فريق البحث على تحديد نسبة هذا المخطوط لأبي راس الناصر المعسكري، وقد اعتمد في نسبة ذلك لمؤلفه لأبي راس الناصر على:
أ- وجود اسم المخطوط ضمن مخطوطة له نشرها يحي بوعزيز الموسومة بـ: "شمس المعاريف في نسبة التواليف" (التآليف).
ب- المقدمة والخاتمة للمخطوط تثبتان توقيع وورود اسم المؤلف، وهو توقيع جار على عادة القدماء، ويدلّ دلالة واضحة على نسبة النسخة لصاحبها أبي راس.
ج- عرض النسخة على مجموعة من المُحكّمين في والتراث المخطوط المتمرّسين بميدان تحقيق النصوص.
إن مجمل السّمات التي تحملها هذه النسخة، وكذا الأخطاء الكثيرة التي تسرّبت إليها لا تستدعي الشّك في أصالتها.
تعتبر نسخة مخطوط "زهر الشماريخ في علم التاريخ" نسخة تامة وقد بلغ عدد صفحاتها 230 صفحة، تستهل متنها على النحو التالي: "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله. الحمد لله الذي لا يزول على تواريخ الدهور ولا يدول، ولا لمشيئته وإرادته اضمحلال ولا عدول، وعزّه دائم، وأحوال ما سواه تحول..." .
كُتبت هذه النسخة بخط مغربي قديم، متوسط الجودة، بقلم غليظ، واسع غير دقيق، سهل القراءة أحيانا، وصعب أحيانا أخرى، وقد أنفق فريق البحث في قراءته وقتا ليس باليسير. تحمل النسخة زخرفة وتزويقا، كما استُعمل في كتابتها مداد أسود داكن تارة وباهت تارة أخرى.
أمّا عناوين المخطوط البارزة فقد كُتبت بخطوط مميّزة إمّا بلون أحمر أو أصفر أو أزرق. يُهمَل رسم الهمزة على الألف وهي عادة عند القدامى، ويُخلَط أحيانا كثيرة بن الممدود والمقصور، بل قد يُتعسّف بكتابة الكلمة مرة ممدودة ومرة مقصورة.
النسخة كلها مشكولة، باستثناء بعض الكلمات وغالبًا ما يُعمد إلى شكل بعض كلماتها إمّا بالكتابة أو بالوزن. تسرّبت إليها أخطاء كثيرة إملائية ونحوية والأرجح أنّها أخطاء ناتجة إمّا عن السهو وإمّا عن النسخ، والراجح أنّ المؤّلِف والناسخ معًا قاما بعملية تصحيح لكنها كانت سريعة وغير شاملة لكل الجوانب.
العرض الوصفي للمخطوط
جاء العرض الوصفي المركز لأهمّ الأحداث والتطورات السياسية والفكرية والعلمية التي شهدها عصر الشيخ أبي راس الناصر المعسكري حرصا على وضع القارئ في السياق التاريخي للنصّ من جهة، ورغبة في تلمّس مظاهر التأثير والتأثر بالنسبة للمؤلف من جهة أخرى، وقد وجد فريق البحث أنّ السمة الغالبة على العصر هي القلاقل والفتن والانقلابات (العهد العثماني)، وأنّ أبا راس شخصية كان لها - رغم ذلك- حضور قوي، لكن التاريخ طواه وتناساه، كما طوى وتناسى الكثير من تراث الأمة، وما يمكن الإشارة إليه هو أنّ فريق البحث اقتصر على إخراج الجزء الأول من المخطوط نظرا لقيمته العلمية والأدبية.
 ومن أهم العناوين التي حواها مخطوط زهر الشماريخ نذكر ما يلي:
-    الخبر عن العرب، العاربة
-    الخبر عن إبراهيم،
-    الخبر عن أولاد يعقوب
-    الخبر عن حكام بني إسرائيل
-    ولاية طالوت أول ملوك بني إسرائيل
-    الخبر عن سليمان
-    الخبر عن بختنصر
-    الخبر عن دولة الأسباط
-    الخبر عن عمارة القدس
-    الخبر عن ملك هيرودس
-    الخبر عن مبعث عيسى
-    الخبر عن الفرس، ودولهم
-    الخبر عن دولة اليونان والروم
-    الخبر عن ملوك القياصرة،  
-    الخبر عن ملوك القوط
-    الخبر عن ملوك الموص ونينوى
-    الخبر عن ملوك بابل
-    الخبر عن ذكر العرب، المستعربة
-    الخبر عن ملوك التتابعة
-    الخبر عن ملوك الحبشة واليمن
-    الخبر عن البربر، وزناتة بشمال إفريقيا
-    الخبر عن ملوك الحيرة
-    الخبر عن ملوك الغوطة بالشام
-    الخبر عن ملوك الترك،  
-    الخبر عن الديلم
-    الخبر عن ملوك افرانسة
-    الخبر عن ملوك الأندلس
-    الخبر عن السودان
-    الخبر عن المؤرخين والحكماء
-    نيل الإرب في تفضيل العرب،  
-    الخبر عن بطون قريش،  
-    وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان والمكان
ولإبراز مكانة هذه الشخصية حاول فريق البحث جهد الإمكان أنّ يضع له ترجمة وافية تليق بمكانته وتوفيه حقّه، و لهذا الغرض اضْطُرّ إلى أن يستثمر أكثر من معلومة أو إشارة وردت في مخطوطة زهر الشماريخ، كما استطاع أن يعثر على بعض مصنفاته وأعماله العلمية والأدبية.
يعتبر "زهر الشماريخ في علم التاريخ" لصاحبه أبي راس الأثر الكامل والمهم الذي حفظه لنا التاريخ من بين جملة أعماله الهامة المحجوبة كليا إن لم نقل المفقودة، فهو الوثيقة الأساسية الموجودة التي تخلد ذكره، والعمل العلمي المتكامل هو الذي بإمكانه اليوم أن يساعدنا على رسم صورة واضحة له.
يشكل المخطوط محل التحقيق، بالنظر إلى كبر حجمه ووفرة مادته وغناها وتنوعها، مصدرًا مهمًا من مصادر التاريخ المغاربي النادرة، ووجهًا بارزًا من وجوه التعامل مع النصوص الابداعية خلال العهد العثماني، فهو تعامل علمي تنوعت أضربه، وتعددت علومه ومعارفه خدمة للقرآن الكريم، والسيرة النبوية والسنة الشريفة، اللغة العربية، الحياة التاريخة والأدبية والفكرية عموما.
ومن بين المواضيع التي يعالجها المخطوط مسألة نسب البربر، و البحث في تاريخ سكان شمال إفريقية، حيث يرجّح أبو راس الناصر المعسكري أصل البربر إلى الانتماء العربي وبالتحديد من جزيرة العرب، وذلك في قوله : "إعلم أنّ نسب البربر في القديم قيل أولاد نقشان بن إبراهيم، الخليل عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنّ هذه اللغة إنّما تعلقت بهم عند تبلبل الألسنة من أنّ الناس باتوا على لغة واحدة ببابل فأصبحوا وكل أحد على لغة" ، ويسترسل أبو راس الناصر في حديثه عن البربر قائلا: "وقال أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون، بعد ذكر نحو ما مرّ لنا والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره أنّ البربر من ولد كنعان بن حام بن نوح وأنّ جدّهم مازيغ " .
ويذكر ابن خلدون، عن أصل البربر، قائلا: "البربر قبائل شتى من حِمْيَر ومُضَر ولقيط وعمالقة كنعان وقريش تلاقوا بالشام ولغطوا فسماهم إفريقش  بالبربر لكثرة كلامهم..."، ويختلف الكلبي مع بعض كلام ابن خلدون فيقول: "إنّ كتامة  وصنهاجة ليستا من قبائل البربر وإنّما هما من الشعوب اليمانية تركهما إفريقش بن صيفي بأفريقية مع من نزل بها من حامية...".
كما نجد أبا راس يستطرد في كلامه عن البربر، مستدلا بقول ابن خلدون، قائلا فيهم: "لا خلاف بين النسابة العرب، من أن شعوب البربر الذين قدمنا ذكرهم كلهم من البربر إلا صنهاجة وكتامة...والمشهور أنهم من اليمنية" وفي توضيحه لكلام الكلبي و ابن خلدون هو إنهم عندما قسموا البربر إلى عرب وغير عرب ليس المعنى أنّهم قد قالوا بعدم عروبة البربر وإنّما فصلوا بين القبائل العربية التي كانت في الجزيرة العربية من حيث اللغة العربية التي كانوا يلهـون بها من ناحية وبين تأثير مناطق سكناهم على صفاتهم.
كما نجد أبا راس الناصر يفرد فصلا كاملا عن أهم الكاملين من هؤلاء البربر، (الأمازيغ) ويقصد بهم أهم علماء البربر وأهم مجالات اختصاصاتهم التي نبغوا فيها أمثال:
-    ابن النحوي صاحب المنفرجة
-    ابن أبي جمعة الوهراني
-    إبراهيم، التازي
-    الافريتي صاحب العقيدة
-    علماء الدين البجائيين
وخلاصة القول أنّ مخطوط "زهر الشماريخ في علم التاريخ " لأبي راس الناصر المعسكري مادة تعريفية غنية بمعلومات وحوادث تاريخية مهمة، إلى جانب مناقشتها مناقشة تراثية تتفق والفكر المنطقي المتعارف عند الباحث الأكاديمي.