Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2016، ص. 73-90، ردمك: 3-05-598-9931-978 | نص كامل


 


محمد صاحبي

 

مقدمة

لا يزال يُتحدّث عن الطرق التجاريّة المشهورة بشمال إفريقيا أو المغرب الإسلامي والصحراء، من ذلك طٌرُق الملح و الذهب وما سواهما، غير أنّ القليل جدا ممن تكلّموا عن طُرُق المخطوطات، بل وشبكات الطُّرق التي تمكّن من تعبيدها الرجال والنساء ممّن كانوا يحملون في زواداتهم وقلوبهم العلم والمعرفة والتسامح. أمّا الطُّرُق المقصودة هنا على وجه التحديد، فهي الطرُق الصوفيّة وزواياها المنتشرة في دول المغرب ودول الساحل و ما بعدها.

لقد كان لبعض الحواضر مثل تلمسان و الأغواط بالجزائر و فاس وسجلماسة بالمغرب الأقصى، ونفطة والقيروان بتونس و بلاد شنقيط دور هامٌ في ظهور وانتشار هذه الطُرُق، وعليه فالخطّ الذي ربط الشمال بالجنوب و العكس، كان الطريق الذي كان يسلكه الشيوخ و المريدون بين تلمسان و فاس نحو إقليم أدرار الواسع ومن ثمة نحو "تومبوكتو" وغيرها، ثم ينطلق مسار آخر يبدأ من غرداية و الهامل و بسكرة نحو نفطة وصفاقس التونسيتين. وهما الطريقان - حينما يلتقيان أو يتقاطعان - اللذان يسلكهما حجيج المنطقة كليهما أو الجزء الأكبر منهما باتجاه البقاع المقدسة.

من بين أهمّ الطرق الصوفية انتشارا بهذه المنطقة نذكر القادرية والتيجانية والرحمانية. لهذه الطُرُق الصوفيّة مجتمعةً عبر التاريخ، دور كبير في شؤون مجتمعات المنطقة من الناحية الروحية والسياسية. و سواء كان هذا الدور إيجابيا أو سلبيا، فإنّه قد خلق ديناميكية كبيرة قلّما شهدتها مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

أمّا بالنسبة لما يخص المغرب الأوسط أو الجزائر الآن، فبعد أفول حواضرها الكبرى مثل تلمسان وبجاية والجزائر و غيرها، إثر دخول المنطقة في مرحلة ردّ الفعل والدفاع  (الحروب الصليبية وغيرها من الفتن الداخلية)، وجدت الجزائر نفسها، وخاصة في فترة التواجد العثماني أبعد قليلا عن النظام المؤسسي العلمي والديني، على غرار القيروان أو القرويين أو الأزهر، حيث منعّت السلطة العثمانية بطٌرق شتى أن تتمتع المنطقة بمدارس منظمة و مهيكلة، فجاء دور الطرق الصوفية وزواياها منقذا من دخول المنطقة في الجهل الديني و المعرفي. وعلى الرغم مما يمكن أن يُقال عن دور هذه الزوايا، فإنّها كانت طيلة ستة قرون، الحاضنة للعلم الإسلامي (من فقه وسيرة لغة وغيرها).

وعلى أساس ذلك، نتجت حركة كبيرة في إنتاج أو إعادة إنتاج المعرفة- وإن كانت على نسق ماضوي- سمحت ببروز حركة نشطة أخرى، ممثلة في صناعة المخطوطات. و من ثمّة وضع سلعة ذات قيمة يُمكن أن تٌتبادل في شمال إفريقيا، لتكون إحدى صُور المسالك التي تسمح بعبور و تبادل مع حواضر بلاد السودان أو جنوب الصحراء.

ولمّا كان انتقال الكتاب المخطوط ، أي حامل المعرفة، مقترنا بانتقال هذا العلم من مكان إلى آخر في هذه المنطقة الشاسعة، لا يتفاجئ المرء، حينما يُدرك أنّ العديد من هذه الشخصيات العلمية والدينية، قد وُلدت و ترعرعت في بيئة ودُفنت في أخرى، بعيدة عنها من حيث المكان، لكنها قريبة من حيث الوجدان.

و الأمثلة على ذلك عديدة، لكن الأمثلة التالية تفي بالغرض. فهذا الشيخ أبو العباس أحمد التيجاني، المولود بعين ماضي بالأغواط في القرن 18 م، حيث أسّس الزاوية التي تحمل اسمه، قد عُرف عنه أنّه كان كثير الحلّ و الترحال. زار مصر والسودان والحجاز وموريطانيا إلى أن وافته المنية بفاس بالمغرب. وكان ابتعاده عن بلدته قسريا، حيث شعر بامتعاض شديد بما كانت السلطات العثمانية تكيله للجزائريين آنذاك.

أمّا النموذج الثاني فهو الشيخ المكي بن عزوز الجزائري، الرحماني الطريقة، الذي وُلد بمنطقة بسكرة، لكن ظروفا قد عجّلت بانتقاله إلى تونس ، ومن ثمة إلى الأستانة بتركيا حيث أصبح مفتيا للأستانة. وكذلك هو شأن أحد حفدة الشيخ المغيلي، القادري المذهب، ساهمت صروف الدهر في أن يكون أحد أعلام السنغال ومزارا لمريدي الطريقة هناك.

إن ما ذُكر في الحقيقة ما هو إلا جزء يسير، لأنّ علماء الجزائر ،الذين كان لهم شأن و مكانة كبيرة خارج ديارهم، حتى اعتقد البعض بأنهم سليلو المنطقة التي دُفنوا فيها، كُثر لا يتسع المقام هنا لذكرهم.

إن هذه العيّنة، لا يمكن لها أن تُخفي عنا، الاتجاه المعاكس لأولئك الذين وُلدوا بالسودان، شرقيُه أوغربيُه، أو مراكش أو القيروان، وحطّوا الرحال بالجزائر، يُدّرسون ويَفتون ويُجاهدون.

والمحصلة من هذه الطُرُق غير السريعة، الناقلة للمعلومات و المعرفة، أنّ تأسست مدن و حواضر مُنتجة للكتاب المخطوط، إبداعا واتصالا و صناعة وبلغ هذا الرصيد الوثائقي مئات الآلاف من النسخ، تُقدرها منظمة اليونسكو بأكثر من 400 ألف.

إنّ المخزون من المخطوطات بالجزائر، ليس في المكتبات الحكومية- وإن كان جزء منها في المكتبة الوطنية بالجزائر العاصمة وأماكن أخرى، وإنّما في خزانات العائلات والزوايا في كل أنحاء البلاد، و الجنوب منه على وجه الخصوص. فإذا علمنا أن عدد الزوايا بالجزائر حسب إحصائيات وزارة الشؤون الدينية لسنة 2003 كان 8900 زاوية و35 زاوية تعليمية (معاهد تعليمية دينية عليا)، وأنّ زوايا منطقة أدرار وحدها حاليا تقدر بما يربو عن 12 ألفا من المخطوطات، بعدما كان يفوق 27 ألفا خلال القرن الماضي.

مصير المخطوطات قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر

تتّجه غالبية المصادر بشأن مصير المخطوطات إلى الإقرار بأنّ عددا غير يسير منها قد تلف أو أحرق أو هُرِّب، سواء خلال الحروب والصراعات في فترة القلاقل والثورات التي شهدتها الجزائر والمغرب الإسلامي عامة، أو فترة النهب المنظم غداة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وما تبقى منه تمّ "تهريبه" للمحافظة عليه نحو الزوايا والمقامات بالجنوب الجزائري أو عند الأشخاص المنتمين إلى الزوايا (الطرق الصوفية) في الشمال.

فعندما تعرضت مدينة الجزائر مثلا إلى القصف من أسطول إحدى الدول الأوربية، اضطر بعضهم إلى نقل مكتبة الجامع الكبير إلى قلعة مولاي حسن، وكان النقل يتمّ بواسطة الجمال لمدة ثلاثة أيام، وكانت الكتب تنقل في "الغراير" ولاشك أنّ نقلها على هذا النحو ،قد أضر بالكتب، كما أنّه أدى إلى تفريقها بين الأيدي أيضا.

كما أوصى بعض أصحاب هذه المخطوطات بحمل مكتباتهم بعد وفاتهم إلى خارج الجزائر، كالمدينة المنورة. فقد حكى العياشي في رحلته : إنّ الشيخ محمد بن إسماعيل بتكوران بأعماق الصحراء، قد أوصى أن تحمل مكتبته إلى الروضة النبوية مع جثمانه، وأوصى كذلك بثلاثمائة دينار إلى من ينفذ ذلك، ولكن المكتبة قد عانت في الطريق قبل أن تصل إلى المدينة المنورة، فلم يصل من مجموع ألف وخمسمائة مجلد سوى مائة وسبعين كتابا[1]، كما أوصى الثعالبي تلامذته بضرورة تهريب كتبه نحو الجنوب مخافة أن تقع في يد الكفار.

لقد عرفت الجزائر برمتها أحداثا مماثلة، طيلة تلك الفترة، الأمر الذي أدى إلى انتقال كتب نادرة بأعداد ضخمة نحو مصر والمغرب وسوريا على سبيل المثال، ولا تزال بعض هذه المجلدات لحد الآن تحمل أختام أصحابها أو أسمائهم أو أسماء ناسخيها الجزائريين، كما هو الشأن بالنسبة لعدد لا بأس به من مقتنيات زاوية الهامل (بوسعادة) موجود الآن في مكتبة فاس "المغربية" أو كتب المفتي العنابي التي نفيت معه من العاصمة نحو القاهرة، والتي لا تزال هي الأخرى، تحمل ختمه.

المخطوطات بالجنوب الجزائري: الزوايا (الطرق الصوفية ومدارسها) نموذجا

لاشك أنّ علاقة الجزائري بالمخطوطات شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين الذين تعرضوا إلى محن التشريد والاحتلال- علاقة تاريخية وعاطفية أيضا. لذلك اعتمد بعضهم للحفاظ عليها طريق مواراتهم عن الأعين، سواء في مكتباتهم الخاصة "العائليّة" أو التابعة للزوايا. وقد كان هذا الأمر على سلبيته " سببا جوهريا في استمرار تواجد البعض من هذه المخطوطات إلى حد اليوم. ويمكن رصد هذه الأماكن –البعيدة عن الغارات والترهيب المنظم- في كل المناطق الداخلية من الجزائر مثل تمنطيط والأغواط وأدرار وبني عباس وورقلة والهامل ببوسعادة على سيبيل المثال، إذ لم يستطع الاستعمار الفرنسي مثلا من بسط نفوذه على كل التراب الجزائري أو معظمه إلا مع نهاية القرن العشرين ومشارف القرن الواحد والعشرين.

ولعلّ هذا الانتشار والدور التاريخي الذي لعبته الطرق الصوفية في الجزائر، ومنها الطريقة الرحمانية في المنطقة الشرقية للجزائر وجزء مهم من تونس، في صياغة جملة من التفسيرات التي يمكن أن توضّح مسألة الاهتمام الكبير الذي أولاه مشايخ الزاوية الرحمانية- مثل الشيخ "علي بن عمر" ببسكرة ومحمد بن أبي القاسم الهاملي ببوسعادة، وذويهم بتجميع المخطوطات واقتنائها، ذلك أنّ علاقة زاوية "علي بن عمر" بطواقة مثلا، لم تنقطع عن الزوايا الرحمانية الأخرى، التي عُدّت في نظر العديد من الباحثين بمثابة الأصل، وبقية الزوايا المحيطة بها فروع.

إنّ منطقة بسكرة عامة وطولقة خاصة، لم تكن بعد، قد عرفت ما يمكن أن تأتي به جحافل الجيش الاستعماري من تدمير وويلات، إذ لم يستطع الاستعمار الفرنسي من الولوج على المنطقة إلا مع حلول سنة 1843م.

ثم إنّ هذه المنطقة والجنوب الجزائري عامة، كان ملاذ العديد من العلماء والفقهاء وبعض مخطوطات مكتباتهم، النازحين من الشمال الذي لحقه الأذى من طرف جيوش الاحتلال، كما كان شأن علماء ومكتبات مدينة قسنطينة على سبيل المثال...

الطريقة الرحمانية في الجنوب الشرقي الجزائري وتونس

إنّ أهم ما يثير الاهتمام في موضوع الطرق الصوفية عامة في الجزائر والطريقة الرحمانية خاصة[2]، أنها كانت محل اهتمام منقطع النظير من طرف سلطات الاحتلال الفرنسية مع أواخر القرن التاسع عشرة وبداية القرن العشرين، حيث انكب إهتمام العديد من الدارسين والمستشرقين الفرنسيين على ذلك من أمثال "أ.كور A. Cour[3] ورينيه باصي R. Basset. فقد قام الأول وهو "كور" الذي كان يشغل كرسي اللّغة العربية بقسنطينة  (Chaire publique d’arabe)بإنجاز أهمّ دراسة عن الطريقة الرحمانية بالشرق والجنوب الشرقي الجزائري، بينما اهتم الثاني "رينيه باصي" بالمخطوطات عامة[4]4 وبمخطوطات الزاوية الرحمانيّة بالهامل في بوسعادة خاصة.

لقد اهتمّ الدّارسون والمستشرقون الفرنسيون، سواء أولئك الذين صاحبوا الحملات العسكريّة على المدن والقرى الجزائرية أو أولئك الذين اهتموا بمحض إرادتهم وفضولهم العلمي، بالطرق الصوفيّة عامة وبالطريقة الرحمانية على وجه الخصوص فحاولوا اقتفاء آثارها، ودراسة اتجاهاتها ،فشجّعوا بعضها وحاولوا محاربة البعض الآخر. وممّا وصلنا منهم على سبيل المثال، ما كتبه "أ.كور A.COUR" الذي يصف المنطقة الشرقية والجنوب الشرقي من الجزائر مع بداية القرن العشرين، فيما يخصّ علاقة الإدارة الاستعمارية بالصوفيّين، بالجيدة، ناقدا ما قام به الأتراك من تشريد للعلماء ومن الحكم المتسلّط للعثمانيين، وهو ما أدى في نظره إلى هروب العلماء وأقطاب الصوفيّة خارج مناطق نفوذ حكم الأتراك، وإن كان ذلك صحيحا نوعا ما، خصوصًا أنّه عرف عن تلك الحقبة من تاريخ الجزائر بقلة التأليف وعدم الاهتمام بالعلماء والمثقفين، ممّا ترتّب عنه هجرة الراغبين منهم في طلب العلم، فأدى الوضع العام إلى انتشار البدع وشيوع حلقات الذكر والأوراد وتعدّد طرق الصوفية وتطرّفها في عقائدها، وقد كان بعضها يعمل بتشجيع واضح من الحكام العثمانيين[5].

وعلى الرغم من أنّ ما كتبه "أ. كور" صحيح إلى حد ما، فإنّه ينعت بداية الفترة الاستعمارية بالمرحلة التي تمكن خلالها بعض العلماء وأقطاب الصوفيّة، من العيش في سلام، حيث قام الصوفيون وأصحاب الزوايا بربط علاقات الوّد والتسامح مع الفرنسيين..." [6]. إذن، ففي المرحلة السابقة على دخول الفرنسيين إلى الجزائر بعدة عقود نزح بعض العلماء والفقهاء نحو الجنوب هاربين من تسلّط العثمانيين حيث أسسوا زوايا تعليمية وصوفيّة في مناطق عديدة من الجنوب الشرقي مثل الخنقة (سيدي ناجي)، منعة، الرويسات، طولقة، تماسين، وكانت معظمها تتّبع الطريقة الرحمانية.

ولم يكتف هؤلاء العلماء المتصوفة بفتح تلك الزوايا في الجنوب الشرقي، بل راحوا ولأسباب تاريخية متعلقة بالحملات العسكرية الاستعمارية على الجنوب الشرقي خاصة والجنوب الجزائري عامة مع بداية الأربعينيات من القرن التاسع عشرة، يؤسّسون زوايا أخرى اشتهرت بالعلم والتصوّف في كل من الكاف ونفطة التونسيتين..

ولقد اشتهر في غضون ذلك علماء وفقهاء عديدين، قاموا برحلات دينية علمية عرفت إبان العهد العثماني بالرحلات الحجازية، وقام أصحابها بتأليف ما جادت به قريحتهم ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

- رحلة البوني (أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني) 1063-1107هـ،توفي وعمره 90سنة،رحلته موسومّة بـ : لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والآل.

- رحلة الورتلاني 1125-1193 هـ ورحلات أخرى لا يتسع المقام هنا لذكرها كلها.

وإن دل ما سبق على شيء، فإنّما يدل على أنّ الحركة الثقافية والعلمية في الفترة السابقة على احتلال الفرنسيين للجزائر كانت فترة كتابة وتأليف علميين، هذا من جهة، أمّا من جهة أخرى فإنّ ما ذُكر من تلك الرحلات كان الزاد العلمي لشيوخ ومريدي الزوايا في تلك المنطقة ومناطق أخرى، ولا عجب في ذلك، حيث لا تزال هذه الأعمال في شكلها المخطوط في معظم مكتبات الزوايا المذكورة.

زاوية « الهامل» الرحمانية ببوسعادة

اشتهرت هذه القرية الصغيرة وذاع صيتها مع تأسيس "مقام الهامل "الديني، الصوفي خلال القرن السادس الهجري، حوالي القرن الثالث عشر ميلادي، على يد سيدي عبد الرحمن بن أيوب، وعمه سيدي أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الله بن سيدي بوزيد جبل راشد قرب آفلو بالأغواط، وكان الغرض من تأسيس هذا المقام هو نشر تعاليم الدين الإسلامي وسط أهالي المنطقة. أمّا تأسيس الزاوية التعليمية فكان على يد الشيخ محمد بن بلقاسم، سليل سيدي بوزيد خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

يقول عنه الشيخ الحفناوي صاحب كتاب "تعريف الخلف برجال السلف "،الذي يعتبر هو ذاته أحد تلامذة زاويته، وابن المنطقة : "هو مالكي المذهب ،أشعري الاعتقاد، رحماني الطريقة، هاملي المسكن، جزائري الإقليم."[7] بدايته بالتدريس والاهتمام "بعلمي الشريعة والحقيقة" كانت في سنة 1265هـ 1844 م، وكان "يحضّر درسه في الفقه نحو ثمانين تلميذا أو أكثر"، من مختلف مناطق الجزائر، وكان الوحيد ضمن مشايخ الزوايا، الذي أشرك شيوخا آخرين في تدريس علوم الفقه والحديث، وما إلى ذلك من علوم تقليدية. وابتكر طريقة في التدريس عرفت بـ "الطبقات" حيث يتشكل التلامذة من طبقات، كل طبقة تعلّم ما دونها من طبقات في العلم.

اشتهر من بينهم العديد من العلماء والفقهاء، الذين لم يُعرفوا في المنطقة التي نشأوا فيها وحسب، بل ذاع صيتهم في بلدان أخرى مثل مصر وتركيا وتونس و المغرب، كما كان شأن العالم الشيخ المكي بن عزوز، الذي تلقّى تكوينه العلمي في زاوية الهامل على يد الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي، ولكن عندما اشتد عودُه رفض التعامل مع الفرنسيين، فهاجر إلى تونس فالقاهرة، ومن ثمّة إلى القسطنطينية حيث أصبح مفتي السلطان عبد الحميد، وظلّ العديد من المؤرخين والدارسين يعتبرونه تونسيا، ولقبوه بأستاذ إفريقيا ومُسندِها[8]. ومنهم أيضا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، والشيخ محمد المازاري الديسي الفقيه العروف، والشيخ أبو القاسم الديسي المعروف بابن عروسة والشيخ أبو القاسم محمد الحفناوي صاحب "تعريف الخلف برجال السلف". ومع اتساع عدد الوافدين إلى الزاوية، من طلبة وشيوخ، اتسعت رقعة الاهتمام بالكتاب المخطوط، فتكونّت مع مرور الأيام مكتبة مرجعيّة، من الجزائر وتونس والمغرب وتركيا والمشرق عموما.

ومن "محاسن الصدف"، أن لا تتضمّن هذه المكتبة المخطوطات والمطبوعات النادرة وحسب، بل تحوي أيضا وثائق تاريخية : سياسية وإدارية باللغتين، العربية والفرنسية، تعود بعضها إلى عصور مضت، يعي المسئولون عنها، بأهميتها الثقافية والعلمية والسياسية وبما يمكن أن تكشف عنه من حقائق حول تاريخ المنطقة الثقافي والسياسي...

ويمكن في هذا الصدد حصر هذه الوثائق في الاتجاهات التالية:

- مراسلات مع الأمير عبد القادر من دمشق.

- رسائل الشيخ المكي بن عزوز (الجزائري الأصل) مفتي الأستانة بتركيا، ومجموعة من الوثائق الأخرى تصل إلى حدود ستين وثيقة، هي عبارة عن رسائل من داوود وزاويتها "بأقبو" بمنطقة زواوة بالقبائل، وعدد مماثل من هذه الوثائق من زوايا الرحمانية الأخرى في القطر الجزائري.

- رسائل من القيادة والسلطات والشخصيات الفرنسية، وهي في أغلبها إدارية.

- رسائل تقارب المائة من تركيا- تونس-الحجاز والجزائر وهي في أغلبها إخوانية.

- ثم تأتي الرسائل ذات الطابع الرسمي، والخاصة بالإجازات والفتاوي وما إلى ذلك.. ولم يجد مشايخ الزاوية مكانا تحفظ فيه هذه الوثائق، أفضل من المخطوطات المجلدة ذاتها، إذ من خلال هذا العمل -ربما غير المقصود- تمكنّت من مقارعة صروف الدهور والضياع والسرقة، ولولا تلك لتفرقت بين الأيدي واختفت إلى الأبد.

إنّ ما يسترعي انتباه من تقع عيناه على مخطوطات هذه الزاوية المقدرة بحوالي ألف وخمسمائة[9] هو أنّها تتسم في مجملها بحالة جيدة، على الرغم من قدم بعضها، الذي يصل تاريخ نسخها إلى خمسة قرون، كما هو الشأن بالنسبة إلى أحد المصاحف، الكبير الحجم، المتقن النسخ بخط مغربي والمزين بزخرفة زاهية الألوان. أمّا الورق فهو من النوع الصقيل، الراقي، الذي لا يستخدمه إلا من كان ميسور الحال وفي ذلك إشارة واضحة لما استطاع مشايخ الزاوية أن يبذلوه من مجهود معتبر لاقتناء بعض مخطوطاتهم.

بل إنّ المجهود في عملية الاقتناء والنسخ وتجشّم الصعاب من أجل ذلك، لمثير للدّهشة والإعجاب، وخاصة عند ما ندرك أنّ الوضع المادي للمشرفين على الزاوية من مشايخ ومريدين، متوسط الحال، وما تتميّز به المنطقة من تضاريس ومناخ لا يساهم كثيرا في جلب المساهمات والإعانات.

لقد تخصّصت زاوية الهامل على ما يبدو دون الزوايا الأخرى، في ابتكار تقنية فريدة من نوعها، للحفاظ على المخطوطات من التلف، بصنع علب جلدية للحفاظ على المجلدات ذاتها :مصنوعة من أجود الجلود وبحجم المجلد أو أكثر، وكان يقوم بتصنيعها مجموعة من الحرفيين المهرة- بالإضافة إلى تجليد المخطوطات ذاتها-ينتسبون إلى عرش من عروش المنطقة، هو عرش "السوامع" ذائع الصيت في هذه الحرفة غير أنّ ما حصل من تطور في عالم المطبوعات حال دون انتشار حرفة التجليد والتعليب هذه، والتي لا تزال تدر على أصحابها في المشرق العربي خيرا كثيرا، فاتجهوا إلى صناعة أخرى لا تخرج عن مادة الجلود، هي صناعة السروج وما إلى ذلك من أصناف تدخل في عالم الخيل.

خزانة كتب ومخطوطات زاوية "علي بن عمر الرحمانية بطولقة (بسكرة)"

عُرف عن الشيخ علي بن عمر ولعه باقتناء الكتب والمخطوطات، سواء بالشراء خلال رحلتيه إلى الحجاز، يعتقد أنّهما رحلتان، واحدة مع شيخه الأزهري وأخرى مع أستاذه وشيخه الآخر محمد بن عزوز) أو بالاستنساخ. ولم يختلف عنه أحفاده في ذلك، حيث عرف عن الشيخ علي بن عثمان أيضا حبه للعلم وللكتب، الأمر الذي دفعه إلى المساهمة في علمية تأسيس مكتبة مرجعية، يؤّمها تلاميذ وطلاب الزاوية التعليمية من مختلف النواحي.

أبرز ما عرف به شيوخ الزاوية الرحمانية-العثمانية بطولقة، منذ نشأة الزاوية (والمكتبة أيضا) هو بالإضافة إلى ورعهم وعلمهم، حبهم الشديد للكتب، فجمعوها من مختلف المظان واشتروها بأثمان غالية، غير أنّ الفضل في توسعة المكتبة وزيادة أعدادها (المخطوطات أو مطبوعات) يرجع إلى الشيخ الحاج بن علي بن عثمان، والد شيخ الزاوية الحالي.

ولقد كانت عملية تجميع مخطوطات المكتبة خلال الفترات الأولى للاحتلال الفرنسي للجزائر في الثلاثينات من القرن 19، ولمنطقة بسكرة في الأربعينات منه تتّم، بالإضافة إلى الشراء والاستنساخ، بالتبادل الهدايا، وربما يظهر ذلك من خلال استقبال المكتبة وشرائها لعدد لا بأس به من المخطوطات الوافدة إليها، ممّا تمّ تهريبه من المكتبات الخاصة التي تعرضت للسطو والسرقة، مثلما هو الأمر بالنسبة لمكتبات قسنطينة الخاصة، والتي لاحظ أبو القاسم سعد الله، وجود بعض مخطوطاتها بخزانة طولقة، وخاصة تلك المنسوبة إلى مكتبة الشيخ الفكون القسنطيني.

لقد أحصى البارون "دي سلان"، وهو مستعرب فرنسي مشهور أثناء مهمته إلى قسنطينة للبحث عن المخطوطات النادرة، المئات من المجلدات، في مكتبات العديد من العلماء والأعيان، مثل مكتبة "سيدي حمودة"، من عائلة الفكون، التي يفوق عدد مجلداتها الألفين والخمسمائة (2500)، وكان معظمها مرتبطا بالفقه وأصوله ثّم مكتبة الباشترزي التي يبلغ عددها خمسمائة مجلد وتكاد المخطوطات هذه المكتبة تتّبع طبيعة ما يدرس في الزاوية من علوم ومعارف، حيث تتنوّع بين التصوّف والتوحيد والتفسير والعلوم الدينية عموما، كما تشمل الأدب والتراجم والتاريخ العام والمحلي، وما كتبه شيوخ الزاوية وعلماؤها على مرّ العصور، ويتجلى ذلك في مخطوطات الشيخ عبد الرحمن بن الحاج بن علي بن عثمان، مثل "الدر المكنوز في حياة سيدي علي بن عمر وسيدي بن عزوز" وهي رسالة تم طبعها بقسنطينة عن مطبعة النجاح بقسنطينة

كما تشمل مكتبة "الزاوية" العثمانية بطولقة، مجموعة من الوثائق والمراسلات الخاصة، تتمّ على حركية تميّزت بها الزاوية وأهلها، وكان الأساس فيها، الظروف السياسية الزاوية والفكرية التي مرت بها وكان لزاما والحال هذه، أن تتّم مراسلات بين شيوخ الزاوية والعلماء في تونس بفعل الارتباط الوثيق، الذي يحكم العلاقة بين الطريقة الرحمانية في كل من طولقة والبرج (برج بن عزوز) والمدن الجزائرية الأخرى وبين المدن التونسية كنفطة والقيروان وغيرهما، وقد تراسل شيوخ الزاوية طبعا مع السلطات الاستعمارية، وشيوخ التصوف والعلم في المشرق والصحراء... ومن نماذج هذه الوثائق والمراسلات، يمكن ذكر ما كتبه الشيخ علي بن عثمان إلى الشيخ محمد الأخضر بن علي الخياري، والشيخ علي بن الصادق البقلي، وعبد الرحمن بن الحفصي الحناشي، ومراسلات من الشيخ مصطفى بن محمد بن عزوز إلى شيخ الزاوية بطولقة...

ويبدو أن بخزانة الزاوية مراسلات أخرى ذات أهمية تاريخية وعلمية( في التصوف وفي الفقه وفي غيرهما) لا يريد المشرفون على الزاوية الإعلان عنها، لسبب أو لآخر. تحتوي القاعة، وهي مخزن أو خزانة في نفس الوقت، على مجموعة من الخزانات الخشبية، يبلغ عددها سبعة عشر (17)،تضّم ما يفوق الخمسة آلاف كتاب، بين مطبوع ومخطوط، تسندها جدران القاعة، وقد قيل لنا أنّ عدد المجلدات الخاصة بالمخطوطات وحدها يزيد عن الألف وخمسمائة مخطوطا، وإذا علمنا بانّ المجلد الواحد من هذه المخطوطات، قد يكون بداخله مجاميع ورسائل منفصلة الموضوع والحقل، فإنّ عدد المخطوطات. قد يزيد عن الرقم المقدم... أمّا وسط القاعة فقد وضعت فيه طاولات عرضها حوالي متر ونصف المتر(1.5م) وطولها حوالي ستة أمتار، أي ذات مساحة قد تبلغ تسعة أمتار مربعة، خصّصها المشرف على المكتبة لوضع عدد لا بأس به من الكتب المخطوطة.

زوايا منطقة توات والحركة الثقافيّة

منطقة "توات" أو إقليم توات[10] هو مجموعة من الواحات الصحراوية الواقعة بالجنوب الغربي للجزائر، فهي أقرب من الحواضر الإفريقية منها إلى مدن وقرى الشمال، الأمر الذي هيأها لأن تكون منطقة تماس بين عالمين يكادان يختلفان في أشياء كثيرة، إبتداءا بالطبيعة والمناخ وانتهاء بالتقاليد والعادات والثقافة، التي تنحو نحو الطابع الإفريقي لكنها، وعلى الرغم من كل ذلك، فإنّها ترتبط بالشمال برباط مقدس هو الدين و اللغة. و تطلق كلمة توات على ثلاث مناطق رئيسية هي : تيجرارين وتيدكايت وتوات[11].

لقد عاشت هذه المنطقة بقصورها العديدة المترامية الأطراف في الواحات الجزائرية أزهى فترات حياتها الثقافية والعلمية خلال القرنين التاسع والعاشر الهجري والموافقين للقرنين الخامس عشرة والسادس عشرة ميلادي. وأصبحت هذه الحاضرة الإسلامية في تلك الفترة من التاريخ مركز إشعاع علمي وثقافي، لا ينير منطقة المغرب الأوسط فحسب (بل شمل أيضا كامل الصحراء حتى التخوم الشمالية لبلاد السودان (النيجر والمالي الحاليين)، وكانت من الأسباب المباشرة في انتشار الدين الإسلامي في كافة المناطق الإفريقية المجاورة. كما كانت الطريق الذي من خلاله، عرفت المنطقة اكتساحا للطرق الصوفية، مثل الطريقة القادرّية والتيجانيّة والسنوسيّة وغيرها.

وما يلفت الانتباه في علاقة منطقة توات ببقية المناطق الإسلامية الأخرى هو ارتباطها القوي بدول جنوب الصحراء، سواء بصلة المصاهرة و التجارة أو عن طريق العمق الديني والصوفي منه على وجه الخصوص، ثمّ تأثرها الشديد من جهة ثانية بمدينة تلمسان وعلاقة مشايخها بعلمائها، مثلما هو شأن الشيخ المغيلي خلال القرن العاشر الهجري، والشيخ بلكبير في القرن الرابع عشرة الهجري. ولقد نبغ بالمنطقة عدد كبير من العلماء، يذكرهم الشيخ محمد أبو القاسم الحفناوي في كتابه : تعريف الخلف برجال السلف، مثل الشيخ يحي بن عثمان الكنتي، والشيخ عبد القاسم التواتي غير أنّ أشهرهم في تلك الحقبة من التاريخ هو الشيخ محمد عبد الكريم المغيلي التواتي التلمساني، الذي يرجع بنسبه إلى منطقة مغيلة بتلمسان، حيث ولد بها في سنة790هـ وقد أسّس الزاوية القادريّة بمنطقة توات في حوالي سنة885هـ[12].

ولقد عرفت منطقة توات عامة، مثلها في ذلك مثل المناطق الأخرى التي كانت تخضع للمغرب الأوسط خلال القرن الذي عرف تأسيسا للزوايا التعليمية والصوفية، حركة علمية وتعليمية مكثفة، الأمر الذي أدى إلى توسُّع عظيم في نسخ العديد من الكتب والمؤلفات ساهم في خلق سوق رائجة للكتاب. وكان القائمون على زوايا المنطقة من شيوخ وعلماء يبذلون جهودا مضنية للحصول على الكتاب الجيد، سواء من المدن الجزائرية الأخرى مثل تلمسان وبجاية وغيرهما أو من حواضر إفريقية جنوب الصحراء مثل "تونبوكتو" و"أغاديس"، حيث يقومون بتكليف الناسخين من طلبة الزوايا أو من محترفي النسخ للقيام بعملية نقل ونسخ المؤلفات العلمية. ومع مرور الأيام تمكن مثقفو المنطقة من امتلاك عدد كبير جدا من المخطوطات، بعضه متواجد الآن في العديد من الخزائن، الخاصة ( العائلات) والعامة( الزوايا). ولقد بلغ عدد المخطوطات بها خلال القرن السابع عشرة الميلادي أكثر من 27000 مخطوطا، موزعا على تسع وعشرين خزانة في كل من توات وقورارة وتيدكلت... لكن هذا العدد قد تقلص الآن إلى حوالي 12000 مخطوطا حسب تقديرات سنة 2003.

البيبليوغرافيات والفهارس ودورهما في عالم المخطوطات

اليبليوغرافيات و الفهارس العربية

تعريف الخلف برجال السّلف للحفناوي أنموذجا

ولد الشيخ الحفناوي في سنة 1852 ببلدة سيدي إبراهيم قرب مدينة بوسعادة، وهي الفترة الحالكة من تاريخ الجزائر الحديثة. عاصر الهوان والتشرد للدين لقي بهما الاحتلال الفرنسي شعب وعلماء الجزائر...يقول في مقدمة الكتاب عن اجتهاد علماء ومثقفي الجزائر في طلب العلم بجميع أسبابه:

«....هذه أسماؤهم وتراجمهم مزاحمة الأسماء لأسماء وتراجم أعيان الزمان في كتب المتيقظين لحفظ الطبقات العليا من عالم الإسلام في بطون الدفاتر لئلا تقع في أغوار التناسي وآبار الإهمال»[13].

ثم يذهب –بعدما يتحسر على التناسي الذي لقيه العلماء والأولياء من طرف معاصريه-إلى ذكر مصادره، فيسرد مجموعة كبيرة منها: "ربح التجارة في مناقب سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني" و"سلك الدرر" و "نشر المثاني" وكتاب الملالي في مناقب سيدي محمد بن يوسف السنوسي التلمساني" وعنوان الدراية "للغبريني" والبستان لابن مريم وغيرها.. وبذلك جمع عددا هائلا من تراجم المؤلفين مع ذكر مؤلفاتهم، وصل 420 ترجمة لأشخاص عاشوا بالجزائر (أو المغرب الأوسط) من القرن العشر ميلادي إلى غاية بداية القرن...

سار الحفناوي في ترتيب كتابه وفق الترتيب الهجائي، المتّبع في غالبية الأعمال البيبليوغرافية العربية الشاملة مثل" كشف الظنون لحاجي خليفة " أو الإقليمية مثل "البستان" لابن مريم التلمساني، لكنه على العكس منهما، يذكر تحت كل اسم كل عالم المصدر الذي نقل منه ترجمته، إن كان مذكورا في المصدر، ويضع عند تمامها لفظة "انتهى" أو مختصرها، ويعطف عليها بترجمته في كتاب آخر إن وجدت.

و اللافت للنظر في ذلك، أنّ الحفناوي قد اعتمد في هذا الكتاب كليا على الكتب المخطوطة والسبب في ذلك راجع حسبه إلى عدم وضوح الكتب المطبوعة على الحجر،
أو لأنها لا تخلو من خلل في الحروف والأرقام. على كل، فإنّ "تعريف الخلف برجال السلف" عمل مهمّ للباحثين في مجال النشاط العقلي والعلمي للجزائر في العصرين الوسيط والحديث. كما يمكن اعتبار هذا العمل أداة بحث ضرورية للمشتغلين في حقل المخطوطات، ذلك لأنه يسعفهم بالملاحظات الهامة حول الكتاب ومؤلفاته.

الفهارس الأجنبية : "رونيه باصي" أنموذجا

لا تقتصر إسهامات المستشرقين على نشر المخطوطات العربية وتحقيقها أو دراستها فيلولوجيا (تحقيق النصوص) أو إبراز مكانة التراث العربي الإسلامي فحسب بل تمتد أيضا إلى الكتابة عن المخطوطات (الكتب) أو البيبليوغرافيا، أي الاهتمام بالتأريخ للثقافة والتأليف عند المسلمين، حيث قام عدد كبير منهم بمجهود معتبر في هذا المجال نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

-المستشرق شنورر Schnurrer الذي نشر Bibliothéca Arabica باللغة اللاتينية في الفترة من سنة 1796 إلى 1806 ثم أعاد إصداره في سنة 1811 في طبعة جديدة.

-فهرس رونيه باصي "عن مخطوطات مكتبات زوايا عين ماضي وتماسين و رقلة وعجاجة[14].

ينتمي هذا المستشرق فكريا إلى المذهب السانسيموني[15]. اشتغل بجامعة الجزائر باحثا وأستاذا للّغات الشرقية حتى ارتقى مع أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى مسؤوليات أكبر. نال عدة أوسمة ونياشين نظير الخدمات الجليلة التي قدمها لسلطات بلاده، وخاصة في المجال البحثي المتصل بلهجات و لغات المغرب والصحراء.. كما كان لـ "باصي" باع في ميدان المخطوطات العربية وفهرستها، غير أنّ اهتمامه بالمخطوط جاء بمحض الصدفة، كما يقول هو ذاته، حيث صادف في طريقه من أجل دراسة اللهجات "عالما غريبا وممتعا" على حد تعبيره، هو المخطوطات المتناثرة هنا وهناك، في الزوايا و المساجد وعند الأعيان و غيرهم. والحقيقة أن "باصي" لم يستطع مقاومة تلك الموجة العارمة التي بادرت بها سلطات الاحتلال في الرّبع الأخير من القرن 19 م، حيث أمرت وزارة التربية العمومية Ministère de l’instruction publique بحملة حصر و تفتيش وتجميع للمخطوطات العربية المتواجدة بكل من تونس و جنوب الجزائر بُغية إنجاز فهرس مرتب وكامل ، يشمل أيضا المكتبات الخاصة بالمغرب الكبير عموما.. ولقد أسفر هذا المجهود في نهاية المطاف عن تحقيق ما أُطلق عليه عنوان "جرد عالمي ومنهجي للثراء البيبيليوغرافي بالمغرب الكبير" أو« Inventaire universel et méthodique des richesses bibliographiques du Maghreb » وهو مجموعة من الفهارس المرتبة حسب المواقع و المدن.

و من أجل الوصول إلى هذا الهدف، استعان المستشرقون و"باصي" على وجه الخصوص، بعنصرين مهمين في ذلك هما:

  • الضبّاط قادة المناطق العسكرية و بعض المترجمين التابعين لهم.
  • ثم مجموعة من رجال الدين الجزائريين وشيوخ بعض الزوايا و المتصوفين.

أما المكتبات التي وقع عليها الاختيار في هذا المشروع، فيمكن ذكر ما يلي:

  • المكتبات العامة

  • ومنها مكتبتان عموميتان بالزيتونة في تونس .
  • مكتبة مدرستي الجزائر وتلمسان.
  • خزانة المسجد الكبير بالجزائر العاصمة.
  • مكتبات زوايا عين ماضي، تماسين، ورقلة، عجاجة و الهامل.
  • مكتبة فاس.
  • المكتبات الخاصة

  • مكتبة الشيخ سيديا بالصحراء و كانت تتكوّن من 512 مخطوطا و 683 كتابا مطبوعا, وتكمن أهميتها في نظر "باصي" في أنها كانت ذات تأثير كبير و مميّز في أرجاء كبيرة من البلاد؛ قد يمتد هذا التأثير –حسبه – من شمال الساحل السوداني إلى شرق أدرار.
  • مكتبات منطقة الميزاب مثل مكتبة قطب Ceutb و مكتبة الشيخ سليم بعمارة،ثم مكتبة الشيخ إبراهيم بن بكير ببني يزقن.
  • مكتبة بشاغا أولاد نايل سي بلقاسم بن لحرش بالجلفة ، حيث كانت مكتبته تحوي على 12 مخطوطا قيّما و عددا آخر أقل منه.

 لقد أسفرت عملية البحث والجرد و الإحصاء التي شارك فيها "روني باصي "شخصيا عن مجموعة من المؤلفات تحمل توقيعه، يمكن ذكر نماذج منها.

  • المخطوطات العربية بمكتبتي فاس, طبعة الجزائر سنة 1883 م.
  • المخطوطات العربية بمكتبة بشاغا الجلفة,الجزائر:1884 م.
  • المخطوطات العربية بمكتبات زوايا عين ماضي و تماسين و ورقلة و عجاجة. الجزائر: 1897م.

إطلالة على فهرس باصي حول مكتبات زوايا عين ماضي و تماسين وغيرهما

يقول "روني باصي" في مقدمة كتابه المذكور : "كان الغرض الأساسي و الأوّلي من الرّحلة الأولى إلى الجنوب هو دراسة اللّهجات البربرية في بلاد الميزاب، ورقلة ووادي ريغ وعند مروري بالأغواط وتُقٌرت، فكّرت أن أستغلّ مروري بهذه المنطقة للقيام بعملية إخصاء و جردٍ للمخطوطات التي تحتويها هذه الزوايا الشهيرة : عين ماضي وتماسين..". ويبدو أنّ هذه المهمة لم تكن سهلة المنال أولا، ولم يُصرّح بأنها تدخل في إطار أشمل، يأتي تحت الوصاية المباشرة للسطات الرسمية ممثلّة في وزارة التربية، ثانيا. والدليل على ذلك أن أهالي المنطقة لم يكونوا مطمئنين إلى الأهداف التي يرمي إليها الاحتلال ؛ ضِف إلى ذلك أن المنطقة في معظمها، لم تكَد تخرج من انتفاضة إلا و تدخل في أخرى، وهو الأمر الذي أدى بالمستشرق المذكور إلى التّسلُح بتوصية رسميّة من الحاكم العام بالعاصمة "تيرمان Tirman" إلى شيخ الطريقة التيجانية بتماسين الشيخ محمد الصغير بن الحاج على التيجاني[16].

و بهذه التوصية - الأمر، يحصل "باصي" على التّرحاب الكامل حيثما حلّ وارتحل. يقول عن ذلك"  بالرّغم من أن المُهمة بتماسين كانت نوعا ما سهلة فإن مصاعب جمّة صادفتني بورقلة، بحيث أُرغمت على الانتقال بين المنازل و"الخرابات" طارقا الأبواب، بصُحبة قائد المنطقة العسكرية الملازم"لو شاتوليLe Chatelet" الذي مكّنني بهيبته من الحصول على ما كنت أود من المخطوطات"[17].

أقسام الكتاب ومحتواياته

يقع الكتاب في 86 صفحة عدا صفحات العنوان و الغلاف و ما شابههما، صدّره بمقدمة مختصرة شرح الهدف من إنجاز الفهرس. يتكوّن الفهرس من 231 مخطوطا مُقسّما إلى ثمانية أجزاء، ضمّن كل جزء مخطوطات مكتبة زاوية بعينها. يشمل الجزء الأول مخطوطات زاوية عين ماضي، وكان عددها ثمانية وقد سار "باصي" في منهجه، بعرض عناوين المخطوطات في لغتها الأصلية (العربية) ثم يردف بتعليق أو ملاحظة عامة كانت أو خاصة، وبذلك كان أقرب إلى ما يُتّبع فب البيبليوغرافيات التحليلية والنقدية، الجزء الثاني و قد خصّه لمخطوطات تماسين و كان عددها 12 مخطوطا، أما الجزء الثالث من الكتاب فقد أحصى فيه المخطوطات ذات الصلة بورقلة، وقد كان عددها 49 مخطوطا، الجزء الرابع، وقد خصّصه باصي لتحليل و نقد مخطوطات ورقلة ذاتها، مع التفصيل في بعض القضايا مثل مصادر المخطوطات وحالتها العامة، والجزء الخامس يتضمّن مخطوطات بني إبراهيم، مستهلا هذا الجزء بالتأريخ لسلالة بني إبراهيم والقبائل التي عاصرتها.

أمّا  الجزء السادس فيختصّ مكتبة بني وقين.

و مثلما تحدّث في الأجزاء السالفة عن أصول و تاريخ العائلات التي كانت وراء تكوين الرّصيد الوثائقي من المخطوطات، فإنّه لم يشذ هذه المرة في هذا الجزء، بحيث درس بني وقين و مناطق سكناهم بشيء من التفصيل؛ مع دراسة تحليلية ونقدية لمخطوطاتهم البالغة 37 مخطوطا.

أمّا الجزء السابع فقد تحدّث فيه عن مكتبة بني سيسين و تبعات مشاركتهم في ثورة 1871م، دون أن ينسى إحصاء ودراسة ما كان لديهم من مخطوطات قيّمة، والبالغ عددها 25 مخطوطا. في الجزء الثامن من الكتاب ،قام بإحصاء و تحليل مخطوطات "عجاجة" البالغ عددها المائة. وفي ختام فهرسه، يقدّم "باصي" تحليلا موثقا و مطوّلا عن أحوال منطقة ورقلة، محاولا التأكيد على أن قبول الشيخ أحمد علّه وجيه المنطقة الدخول في السّلم مع السلطات، بعد القلاقل و "المشاكل" كانت نتيجته أن تمّ تعيينه خليفة ورقلة و ما يتبع ذلك من امتيازات.

لم تكن مهمة "باصي" في هذه المناطق صافية من أجل العلم فقط، و إنّما كانت ذات أهداف محددة ، مثلها في ذلك مثل اهتمامه المنقطع النظير باللهجات الأمازيغية.

و في ختام هذه الرحلة حول ارتباط الشعوب من خلال العلم و طرُق المخطوطات، بدل طرُق الملح والذهب، يمكن القول أنّ إرتباط شمال الصحراء بجنوبها كان إرتباط القلوب والعقول من خلال المكانة التي تمتّعت بها الحكمة والتسامح وما نتج عنهما من حركات تاريخيّة ودينيّة وثقافيّة.

البيبليوغرافيا

أبو القاسم، سعد الله (1998)، تاريخ الجزائر الثقافي، ج. 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي.

الحفناوي، أبو القاسم (1991)، تعريف الخلف برجال السلف، جزء 1 و 2، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية.

بن عبد الكبير الكتاني، عبد الحي (1982)، فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، تحقيق إحسان عباس، ج. 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي.

Basset, R. (1885), les manuscrits arabes des bibliothèques de Zaouïas de Ain-Madhi et de Tamacine, de Ouargla et de Adjadja, Alger, Imprimerie Fontana.

Cour, A. (1921), « recherches sur l’état des confréries religieuses musulmanes dans les communes Oum el Bouaghui, Ain el Beida en novembre 1914 », Revue Africaine, n° 62, Alger, OPU.


الهوامش

1 أبو القاسم، سعد الله (1998) ، تاريخ الجزائر الثقافي، ج. 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ص. 290.

[2] لقد نشر "أ. كور" مقالاته عن الطريقة الرحمانية بشكل مستفيض في المجلة الإفريقية التي كانت تصدرها الجمعية التاريخية الجزائرية، عدد 62 الخاص، 1921، ص. 139-85 و ص. 291-334.

(1921), Revue africaine, n° 62, Alger, Office des Publications Universitaires.

[3] من المرجح حسب الدراسة الميدانية وشجرة المتصوفة الرحمانيين اللتين أنجزهما المستشرق الفرنسي "أ.كور" في سنة 1914،أن الشيخ محمد بن عبد الرحمان الأزهر، المعروف بــ "بوقبرين" هو من أسس الزاوية الرحمانية سنوات قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر. وقد عين الشيخ محمد بن عبد الرحمان مقدمين( خليفتين) له في أثناء حياته، واحد في قسنطينة ومنطقة الشرق الجنوب وجزء من تونس هو محمد بن عبد الرحمان باش تارزي، وآخر في كل المناطق الجزائرية الأخرى هو الشيخ بلقاسم بن محمد المعاتقي راجع أيضا عند:

Cour, A. (1921), « Recherches sur l’état des confréries religieuses musulmanes ans les communes Oum el Bouaghui, Ain el Beida en novembre 1914 », Revue Africaine, n° 62, Alger, OPU.

[4]المخطوطات العربية في زاوية الهامل : رينيه باصي، مجلة الجمعية الآسيوية الايطالية، مجلد 10، 1896، 2.

[5] أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر: أبو القاسم، سعد الله (1990)، ج1. ط 3، بيروت، دار الغرب الإسلامي،
ص. 178. انظر أيضا : الزوايا في الجزائر : عرض وتحليل للأستاذ الإمام عبد القادر عثماني الجزائر: دار الهدى 1998 (وفي هذا العمل راح الشيخ عثماني شيخ زاوية علي بن عمر بطولقة يفرق بين الزوايا الحقيقية والزوايا المزيفة، مستدلا في ذلك على ما شاهده وسمعه عن الزوايا عموما).

[6] Cour, A., op.cit., p. 86.

[7]الحفناوي، أبو القاسم (1991)، تعريف الخلف برجال السلف، ج. 2، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، ص. 171.

[8] بن عبد الكبير الكتاني، عبد الحي (1982)، فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، تحقيق إحسان عباس، ج. 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ص. 12.

[9]يرجع تاريخ أقدم مخطوط بزاوية الهامل إلى القرن التاسع هجري، وبالضبط إلى 813 هـ لصاحبه ابن هشام الأنصاري وهو معنون كالتالي: المغني اللبيب عن كتب الأعاريب. وقد يكون مما هو موجود من مخطوطات ما هو أقدم تاريخا مما ذكر ذلك لأن عددا هائلا منها لا يزال قيد الحصر وربما الاكتشاف.

[10]تقع منطقة توات حسب في جنوب القطاع الوهراني وشمال الأهقار. كما تحدها من الشمال العرق الغربي وهضبة تادمايت ومن الجنوب هضبة مويدر.

[11]تضم تيجورارين قصور عديدة تتخللها واحات كثيرة عاصمتها :تميمون أما تيدكلت فتقع في أقصى الشرق من الواحات التواتية وجنوب هضبة تادمست، وشمال هضبة مويدر وتمتد إلى الغرب على مسافة 150 كلم.

أما فيما يخص توات التي أخذت اسم المنطقة بأكملها فهي التي تطلق على المجموعة الجنوبية الغربية التي تقع في حوض واد الساورة أما عدد قصورها فتقارب 300 قصرا في مناطق مختلفة تمتد على مسافة 200 كلم. تضم عددا من المدن المعروفة مثل أدرار وتمنطيط وغيرهما.

[12]بدأ الشيخ أحمد بن عبيسى المغيلي التلمساني دراسته بتلمسان حيث حفظ القرآن، وأجاد بها فنون مختلفة على يد مشايخ كبار علمائها. ومن تلمسان انتقل الشيخ المغيلي نحو بجاية حيث التقى بجهابذة الفكر العلم هناك. وبالإضافة إلى شهرته العلمية، عرف الشيخ المغيلي أيضا بجهاده وحروبه ضد يهود المنطقة آنذاك. راجع: الحفناوي، محمد أبو القاسم (1991)، تعريف الخلف برجال السلف، ج. 1، الجزائر، المؤسسة الوطنية الفنون مطبعية، ص. 196.

[13]الحفناوي، محمد أبو القاسم، المرجع سابق، ج. 1، ص. 20.

[14] Basset, R, (1885), Les manuscrits arabes des bibliothèques de Zaouïas de Ain-Madhi
et de Tamacine,
de Ouargla et de Adjadja, Alger, Imprimerie Fontana.

[15] السانسيمونية: مذهب فلسفي و سياسي ، انتشر خلال القرن التاسع عشر، يُنسب إلى الفرنسي "سان سيمون"، الذي اتخذ من العلم وسيلته لنشر تعاليمه التي كادت أن تصل عند مريديه و أتباعه مرتبة الدين.

[16] Basset, R. (1985), op.cit., p. 4.

[17] Ibid., p. 5.