Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2016، ص.47-70، ردمك: 3-05-598-9931-978 | نص كامل


 

 

 

 

محمدن أمين محمدو

 

 

مقدمة

المحاظر الموريتانية مؤسسات ذات وظائف متعددة (اجتماعية وثقافية وتربوية) ساهمت طوال القرون الماضية مساهمة كبيرة في نشر المعارف العربية والإسلامية بمختلف فنونها في ربوع الصحراء ومنها إلى المناطق الإفريقية المجاورة، كما ساهمت في نقل هذه المعارف عبر الأجيال. وانطلاقا من الوظائف المعرفية للمحاظر فقد سماها بعض الباحثين: "الجامعات البدوية المتنقلة على ظهور العيس"، بينما اعتبرها آخرون بمثابة "أكاديميات حقيقية تقام تحت الخيام".

وما تزال المحاظر تقوم بمهمة نشر ونقل المعارف في نقاط عديدة من موريتانيا مستقبلة طلابا موريتانيين وغير موريتانيين، يسعون إليها من كل فج رغم قوة اكتساح منافستها المدرسة النظامية، وكذا شحّ مواردها وقسوة ظروف الدرس بها.

ستتمحور هذه الورقة البحثية حول العناصر التالية:

  • تعريف المحظرة،
  • نشأة المحظرة وتطورها،
  • السمات العامة للمحظرة،
  • الأدوار التي اضطلعت بها المحظرة،
  • التحديات الأساسية التي تواجه مؤسسات المحظرة حاليا،
  • التعليم المحظري ودوره في الظروف الحالية.

 التعريف والتصنيف

نقصد بالتعليم الأصلي أو المحظري ذلك النمط من التعليم الذي يتم في مدارس أهلية طوعية قرآنية أو فقهية. وقد ظلت هذه المحاظر[1] وهي مؤسسات ذات وظائف متعددّة اجتماعية وثقافية وتربوية تنشر المعارف العربية والإسلامية بمختلف فنونها في ربوع الصحراء و في المناطق الإفريقية المجاورة. وما تزال المحظرة تضطلع بهذه المهمّة في نقاط عديدة من موريتانيا، مستقبلة طلابا موريتانيين وغير موريتانيين يأتون إليها من كل فجّ رغم قوة اكتساح منافستها المدرسة النظامية وشحّ مواردها وقسوة ظروف الدرس بها.

والمحظرة أو "المحضرة" في اشتقاقها اللغوي اسم مكان (مفعلة) يحتمل تفسيرات ايتيمولوجية عديدة لعل من أكثرها وجاهة :

  • أن تكون مشتقّة من فعل، حظر أي منع بوسيلة مادية أو معنوية. فهي ماديا الحظيرة التي كثيرا ما كانت تحيط بخيمة شيخ المحظرة ومصلاه وعرائش طلبته لحمايتها من الحيوانات وغيرها. تقام هذه الحظائر عادة فور حلول المخيم بأي مكان جديد يتم النزول فيه. أمّا من الناحية المعنوية فقد يتّصل هذا الاشتقاق بالحظر الذي يمارسه الشيخ على الطالب المحظري بمنعه من التجوال داخل الحي والاختلاط بأهله والانغماس في مشاغلهم الدنيوية وإلزامه بالإقامة في أعرشة الطلبة والتفرّغ للعلم ؛ أو هو متأت من الهيبة والحماية الروحية التي يتمتّع بها شيخ المحظرة ومؤسسته وحتى طلابه. وتقتضي هذه الحماية حظر ارتكاب المخالفات بحرم المحظرة وحماية من لجأ إليها حتى يكون في مأمن من النهب والسلب وغيرهما من الممارسات التي كانت شائعة في المنطقة خلال القرون الماضية. وبالعودة إلى القواميس نجد لفظ احتظر بكذا تعنى احتمى به[2]. وقد كانت المحظرة منذ نشأتها ملجأ الخائف وملاذ المستضعَف من غارات النهابين والظلمة.
  • أن تكون مشتقّة من فعل حضر أي مكان حضور المحاضرة، وقد يكون هذا الحضور كذلك ماديا أو معنويا، فهو مادي لأّن الطالب يحضر بجسمه محاضرة الأستاذ، ومعنوي، لأن فيه تجرّدا من الدنيا وهمومها وإقبالا على التعلّم والتعليم خالصا لوجه الله تعالى[3].

ويدعم هذا الاشتقاقَ الأخير ورودُ كلمة محضرة في بعض كتب التراث العربي الإسلامي الدالة على معنى المدرسة مثل ما هو الشأن في رحلة ابن جبير[4]، ومعيار الونشريسي[5]، وقد كان هذا الانسلاخ عن مشاغل الحياة الدنيا والحضور المادي والمعنوي للعلم الشرعي لصيقا بالمقصد من وراء إقامة التعليم الديني أصلا بهذا "المنكب البرزخي"[6]. وانطلاقا من ذلك يمكن تصنيف التعليم الأهلي في موريتانيا إلى صنفين رئيسيين هما:

المدارس القرآنية وتنحصر وظيفتها في تعليم القراءة والكتابة للمبتدئين وتحفيظ النص القرآني لا أكثر. ونحن نرى ضرورة إخراج هذه المدارس من التصنيف المحظري مراعاة للاصطلاح المحلي الذي يخرجها من دائرة التعليم المحظري ويميزها بمصطلح "قراءة اللوح" أو "اللوح" المختلف عن المحظرة في :

قسرية برنامج التعليم؛

فردية التعليم؛

صغر سن المتعلمين غالبا.

ويمتاز هذا الصنف من المدارس بانتشاره الواسع في البلاد بحيث لا يخلو حي بدوي من مدرسة أو مدارس منه، ممّا يعكس مدى إسهامه في نشر مستوى أولي من التعليم بين السكان.

المحاظر : ويمكن تصنيفها تبعا لمحتوى المادة العلمية المدرّسة ومؤهلات الشيخ العلمية ونوعية الطلاب إلى مستويين اثنين هما:

فالمحظرة الفقهية تختص بتدريس علوم القرآن والفقه والعقيدة، فشيخها قادر على تدريس علوم الغاية دون سواها. وهذا الصنف من المحاظر هو الذي يستحق حسب اعتقادنا صفة المحظرة المتخصّصة، سواء تحدثنا عن تخصّص عمودي يراعي مستوى الدرس بهذه المحظرة أو عن تخصص أفقي ينطلق من حصر المضمون المعرفي.

أما المحظرة الجامعة وهي التي تجمع بين علوم الغاية وعلوم الآلة معا (تجويد، تفسير، حديث، أصول، نحو، بلاغة، حساب، منطق، إلخ.)، ولا ينّتصب للتدريس في هذه المحاضر إلا شيخ متبحّر في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والأدبية.

وهذا الصنف من المحاضر هو الذي أعطى هذا الركنَ القصي من ديار الإسلام صيتَه العلمي بما احتضن من جدالات علمية خصبة وبما أنتج من تآليف أصيلة تنزل الأحكامَ الشرعية على الوقائع اليومية لحياة البداوة[7] والسيبة، وبما أصدر من خريجين ذاع صيتهم في العالم الإسلامي.

النشأة والتطور

إن فهم الدور الذي يمكن أن يضطلع به التعليم المحظري في نشر المعرفة أفقيا داخل البلاد خدمة لمتطلبات التنمية يقتضي النظر إلى ظروف نشأته والمراحل التي مر بها.

ولا يُستبعد احتمال ظهور مستوى ما من التعليم الديني في صحراء الملثمين مع دخول الإسلام إليها أواسط القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. ويُفترض أن يكون التجار قد اضطلعوا بدور بارز في هذا الصدد حيث تمكنوا من ترسيخ الاهتمام بالقراءة والكتابة وبث الوعي الديني والخلقي.

وبغض النظر عن رباط عبد الله بن ياسين (ت. سنة 451هـ/1059) التعليمي، فإنّ الشائع في الرّوايات الشفهية المتداولة حتى الآن أنّ الأمير اللمتوني أبا بكر بن عمر (ت. سنة 480هـ/1087) بعد انفصاله عن ابن تاشفين (ت. سنة 500هـ/1106) بالمغرب وعودته إلى الصحراء جاء معه بفقهاء[8] لتأسيس مدارس في هذه المنطقة، ربما تكون هي البذور الأولى للمؤسسات المحظرية التي ميّزت التاريخ الموريتاني منذ ذلك الحين وإلى يوم الناس هذا. وتسمح المعطيات المتوفّرة حتى الآن باعتماد تحقيب أولي قد لا يخلو من تخمين لتاريخ هذا التعليم نوجزه في ما يلي:

مرحلة المدن ويعتقد بعض الدارسين[9] أنّ النشأة الفعلية للمحاظر بصحراء الملثّمين تعود إلى ظهور الدعوة المرابطية بها، إذ "كان العلم حضريا في عهد المرابطين وقرونا من بعدهم"[10]، كما يقول الخليل النحوي الذي اختار لهذه المرحلة عنوانا له دلالته هو "الحواضر مهد المحاظر"[11]، ذلك أن حواضر مثل أوداغست وتينكي وولاته وتيشيت ووادان وشنقيط كانت مراكز علم مكينة احتضنت المؤسسات المحظرية الأولى في هذه "البلاد السائبة"[12].

وكانت معظم تلك المدن واحات ومراكز تجارية اضطلعت أيضا بأدوار تجاريّة مهمّة، إذ كانت من المحطّات الهامة في مسالك التّجارة الصّحراوية[13]. وقد عرفت هذه الحواضر فترات ازدهار اقتصادي يرجّح أن تكون لها صلة بالنهضة العلمية والأدبية بها "إذ لا بد لكل ثقافة من فائض اقتصادي" طالما أنّ الثقافة "استهلاك، بل هي إسراف"[14] حسب تعبير فردينان بروديل (Braudel)، وحسبما كان ابن خلدون قد أشار إليه حين اعتبر ضعف العمران وانقطاع الدعم عاملا في الركود الثقافي على عهده[15].

أما مرحلة البادية إذا كانت المحظرة قد نشأت -منذ المرحلة المرابطية على الأقل- في الحواضر، فإنّها سرعان ما أصبحت مؤسسة تربوية بدوية من حيث الأساس، إذ انتشرت من المدن إلى الأرياف مغطية المجال الشنقيطي الفسيح من ضفاف المحيط الأطلسي إلى أزواد ومن نهر السنغال إلى الحدود الجزائرية والمغربية. وفي أرجاء الصحراء الموريتانية المترامية الأطراف وعلى ضفاف المحيط والنّهر تكاثرت المحاظر وتشعبت وأصبحت بمثابة "جامعات بدوية متنقلة"[16] على ظهور العيس، تَعرف نوعا من الإبداع والإنتاج العلمي والأدبي في محيط بدوي لا عهد له بالدولة المركزية ولا وجود فيه للعمران.

وهكذا عُرفت -لأول مرة في التاريخ على ما يُعتقد- أولُ بادية تتعاطى الثقافة العالمة درسا وتأليفا، إذ احتضنت هذه البادية "مجموعة البداة الوحيدة التي تملك تقاليد ثقافية مكتوبة بينما يعيش الآخرون [أهل البوادي الأخرى] عالةً على أهل المدن"[17].

وقد لاحظ بعض الدارسين هذه الخصوصية التي ميّزت سكان الصّحراء الموريتانية عن غيرهم من سكان المنطقة حين تحدثوا عن مظاهر من الثقافة العالمة في هذه البادية. يقول الرحّالة الفرنسي كامـيْ دولس: "إن البيضان يتخذون من خيامهم أكاديمياتٍ حقيقيةً"[18]. ويمضي هذا الرحالة الذي زار المنطقة سنة 1887 قائلا: "إنّ جميع هؤلاء البداة تقريبا يتعاطون كتابة العربية"، مؤكدا أنّ "المعرفة والذكاء اللذين يميزان هؤلاء البدو يبلغان درجة من التطّور تُعدّ مفارقةً لما يطبع المسلمين المقيمين بإفريقيا الشمالية"[19].

وينحو رني باسي (René Basset) المنحى نفسه حين يجزم "بأنّ لدى البيضان ثقافة أدبية أرقى مما لدى جلّ سكان الجزائر"[20].

وهكذا، فإذا كانت البادية في عرف الدارسين -منذ ابن خلدون وإلى اليوم- تعتبر بيئة غير صالحة للإنتاج الفكري ناهيك عن الازدهار العلمي والفني، فإنّ واقع المحاظر التي ميزت بوادي موريتانيا منذ القرن السابع عشر وواقع الحواضر الإسلامية في الفترة نفسها يُبيّن أن البادية ليست دائما رديفة الجهل والأمية، كما أنّ المدينة لا تساوي بالضرورة الازدهار المعرفي. فما هي سمات تلك المدارس البدوية؟

السمات العامة للمحظرة

تميزت المدارس التقليدية في موريتانيا بميزات لعل من أبرزها :

الحريّة فالطالب المحظري يتمتع بحرية اختيار :

المحظرة التي سينتسب إليها ؛

الشيخ الذي سيدرس عنده ؛

المادة والمتن اللذين يرغب في دراستهما ؛

الفترة الزمنية الملائمة لدراسته.

وتسمح هذه المساحة الواسعة من الحريّة بمستوى من تحقيق الذات يجعل جل الطلاب يتعاطفون تعاطفا وجدانيا مع محيطهم المحظري.

المساواة، فالمحظرة تكاد تكون الفضاء الوحيد الذي تذوب فيه مختلف أشكال التمايز الطبقي والعرقي، إذ يتحدّد الانتساب إليها بالرغبة والاستعداد دون اعتبار المكانة الاجتماعية أو فوارق السن، فالرجل الطاعن في السن قد يدرس مع الشباب، كما أنّ الشاب اليافع قد يتولى تدريس من هم أسنّ منه، هذا فضلا عن عدم اعتبار المستوى المادي، إذ لا فرق بين غني وفقير، بل إن المحظرة طورت آليات تبناها المجتمع مع اختلافات جزئية بين نواحي البلاد لعل من أهمها:

"التأبيد": ويقتضي التكفّل بالطالب المغترب أو المعدم ؛

"الختمة": وتُوجب على سكان الحي تقديمَ هدايا للتلاميذ كلما تقدّموا مراحل معينة في دراستهم؛

"شاة التلاميذ" : رأس من الغنم أو البقر يقدم لتلاميذ المحظرة في مناسبات اجتماعية معينة (الزواج، العقيقة).

وتجسّد هذه "الحقوق" مستوى ما من التكافل يضمن التعليم لمن يرغب فيه.

المجانية، فالانتساب إلى : الانتساب إلى هذه المدارس لا يتطلب رسوما ؛ الميسورون يدرسون على نفقة ذويهم ؛ المعدمون ينفق عليهم شيخ المحظرة، أو بقية الحيّ أو يتقاسمون مع زملائهم الميسورين.

وتجسّد هذه "المجانية" درجة من التآزر الاجتماعي ساهمت في تسهيل التعلم.

غير أنّ هذه المزايا يجب أن لا تحجب عنا جملة من المآخذ على التعليم المحظري يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

عدم العناية غالبا بلغة التدريس؛

الإذعان التّام، في الأغلب، للوثيقة المكتوبة وإعطاؤها قدسية تحول دون نقدها؛

ندرة التأليف والتركيز على الشروح وعلى عقد النصوص النثرية بالنظم؛

التسرّع أحيانا وعدم النسبية في رؤية المسائل التي تحتمل عدة أوجه.

أدوار المحظرة

تعتبر الوظيفة الأساسية لهذه المدارس هي نشر العلوم والأخلاق الإسلامية بما يقتضيه ذلك من التركيز على ما يعرف بعلوم الغاية (القرآن، الفقه، العقيدة، الحديث)، غير أنّ استيعاب هذه العلوم يستدعي بالضرورة معرفة بعلوم الآلة وخاصة العلوم اللغوية التي يتوقّف على معرفتها فهم النص الديني من قرآن وسنة.

وقد أدرك الموريتانيون ما لعلوم الآلة من قيمة في استيعاب العلوم الشرعية، ففضلوا الاشتغال بها على الاشتغال بالعبادة. يقول الشيخ محمذن فال بن متالي (ت. سنة 1287 هـ/1871) بهذا الشأن:

تعلّمَ اللغة شرعا فضـل
يؤخذ ذا من قوله وعلما

 

على التّخلي لعبادة الجـلي
آدم الأسماء الزم التعلمـا[21]

غير أن للمحظرة أدوارا أخرى تتعدّد بتعدّد وظائف شيوخ المحاضر وغيرهم من علماء وفقهاء هذه البلاد الذين يقومون في الوقت نفسه بوظائف التدريس والإمامة والتوجيه والدعوة والوعظ والتربية الروحية (مشايخ طرق صوفية) والقضاء والإفتاء.

وهم إلى ذلك يضطلعون بمهام:

مستشارين لدى الأمراء؛

كتبة للأمراء، وتظهر غالبا بصماتهم على مختلف مراسلات هؤلاء الأمراء؛

وسطاء في النزاعات والحروب الداخلية؛

سياسيين يدعون إلى إقامة السلطة الإسلامية؛

مجاهدين ضدّ احتلال النصارى للمسلمين.

وانطلاقا من وظائف المحظرة الشنقيطية المشار إليها سابقا كانت هذه المؤسسة في وقت واحد أداة لصيانة التراث وقلعة للدفاع عن الأرض والإنسان.

المحظرة وصيانة التراث

كانت المحظرة رمز الثقافة العربية الإسلامية، فهي المنبع الروحي الأوحد الذي يحترمه العدوّ والصديق ويهابه السّارق واللّص والمسالم والمتجبّر والفقيه العابد والأمير الجائر، على حد سواء. وذلك ما جعل حكم الفقيه في المنازعات ماضيا -في الغالب- يخضع له الجميع[22]. ورغم قوّة منافستها المدرسة الجديدة التي روجت لثقافة المستعمر الوافدة، فإن المحظرة كانت وسيلة للدفاع عن التراث وحمايته. وظلت المحظرة حاملة مشعل الثقافة العربية الإسلامية في البلاد الموريتانية تنشرها وتدرّسها وتدافع عنها. يقول أحد الفرنسيين: "لقد انتصب في مواجهتهم [يعني الفرنسيين] عدوّ قديم وقوي هو تعليم المحاظر الذي يتطلب قهره تبني سياسة مدرسية حكيمة وبذل مجهودات كبيرة"[23].

وبفضل التنشئة المحظرية ورواج أطروحات هذه المؤسسات الثقافية امتاز الموريتانيون بالتّشبث بقيم دينهم والتمسك بموروثهم الثقافي والاعتزاز بتاريخهم وثقافتهم والاحتفاظ بهويتهم المميزة. والفرنسيون أنفسهم يؤكّدون هذه الحقيقة. يقول أحد الإداريين الفرنسيين في هذا السياق: "لقد وجدنا [في موريتانيا] شعبا له ماض من الأمجاد والفتوح لم يغب بعد عن ذاكرته، ومؤسسات اجتماعية لا نستطيع أن نتجاهلها. إنّ علاقات تضامن وثيق تسود بينهم رغم بداوتهم وتمزقهم"[24].

وقد ساعد الدرس المحظري وما يتطلبه من متون دينية وما يتحلّى به القيّمون عليه من أخلاقيات على حفظ وصيانة التراث العربي الإسلامي في هذه الثغور الشنقيطية المرابطة. ذلك ما يؤكده الدكتور محيي الدين صابر حين يقول: "إنّ الثقافة العربية التي أُثرت عن المدن التاريخية الموريتانية إلى عهد قريب كفلت للتراث الإسلامي العربي البقاء والاستمرار من خلال المؤسسات التي ينتجها المجتمع الموريتاني سواء في المراكز العلمية المستقّرة أو المتنقّلة والتي يمثلها نظام المحاظر"[25].

ويعترف أحد الفرنسيين الذين حكموا موريتانيا إبان الفترة الاستعمارية بنجاح المحظرة في تأدية رسالتها الحضارية مؤكدا أنّ "المحاظر قد تمكنت، على العموم، من الصمود في وجه الغزو الثقافي الأجنبي واضّطلعت برسالتها المتمثلة في صيانة تّراث ثّقافي يمثل بالنسبة لها مدعاة فخر واعتزاز"[26].

ويتأكد هذا الفخر والاعتزاز في بيتين مثلا شعار هذه المدارس المتنقّلة على ظهور الإبل:

ونحن ركب من الأشراف معتكف
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسـة

 

أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا
بـهـا نـبـيّن دين الله تبيانا[27]

وطبيعي أنّ تمثل التعاليم الدينية والأخلاقية التي بثّتها المحاظر وعممتها داخل هذا القطر –وفي الأقطار الإفريقية المجاورة أحيانا- صّمامَ أمان ضدّ مخاطر الغزو الثقافي الأجنبي، وذلك بما ترسخه من مناعة ضدّ ثقافة المستعمر وحضارته المادية الغازية وبالتالي ضد مدرسته البديلة، ذلك ما يصرح به الفرنسيون أنفسهم على لسان رئيس مصلحة التعليم الابتدائي شينيو (Chaigneau) في تقرير بتاريخ غرة أكتوبر سنة 1934 حين يقول: "إنّ البيضان، وقد اعتنقوا الإسلام منذ عدة قرون، كان من بينهم وما زال علماء وفقهاء معروفون في جميع البلاد الناطقة بالعربية. ونحن نتفهّم كونهم -غيرة على ماضيهم- لا ينظرون إلى حضارتنا بحماس، فالثّقة بيننا معدومة الآن"[28].

المحظرة قلعة لمقاومة التوغّل الاستعماري داخل موريتانيا

تعود جذور المقاومة الثقافية إلى بدايات الاحتكاك مع الفرنسيين، إذ نجد الفرنسي لوي مورو دو شامبو نو (Louis Moreau de Chambonneau) المعاصر لحرب شرببه التي عرفتها المنطقة خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر يعترف ببعض تجليات هذه المقاومة حين يقول: "أمّا رجال الدين فيفخرون بتجنبهم لنا [...]كما أنّهم يزدروننا كثيرا بسبب الاختلاف بين ديننا وشعوذتهم موهمين قومهم أننّا نشتري العبيد لكي نأكلهم. ومنذ أن سيطروا على البلاد فإنّ عبدا واحدا لم يصل إلى سفننا"[29].

وكثيرا ما تمتزج وتتزامن تجليات المقاومة الثقافية مع العسكرية والسياسية مجسّدة الإطار الديني والخلفية الإيديولوجية لمواجهة الاستعمار. فهذا الأمير البركني المختار ولد سيدي (1841-1843)، عندما اختطفه الفرنسيون ونفوه إلى قرية نائية في الغابون، ينشط بصفته مرابطا يدعو إلى الله وينشر الإسلام حتى بسط نفوذه الروحي على القرية[30].

لقد استشعرت النّخب الدينيّة والعسكريّة خطورة الموقف منذ البداية وحاولت أن ترسم في وعيها صورة لما سيكون عليه الأمر ما لم يبادر القوم بالتصدي للغزو الذي بات في حكم المحقق.

وقد شعرت الأرستقراطية الدينية -وهي المسيرة للمحاظر والمشرفة عليها- مبكرا (على الأقل منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر) بخطر التوسّع الفرنسي المتزايد في حوض نهر السنغال، فاضطّلع شيوخ المحاظر وخريّجوها من فقهاء وعلماء بدور كبير في التحذير من هذا الخطر المحدق، ودعوا إلى مواجهته بالوسائل المتاحة قبل فوات الأوان.

المحظرة ونقل المعارف

اعتمدت المؤسسات المحظرية وسائل وطرقا بسيطة في عملية نقل المعارف، إذ لا تتطلّب المحظرة في أكثر الأحيان سوى شيخ وتلامذة وألواح وأقلام خشبية ودواة وخيمة وعريش.

أمّا اللوح وعادة ما يصنع من الخشب، فيحظى بمكانة خاصة لدى الموريتانيين. يقول أحدهم مخاطبا لوحه:

عِمْ صباحا أفلحتَ كلَّ فلاح
أنت يا لوح صاحبي وأنيسي

 

فيكَ يا لوحُ لم أُطعْ ألفَ لاح
وشفائي من غلتي ولواحي

وأمّا الأقلام وهي خشبية عادة، فلها هي الأخرى مكانتها الخاصة،. فهي إلى جانب الدواة والحبر جزء أساسي من أركان عملية الدراسة بالمحظرة.

ويقوم طلّاب المحظرة بكتابة دروسهم اليوميّة على اللوح وتصحيحيها مع الأستاذ لتبدأ مرحلة التكرار[31]، حتى يتّم حفظها ومن ثمّ استظهارها في أيّ وقت من الأوقات خاصة أثناء تمارين المراجعة والمذاكرة التي عادة ما تنعقد في جلسات سمر ليلية يتبارى أثناءها الطلاب في شتى صنوف المقررات المحظرية. ومن أشهر وسائل المراجعة والاختبارات في المحظرة المساجلات الشعريّة وتمارين الإعراب.

كلُّ فتىً شبَّ بلا إعراب

 

فهُو عندي مثَل الغراب

ومن الطرق "التربوية" المنتشرة في المحاظر استخدام الترغيب والتنفير في عملية نشر ونقل المعارف والمعلومات. يقول الشاعر محمد بن أحمد يوره:

هو الجهل جهل الفقه ليس بجائز
ولا تتركوا التوحيد ملغى فإنّه
ولا تتركوا علم الحساب فإنّه
وجهل عروض الشعر شرّ غريزة

 

وجاهل علم النحو ليس بفائز
لخيمة دين المرء إحدى الركائز
قبيح على الفتيان عدّ العجائز
إذا عُدِّدتْ يوما شرارُ الغرائز[32]

ويحتل الكتاب مكانة سامية عند القوم، فقد أثّر عن الموريتانيين قولهم: "إنّ الضن بأي شيء عن الهبة عيب إلّا الكتب، وإن كل سؤال يعد عيبا إلا سؤال الكتب، وإنّ السرقة فعل مجرم في الدين والعرف إلا إذا كان المسروق كتابا". يقول أحد الشعراء الموريتانيين:

ومحبوبي من الدنيا كتاب

 

وهل أبصرت محبوبا يُعار

وتحبذ التقاليد والرّوايات المتعلقة بأدبيات التعليم المحظري ضرورة اصطحاب الطالب لكراس (كناش) يسجّل فيه المعلومات ولو أثناء السير والترحال:

لا بدّ للطالب من كناش

 

يدرس فيه جالسا أو ماش

ورغم عزلتهم في هذا الركن القصي، فقد تمكّن الموريتانيون من تأسيس مكتبات أهلية معتمدين على مصادر متعددة، لعلّ من أهمها الشراء والتأليف والاستنساخ والإهداء. فالعلّامة سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم (ت. 1818) لم يتردّد في شراء الحطاب بفرس من الخيل العتاق أهديت له أثناء رحلته إلى الحج التي عاد منها بثلاثة أحمال من الكتب[33]. ويندر أنّ يسافر أحد الشناقطة إلى المشرق أو إلى المغرب العربيين إلّا وعاد ببعض الكتب والمخطوطات المجموعة شراء أو استنساخا أو إهداء. فها هو العلامة محمد يحيى الولاتي (ت. 1912) يسرد قائمة تربو على 100 كتاب أهديت له في تونس أثناء عودته من رحلة الحج[34]. ويشير العالم الموريتاني بابَه بن أحمد بيبَه إلى كثرة الكتب التي رجع بها الشيخ سيديا الكبير (ت. 1868) من رحلته إلى المغرب قائلا:

أضاءت بلاد الغرب لمّا أتيتـهـا
وجئت بكتب يُعجز العيسَ حملُهـا

 

وأصبح يبكي عند ترحالك الغرب
وعـنـدك علم لا تحيط به الكتب[35]

وهكذا فقد اضطلعت هذه المدارس الأهلية وشيوخها بأدوار متعدّدة (تعليمية، اجتماعية، مهنية، سياسية وحضارية) داخل موريتانيا وكذلك خارجها.

الإشعاع المحظري خارج موريتانيا

كان للمحظرة الموريتانية وما يزال إشعاع متميّز في المنطقة عموما وفي ربوع إفريقيا الغربية على وجه الخصوص، ذلك أنّ "سفراء المحظرة" كانوا يجوبون أصقاع تلك المنطقة داعين بالتي هي أحسن ناشرين عقيدتهم الإسلامية ولغتهم العربية بأخلاقهم الفاضلة التي كانت تلاقي رواجا كبيرا في صفوف السكان وحتى داخل البلاطات، إذ "كان الأمراء الأفارقة الذين يعتنقون الإسلام يتخذون شيوخا من البيضان يعلّمونهم أحكام الدّين ويقرئونهم القرءان ويؤمون بهم الصلاة ويبذلون النصح للمسلمين"[36].

وقد تفطن بعض الفرنسيين إلى هذه الأدوار التي يضطّلع بها البيضان. يقول المستكشف الأب لابات (Le Père Labat) الذي تجوّل في المنطقة في ملتقى القرنين السابع عشر والثامن عشر: "إنّ مشايخ البيضان هم الذين نقلوا الإسلام إلى الزنوج، ولذلك كان لهم تأثير قوي على تلك الشعوب التي تعتبرهم أساتذة مرشدين في كل مسألة لها صلة بالدين وتستشيرهم في معظم أمورها"[37].

ويشير الرحالة موليين (Mollien) وقد زار المنطقة في مطلع القرن التاسع عشر، إلى دور هؤلاء البيضان في نشر الدين الإسلامي عبر أصقاع القارة الإفريقية فيقول: "إنّ سرعة نجاحهم [البيضان] تجعلنا نفترض أنّ المبشرين المسيحيين في رأس الرجاء الصالح، قبل أن يتمكّنوا [...] من دخول المناطق الوسطى من القارة الإفريقية، سيلاقون [هنالك] مسلمين"[38].

وسيتواصل الحديث عن هذا الدّور على امتداد القرن التاسع عشر إذ نجد الرحالتين بول صوليى، وبول بلانشي-وقد زارا مخيم الشيخ سعد بوه على التوالي سنتيْ 1880 و1900- يتحدثان عن إشعاع تلك الشخصية الدينيّة البارزة وما يتوفّر عليه ذلك الشيخ من الأتباع الكثر في مختلف مناطق إفريقيا الغربية[39].

وقد اعترف موليين بمزايا اعتناق الشعوب الإفريقية للدّين الإسلامي قائلا: "إنّ الديانة المحمدية التي اعتنقتها تقريبا كل الشعوب الإفريقية التي زرتها قد أنارت عقولهم وصقلت أخلاقهم وطباعهم وحطّمت في صفوفهم تلك الممارسات الهمجية التي يحتفظ بها الإنسان في حالة الوحشية"[40]. ويواصل هذا الرحالة في السياق نفسه متحدثا عن زنوج المنطقة وقد اعتنقوا الإسلام: "إن رواياتي تستهدف في الوقت نفسه البرهنة على أنّ هؤلاء الزنوج، الذين ننظر إليهم وكأنهم همج، بعيدون من أن يكونوا محرومين تماما من المعارف. إنّهم ليسوا أقل تطورا من معظم سكان البادية في القارة الأوربية"[41].

ويؤكد الإداري الفرنسي بول مارتي (Paul Marty) الذي شغل وظائف سامية في مستعمرة السنغال انتشار الدعوة الإسلامية في المنطقة على أيدي الموريتانيين قائلا: "توجد أعداد مهمة من مشايخ البيضان في كافة القرى والمدن السنغالية حيث يسيرون مدارس لتعليم القرءان واللّغة العربية، إنّهم دعاة أقوياء للإسلام"[42].

ويشير هذا الفرنسي إلى العلاقة بين التطورات الحاصلة في السنغال ودعوة شيوخ وأئمة المحاظر الموريتانيّة جازما بسيطرة الموريتانيين الدينيّة على تلك البلاد. يقول: "إنّ التحوّلات السياسية والدينيّة التي عرفها السنغال خلال القرن الثامن عشر مثل ثورة الإمام عبد القادر وقيام دولة الأئمة على أنقاض مملكة التكرور واعتناق ملوك والو للإسلام، هي نتيجة لجهود بعثات الدعاة التي كان العلماء الشناقطة يرسلونها إلى المنطقة.. وبصفة عامة فإنّ الإسلام دخل السنغال وانتشر فيه بفضل المشايخ والعلماء الموريتانيّين وأتباعهم وإنّه اليوم خاضع للقيادة الدينية لهؤلاء المشايخ، إمّا مباشرة أو بشكل غير مباشر"[43].

ويشيد فهمي هويدي بالدور الذي اضطلع به الموريتانيون في نشر اللّغة العربية والدفاع عنها فيقول: "كان للموريتانيّين دور لا بد أن يذكر في تعزيز صمود اللّغة العربية داخل السنغال.. وقد ظل هؤلاء الموريتانيون بمثابة الدعامة الأساسية التي قامت عليها مختلف خنادق الدفاع عن اللّغة العربية أمام الغزوة الاستعمارية الشرسة"[44].

ويتعجّب بول مارتي، وهو من زعماء المدرسة الاستعمارية، من كون الموريتانيين قد تمكنوا حتى خلال فترة السيطرة الاستعماريّة من "غزو إفريقيا" متجاوزين السنغال إلى أقطار عديدة من الغرب الإفريقي رغم الاحتلال الفرنسي المباشر. يقول: "إنّ مشايخ البيضان قد أقبلوا على غزو إفريقيا في ظل الاستعمار، وشملت فتوحاتهم هذه السنغال، غامبيا، غينيا، ساحل العاج، الداهومي، السودان (مالي) مستغلين ظروف الأمن التي وفرها الفرنسيون"[45].

وهكذا، فإنّ تأثير مؤسسة المحظرة لم يقتصر على البلاد الموريتانية، بل امتد ليشمل المناطق المجاورة خاصة في إفريقيا الغربية مستفيدا من التطورات الحاصلة أثناء الفترة الاستعمارية، إذ نجد الحاكم العام لغرب إفريقيا كورناري (Cournarie) يبدي سنة 1944 قلقه من تزايد عدد المسلمين في المنطقة بصورة مذهلة حيث ارتفع من 000 875 3 سنة 1924 إلى 000 241 6 سنة 1936، ممّا "ينذر" بانتشار الإسلام في منطقة غرب إفريقيا كلها ويمسّ من سمعة فرنسا وهيبتها[46].

وبفضل المحظرة أيضا سعى علماء وفقهاء هذا الإقليم إلى مدّ جسور الاتصال مع البيت العربي ودار الإسلام، وحرصوا على صيانة واستمرارية تلك الجسور رغم العراقيل الجمة. وفي هذا النطاق يجب الإشارة إلى:

  • رحلات الحج الشنقيطية: وقد بقيت مستمرة رغم صعوبة ومخاطر الطريق، وقساوة المناخ، وتخلف وسائل النقل، ووعورة الطرق الموصلة إلى هذا الجزء الهامشي من بلاد الإسلام الواقع في النواحي الجنوبية الغربية من الصحراء الكبرى، وهو "بعيد الأطراف كثير المفاوز صعب المسالك كثير المهالك، وفي زاوية الإسلام موضوع وبعضه خلف البحر مقطوع، فلا فيه راغب ولا له ذاهب"[47].
  • استجلاب أمّهات الكتب والمتون: فكان العلماء الشناقطة حريصين على توفير هذه المصادر شراء أو استنساخا من الحواضر المغربية والمصرية والحجازية. ذلك ما تفطّن إليه بعض المستشرقين الفرنسيين من أمثال بول ديبي (Paul Dubié) الذي يقول: "إنّ العديد من العلماء الموريتانيين يمتلكون مكتبات غنية. ويقوم بعضهم أحيانا برحلات إلى إفريقيا الشمالية وإلى الديار المقدسة. وهم يتوفّرون على مستوى رفيع في مجال العلوم الدينية والشرعية"[48].
  • الدراسة أو التدريس: كان من دواعي العديد من رحلات طلّاب وخريجي المحاظر الموريتانية إلى المغرب أو المشرق العربيين، فضلا عن تأدية فريضة الحج، السعيُ إلى الاستزادة من العلم والبحث عن المتون والحصول على الإجازات حيث درَسوا أو درّسوا في بعض الجامعات العربية (فاس، القرويين، الزيتونة، الأزهر..إلخ..).

ولقد استدعى الإرث المحظري وما أفضى إليه من تمسّك قوي بالجذور الحضارية مجهودا مضنيا ويائسا من قبل الفرنسيين المستعمرين الذين سعوا بكل ما أوتوا من قوة إلى بتر أبناء المحظرة عن تلك الجذور تسهيلا لترويضهم وإخضاعهم، إذ "زجوا بموريتانيا في إفريقيا الغربية الفرنسية واتخذوا مدينة سين-لوي السنغالية مقرا لحكومتها فارضين على هذا الشعب الانبتات عن جذوره"[49].

ورغم ذلك بقيت صلات الموريتانيين بإخوانهم العرب -بفضل المحاظر- حميمية وواصلوا تأدية رسالتهم التاريخية في هذا الجزء من القارة الإفريقية. يقول المستشرق الفرنسي بول ديبي في هذا السياق: "إنّ المراكز الإسلامية [القائمة على المحظرة] في موريتانيا حيوية جدا. فالعديد من العلماء [وهم شيوخ المحاظر] يمتلكون مكتبات غنية. [...] ولا شك أنّهم يمثلون بؤرة العروبة والإسلام الأكثر حيوية في إفريقيا الغربية"[50].

أمّا في المشرق العربي، فنكتفي بسوق مثال واحد من رموز هذه المحظرة هو الشيخ الشنقيطي محمد محمود بن التلاميد التركزي (ت. سنة 1322هـ/1904) وكان من أشهر الشناقطة في المشرق وأكثرهم حوارات وخصومات. فحين انتقل من الحجاز إلى القاهرة وجد العلماء الأنداد مثل الشيخ محمد عبده ومحمد توفيق البكري ورشيد رضا.

وقد توطّدت علاقات الشنقيطي على وجه الخصوص بمفتي الديار المصرية الذي وجد له مرتبا من الأوقاف وأسند إليه مهمة التدريس بالأزهر وكلفه ببرنامج لإحياء التراث العربي الإسلامي وسنفسح المجال أمام نماذج من الشهادات المصريّة الدالّة المتعلقة بخريج وأستاذ المحظرة الشنقيطية هذا.

يشير طه حسين في كتابه الأيام إلى هذه الفترة من حياة ابن التلاميذ قائلا : " كان أولئك الطّلبة الكبار يتحدثون بأنّهم لم يروا قطّ ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ اللّغة ورواية الحديث سندا ومتنا عن ظهر قلب. وكانوا يذكرون أن له مكتبة غنية بالمخطوط والمطبوع في مصر وفي أوروبا، وأنّه لم يقنع بهذه المكتبة وإنّما ينفق أكثر وقته في دار الكتب قارئا أو ناسخا"[51].

ويسير أحمد حسن الزيات في السياق نفسه حين يذكر في مقال له بمجلة الأزهر أنّ هذا الشنقيطي كان "آية من آيات الله في حفظ الحديث والأخبار والأمثال والأنساب لا يَندّ عن ذهنه من كل أولئك نصٌّ ولا سندٌ ولا رواية"[52]. ويرسم الزيات صورة لأستاذه الشنقيطي لا تخلو من دقّة فيقول: "إنّه هيكل ضئيل وبدن نحيل ووجه ضامر ولون أخضر وصوت خفيض، فمن يراه، لأّول مرّة، لا يصدق أنّ هذا الجرم قد جاب البرّ والبحر وطاف الشرق والغرب وكافح الأنداد والخصوم ووعى صدرُه الضيّقُ معاجمَ اللّغة وصحاحَ السنّة ودواوينَ الشعراء وعلمَ الآداب"[53].

التحدّيات الأساسية

لقد واجهت المحاظر على مدى تاريخها الطويل نسبيا تحدّيات متنوّعة لعلّ أبلغها تأثيرا على بنيتها وأدوارها عوامل من أهمّها:

منافسة المدرسة الحديثة فقد ظلّت المحاظر لقرون عدّة المسؤول الوحيد عن تنشئة الأجيال وبالتالي عن صياغة المجتمع طبقا لرؤية دينية أطّرها الفقهُ المالكي والمعتقدُ الأشعري. وفجأة ظهر التعليم النظامي وافدا جديدا تعزّزه آليات منهجيّة ومضمون معرفي لا عهد للتعليم المحظري بهما. وإذا كانت المحظرة -بفضل قدرتها التعبوية ومصداقيتها لدى العامة بوصفها الناطق الرسمي باسم الشرع- قد استطاعت أن تثني غالبية السكان عن ارتياد المدرسة النظامية في العهد الاستعماري باعتبارها مدرسة النصارى لغةً ومحتوىً، فإنّ التعليم الرسمي قد عرف قفزة مهمّة في ظل دولة الاستقلال، وبدأ يفرض نفسه على شرائح واسعة من الوسط الاجتماعي الخاص عادة بالمحظرة مبعدا أعدادا متزايدة من الشباب عن ارتياد هذه المؤسسة تحت تأثيرات إغراء المدينة والبحث عن بدائل لتوفير العيش الكريم بعد أن تخلخلت قاعدة الاقتصاد الريفي بفعل الجفاف.

الجفاف لا شك أنّ الجفاف الذي ضرب المنطقة منذ سبعينيات القرن المنصرم -بما شكله من خلخلة للبنية الاقتصادية ومنظومة العلاقات الاجتماعية والقيمية- كان شديد الوطأة على المدارس الأهلية التي هي بالأساس مؤسسات بدويّة تنتشر أساسا في الأحياء والتجّمعات الريفيّة وتعتمد بالتالي على تربية المواشي وما تجود به من لبن ولحم وصوف وعلى منتوج زراعي مكمّل، قليل في غالب الأحيان، جرّاء اعتماد الزراعة على الأمطار غير المنتظمة وتخلّف الأدوات والأساليب الزراعية.

وقد تسبّب هذا الجفاف الذي أتى على الأخضر واليابس في نزوح مكتسح من الأرياف إلى المدن الكبرى التي عرفت -جراء ذلك- اكتظاظا ديمغرافيا حادا. وكان لهذا النزوح السكاني الكبير تأثيره البالغ على المحظرة التي فقدت أعدادا كبيرة من منتسبيها الفعليين والمحتملين. كما أنّ الفاقة الكبيرة التي خلفها هلاك الزرع والضرع زادت من تفاقم وضعية المحظرة التي لم تستقر قاعدتها في المدينة بعدُ، فلم تعد تحصل على التبرعات "والأوقاف" لصالح الطلّاب "المؤبدين" كما كان في السابق، مما أفقد شيخ المحظرة في الغالب الأعم قدرته المعهودة على الاحتفاظ بهؤلاء "المؤبدّين". ولم تعدّ الأسر قادرة على تجهيز أبنائها لإرسالهم إلى المحظرة بالزاد الضروري. فكانت النتيجة من كل ذلك أن عرفت أعداد طلاب المحظرة تناقصا حادا هدد وجودها في الصميم.

الحاجة إلى الاكتتاب وجدت الدولة الحديثة نفسها غداة الاستقلال أمام حاجيات كبيرة تستدعي إطارا بشريا قادرا على سدّها في مختلف الأجهزة الحكومية. وبدت المحظرة جهة مرشحة لتوفير هذا الإطار. وهكذا انخرط المحظريون في مختلف قطاعات الدولة. وقد قاد تعريب التعليم والقضاء لاحقا أعدادا كبيرة من الأطر المحظرية إلى قطاعات التعليم والعدالة والصحافة إلخ.، فأصبحت موجات متزايدة من طلبة المحظرة تهاجر باستمرار إلى المدن لتجرّب حظّها في الامتحانات والمسابقات الرسميّة باحثة عن وظيفة قارة.

ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الوضع على المحظرة التي باتت تفقد وبشكل مستمر نسبة كبيرة من منتسبيها، قبل أن يكملوا تعليمهم المحظري ليؤسّسوا محاظر جديدة كما كان يحدث لو أنّ الأمور جرت على ما كانت تجري عليه.

تغيّر النظرة إلى التعليم لقد كان لتغيّر القيّم دور لا يمكن تجاهله، إذ لم يعد الطالب يتعلّم لوجه الله أو سعيا إلى تبوؤ مكانة اجتماعية مرموقة كما كان في السابق، وإنّما بات التفكير في التحصيل المادي والبحث عن المنفعة المباشرة والكسب السريع أحد محركات وحوافز الطّلبة. بل إنّ النزعة المنفعية استفحلت لتطغى أحيانا على بعض شيوخ المحاظر ذاتها، إذ يبدو أنّ ظاهرة "مؤسسات الجيب" التي نصادف بموجبها منظمات وشركات لا وجود لها خارج ملفات أصحابها، قد بدأت تغزو قطاعات الثقافة والتهذيب حتى بتنا نلاقي أحيانا "شيوخ" محاظر أدعياء لا يتقنون القراءة ولا الكتابة، في حين لا يتورّعون عن استجداء العون لمحاظرهم الوهمية حتى من الهيئات والبلدان الأجنبية.

انتشار وسائل الاتّصال وطبيعي أن تتأثر المدارس التقليدية بالتطورات الحاصلة على الصعيد الدولي. فالثورة التقنيّة والقفزة المذهلة في مجال الاتصالات والمواصلات؛ كل ذلك أدّى إلى تعقّد وتداخل نمط الحياة العصرية وإلى تزايد وتعدّد الاهتمامات والانشغالات بشكل ربط المدن بالأرياف وحدّ من عزلة هذه المناطق عن العالم الخارجي كما حدّ من هدوئها، هذه العزلة وذلك الهدوء اللذان كانا من عوامل التحصيل المحظري المعتمد على الحفظ والاستظهار؛ فما ذا بقي لهذا التعليم إذن من أدوار؟ وهل انتهت الحاجة إليه؟

التعليم المحظري ودوره في الظروف الحالية

إذا كانت العوائق التي تحدثنا عنها أعلاه –من بين عوائق أخرى عديدة- تبرز ما يواجه التعليم الأهلي من تحدّيات جدّية تمسّ مقومات وجوده الأساسية، فإنّ ذلك لا يعني أنّ هذا التعليم سيتخلى عن إسهامه في صياغة معارف الناس وسلوكهم في هذا الزمن العربي الصعب، بل إنّ التعليم المحظري بما أُثر عنه من مرونة في الأدوات والأساليب ما زال يحتفظ بمخزون ثرٍّي يؤهّله لخدمة أهداف الإستراتيجية العامة للدولة في مجال التعليم ومحو الأمية. غير أنّ نجاح هذا النمط من التعليم -بل وبقاءه- يبدو مرهونا بقدرته على التجدّد الذاتي معرفيا ومنهجيا. ولكي يتسنّى له ذلك يتعيّن عليه أن يستجيب لجملة من الضرورات لعلّ من أكثرها إلحاحا :

المواءمة بين الأصالة والمعاصرة

إذ تواجه المدرسة التقليديّة رهانا صعبا يتمثّل في:

صيانة إرثها التاريخي ومميّزاتها الأساسيّة (حرية المنهج، المساواة في طلب العلم، المجانية)؛

المحافظة على الخصائص الثقافيّة والقيّم الدينيّة للأمة؛

الانفتاح على العصر والاندماج في مسار التنميّة والتعامل مع مستجدّات الظرفيّة الدولية بموضوعية وتبصر ومرونة.

مراجعة المقررات

فقد بات التفكير في مراجعة المقررات والمناهج والوسائل التربويّة مسألة ملّحة ربما يتوقف عليها مستقبل التعليم المحظري نفسه. ويمكن أن تشمل هذه المراجعة من بين أمور أخرى:

العناية بمادة التاريخ الذي كان ينظر إليه تقليديا على أنه "علم لا ينفع وجهالة لا تضر".

البحث عن صيّغ ووسائل لدمج تدريس الحساب والعلوم واللّغات الحيّة والمعلوماتية والتسيّير والتربيّة مواكبة للعصر وانفتاحا على ما يتجدّد من معارف وتقنيّات.

مراعاة متطلبات سوق العمل

تجب العناية بالتكوين العملي والبحث عن الطرق الملائمة التي تعطي لخريجي المحاظر فرصا أكثر للحصول على العمل والمساهمة في عملية التنميّة، ذلك أنّ التوازن التقليدي الذي كان يسمح باستيعاب غالبية هؤلاء الخريجين قد اختل جراء التحولات الجديدة وغدت المنافسة في سوق التشغيل أكثر حدّة. ففرص العمل المتاحة باتت تتطلّب كفاءات وتخصّصات ذات مواصفات معينة.

وتجسيدا لهذا المطلب وتمشيا مع مراعاة الظروف الجديدة أصبح من الملح المواءمة بين مقررات المحاظر وحاجات الدولة، وذلك من أجل توفير المزيد من فرص العمل للخريجين والحد من أعباء البطالة.

وهكذا ستتمكّن المحاظر من أن توائم بين رسالتها التاريخية ومهماتها المستجدة، وتكون في المستقبل أداة من أدوات نشر ونقل المعرفة والتنمية ووسيلة من وسائل توازن المجتمع والمحافظة على القيّم الإسلامية السمحة بما تجسده من تآزر واعتدال ووسطية.

فواقع الأمية الراهن وما تتمتع به المحاظر من مصداقية لدى جميع الأوساط يجعل المحظرة اليوم من أهمّ الأطر المؤسسية القادرة على بث ونقل المعارف كما كانت بالأمس. وقد أكد الباحث الفرنسي آندرى لكورتوا (André Lecourtois) أنّه "بفضل المدارس البدوية [المحاظر] ونظامها التعليمي كانت نسبة الأميين منخفضة في موريتانيا بخلاف بلدان إفريقية وآسيوية عديدة"[54].

وجملة القول أنّ المؤسسات المحظرية الموريتانية ساهمت مساهمة كبيرة في نشر ونقل المعارف وفي صيانة التراث الثقافي والحضاري للأمة ورفعت اسم البلاد بأعلام كان لهم حضور متميّز على مستوى العالم الإسلامي، ومكنت بالاعتماد على إمكانيات محدودة ووسائل بسيطة من الصمود في وجه التغريب والمسخ الثقافي وساعدت في التشبث بخصوصيات الأمّة، حيث يذكر الباحث الفرنسي فرانسيس دو شاسي (Francis de Chassey) "أنّ حماسا دينيا عارما صاحب الاستعمار، إذ ازداد البيضان خلال الفترة الاستعمارية تمسكا بالإسلام وتطبيقا لشعائره، فانتشر التديّن بين مختلف المراتب والفئات الاجتماعية"[55]. والمهمة نفسها تقتضيها اليوم تحديات العولمة الثقافيّة ودعوات التعصّب وإلغاء الآخر التي ترتفع من وقت لآخر مبشرة بنهاية التاريخ لصالح صيغة واحدة مهيمنة حينا، وبتصادم الحضارات البشرية حينا آخر وما انجر عنها من التباس الحق بالباطل وانتشار تيارات الغلو والتكفير ومحاولات إلصاق مختلف التّهم والنعوت السلبية بالدين الإسلامي الحنيف.

البيبليوغرافيا

ابن بابه، محمد فال (1986)، كتاب التكملة في تاريخ إمارتي البراكنه والترارزه، تحقيق أحمد ولد الحسن، تونس، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات-بيت الحكمة، قرطاج، الطبعة الأولى.

ابن جبير(1964)،الرحلة، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر.

ابن حامد، المختار (1990)، حياة موريتانيا، الحياة الثقافية، الجزء 2، تونس، الدار العربية للكتاب.

ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، بيروت، دار الجيل، د.ت.

ابن عبد الحي، محمد (1998)، المحظرة : (ماهيتها، نشأتها، تطورها، بنيتها ومحتواها، وظيفتها)، عرض مقدم لندوة عن المحاظر  في موريتانيا، نواكشوط، يوليو.

ابن محمد محمود، إزيد بيه (2001)، الزوايا في بلاد شنقيط في مواجهة الاستعمار الفرنسي، نواكشوط، المطبعة الوطنية.

ددود، ولد عبد الله (1993)، الحركة الفكرية في بلاد شنقيط خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر (17 - 18م)، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط.

الزركلي، خير الدين (1990)، الأعلام : قاموس تراجم، بيروت، دار العلم للملايين، المجلد السابع.

الزيات، أحمد حسن (1961)، "كيف عرفت الشنقيطي"، مجلة الأزهر، المجلد 33، سبتمبر، ص. 391-395.

الشنقيطي، أحمد بن الأمين (1961)، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، القاهرة -مصر، مكتبة الخانجي، الدار البيضاء، مكتبة الوحدة العربية، الطبعة 3.

الشيخ سيدي الكبير، ابن المختار ولد الهيبة، الميزان القويم والصراط المستقيم، مخطوط.

الشيخ، محمد المامي، كتاب البادية، مخطوط.

الصوفي، محمد ولد محمد الأمين (1406)، المحاظر الموريتانية وآثارها التربوية في المجتمع الموريتاني، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود.

طه، حسين (1974)،المجموعة الكاملة: الأيام، المجلد الأول، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية.

الكنتي، الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار، الرسالة الغلاوية، مخطوط،، نواكشوط، المعهد الموريتاني للبحث العلمي.

محمدو، محمدن أمين (2002)، "المحاضر الموريتانية (الجامعات البدوية المتنقلة)"، مجلة التاريخ العربي، العدد الثاني والعشرون، الرباط،ص.339-361.

مصطفى، إبراهيم، المعجم الوسيط، طهران، المكتبة العلمية، بدون تاريخ، جزءان.

المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد (1906)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن.

الناني، ابن الحسين (1999)، صحراء الملثمين وعلاقاتها بشمال وغرب إفريقيا من منتصف القرن الثامن إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، أطروحة دكتوراه في التاريخ، جامعة محمد الخامس، الرباط.

النحوي، الخليل (1987)، بلاد شنقيط، المنارة..والرباط، عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة (المحاضر)، تونس.

الندى، محمد المصطفى (1995)، "المخطوطات العربية القديمة في موريتانيا"، مجلة الموكب الثقافي، العددان 2 و3، نواكشوط، اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم،
ص. 27-33.

—————، دور المحاضر في موريتانيا، مذكرة تخرج، المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.

ودادي، ولد محمد محمود (1986)، البرابيش، دمشق، مطبعة زيد بن ثابت.

ولد السعد، محمد المختار(1993)، شرببه أو أزمة القرن 17 في الجنوب الغربي الموريتاني، نواكشوط ، المعهد الموريتاني للبحث العلمي.

مجهول: "المحضرة نت"، موقع على شبكة الإنترنت تحت الرابط: (AL MAHDRA NET MR)

Blanchet, P. (1900), « Rapport de mission en Adrar (Mauritanie) », 36 p., Centre des Archives d'Outre-mer, Aix-en-Provence, Série: Affaires Politiques, Carton 2711, Chemise n°4, (dossier Paul Blanchet).

Braudel, F. (1984), Ecrits sur l’histoire, Paris, Flammarion.

Chassey, F. de (1984), La Mauritanie 1900-1975, Paris, l’Harmattan.

Douls, C. (1888), "Cinq mois chez les Maures nomades du Sahara Occidental", in revue Tour du Monde, I, Paris, p. 117-224.

Faidherbe, L. (1889), Le Sénégal et la France dans l'Afrique Occidentale, Paris, Hachette.

Labat, J.-B. Le Père (1728), Nouvelle relation de l'Afrique occidentale, Paris, Théodore le Gras et G. Cavalier, 5 volumes.

Lecourtois, A. (1978), Etude expérimentale sur l'enseignement islamique traditionnel en Mauritanie, Entreprises et développement.

Marty, P. (1919), L'Emirat du Trarza, Paris, éd. Larose.

Mollien, G.-T. (1820), Voyage dans l'intérieur de l'Afrique et aux sources du Sénégal et de la Gambie, fait en 1818 par ordre du Gouvernement français, Paris, Imprimerie de Madame Veuve Courcier, 2 vol., deuxième édition, Paris, 1822, Arthus Bertrand, 2 vol.

Soleillet, P. « Rapport à Monsieur le Ministre des Travaux Publics sur le voyage de Saint-Louis à l'Adrar », décembre 1879-mai 1880, 154 p., Centre des Archives d'Outre-Mer, Aix-en-Provence, Série : Missions, Carton 2: Missions et Voyages (dossier Paul Soleillet).


الهوامش

[1] للمزيد من التفاصيل عن مدلول هذه التسمية وأدوار هذه المؤسسات الثقافية، تمكن مراجعة :

النحوي، الخليل (1987)، بلاد شنقيط، المنارة.. والرباط، عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة (المحاضر)، تونس، ص. 48 وما بعدها.

بن حامد، المختار (1990)، حياة موريتانيا، الحياة الثقافية، تونس، الدار العربية للكتاب، ص. 197 وما بعدها.

ولد عبد الله، ددود (1993)، الحركة الفكرية في بلاد شنقيط خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر (17 - 18م)، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ (دكتوراه السلك الثالث)، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص. 70 وما بعدها.

ابن محمدن، محمدو (2002)، "المحاظر الموريتانية (الجامعات البدوية المتنقلة)"، مجلة التاريخ العربي، العدد الثاني والعشرون، الرباط، ص. 339-361.

[2] مصطفى، إبراهيم، المعجم الوسيط، طهران، المكتبة العلمية، بدون تاريخ، جزءان، مادة حظر.

[3] للمزيد من المعلومات التفصيلية يمكن الرجوع إلى:

محمد الصوفي ولد محمد الأمين (1406)، المحاضر الموريتانية وآثارها التربوية في المجتمع الموريتاني، رسالة للحصول على شهادة الماجستير، جامعة الملك سعود.

حمد بن عبد الحي، (1998)، المحظرة: (ماهيتها، نشأتها، تطورها، بنيتها ومحتواها، وظيفتها)، عرض مقدم لندوة عن المحاضر في موريتانيا، نواكشوط، يوليو .

محمد المصطفى ولد الندى، دور المحاضر في موريتانيا، مذكرة تخرج، المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية.

[4] ابن جبير (1964)، الرحلة، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر.

[5] الونشريسي، أحمد (1401 هـ)، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ج. 7، ص. 156.

[6] إحدى التسميات التي عرفت بها البلاد الموريتانية دلالة على توسطها بين المجتمعات ذات التنظيم المركزي شمال وجنوب الصحراء.

[7] من أكثر الأمثلة تعبيرا عن ربط الفقه المحظري بالحياة البدوية كتاب البادية الذي يؤسس لفقه البادية. انظر: الشيخ المامي، محمد (ت. سنة 1292هـ/1875)، كتاب البادية، مخطوط بحوزتنا صورة منه.

[8] هؤلاء الفقهاء هم: الحضرمي المرادي، إبراهيم الأموي وعبد الرحمن الركاز.

[9] نذكر منهم:

بن حامد، المختار، حياة موريتانيا، الحياة الثقافية، المرجع السابق.

النحوي، الخليل، بلاد شنقيط، المنارة والرباط، المرجع السابق.

[10] النحوي، الخليل، المرجع السابق، ص. 66.

[11] المرجع نفسه.

[12] "البلاد السائبة" أو "بلاد الفترة"من التسميات المحلية التي أطلقت على البلاد الموريتانية خلال القرون الماضية وذلك إشارة إلى غياب السلطة المركزية وانتشار الفوضى في هذه الأصقاع. وممن استخدموا هذه التسمية :

الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي (ت.1226هـ/1811)، الرسالة الغلاوية، مخطوط.

الشيخ سيدي الكبير (ت.1284هـ/1868)، الميزان القويم والصراط المستقيم، مخطوط.

الشيخ المامي، محمد، كتاب البادية، مخطوط.

[13] الناني بن الحسين (1999)، صحراء الملثمين وعلاقاتها بشمال وغرب إفريقيا من منتصف القرن الثامن إلى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، أطروحة دكتوراه في التاريخ، جامعة محمد الخامس، الرباط.

[14] النص الفرنسي لهذه القولة هو:

« Il faut à toute culture un excédent, un surplus économique. La culture est consommation, voire gaspillage », Braudel, F. (1984), Ecrits sur l’histoire, Paris, Flammarion, p. 298.

[15] يقول ابن خلدون في هذا السياق: "وقد كسدت لهذا العصر أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم". انظر: ابن خلدون، المقدمة، بيروت، دار الجيل، د.ت.، ص. 484.

[16] النحوي، الخليل، بلاد شنقيط، المنارة .. والرباط، المرجع السابق.

[17] بن السعد، محمد المختار (1993)، شرببه أو أزمة القرن 17 في الجنوب الغربي الموريتاني، نواكشوط، المعهد الموريتاني للبحث العلمي، ص. 53، (نقلا عن محمد ولد مولود ولد داداه).

[18] Douls, C., (1971), « Cinq mois chez les Maures nomades du Sahara Occidental 1887 », Paris, Hachette (reprod. d’un extrait de Tour du Monde, 1420-1422, 1888), p. 177-224, p. 206.

[19] المرجع نفسه.

[20] نقلا عن:

Faidherbe, L. (1889), Le Sénégal et La France dans l'Afrique Occidentale, Paris, Hachette, p. 45.

[21] محمذن فال بن متالي، الديوان.

[22] محمد بن عبد الحي، المحظرة، المرجع السابق.

[23] Lecourtois, A. (1978), Etude expérimentale sur l'enseignement islamique traditionnel en Mauritanie, Entreprises et développement, p. 32.

[24] تقرير من الحاكم الفرنسي العام لغرب إفريقيا إلى وزير المستعمرات الفرنسي يتعلق بمهمة كوبولاني في منطقة الترارزَه بالجنوب الغربي الموريتاني (كانون الأول 1902)، الأرشيف الوطني الموريتاني، نواكشوط، الملف E1/8.

[25] صابر، محيي الدين (1981)، جريدة الشعب، رقم 1702، الصادرة في 18 فبراير 1981، نواكشوط.

[26] Lecourtois, A., op.cit.

[27] المختار بن بونه (ت. سنة 1218هـ/1804)، الديوان.

[28] تقرير رقم 795، 01/10/1934، الأرشيف الوطني، نواكشوط/موريتانيا، ملف رقم E2/44. (نقلا عن: الخليل النحوي، بلاد شنقيط، المنارة والرباط، المرجع السابق).

[29] نقلا عن النحوي، الخليل، بلاد شنقيط، المنارة والرباط، المرجع نفسه.

[30] المرجع نفسه.

[31] من الأقوال المأثورة لديهم: "من ترك التكرار لا بد أن ينسى".

[32] محمد بن أحمد يوره، الديوان.

[33] ابن الندى، محمد المصطفى (1995)، "المخطوطات العربية القديمة في موريتانيا"، مجلة الموكب الثقافي، العددان 2 و3، نواكشوط، اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، ص. 27-33، ص. 30.

[34] الولاتي، محمد يحيى (1990)، الرحلة الحجازية، تخريج وتعليق محمد حجي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، الرباط، معهد الدراسات الإفريقية، ط. 1، ص. 275-276.

[35] بابه بن أحمد بيبه، الديوان.

[36] النحوي، الخليل، المنارة والرباط، المرجع السابق، ص. 259.

[37] Labat, J.-B. Le Père (1728), Nouvelle relation de l'Afrique occidentale, Paris, Th. le Gras et G. Cavalier, 5 vol.

[38] Mollien, G.-T. (1820), Voyage dans l'intérieur de l'Afrique et aux sources du Sénégal et de la Gambie, fait en 1818 par ordre du Gouvernement français, Paris, Imprimerie de Madame Veuve Courcier, 2 vol., p. 319-337, deuxième édition, Paris, 1822, Arthus Bertrand, 2 vol.

[39] راجع كلا من:

Soleillet, P. (1880), « Rapport à Monsieur le Ministre des Travaux Publics sur le voyage de Saint-Louis à l'Adrar », décembre 1879-mai 1880, 154 p., Centre des Archives d'Outre-mer, Aix-en-Provence, Série Missions, Carton 2, Missions et Voyages (dossier Paul Soleillet).

Blanchet, P. (1900), « Rapport de mission en Adrar (Mauritanie) », 36 p., Centre des Archives d'Outre-mer, Aix-en-Provence, Série : Affaires Politiques, Carton 2711, Chemise n° 4, (dossier Paul Blanchet).

[40] Mollien, G.-Th., op.cit.

[41] Ibid.

[42] Marty, P. (1919), L'Emirat du Trarza, Paris, éd. Larose, p. 17.

[43] Marty, P., op.cit., p. 4-5.

[44] هويدي، فهمي (ربيع 1402)، مجلة العربي.

[45] Marty, P., op.cit., p. 18.

[46] De Chassey, F. (1984), La Mauritanie 1900-1975, Paris, l’Harmattan, p. 136.

[47] شمس الدين أبو عبد الله محمد المقدسي (1906)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن، ص. 216.

[48] Dubié, P. (1953), « La vie matérielle des Maures », Mémoires de l'Institut Français de l'Afrique Noire (I.F.AN.), n° 23, Dakar, p. 111-252, p. 119.

[49] Lecourtois, A., op.cit.

[50] Dubié, P., op.cit., p. 119.

[51] طه، حسين (1974)، المجموعة الكاملة، المجلد الأول الأيام، لبنان، دار الكتاب اللبناني، الطبعة 2،
ص. 343-344.

[52] الزيات، أحمد حسن (1961)،"كيف عرفت الشنقيطي"، مجلة الأزهر، المجلد 33، ص. 391-395، ص. 392.

[53] المرجع نفسه، ص. 394.

[54] Lecourtois, A., op.cit., p. 44.

[55] De Chassey, F. (1984), La Mauritanie 1900-1975, Paris, l’Harmattan, p. 136.