Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمـة

 يقـودنـا الحديث عن الفضاء الاتصالي المغـاربي إلى التنويـه بأهمية الاتصال في فهم معنى الفضاء العمومي Espace Public، هذا الفضاء الذي أضحى من المفاهيم الملازمة للعقلانيـة التواصلية، وقد انشغل به هابرماس طيلـة مساره الفكري، وهو المكون القيـمي الذي أسس لنظريات أمبريقيـة أكثر طموحـا ومقاربـات علميـة لم تتوقف على الاشتغال بقضـايـا الحقيقـة ومسائـل المعيـاريـة والتقويـم.

إنّ الاتصـال حاجة إنسانيـة أوليـة وليسـت مضافـا عرضيـا يمكن الاستغنـاء عنه، إنّـه ليس اختيـارا بل إكراه اجتماعي يتعلّم الفرد من خلالـه كيف يتأقلـم مع قوانين المجتمع ومقتضياته. فكما أنه لا يمكن الحديث عن الإنسانية إلاّ من خلال وجود مجتمع كما يقول أمبرتو إيكو (Umberto Eco) فإنّ الحديث عن المجتمع لا يمكن أن يتمّ دون الحديث عن نشاط اتصالي يمكّن الأفراد والجماعات من إشبـاع حاجات لا يمكن أن تشبع اعتمادا على مجهودات الفرد وحده. وقد ذهب البعض إلى الاعتقـاد أنّ الاتصال والأخلاق ومجمل الإكراهات التي صاحبت الارتقاء الإنساني من حالات "التوحش الطبيعي" إلى ملكوت العوالم الرمزية كلّها أنشطة تحققت من خلال سيرورة واحدة، حيث يندرج الفعل الإنساني في كلّيتـه ضمن سجلاّت متباينـة في التجلّي، ولكنّها متطابقـة مع بعضها بعضا من حي المضمون، فهي ما يشكّل في نهاية الأمر إنسانية الإنسان، وذاك هو السر في أنّ يكون الإنسان كائنـا متصلا. ولذلك فالاتصال، شأنـه شأن الأخلاق، ليس نشاطا فرديـا لا يدرك إلاّ ضمن حاجات الفرد المعزولـة، بل هو سيرورة اجتماعية تعتمد سلسلة لا حصر لها ولا عدّ من الأنساق التي تختلف في التحقق من ثقـافـة إلى أخـرى، ولكنّها تعدّ في الجوهر تعبيـرا عن مضامين إنسانية واحدة، إنّـه التعرف على العوالم الأخلاقية للآخر، وإدراك خصوصياتها رغبـة في تفسير رد فعلـه لا يمكن أن يتمّ إلاّ من خلال حالات التبـادل. يشتمل هذا التبـادل على أشكـال متنوعـة فيها ما ينتمي إلى دوائر اللفظ (الاتصال المنطوق)، ومنها ما ينتمي إلى تقنيـات وسلطة الصورة (الاتصال البصري)، وفيها الحاجات الاقتصادية وكل الأشكال التعبيرية التي أفلح الإنسان في إنتـاجهـا.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الظواهر الإنسانية في كلّيتها لا يمكن أن توجد خارج رغبة الكائن البشري في التواصل مع غيره بشكل مباشر أو غير مبـاشر، فمجموع ما ينتجـه الإنسان عبر لغتـه وأشيائـه وطقوسه يندرج ضمن سيرورة تواصلية متعدّدة المظاهر والوجود والتجلّي إلى الحد الذي يجعل الثقافـة في كلّيتها سيرورة تواصليـة دائمـة. وفي جميع الحالات ثمّـة ترابط وثيـق بين مظهري الوجود الإنساني الثقـافي والاتصالي: "فهمـا معا يشكّلان جهتي نظـر وطريقتيـن لتمثل التفاعل الإنساني المنتظم والمبيّن، فالتركيز يكون في الثقـافة على البنيـة، أمّا في الاتصال فإنّـه يتعلّق  بالسيرورة "[1].

وما تعرفـه البشرية في العقود الأخيرة كاف لتفسير مجموعة كبيرة من الظواهر المرتبطة بالاتصال، ما يعوقـه وما يوفّر لـه شروط التحقق، وما يحولـه إلى أداة للتضليـل. فعلى الرغم ممّا تبدو عليه الأمور في الظاهر، فإنّ ادّعاءات العولمـة القـدرة على تجاوز كل الهويات لا يمكن أن تكذّبهـا إلاّ حالات الاتصال ذاتها، فلا يمكن تحقيق هذه العولمة إلاّ من خلال القدرة على استيعاب التلوين الثقافي المحلّي كأحد ضروب تحقق العولمـة في الشكل وفي الجوهر. فمن خصائص الاتصال في عصرنـا هذا اشتراطه ما تودّ العولمة تحطيمه: الهويـة، " فلقـد كانت هذه الهويـة فيما مضى عائقـا أمام الاتصال، أمّا الآن فهي شرطه، فكلّما ازداد النشاط الاتصالي، ازداد احترام النّاس للهويات. إنّ الشعوب تتشبّث بالهوية والتواصل في الوقت ذاتـه، فهمـا دعامتـا الحداثـة"[2]. وخارج هاتين الدعامتين لا يمكن الحديث عن إنسانية تحتفي بالاختلاف قـدر احتفائها بالوحدة، كما سنوضّحه في ثنـايـا الفضاء الاتصالي بوصفـه خطاب لا يقف عند حدود الاتصالات كتقنيـة مفرغـة من أي مضمـون.

  • 1. الفضـاء الاتصالي: الخطـاب والثقـافـة

يحتلّ الفضاء الاتصالي Espace Médiatique، كمفهوم وخطاب خاص موقعـا مميّزا في الدراسات الإعلامية المعاصرة، فقد حاول الكثير من الباحثين، من خلال مفهوم الفضاء هذا، إدراك سرّ الترابط الاجتماعي وكنـه السيرورة التي من خلالهـا يتعلّم الإنسان كيف ينتمي إلى ثقـافة مجتمع ما ويصبح جزءا منها من خلال سلسلة من المظـاهر والرموز الاتصالية[3]. وعلى هذا الأساس، فإنّ دراسة الفضاء الاتصالي يجب أن ينظر إليها من زوايـا متعدّدة، سواء من حيث تصنيف الظواهر الاتصالية، أو تحديد أشكال تجلّياتها، أو من حيث الإحالـة على التصورات النظرية التي حاولت، من منطلقات ابستمولوجية مختلفة تحديد حجم الاتصال وعمقـه ومناطقـه ووظائفـه وخصوصياته[4].

وتأسيسا على ما سبق، يمكن الجزم بأنّ الفضاء الاتصالي هو جزئية أساسية في المشهد الثقـافي وفي خدمة المجتمع وفي تكريس التفاعل السليم لكل مكونـات الفضاء العمومي[5]. وبحكم أنّ دائرة الفضاء الاتصالي لصيقة بما هو متاح للفضاء العمومي من حريات التعبير فإنّه بالضرورة سيتأثّر المشهد الاتصالي كجزء من الفضاء العام بالقيود التي ستفرض عليه. في هذا السياق، ومن أجل المساهمة في حل هذه الإشكالية سعت بعض الدول التي تنتمي إلى النموذج اللّيبرالي من خلال فهمها لكيفية تسيير الاتصال إلى إفراد مكانة هامة لدور الجمعيات والنقابات المهنيـة ومؤسسات المجتمع المدني والجمهور كعناصر فاعلة في التشريع والهيكلـة والرقـابـة[6].

      إنّ الفضاء الاتصالي إذن هو الحيّز الذي تتحدّد فيه جغرافية التيارات الإعلامية La géographie des Courants Médiatiques لترسم الملامح العامة والدائرة الممثلـة لمشهد اتصالي ما[7]. ولا يمكن التعاطي مع مفهوم الفضاء الاتصالي باعتبـاره قيمة تدلّ على تجانس خريطة التدفقـات Cartographie des Flux الإعلامية فحسب بل لابدّ أن ينظر إليه باعتباره سياقـا ثقافيـا واجتماعيـا يحمل الكثير من الاتجاهات الإعلامية الهجينة Tendances Hybrides [8]  وهو ما يؤسس لمفارقات واختلافات قد تطال المشهد الإعلامي المتشابه كما هو الحال بالنسبـة للفضاء الاتصالي المغاربي.     

  • 2. الفضاء الاتصالي المغاربي وإشكالية مثاقفـة العولمـة

اصطدم المشهد الاتصالي المغاربي، على غرار بعض الأنظمة الإعلاميـة العالمية بجملة من الإشكالات التقنية والمعرفية، تمثلت على وجه الخصوص في كيفية التصدّي لبعض المتغيرات الجديدة، كتعدّد الاختيارات عندما يتعلق الأمر بالبرامج السمعية – البصريةMultiplication des choix des programmes audiovisuels التي توفرها مقترحات الفضائيات المختلفة، أو ضروب الربط المتباينة Interconnexions التي تضمنها خدمات الشبكة العنكبوتية، والتي توفر للأفراد تبـدلا حرّا للمعلومة وإمكانيات جديـدة للاتصال تتجاوز كليـة الحدود والفضاءات التقليديـة المعهودة Les espaces Traditionnels[9].

وقد يكون هذا المعطى التدويلي Internationalisée الجديد لعرض الصور والمعلومات يسير في وفاق مع اختيارات دول المنطقـة المغاربية الرامية إلى تبنّي نهج الانفتـاح الاقتصادي بما يفرضه من إملاءات عالمية (المنظمة الدوليـة للتجـارة)، أو التزامات دولية خارجية أو مختلف أنـواع الشراكة بين دول المنطقـةIntro Régionaux (مسار برشلونـة، اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، اتحاد المغرب العربي ...). وهي كلّها إكراهات تستوجب ضرورة تحرير سير المعلومة، وتبنّي إيديولوجية واضحة المعالم في كيفية التعامل مع الوسيط الإعلامي الحديث كوسيط اتصالي ثقافي في المستوى الأول.

ويمكن القول في هذا السياق أنّ تعامل دول المغرب العربي مع التقنية الاتصالية الحديثـة قد عطل مجالات تلقّـي الوسيلـة والرسالة معـا وعطل معها تبلور فكر اتصالي يبحث في التجلّيات الثقافية والسوسيولوجية للآلـة والرسالـة[10]. فتقـدّم البحوث والاهتمـام بالتأثيرات الاجتماعية والثقافية للوسيط الاتصالي يتأكّد أكثر عندما توجد مساهمة تقنية في بلورة الآلـة. وبما أنّ دول المغرب العربي مستهلكة للتقنية وغير مساهمة لا في نشأتهـا ولا في تطوير نجاعتها التكنولوجية أو الإلكترونية فإنّ التعامل يبقى دائمـا مع الوسيلـة الاتصاليـة في نسختهـا الأصليـة وليس في نسخهـا المتجدّدة التي تستلزم مثاقفـة أبعادهـا الخدماتيـة المستحدثـة[11]. فمنذ التسعينات، ومع بدايـة المد الإعلامي العالمي، انشطر المشهد الاتصالي إلى عالميـن متجاذبيـن، لم تعد سيادة الإعلام وفقـه حبيسة الإذاعـة والتلفزيون والصحيفة بل أنّ وسائل جديدة لنقل المعلومة والخبر والآراء أصبحت تشقّ طريقهـا بسرعة فائقـة نحو التألّق، إنّها تكنولوجيـات الاتصال الحديثـة وكل ما يمكن أن تفـرزه من بيئة حديثـة للاتصال (أنترنيت، هاتف خلوي، بث فضائي رقمي ونشر إلكتروني ...). أصبح شيوع هذه الوسائط واستهلاكها علامة غير قابلـة للشك في ميلاد عصر جديد أطلق عليه البعض عصر تكنولوجيا المعلومات، الإعلام الجديد، الاتصال الرقمي، العالم الافتراضي، الاتصال الالكتروني أو مجتمع المعرفـة، وهي كلّها تعبيرات عن ظاهرة إنسانية تقنيـة اتصالية واحدة.

 تتميز تكنولوجيـا الاتصال الحديث عن ما سبقها في الموروث الاتصالي القديم بميلاد شبكة يمكن من خلالها إرسال من نقطة إلى نقطة أخرى مجموعة من الرموز، ويمكن أن تكون في نفس الوقت مكتوبة ومسموعة ومرئية. وقد تزامن ميلاد هذه الثورة الاتصالية مع متغيرات استراتيجية سياسية واقتصادية بالغـة الأهمية يمكن تلخيصها في ظاهرة العولمة وانفـراد القطب الغربي بقيـادة العالم سياسيـا وثقـافيـا كنموذج معرفي وفكري متماسك. وجدت وسائل الاتصال هذه في العولمة قاطرة لسرعة انتشارها، ووجدت العولمة في تكنولوجيات الاتصال سلاحا تتسلّل به إلى أصقاع الأرض متسترة وراء قيمة إنسانية كبرى اسمهـا: الاتصال أو التواصل بين الشعوب والبشر والحضارات والثقافـات[12].

يبدو المشهد - ظاهريـا ونسبيـا – متوافقـا مع الإرث التاريخي لوسائل الاتصال التقليدية (تلفزيون، إذاعـة، صحافـة)، غير أنّ الاتصال الحديث قد استوعب فأدمج فأوعى ذلك التداخل إلى ميلاد شركات متعدّدة الجنسيـات تأخذ من الاتصال الإلكتروني والفضائي والرقمي حقلا اقتصاديـا خصبـا للهيمنـة[13]. لقد بات اندماج الوسيلة مقدّمة لاندماج شركات الكابل مع التلفزيون والتلفزيون مع البث الفضائي، والبث الفضائي مع الهاتف الخلوي، والهاتف الخلوي مع تعدّد الوسائط والنشر الإلكتروني[14]. وأمام زوال كل الحواجز الاتصالية في العالم ظهرت علامات عدم التكافؤ بين العالم المصنّع المنتج للتكنولوجية والشعوب المستهلكة للتقنية، وهو ما أفرز من الناحية المعرفيـة ظهور مصطلح الفجوة الرقمية بين الدول كصيحة فزع من حدّة الفوارق في البنى التحتية في قطاع الاتصالات وتدفق المعلومة بشكل متوازن بين الأمم والثقافـات[15].        

  • 3. الفضاء الاتصالي المغاربي بين فكرة المقاومة وتوحيد الرؤية

تتأثر الفضاءات العمومية بعضها ببعض جزئيا، وهو ما يعني أنّ ملامح المشهد الاتصالي المغاربي لم تتحدّد بمنأى عن التحولات السياسية. فقد اتحدت دول المنطقة المغاربية في تسيير الحقل السياسي منتهجة خطاّ واحدا واستراتيجية جامعة قوامها اللّجوء إلى سياسة "الإكراه المحتوم" La contrainte nécessaire، والتي تمّ بمقتضاها تبرير بعض السياسات الأخرى كبنـاء الدولة الأمة L’état nation، محاربة التخلف وتحقيق التنمية... وغيرها من الأهداف التي سطّرت على المدييـن البعيد والقريب[16].  

والثابت في تاريخ المنطقة المغاربية أنّ هناك تقاليد جامعةTraditions Centralisatrices ومظاهر إرث جديدة ساهمت في احتكار الوسيلة الإعلامية البارزة والثقيلة: التلفزيون، وأدّت بذلك إلى احتكار المجال السمعي – البصري برمتـه، حيث أصبح أداة في يد السلطة لخدمة إعلام بروتوكولي (رئاسي أو حكومي) لا غير، ورغم ما تدّعيـه هذه الدول من مساعي لإعادة هيكلـة المشهد الاتصالي والإعلامي ورغم ما اقترح في هذا المجال من تعدّديـة في مظاهر البث التلفزي، إلاّ أنّ الفكر القيادي المغاربي لم يستطع الرفع معرفيـا من شأن فكرة الاتصال أو ما يطلق عليه هبرماس بالتواصل الناجع الذي يفترض شرط تجاوز إشكالية وعي الحرية[17] وشيوع ملكية التقنية الاتصالية وحرية التعبير كمقوم أساسي للفكر الديمقراطي[18].  

إنّ تخلّف الديمقراطية وممارستها في المغرب العربي لا يعود فقط إلى حصرها في بوتقـة الشعار السياسي، بل أنّ التخلف الديمقراطي يعود أيضا إلى فهم أوعيـة الديمقراطية ووسائطها. يعدّ رفض الوسيط رفضا لوعاء المعرفة، والذي يطلق عليه في المجتمعات الحديثة بتقنيات الإعلام والاتصال[19]. يؤدّي هذا الرفض إلى نبذ انتشار الفكر وشيوعه وتداولـه لأنّ التداول على السلطة، وهو العمود الفقري للديمقراطية بالمفهوم الحديث، ما هو إلاّ تداول على أفكار وتصورات ومناهج في كيفية إدارة الشأن العام بعد أن يقول الشعب كلمتـه في من ينوبه عبر الاقتراع. ولا قيمة للاقتراع الذي يفضي إلى تداول السلطات والرؤساء والبرلمانات والحكومات إذا لم تتوفر معركة فكرية عادلة على واجهة وسائل الإعلام التي هي الفيصل في تقريب صورة كل طرف سياسي إلى المواطن مهما كانت خلفيته الثقافية عن مشكلات الشأن العام[20]. وهكذا فإنّ الإعلام والاتصال الذي لا يساهم في تحديد أولويات المجتمع السياسية والثقافية والاقتصادية لا يمكنه أن يكون فاعلا في أي مشروع يسعى لتداول سلمي على السلطة كنتيجة حتمية لتداول أهم التصورات حول أسلوب إدارة الشأن العام بالاعتماد على الرأي العام الذي تسهم وسائل الإعلام الحرة في بلورتـه بشكل محايد وموضوعي بعيدا عن أي توظيف اقتصادي أو سياسي[21].    

وبانفتـاح دول المغرب العربي على التلفزيونات العابرة للحدود les télévisions transfrontières بطريقة هيرتزية Hertzienne وفضائية، وشيوع خدمات الأنترنيت واندماج الوسائط، اصطدمت حكومات هذه الدول بإشكالية أسس وآليات مراقبـة واحتكار هذا البث الإعلامي الجديد الذي فسح هامشا كبيرا لحرية التعبير وتداول المعلومات دون عراقيل أو قيود، وبسرعة فائقـة تكاد تكون في الزمن الحقيقي لوقوع الأحداث[22]. ونظرا لما أتـاحتـه هذه الوسائط الجديدة من تحولات سريعة وعميقـة في المشهد الاتصالي المغاربي، سعت حكومات المنطقة إلى اتخاذ إجراءات وتدابيـر ضابطة des mesures restrictives لتنظيم ومراقبـة هذه التحولات المعقّـدة التي طرأت على الممارسة الإعلامية بكاملها. وهكذا تمّ طرح سجلاّت جديدة لأخلاقيات وضوابط المهنـة[23]، منها ما يتعلق بقانون امتلاك الصحن اللاّقط Antenne Parabolique أو شروط الولوج والإبحار على الشبكة العنكبوتية سيما في بعض مراحل وسياقات التوتـرContextes de tension  (كمحاربة الحركات الإسلاموية وما تقتضيه من حرص على الأمن الداخلي لهذه الدول، أو بعض الأزمات المرتبطة بالتحول الديمقراطي الذي تنشده شعوب المنطقة العربية والمغاربية ...).

وهكذا وجدت الحكومات المغاربية نفسها أمام تحدّي كبير يتمثل في إشكاليـة أخلاقيات وآداب المهنـة في ظل قدرات الوسائط الرقمية التي أضحت منبـرا للإعلام الرسمي وغير الرسمي في نفس الوقت، وأصبح معها التحكم في التدفق الإعلامي مسألـة في غاية الصعوبة إن لم تكن واقعـا مستحيلا[24].   وليس غريبا أن تكون حرية التعبير وتداول المعلومات، من المطالب الأساسية لكل فرد وربما هذا ما يفسر قوة الطلب الاجتماعي والشغف الجماهيري المغاربيL’engouement des publics Maghrébins بهذه الوسائط التكنولوجية الحديثة وبما تقترحه من خدمات وإشباعات Satisfactions متميزة  .[25]

ولأنّ اندماج الوسائط أو التعـدّد في الفضاء الإعلامي ما هو إلاّ تطوّر لتكنولوجيات الاتصال الحديثة التي تعتمد على تخصصات صناعية قائمة انطلاقـا من مؤسسات وقواعد تسيير ثقافـة مهنيـة متجذرة تاريخيـا في قطاعات مثل الاتصالات والسمعي البصري وأجهزة الكمبيوتر[26]، ولأنّ بلدان المغرب العربي لم تصل إلى مستوى مقاربة ظاهرة الملتيميديا Multimédia الذائعة الصيت[27]،  فإنّها لجأت إلى بعض الحلول الترقيعية لتجاوز مشكلة مسامية الحدود الإلكترونية les parasités des frontières électriques ، متوسلة بجملة من الإجراءات العرضية كتبنّي استراتيجية التنوع السطحي للقنـوات التلفزيونيـة بما يحفظ لها سلطة التحكم في المضمون الإعلامي ويمكنها من تلبية بعض التطلعات الإثنوغرافية (قنوات للأقليات)، أو الدينية (قنوات للقرآن الكريم)... وغيرها من قنوات خدماتية وترفيهية، كما سعت من الناحية الاتصالية إلى إعـادة تشكيل خريطة الفضاء الإعلامي من خلال مجابهة بعض مضامين القنوات الفضائية التي تمثل نموذج للإعلام المتنافر وذلك من خلال تدعيم شبكاتها البرامجية بحصص جديدة أكثر ترفيهـا Plus distrayantes كالكاميرا المخفية la caméra cachée أو سلسلات أوروبية مسلّية Des vidéo gags. ولئـن كانت هذه التصورات تساهم في بلورة تطلّعات المشاهد المغاربي إلاّ أنّها على المستوى القيمي لم تكن تبلور خطابـا يعبّـر عن انشغالات هذا الفرد في تلمّس ذاتيته وطموحاته الحقيقية[28].

4. الفضاء الاتصالي المغاربي ورهانـات تجاوز المقـاربـة النمطيـة

يعدّ الموروث الإعلامي أمرا مركزيا في صياغة المقاربة الملائمة لتسيير الحقل الإعلامي بما يتوافق والخصوصية الثقافية والسياسية لكل نظام على حدة[29]، وهو الطرح الذي يعزّز تفرّد كل دولـة مغاربية بمنهجية خاصة في التصدّي للإعلام المتنافر L’information dissonante التي اختصّت بها بعض القنوات الإخبارية، كالجزيرة القطرية التي مثلت بالنسبة لتونس ومنذ ربيع سنة 2000 وعاءا إعلاميـا ضروريا لتغطية العجز وإخفـاء النقائص Pallier les carences التي كانت تشوب الإعلام الوطني[30].  كما ساهمت قنـاة "المستقلّـة"، التي شرعت في بث برامجها ابتداءا من سنة 1999 عبر القمر الصناعي – عربسات – في فتح مجال حرية التعبير من خلال بعض الحصص الحوارية Les Talk.shows  أو الحصص الإخبارية التي تعنى بالشأن المغاربي كحصة: المغرب الكبير Le Grand Maghreb التي كانت تركّز بالدرجة الأولى على الشأن التونسي بحكم جنسية مؤسس القنـاة الهاشمي حمدي. كما اعتبرت هذه القنـاة أيضا منبرا لتدخّل بعض الشخصيـات المعارضة للأنظمة المغاربية والعربية عامة، وهو ما أجبر النظام التونسي على ضرورة معالجة هذا الوضع، باقتراح برامج تستقطب الجمهور كاقتراح برنامج منوع على القناة السابعة Canal7، يتزامن وفتـرة بث بعض الحصص الهامة في المستقلّـة، وتدعيم هذا النوع من البرامج بأسئلـة في متناول الجمهور يحصل على إثرها الفائز على هدية مغريـة (سيارة الأسبوع)[31].

أمّا في الجزائر فقد سعى النظام السياسي إلى المراهنة على عامل اللاّمبالاة وتجاهل بعض مضامين قنوات الإعلام المتنافر كالجزيرة أو العربية أو الحوار، خاصّة وأنّها قنوات تستقطب غالبية الجمهور الجزائري[32] لما تقدّمه من بعض الحقائق وكشف لبعض الملفّـات، الأمر الذي يفسّر الإقبال الكبير على بعض نماذج Les tolk shows وما تتضمّنـه من حوارات راهنـة Débats d’actualité كما هو الشأن بالنسبة لحصة "الرأي الآخر" (L’autre Opinion) أو "الاتجاه المعاكس" (Le Courant Opposé) الذي يسائل ردود فعل المعارضة الجزائرية في الخارج إزاء القضايا المصيرية الوطنية[33].

وفي ظل حقبـة الإعلام الرقمي الذي أثّرت فيه الأنترنيت بشكل واضح على إعادة تكوين السياسة الإعلامية وعلى التدشين لمؤسسة فردية في الاتصال (مواقع الواب المتخصصة، الصحف الإلكترونية، الدردشة، الحوار ...) أو المواقع الاجتماعية Face Book... وغيرها من مظاهر وإفرازات الاتصال الرقمي لم تجد الحكومة بدّا من إعادة تنظيم ملامح هذا الفضاء الإعلامي الجديد واستنجدت في المقابل ببعض الإيديولوجيات الموازيـة كالخطاب المسجدي، وهكذا تحولت المساجد من فلك عمومي Sphère Publique خاص بالعبـادة إلى فضاء لتمرير رسائل متباعدة Message Divergents في خدمة السلطة[34].

5 . نحـو سوسيولوجيـا مجتمع رقمي جديـد

هكذا تكون تكنولوجيـا الإعلام والاتصال قد أسهمت في ظهور اجتماعيات جديدة De nouvelle Sociabilités أكّدت حقيقـة عدم عزل عنصر الإنسان ككائن ثقـافي وكمحور مفصلي في عمليـة الاتصال، ولعلّ هذه هي الحقيقة الجوهرية التي غابت عن الحكومات المغاربية في محاولة تنظيم الفضاء الاتصالي وبسط السيطرة عليـه.

لقد بلغ التطور التقني ذروتـه في السنوات الأخيرة، ورافقـتـه تغيرات أخرى أعطت مفهوم التلقي أبعادا جديدة أهمها: الوجـود اللاّمادي واللاّمحدودية في الزمن والمكان للجمهور والذي أصبح يطلق عليه عالم ما بعد الجمهورPost- Audience world [35]  حيث أضافت هذه التكنولوجيات تشكيلة متنوعة من العنـاصر المساهمة في تكوين مفهوم الجمهور لم تكن متوفرة في أنظمة الاتصال السابق، ذلك أنّ الرقمية لم تمنح حريـة الاختيار المطلق للمتلقي فحسب، ولكنّها قضت على العديد من القيود التي فرضتها وسائل الإعلام التقليدية. ويتوقع الخبراء أنّ نظام الاتصال الرقمي سيوفر بعد تعميمه محليـا إقليميا ودوليـا القدرة على الإبحار في الأزمنة والأمكنة المختلفة وسوف يوفّر للأفراد القدرة على التواصل اللاّمحدود، الأمر الذي يسهم في تشكيل رأي عام موضوعي بعيدا عن الإكراهات ويؤسّس لتسييـر وإدارة تعبئـة الجهود بغيـة الحسم في بعض القضـايا المصيرية، ولعلّ التحول الديمقراطي الذي تشهده بعض البلدان كتونس ومصر خير مثال على ذلك.

وفي الأخير، فإنّ الاتصال ومعه الإعلام في المنطقة المغاربية في مفترق طرق بين الديمقراطية والرأسمالية، بين السوق الثقافية الاستهلاكية والخصوصية الثقافية المحلية، بين الرأي العام العفوي والرأي العـام المعلّب المصطنع، بين قضايا الشأن الداخلي واشتداد عود اللّيبرالية والاحتكار،بين الهوية الوطنية والإمبريالية الثقافية، بين كل هذه المتغيرات يقع الاتصال الرقمي الافتراضي وتقع معه صورة الفضاء الاتصالي المغاربي والأبعاد الغامضة لسوسيولوجيا المجتمع الرقمي.

عناصر بيبليوغرافية

باللغة العربية

المصمودي، مصطفى (2001) النظام الإعلامي الجديد وإشكاليـة البث الرقمي، الكويت، سلسلة عالم المعرفـة.

 أشرف صلاح الدين (2003)، الأنترنيت... عالم متغير، القاهرة، مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى.

النقري، معز (2006)، إشكالية التواصل في فلسفة هبرماس، بيروت، الدار العربية للعلوم والمركز الثقافي العربي.

بريستون، غراك (2003)، تقنيات البث والاتصالات اللاسلكية، ترجمة مركز التعريب والترجمة، بيروت، الدار العربية للعلوم.

فرانك كيلش (2000)، ثورة الأنفوميديـا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغيّر عالمنـا وحياتك، ترجمة: حسام الدين زكرياء، الكويت، سلسلة عالم المعرفة.

باللغة الفرنسية

Abassa,  Mohamed (1989), « Ciel les satellites », in Revue Révolution Africaine, Novembre.

Mattelard, Armand (1996), La mondialisation de la communication, Paris, PUF.

Breton, Philippe et Proulxs, Serge (2002), L’explosion de la communication à     l’aube de XXIe siècle, Paris, La découverte

Carbalon, Jean Antoine (1998), Théorie des Processus de la Communication, Paris, éditions Armand Colin.

Chevaldonné, François (2007), Les structures des Multimédias au Maghreb, Paris, Dunod

Chevaldonné, François (1989), La Communication Inégale, Paris, éditions du CNRS

Chouikha, Larbi (1997), L’information au Maghreb, Tunis, Cérés Production

Wolton, Dominique (1996), War game, L’information et à la guerre, Paris, Flammarion

Mattelart, Triston (2008), La mondialisation des medias contre la censure, Paris, INA, Medias Recherches

Mattelart, Triston (2006), Tiers monde et audiovisuel sans frontières, Paris, éditions Payot

Mattelart, Armand (1998), La communication – monde, histoire des idées et des stratégies, Paris, La découverte

Morley, David et Robin, Kevin (1997), Spaces of identity, Global Media– Electronic Landscapes and cultural Boundaries, Londres, Routledge.

Pige François (1986) Radiodiffusion et télévision au Maghreb, Paris, FNSP

Reynaert, François (1998), « au pays du bonheur hors la loi », in Revue Le nouvel observateur, N° 1732, 1998.

Adda, Serge (1988), Le marché de l’image au Maghreb : tendances et perspectives, Montpellier, Idate.

Winkin, Yves (2001), Anthropologie de communication, Paris, édition Seuil

Woltion, Dominique (2005), Sauver la Communication, Paris, Flammarion

مقالات في مجلات

Boy–Barret, Oliver (1999), « Media Imperialism: Towards an international Framwork for analysis of Media systems», in Curran Janes. Curvitch Macheal (Eds), Londres, Mass communication and society.

Ferjani, Riadh (1999), « Usages des nouvelles technologies de l’information et de la communication en Tunisie », in Revue Tunisienne de Communication, N°32, Juillet – Décembre.

Flechy, Patrice (1991), « La Question de la technique dans les recherches sur la communication », in Revue Réseaux, N° 50.

Madani, Lotfi (1999), « Les télévisions étrangères par satellite en Algérie : Formation des audiences   et des messages », in Revue Tiers Monde,  N° 165.

Mignot-Lefebvre, Yvonne (1999), « Transferts des Technologies de la communication et développement », in Revue Tiers Monde, N° 113.

Miège, Bernard (1990), « Les industries audiovisuelles : Le renforcement de la domination », in Revue  Tiers monde,  N° 114.

 الهوامش

[1] Winkin, Y. (2001), Anthropologie de communication, Paris, éditions Seuil, p.72

[2] Woltion, D. (2005), Sauver la Communication, Paris, Flammarion, p.20

[3] Carbalon, J.A. (1998), Théorie des Processus de la Communication, Paris, éditions  Armand Colin, p. 21.

[4] Mattelard, A. (1998), La communication – monde, histoire des idées et des stratégies, Paris,

 La découverte, p. 27.

[5] Ibid, p. 27.

[6] Mattelard, A. (1996), La mondialisation de la communication, Paris, PUF, p. 34.

[7] Morley, D. et Kevin, R. (1997), Spaces of identity, Global Media– Electronic Landscapes and cultural Boundaries, Londres, Routledge, p. 48.

[8] Ibid, p. 50.

[9] Chevaldonné, F. (1989), La Communication Inégale, Paris, éditions du CNRS, Paris, p. 25.

[10] Mignot-Lefebvre, Y. (1999), « Transferts des Technologies de la communication et développement », in Revue Tiers Monde, N° 113, p. 553.

[11] Ibid, p. 555.

[12] Breton, P. et Proulxs, S. (2002), L’explosion de la communication à l’aube de XXIe siècle, Paris, La découverte, p. 400.

[13] أشرف صلاح الدين (2003)، الأنترنيت... عالم متغير، القاهرة، مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى، ص. 47.

[14] Flechy, P. (1991), « La Question de la technique dans les recherches sur la communication », in Revue Réseaux, N° 50.

[15] المصمودي، مصطفى (2001)، النظام الإعلامي الجديد وإشكاليـة البث الرقمي، الكويت، سلسلة عالم المعرفـة، ص. 47.

[16] Miège, B.  (1990), « Les industries audiovisuelles : Le renforcement de la domination », in Revue  Tiers monde,  N° 114,  p. 543.

[17] النقري، معز (2006)، إشكالية التواصل في فلسفة هبرماس، بيروت،الدار العربية للعلوم والمركز الثقافي العربي، ص. 103

[18] Pige, F. (1986),  Radiodiffusion et télévision au Maghreb, Paris, FNSP, p. 2.

[19] فرانك كيلش (2000)، ثورة الأنفوميديـا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغيّر عالمنـا وحياتك، ترجمة: حسام الدين زكرياء، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، ص. 317.

[20] Boy–Barret, O. (1999), « Media Imperialism: Towards an international Framwork for analysis of Media systems », in Curran janes. Curvitch Macheal (Eds), Londres, Mass communication and society, p. 103.

[21] Ibid, p. 105.

[22] Wolton, D. (1996), War game, L’information et à la guerre, Paris, Flammarion, p. 170

[23] Serge, A. (1988), Le marché de l’image au Maghreb : tendances et perspectives, Montpellier, Idate, p. 11.

[24] Reynaert, F. (1998), « Au pays du bonheur hors la loi », in Revue Le nouvel observateur, N° 1732, p. 67.

[25] Serge, A., Le marché de l’image au Maghreb, op.cit., p. 15

[26] بريستون، غراك (2003)، تقنيات البث والاتصالات اللاسلكية، ترجمة مركز التعريب والترجمة، بيروت، الدار العربية للعلوم، ص. 64.

[27] Chevaldonné, F. (2007), Les structures des Multimédias au Maghreb, Paris, Dunod, p. 73.

[28]  Ibid, p.75.

[29] Chouikha, L. (1997), L’information au Maghreb, Tunis, Cérés Production, p. 94.

[30] Ferjani, R. (1999) « Usages des nouvelles technologies de l’information et de la communication en Tunisie », in Revue Tunisienne de Communication, N°32, Juillet – Décembre, p. 25.

[31] Mattelart, T. (2008), La mondialisation des medias contre la censure, Paris, INA, Medias Recherches, p.174

[32] Abassa, Mohamed (1989), « Ciel les satellites », in Revue Revolution Africane, Novembre.

[33] Mattelart, T. (2006), Tiers monde et audiovisuel sans frontières, Paris, éditions Payot, p. 108.

[34] Madani, L. (1999), « Les télévisions étrangères par satellite en Algérie: Formation des audiences et des messages », in Revue Tiers Monde,  N° 165, p. 312-320.

[35] Dayan, D. (2007), Les Mystères de la réception, Paris, éditions Gallimard, p. 304.