Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

 تقديم

ينطلق موضوع هذه المداخلة من أهمية "المحلي" كميدان بحث سوسيوأنثروبولوجي  لمناقشة مسألة الفضاء أو الفضاءات العمومية في المنطقة المغاربية  وفي الجزائر على وجه الخصوص. تُبرَّر هذه الأهمية كون أنه إضافة إلى قيمة السياق المحلي لفهم السياق الوطني وحتى العالمي في بعض الحالات، فإنه من الناحية الإجرائية قابل للتحليل وقابل للتحكم من ناحية المعطيات الكمية، كما أنه ينطلق من خطابات الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم حول المسائل محل البحث والتحليل.

يتحدث يورغان هبرماس عن الفضاء العمومي اليوم كمفتاح للحياة الديمقراطية يسمح بالتبادل العقلاني للآراء ووجهات النظر ويشكّل الدائرة الوسيطة بين المجتمع بمصالحه المتعددة والمتناقضة والدولة بدوائرها المختلفة، بما يقود إلى "التواصل والتفاهم المستمر" دون اللجوء إلى العنف والتسلّط أي بما يساعد على بناء ديمقراطية الجمهور المختلفة عن الديمقراطية الكلاسيكية، لكنه وعلى الرغم من كوننا نستطيع اليوم أن نبحث في إمكانيات الحديث عن شروط  حصوله في العالم الأول بحكم الانتشار الواسع للوسائل الحديثة للإعلام والاتصال و بحكم تجلي المعاني الجديدة للمواطنة، إلاّ أن ذلك يحتاج إلى بحث ميداني على مستوى المعطيات الكمية من جهة والكيفية من جهة أخرى للتفكير في تلك الإمكانيات الواقعية في مناطق وبلدان أخرى مختلفة من حيث الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. تمكّننا فكرة الانطلاق من "المحلي"[1] كإطار للبحث والتحليل، عمليا من التفكير في واقع وواقعية الحديث عن فضاء  أو فضاءات عمومية في الجزائر اليوم، وربما الإمكانيات الموجودة  والشروط الاجتماعية المرتبطة باليومي والمساعدة أو المعيقة للتفكير في هذا الموضوع.

إذا كان "المحلي" يطرح الإشكالية الإجرائية لمفهوم " الفضاء العمومي "  وفي الوقت ذاته يطرح المعاني التي يحملها المفهوم أمام تساؤل الواقع المعيش محليا، فالخصوصيات التي قد تتمتع بها بعض الأقاليم أو المناطق في الجزائر تضيف للصعوبات الأولى صعوبات أخرى، على اعتبار أن "المحلي" في عمومه غير متجانس اجتماعيا و غير متجانس ثقافيا، كما أن حالة عدم التجانس الاجتماعي والثقافي قد نجدها مميزة للإقليم المحلي ذاته. حالة "منطقة غرداية" تمثل نموذجا لإقليم غير متجانس اجتماعيا و ثقافيا. سنحاول أن نقدم ثلاثة استنتاجات نعتبرها من معوقات التفكير في الفضاء العمومي في منطقة كغرداية (فرضية).

ما نقترحه في هذه الورقة هي جملة من نتائج الدراسات الاستطلاعية التي قام بها فريق البحث منذ أفريل 2009 (أي قبل الاعتماد الرسمي للمشروع) و التي نحاول من خلالها أن نطرح للنقاش مسألة الفضاء العمومي في "المحلي" غير المتجانس اجتماعيا و ثقافيا. جملة من النتائج العامة ستكون موضوعا للتقرير النهائي الذي سيعرض على المجلس العلمي البحث في الانثربولوجيا الاجتماعية و الثقافية نهاية 2012.

تساؤلات عن "الفضاء العمومي" في غرداية

كشف تردّد فريق البحث على غرداية (المدينة وبعض بلديات الولاية مثل العطف، بونورة، بريان، متليلي، القرارة، زلفانة، ضاية بن ضحوة) خلال الثلاثي الأخير من سنة 2009 عن حالة من التمايز الجماعاتي ذو طبيعة ثنائية يلاحظ على سكان غرداية، فالزائر لهذه المنطقة لا يتوان عن التساؤل عن التركيبة الاجتماعية لهذا الإقليم خصوصا إذا أمكنه ملاحظة الاختلاف الجماعاتي (العْرب   و مْزاب) من حيث المسكن، الملبس، دور العبادة، المذهب الديني، اللغة و النظام الجماعاتي. من سبق له تصفح كتاب فاردينوند تونيز[2] Ferdinand Tönnies الموسوم "جماعة ومجتمع" (Communauté et société) يخيّل له للوهلة الأولى أنّه أمام صورة نمطية لجماعتين لا تتقاسمان العلاقات محليا إلاّ نادرا. من خلال العناصر الثلاثة التي تؤطّر وجود الجماعة عند تونيز أي الإقليم، الذاكرة الجماعية المشتركة ونظام المصاهرة نحاول أن نتساءل عن "معوقات" تجلّي الفضاء العمومي محليا في منطقة غرداية.

أولا، تكشفت الملاحظات الأولية المدونة من طرف فريق البحث "غرداية: رهانات الجماعاتي والمجتمعي" عن وجود العديد من الخصوصيات المحلية التي تكاد تكون فريدة في الجزائر، ففي "منطقة غرداية" نجد نموذجين للعمران (القصر المْزابي في مقابل الحي العربي)، مذهبين دينيين (المذهب الإباضي للمْزابين والمذهب المالكي كمذهب للعْرب و هو في الوقت ذاته المذهب الرسمي للدولة وإن كان ذلك غير مدون في الوثائق الرسمية)، إثنيتين مختلفتين لغويا (المْيزابيون الذين يتكلمون البربرية و العربية الدارجة  أم الفصيحة في العموم و العْرب الذين يتكلمون العربية الدارج منها أو الفصيح)، فضاءين للممارسات الدينية (المسجد الإباضي للمْزابيين الذي يختلف شكله و مضمونه عن المسجد المالكي الذي يرتاده عادة العْرب)، نموذجين من التعليم (تعليم رسمي تشرف عليه المدارس الحكومية يشمل الجماعتين العربية و الإباضية في العموم و مدارس حرة تختص بالجماعة الإباضية فقط)، و شكلين من اللباس بالنسبة للذكور و الإناث بيحث نستطيع بلمح البصر التفريق بين علاقات الانتماءات للجماعتين فقط عن طريق اللباس. لا يتطلب الكشف عن هذه الثنائية الوقت الكبير من الملاحظة، بل بإمكان الزائر لمنطقة غرداية (نقصد بمنطقة غرداية الأقاليم التي تتواجد فيها القصور التاريخية السبعة القديمة[3]) أن يلحظها، فنمط تنظيم الإقليم السكني يختلف بين الجماعتين، و نمط التجلي في "الفضاء العمومي" يختلف من حيث اللباس، فضاءات الممارسة الدينية تختلف حسب المذهبين و الجماعتين. إن أول سؤال يتبادر للأذهان هو: "هل ضمن هذه الخصوصيات المحلية ذات الطابع الجماعاتي التي يمكن تمييزها فقط عن طريق الملاحظة المباشرة بإمكاننا أن نتحدث "إشكالية الفضاء العمومي"؟

ثانيا، تشير الملاحظات السابقة أيضا إلى وجود نموذج الجماعاتي يتجلى في شكل نظام اجتماعي مميز، فالمْيزابيون، إضافة إلى قوانين الجمهورية، تسيرهم "مجموعة من الاتفاقات" التي تتجاوز في تاريخها "الدولة الوطنية الحديثة في الجزائر" وتشرف عليها حلقة العزّابة  (تنظيم اجتماعي يعود إلى أكثر من 9 قرون ميلادية)، هيئة دينية و مدنية تختص بتنظيم كل ما يوجد في الأقاليم ذات التواجد الميزابي، و في المقابل يخضع العْرب مخياليا و ممارساتيا لمنطق "القبيلة"(الشعانبة، المذابيح، المرازيق) ذات الانتماء العربي (حسب تصريحات المبحوثين وخطابات المرشدين). عندما تتم متابعة خطابات المبحوثين المختلفة في "منطقة غرداية" نجد أنفسنا أننا لسنا أما جماعات و إنما أمام نظام جماعاتي يبني العديد من الخطابات، الممارسات و التمثلات حول الحاضر، الماضي وحول المستقبل، و يكفي النظر لنظام القرابة الذي يكاد يكون جماعتيا مغلقا لنكتشف رهانات التنظيم الجماعاتي في الواقع. إذا كنا سابقا قد طرحنا التساؤل التالي: "هل ضمن هذه الخصوصيات المحلية ذات الطابع الجماعاتي التي يمكن تمييزها فقط عن طريق الملاحظة المباشرة بإمكاننا أن نتحدث عن "إشكالية الفضاء العمومي"؟، فإننا من خلال سلسلة الملاحظات الثانية بإمكاننا أن نتساءل حول إمكانيات الحديث أو التأسيس أو مقاربة إشكالية الفضاء العمومي  في "غرداية" ضمن "تواجد فعّال لنظام  جماعاتي له تاريخه و فعاليته في الواقع. بعبارة أخرى، هل ضمن المحلي المؤسس وفق سلطة هيئات النظام الجماعاتي بإمكاننا الحديث عن "الفضاء العمومي" الذي يميز عادة المجتمعات و ليس الجماعات؟

ثالثا، إن المتتبع لتكرار النزاعات المحلية في غرداية، خصوصا أحداث بريان (بلدية تابعة لغرداية تبعد عن مقر الولاية بحوالي 50كلم) الأخيرة (مارس- جويلية 2008) يتجلى له الشكل المختلف من العنف في المدينة، ففي بريان لسنا أمام حالات للعنف بسبب رفض قائمة للسكنات الاجتماعية تم إعلانها من طرف مصالح الدائرة/ الولاية، و لسنا أمام حالة للعنف بسبب الانقطاع المتكررة للماء أو الكهرباء (نزاعات في مواجهة الدولة)، و لسنا أمام حالة للعنف بسبب نتيجة مباراة في كرة القدم، ولكن نحن أمام حالة للعنف يغذيها "النزاع" المتكرر بين العْرب و المْيزابيين، رهاناته جماعاتية أكثر منها مطالب اجتماعية مثلما نلحظ ذلك في الكثير من مناطق الجزائر. كما أن النزاع و إن وقع في بلدية بريان فإن ذلك لن تقتصر تبعاته على هذه البلدية فقط بل سيتعدى هذا الإقليم ليلقي بظلاله على باقي المناطق التي تشهد تواجدا للجماعتين المْزابية و العَرْبية. ما أردنا قوله من خلال ذلك أن صعوبات مقاربة إشكالية الفضاء العمومي ليست مرتبطة فقط بالمحلي، أو بالنظام الاجتماعي الجماعاتي المحلي و إنّما أيضا تتجلى الصعوبات النظرية و الإجرائية لمفهوم الفضاء العمومي خلال تواتر فترات النزاعات المحلية التي توضح للعيان النزعة الجماعاتية المتعصبة و التي تقلص من حظوظ فرضية اعتبار المحلي في غرداية "مجتمعا" لترفع من حظوظ فرضية اعتماره "جماعاتيا".

إذا كان الفضاء العمومي هو فضاء للتبادل العقلاني بين أفراد المجتمع (عقد اجتماعي) فإن النزاعات المحلية التي تغذيها في كثير من الأحيان الاختلافات الجماعاتية (العقد الجماعاتي في مواجهة العقد الاجتماعي) و التي تظهر ميدانيا في شكل جماعة ضد جماعة تقلص حدود إمكانيات التفكير في الفضاء العمومي من خلال  مدخل المحلي في غرداية، أو تفتح المجال للتفكير بشكل مغاير حول الفضاء العمومي محور ضمن النظام الجماعاتي، أي التفكير في "فضاء عمومي جماعاتي».

نتصور من الناحية المبدئية أن هذا المفهوم الإجرائي بإمكانه أن يكون فرضية  نستطيع من خلالها تحليل أشكال التواصل وأشكال تسيير المجالين السياسي والديني في غرداية. ففي هذه المنطقة المحلية، يمكن ملاحظة شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي، أحدهما يميزه حضور الدولة بمؤسساتها بحيث تصبح فضاءات للقاء اليومي بين الجماعاتي، و الآخر جماعاتي[4] محظ. لا نستطيع أن نجزم بأننا فقط أمام تلك العلاقة شكل لتجلي أبعاد العقد الاجتماعي (contrat social) في غرداية " الجماعاتية"، و لا يمكننا في الوقت نفسه أن نؤكد سيطرة العقد الجماعاتي  (contrat communautaire)الذي يطبع بعض المجالات الجغرافية في غرداية بالخصوص القصور ذات الملمح الإباضي  و التي لا تخضع فقط إلى الأسس والتعاليم الدينية مذهبية فقط  لكنها تستند أيضا على "قوانين وضعية متفق عليها جماعاتيا " تسمى "الاتفاقات"[5].

انطلاقا من تناولنا لتسيير الحقل الديني وللدينامية السياسية في غرداية، نسعى إلى دراسة الإمكانيات الإجرائية – على الأقل- لمفهوم "الفضاء العمومي" بناء على المعطيات الأوّلية التي تمّ جمعها من خلال سلسلة الملاحظات الميدانية، المقابلات المفتوحة   والمقابلات الجماعية في محاولة منّا للإجابة عن التساؤل التالي: هل نحن أمام " فضاء عمومي مجتمعي" أم أمام فضاءات عمومية " جماعاتية "[6] تعكس التركيبة المجتمعية محليا ؟

  • I. الحقل الديني في غرداية: تعدّد ذو أساس جماعاتي

يأتي هذا الرصد للحقل الديني في غرداية بناء على ملاحظات ميدانية وعدد من مقابلات مع أئمة المساجد الإباضية والمالكية[7] من أجل اختبار الفعالية التفسيرية للعناصر الثلاثة سالفة الذكر التي يقترحها فرديناند تونيز (F. Tönnies) في تحديده لمعنى الجماعة communauté وتمييزها عن المجتمع société، في محاولة منّا لتحليل الاستراتيجيات التي تتخذها الجماعات المحلية للمحافظة على كيانها واستمرارها من جهة وللتفاعل مع الدينامية الاجتماعية المتغيرة باستمرار على المستوى المحلي.

يتميز الحقل الديني في غرداية بميزة لا نجدها بالصورة نفسها في مناطق أخرى في الجزائر ألا وهي ميزة "التعدد" ذو أساس المذهبي القائم على منطق  جماعاتي، إذ يتواجد بالمنطقة مذهبان دينيان تقليديان لهما جذور تعود إلى بدايات الحدث الإسلامي، و يتقاسم المذهبان الفضاء الديني على المستوى المحلي أحدهما يمثل عدديا "الأغلبية"[8] وهو المذهب المالكي والآخر يمثل "الأقلية" هو المذهب الإباضي[9].

توجد حسب إحصائيات مديريـة الشؤون الدينية بولاية غرداية 206 مسجدا، منها 17 مسجدا خاصا بالجماعة الإباضية، وبناء على ذلك نلاحظ أن فضاءات الممارسة الدينية مقسّمة وفق منطق مذهبي جماعاتي جلي بين مذهبين دينيين لجماعتين إثنيتين ولغويتين مختلفتين. فالمساجد الإباضية لها خطيبها، خطابها وروّادها والمساجد المالكية مختلفة عنها في إمامها، خطابها وروّادها. تعتنق المذهب المالكي عموما المجموعات العربية الموجودة على المستوى المحلي (المرازيق، الشعانبة، المذابيح،..الخ) وتعتنق المذهب الإباضي الجماعة  الميزابية البربرية في عمومها.

لا يمكن الحديث عن مضمون الخطاب الديني، الممارسة الدينية وتسيير الفضاء الديني في مدينة غرداية دونما الأخذ بالاعتبار عينه معطى وفاعلية عنصر الإقليم في التفسير، ذلك أن المساجد "المالكية "المعروفة محليا بمناراتها ذات المحيط المربع أو الدائري أحيانا المتواجدة خارج القصور "الميزابية"، بالخصوص أي داخل الأحياء أو البلديات ذات الكثافة السكانية للجماعات العربية، بينما تتواجد المساجد الإباضية المعروفة محليا بمناراتها ذات الشكل الهرمي المميز داخل القصور القديمة "الميزابية" أو في الأحياء التي تتواجد بها أغلبية عددية للجماعة الميزابية.

عندما يتم التساؤل عن المسجد-الوجهة للسكان في مدينة غرداية حين وقت الصلاة نجد من خلال خطابات الفاعلين وبناء على ملاحظاتنا الميدانية أن ذلك يخضع لهذا التوزع الإقليمي لفضاءات الممارسة الدينية خاصة في صلاة الجمعة، فوجهة الجماعات العربية تكون عادة أو غالبا المساجد المالكية ووجهة الجماعة "المزابية" تكون عادة أو غالبا المساجد أو المصليات الإباضية[10]. ولا تنفي هذه القاعدة العامة وجود بعض الاستثناءات خصوصا عندما يتعلق الأمر بمساجد  إمامها وأكثر روادها من جماعة دينية تسمى  جماعة الدعوة والتبليغ حيث نجد أن هناك حضورا للجماعات العربية المالكية إضافة إلى الميزابية الإباضية جنبا إلى جنب في الممارسة الدينية من الصلوات الخمس اليومية إلى صلاة الجمعة[11].

يتواصل هذا التقسيم المجالي للممارسات الدينية ليشمل تسيير الحقل الديني على المستوى المحلي، فمديرية الشؤون الدينية لا تسيّر فعليا سوى المساجد والمدارس القرآنية والزوايا التي ترتبط بالمذهب المالكي، و هذا ما يعطي الانطباع على أن هذه الهيئة تسيّر فقط "فضاء عموميا جماعاتيا" خاصا بالجماعات العربية المعتنقة للمذهب المالكي، في حين تسيّر المساجد الإباضية إضافة إلى ما يطلق عليها بالمدارس الحرة من طرف هيئة أخرى هي نظارة الأوقاف الإباضية لها علاقة رسمية مباشرة بوزارة الشؤون الدينية على المستوى المركزي وتنسق محليا مع مديرية الشؤون الدينية.

 ينسق ناظر الأوقاف الإباضية  في تسييره للحقل الديني والتربوي في القصور السبعة الميزابية المنتشرة في عدد من بلديات غرداية[12] مع ما يسمى بمجلس عمي سعيد أو الهيئة العليا التي تجمع حلقات العزابة، وتعدّ حلقة العزابة المشرف المباشر على الفضاءات الدينية والتربوية الإباضية داخل "القصر الميزابي" من ناحية الموارد البشرية والتسيير المالي دونما تدخل مباشر من الهيئات الإدارية الرسمية المحلية.

السلطة الدينية والمنطق الجماعاتي

عندما نتتبع وضع الإمام كفاعل مركزي داخل فضاءات الممارسة الدينية من حيث طريقة تعيينه وحدود سلطته يبدو لنا المنطق الجماعاتي الذي يحكم تسيير هذه الفضاءات على المستوى المحلي.

تجدر الإشارة بداية إلى أن مؤسسات ومسارات تكوين الأئمة مختلفة بين المسجدين المالكي و الإباضي، فإذا كان الإمام في المساجد المالكية هو إما خريج الجامعات والمعاهد الإسلامية أو مدارس تكوين إطارات الشؤون الدينية، فإن الإمام في المساجد الإباضية غالبا ما يتخرّج من المدارس أو المعاهد الدينية الحرة الإباضية التي يشرف عليها مجلس عمي سعيد بغرداية، ذلك أن التكوين على المذهب سواء كان مالكيا أو إباضي شرط لاعتلاء مرتبة خطيب الجمعة. وحتى عندما تقرر وزارة الشؤون الدينية إرسال عدد من الأئمة في بعثات لمواصلة التكوين خارج الجزائر فإن الوجهة ستكون مختلفة، فإذا كان الأزهر (بمصر) هو وجهة الأئمة المالكية فإن الجامعة الإسلامية (بماليزيا) هي وجهة أئمة المساجد الإباضية.

تعود سلطة تعيين الإمام بالنسبة للمساجد المالكية إلى مديرية الشؤون الدينية وفق شروط توظيف وانتقاء يحددها الوظيف العمومي، أما تعيين الإمام في المساجد الإباضية فيحصل من طرف حلقة العزابة بالقصر وفق شروط علمية واجتماعية وبناء على قواعد اختبار وتجريب مرحلية تحددها الحلقة، كأن يختبر المرشح للإمامة، كما جاء في خطاب أحد الأئمة المبحوثين، من بين البارزين في تنشيط "دروس الأعراس أو الدروس اليومية" التي تعتبر مؤشرا على المشاركة الفعّالة في المجتمع الإباضي، كما يفترض أن يبدي من خلال ممارساته و خطاباته "دفاعه عن المرجعية الإباضية"، "فلا يعتلي أحد منبر المسجد إلا بإذن حلقة العزابة". ما يجب الإشارة إليه في هذا المقام أن الإمام في المساجد الإباضية ليس موظفا مأجورا كما هو الحال بالنسبة لأئمة المساجد المالكية، كما أن من شروط تعيينه أن يكون له عمل يوفر له دخلا و لو كان محدودا أو بسيطا(وفق ما جاء على لسان عضو العزابة بقصر العطف)، لذا لا يحق للعاطل عن العمل أن يعتلي منصب الإمامة.

يمكن القول أن السلطة الدينية للإمام في المساجد الإباضية سلطة محدودة، ذلك أن القرارات المتعلقة بجوانب الفتوى، التوجيه، التأطير، الأمر، الضبط، الرقابة وتسيير الأوقاف، كل ذلك، يقع  على عاتق حلقة العزابة التي تمثل مركز السلطة الدينية، وما الإمام من خلال خطابه المنبري يوم الجمعة أو دروسه في أيام الأسبوع الأخرى إلا امتداد وتعبير عن تلك السلطة، ولا يجب أن يخرج خطابه المنبري عما يطلق عليه "الثوابت المتعلقة بالمرجعية الإباضية"[13]، وحتى وإن حدث ورفض رواد المسجد الإباضي مضمون خطبة أو درس إمام ما، فالاحتجاج لا يتم على مستوى الإمام ذاته بل يتعداه إلى حلقة العزابة بالقصر، ورغم أن هذه حلقة هيئة دينية من حيث تركيبة أعضائها إلا أنّ الإمام قد يكون عضوا فيها وقد لا يكون، فالإمامة وحدها ليست شرطا أساسيا للانتماء لها.

إذا كانت سلطة للإمام في المساجد المالكية محدودة أيضا مثله مثل الإمام في المساجد الإباضية إلا أن الاختلاف بينهما في مصدر السلطة، فالمحدودية بالنسبة للأول مرتبطة بالسلطة الدينية المحلية الممثلة في مديرية الشؤون الدينية التي تسير "قانونيا وإداريا الحقل الديني المالكي"، وهي بالتالي من يؤطر هذا الحقل على مستوى التكوين، التوجيه والفتوى إضافة إلى التسيير المالي والجوانب المتعلقة بالأوقاف. يتعلق معنى محدودية سلطة الإمام في هذه الحالة أساسا بتبعيته الإدارية والمالية لكون الإمام موظف في القطاع العام، وظيفته مرتبطة بسلطة الوصاية المباشرة أي المديرية الولائية، في حين أن السلطة والوصاية في الحالة الإباضية ذواتا طابع معنوي لا علاقة لهما بالجوانب الإدارية والمالية الرسمية. وهذا الاختلاف في معنى الوصاية والسلطة الدينية قد يكون مؤشرا إضافيا لفهم المنطق الجماعاتي والمذهبي الذي يحكم وضع الإمام وحدود سلطته وحريته وحتى مضامين الخطاب الديني وأهدافه ورهاناته في الفضاء العمومي محليا.

لا تتجلى الرهانات المختلفة للسلطة الدينية من خلال التواجد الجماعاتي المتنوع في مدينة غرداية ولكن أيضا من خلال رهاناتها داخل الجماعة ذاتها، فعندما نأخذ الجماعة "المزابية" مثالا وندخل أحد القصور التي تم إنشاؤها حديثا كتوسع عمراني لقصر "بني يزقن" ونعني بذلك قصر "تافيلالت الجديد" لا نلاحظ مسجدا إباضيا جامعا بمنارته المميزة، إذ لا يوجد غير مصليات خاصة بالصلوات الخمس، وعندما نسأل أحد المشرفين على مشروع القصر الجديد عن سبب عدم بنائه للمسجد الجامع يحيلنا إلى جواب مفاده رفض عزابة "بني يزقن" لوجود منارة ثانية تزاحم منارة القصر القديم، مبرّرا ذلك بخطاب حول "وحدة الجماعة"، حيث لا تتم هذه "الوحدة" إن لم "تخضع الجماعة كلها لمنارة واحدة هي منارة القصر القديم".

التمسنا من خلال مقارنة أولية بين مختلف خطابات الفاعلين المعنيين حول "منارة القصر الجديد" وجود نقاش و تباين للمواقف داخل الجماعة المزابية ببني يزقن حول جدوى أو عدم جدوى وجود المنارة، وهو ما يحيل بالنسبة إلينا إلى أهمية تواجد المسجد الجامع داخل القصر في تحليل رهانات السلطة وحدودها للجماعة في سياق ما يمكن أن نطلق عليه فضاء عموميا جماعاتيا. يبدو النقاش حول المنارة بين القصر الجديد و القصر القديم نقاشا حول سلطة عزابة بني يزقن على القصر الجديد وما الحديث عن وحدة المنارة إلا شكل من أشكال تبرير ضرورة الحديث عن وحدة للسلطة الدينية والاجتماعية الجماعاتية و محاولة لرفض التخلي عنها أو تجزيئها.

مضامين الخطب المنبرية: خطاب ديني وفق منطق جماعاتي

يشير الأئمة المستجوبون من خلال المقابلات المنجزة سواء على مستوى المساجد الإباضية أو المالكية إلى أن اختيار موضوعات الخطب خلال السنة يرجع أساسا إلى منطق المناسبات، سواء كانت مرتبطة بشعائر تعبدية أو بأحداث دينية أو كانت مناسبات مرتبطة بأحداث أو أعياد وطنية، كما تشير الفئة نفسها إلى دور الوصاية في تحديد السياقات والتوجهات العامة و تحديد هامش الحرية التعبير في مضمون الخطب سواء كان ذلك بالنسبة للإمام الإباضي المعيّن طرف حلقة العزابة أو بالنسبة للإمام المالكي المعيّن من طرف مديرية الشؤون الدينية.

كشفت لنا الملاحظات المسجلة في المساجد المعنية بالتحقيق الميداني حول مضامين الخطب المنبرية يوم الجمعة أن المنطق الجماعاتي هو المسيطر على تلك مضامين الخطب في الفضاء العمومي على المستوى المحلي.

 ومن أمثلة خطب الجمعة التي يمكن الوقوف عند مضمونها للاستدلال على ما تمّ ذكره في خطبتي المسجد العتيق المالكي بوسط مدينة غرداية[14] والمسجد الإباضي بقصر العطف، فقد تناولت خطبة الجمعة للمسجد الأول موضوعا مناسباتيا يتعلق بمناسبة العام الهجري الجديد، حيث ركزّ الإمام على أهمية أخذ العبرة من هذا الحدث العظيم المتمثل في حدث "الهجرة النبوية " وحدّد محاور هذا الاعتبار في "ضرورة محاسبة النفس بعد انقضاء عام كامل، تذكر الموت وقيمة الأخوة بين المسلمين". بدا على هذا الخطاب عدم توجّهه – من حيث الشكل اللفظي على الأقل من الخطب المقدمة – إلى جماعة عربية أو مالكية بعينها، فلم يتحدث بشكل مباشر عن تعاليم المذهب المالكي الفقهية وإن سجلنا في مساجد أخرى هذا النمط من الخطاب الذي يحاول فيه الإمام الحديث عن تميّز المالكية عن غيرهم وأن مذهب الجزائر الرسمي هو المذهب المالكي[15] وأن الفتوى لا تصح إلا من خلال علماء هذا المذهب وأئمته.

أمّا خطبتي الجمعة بمسجد العطف فقد تناولت الأولى منها موضوع أنفلونزا الخنازير ومدى خطورته على صحة "الجماعة" داخل القصر، ليدْعوَ الإمام إلى ضرورة الاهتمام بنظافة أحياء وبيوت القصر حماية لصحة الأسر والأطفال، وبعد أن ذكّر الإمام بالفيروس الذي يهدد الصحة أشار في معرض خطبيه الثانية إلى "الفيروس الذي يهدد الصف الجماعة"، وهنا تحدث عن موضوع انفلات الشباب من سلطة المرجعية الدينية الإباضية و من سلطة حلقة العزّابة داخل القصور، كما بيّن بأسلوبه الخاص أن هؤلاء الشباب المنفلتون اليوم "يحملون في رؤوسهم  أفكارا دينية مختلفة ويناقشون في قضايا لم تكن تناقش من قبل إلا بين علماء المرجعية".

تحيل هاتان الخطبتان بمسجد العطف في تصوري إلى مسألتين، الأولى أن الخطاب المنبري "الإباضي" هو خطاب موجه للجماعة لا للمجتمع سواء تعلق الأمر بالفيروس الذي يهدد الصحة أو الفيروس الذي يهدد الصف، أما الثانية فتتعلق بموضوع حدود السلطة الدينية لحلقة العزابة ومدى قدرتها على الضبط، التحكم ومراقبة الأفكار و السلوكيات الدينية للأجيال الجديدة من شباب الجماعة الإباضية داخل فضاء القصر.

يبدو أن للذاكرة المشتركة كأحد عناصر البنية الجماعاتية دورا مركزيا في تأطير الخطاب الديني للإمام في مدينة غرداية، ذلك أنه إضافة إلى ما يميز مضمونه من حضور للتنوع الجماعاتي المبني أولا على ذاكرتين دينيتين مذهبيتين مختلفتين ذواتا بعد زمني يعود إلى قرون خلت: ذاكرة المذهب المالكي وذاكرة المذهب الإباضي، ولكل منهما مضامين دينية، تاريخية وسياسية تختلف عن الأخرى، يحمل الخطاب أيضا رؤى مختلفة حول ذاكرة التوطين والتواجد بالمنطقة كما أن  للجماعتين لهما خطابات مختلفة حول الذاكرة الوطنية والمحلية، خاصة ما يتعلق منها بذاكرة الفترة الكولونيالية في الجزائر ومحتوى الاحتفالات المحلية و الشخصيات والنخب الوطنية والمحلية المرجعية.

 نشير في هذا السياق إلى أن تناول الأحداث الوطنية في خطب الجمعة أحيانا كحدث ثورة نوفمبر أو يوم الاستقلال مختلف بين المسجدين المالكي والإباضي وإن كانا متفقين على التذكير بدور العامل الديني في هذه الأحداث من التاريخ المعاصر للجزائر. فإذا كانت المساجد المالكية تعرّج على الحدثين بصفة عامة دون الإشارة إلى السياق المحلي، فإن تناول أئمة المساجد الإباضية لهذه الموضوعات يرتبط أيضا بالتذكير بدور الجماعة الإباضية في هذه الأحداث الوطنية للرد، كما جاء في خطاب أحد المبحوثين، "على المشككين في دور بني ميزاب في الثورة"، أي أن تناول الخطاب المنبري الإباضي لحدث الثورة لا يتم من خلال رؤية تمجّد الذاكرة الوطنية بقدر ما يستهدف تمجيد الذاكرة الجماعاتية و التذكير بدورها و مساهماتها في ذلك.

تزامن تواجدنا إبان فترة التحقيق بمدينة غرداية بتنظيم ملتقى علميا حول شخصية دينية إباضية معاصرة هي شخصية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش[16]، وقد بدا الملتقى بمثابة حدث مركزي بالنسبة للجماعة "الميزابية" خاصة في قصر "بني يزقن" من خلال الحضور المكثّف والمتواصل طيلة يومي الملتقى من طرف الجماعة "الميزابية" إضافة إلى ملاحظتانا وجود تعبئة عامة داخل قصر بني يزقن لاستقبال الضيوف بما يشير إلى انخراط كل أفراد الجماعة في تنظيم هذا الملتقى، كما يدلّ على المكانة التي تحتلّها هذه الشخصية في الذاكرة الجماعاتية. وفي السياق نفسه، لم نلاحظ حضورا يُذكَر للجماعة "العربية" ما عدا بعض الضيوف غالبيتهم من خارج مدينة غرداية. وقد بدا لنا الشيخ اطفيش من خلال مداخلات الملتقى شخصية تاريخية ودينية مرجعية للجماعة "المزابية" كما كان مساره العلمي والسياسي محور اهتمام العديد من خطب الجمعة في ذلك الأسبوع. وفي مقابل هذا الحضور المركزي لهذه الشخصية في مضمون الخطاب الديني "الإباضي" لاحظنا غيابا لذكر هذه الشخصية المحلية في الخطاب المنبري داخل المساجد "المالكية"، بل بيّنت لنا بعض المقابلات مع أئمة مالكية محاولة "إقصاء" هذه الشخصية من الذاكرة المحلية والوطنية[17].

يحيل هذا المثال إلى القول بأن الخطاب الديني في مدينة غرداية مؤطّر كما ذكرنا بذاكرتين دينيتين وبشكلين من العلاقة بالذاكرة الوطنية والمحلية، فإذا كان الإمام في المساجد الإباضية يعود إلى مرجعيات دينية من مثل عبد الله بن إباض أو أحمد بن يوسف اطفيش أو إبراهيم اطفيش أو الشيخ أبي اليقظان أو الشيخ بيوض، فإن الإمام "المالكي" يعود في خطابه المنبري إلى شخصيات أخرى مختلفة كالإمام مالك والأشعري وابن تيمية وخطاب حول شهداء الثورة التحريرية من العرب الشعانبة في منطقة غرداية خلال الفترة ( 1954-1962). إن الخطاب الإباضي حول الذاكرة الدينية والهوية الوطنية خطاب جماعاتي يشعر أصحابه في كثير من الأحيان بأنه مقصى من الفضاء العمومي الوطني والمحلي[18] ولا يجد له صدى إلاّ داخل الفضاء الجماعاتي.

  • II. الحقل السياسي المحلي في غرداية: البلدية بين الرهانات الجماعتية والرهانات المجتمعية

إذا كان الحقل الديني في غرداية خاضع نسبيا لمنطق التقسيم الجماعاتي والذي قد يتجلى في فترات النزاعات المحلية ، فإن الحقل السياسي المحلي لا يمثل استثناء.  إنّ المنطق الجماعاتي يكاد يكون عنصرا أساسيا لفهم مختلف المسارات السياسية المحلية للعديد من منتخبي المجالس الشعبية  البلدية والولائية، بل بإمكاننا أن نقول أن بعض الأحزاب السياسية في النطاق المحلي تؤطرها  قيادات تنتمي لجماعة معينّة حوّلت الحزب السياسي محليا إلى مجرد " إطار قانوني للنشاط السياسي" أي للترشح و التعبير عن المطالب الجماعاتية. يمثّل الفعل الانتخابي المحلي فرصة مهمة لتتبّع إشكالية تجلي "الفضاء العمومي" ضمن الواقع المحلي في منطقة مثل غرداية .

إن اختيار المنتخب المحلي الذي يتمتع بصفة "ممثل سكان البلدية" كمدخل لدراسة الفعل الانتخابي المحلي من أجل مناقشة إشكالية تجليات "الفضاء العمومي الممكن تواجده في غرداية" لا يقصي الفاعلين المشاركين فيه (أي الحزب السياسي على المستوى المحلي و الوطني، الإدارة المحلية، جماعات المصالح الأولية على المستوى المحلي، الهيئة الانتخابية) من التحليل والمقاربة السوسيوأنثروبولوجية، و إنما هو اختيار ذو طبيعة إجرائية،  فضمن خطاب المنتخب المحلي نلمس العديد من المواقف من تسيير الحزب السياسي على المستوى المحلي، من البرنامج الوطني للحزب والخطاب الأيديولوجي المؤطر له،  كما نلمس العديد من التصورات التي يبنيها المنتخب حول دور الإدارة والجماعات الأولية (العائلة، العشيرة، الحي، الجماعة)، كما نجد خطابا حول العملية الانتخابية على المستوى المحلي.

 كان الهدف الأول من دراستنا للمنتخبين المحليين في غرداية السعي لتوسيع دائرة النتائج المتحصل عليها حول الانتخابات المحلية التي جرت يوم 29 نوفمبر 2007 في ولايات وهران، سيدي بلعباس وغليزان بمنطقة الغرب الجزائري والمدوّنة في تقرير حول الدراسة الميدانية التي أجراه فريق البحث التابع لمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية[19]. وكان الهدف الثاني هو فهم مدى تعقيد العملية الانتخابية على المستوى المحلي في منطقة تظهر للوهلة الأولى أنها ذات طابع جماعاتي قائم على معطى موضوعي أساسه وجود اختلاف إثني ولغوي ومذهبي بين سكان غرداية.  

لقد تساءلنا في المرحلة الأولى من الدراسة[20] حول إمكانية تعميم النتائج المتحصل عليها حول الفعل الانتخابي في ثلاث ولايات من الغرب الجزائري على ولاية من الجنوب الجزائري تتمتع بهذه الخصوصيات المحلية، وحاولنا في المرحلة الثانية[21] البحث عن حدود الفعالية الإجرائية لعناصر "الطابع الجماعاتي" التي يلخصها تونيز (F. Tönnies) في فهم  تمثلات، خطابات وممارسات الفاعلين المحليين من الإقليم، الذاكرة و نظام القرابة في تفسير العملية الانتخابية وتفسير مسار بناء و تشكّل سلطة المنتخب المحلي.  نعتقد أنه إذا أثبتت الأسس الإجرائية فعاليتها التفسيرية للفعل الانتخابي المحلي في غرداية و تمكنا من بناء فرضية حول ذلك، فإن التساؤل حول تواجد الفضاء العمومي و حول أشكال تجليه (فضاء عمومي جماعاتي أو فضاء عمومي مجتمعي)  ستسمح لنا ببناء تصور "محلي" حول مسار تشكل السياسي المحلي ومنتوجاته (الفضاء العمومي، المجتمع المدني، الثقافة الديمقراطية،...).

لا فرق بين الانتخابات المحلية في غرداية و في بقية الولايات (وهران، غليزان، سيدي بلعباس)

بيّنت نتائج الدراسة الاستطلاعية الأولى التي أجريت في ديسمبر 2009 أنّ "البلدية مقر الولاية"  تمثّل رهانا انتخابيا له أهمّيته بالنسبة للتشكيلات السياسية المترشّحة لعضوية المجلس الشعبي البلدي.  فالمنتخبون المحليون لبلدية غرداية على غرار المنتخبين المحليين المستجوبين في الدراسة سابقة الذكر[22] يؤكدون أن الفوز بالعضوية في المجلس أو بالمجلس المسير "للبلدية مقر الولاية" هو رهان سياسي لكل حزب داخل "المعترك" الانتخابي لكونها في نظرهم "الأغنى" من حيث الموارد المالية مقارنة  بالبلديات الأخرى،  لكنّ هذا الرهان وكلّ ما يمثّله للحزب السياسي محليا ووطنيا لا يمثل الشيء الكثير بالنسبة للهيئة الناخبة، لأن بلدية غرداية هي الأخرى سجلت نسبة مشاركة انتخابية أقل من باقي البلديات الأخرى في الولاية[23].

يؤكد المنتخبون المحليون على "اختلاف أطيافهم" السياسية أن نسبة مشاركة الشباب في البلدية مقر الولاية يبقى ضعيفا مقارنة مثلا مع نسبة مشاركة المرأة في الانتخابات المحلية[24]. إذا كان هذا هو حال البلدية مقر الولاية فإن النتائج المسجلة في باقي البلديات الأخرى للولاية كانت على العكس من ذلك تماما، بحيث أنّ نسبة المشاركة في البلديات غير البلدية مقر الولاية كانت أعلى من نسبة المشاركة في البلدية مقر الولاية ( مثال بلدية بونورة). هذه حالة لا تكاد تكون سوى تأكيدا للنتائج المتحصل عليها في التحقيق في الولايات الثلاث السابقة حول ظاهرة ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية في البلديات مقارنة مع البلدية مقر الولاية في الولايات التي شملها التحقيق سابقا (وهران، سيدي بلعباس و غليزان).

 بيّنت الدراسة الاستطلاعية أيضا أن المنتخبين المحليين سواء في بلدية غرداية، بلدية ضاية بن ضحوة أو بلدية بونورة يتفقون حول حدود سلطة المنتخب المحلي مقارنة مع الإمكانيات المتوفرة في البلدية و مطالب الهيئة الانتخابية المحلية، فالكل يشير أن البلدية و من ورائها المجلس المنتخب محليا لا تملك سوى "سلطة الاقتراح" في أحسن الأحوال لكون الإمكانيات التفاوض (السلطوية/ المالية) محدودة مع سلطة المعينين، فموارد البلدية في عمومها محدودة مقارنة مع الانتظارات المحلية و في كثير من الأحيان لا تكفي إلا لسد كتلة أجور المستخدمين فيها (حسب أحد المنتخبين، ميزانية تسيير أجور مستخدمي البلدية تساوي ثلاث أرباع الميزانية البلدية).

يوضّح خطاب أحد المنتخبين المبحوثين (بلدية العطف، حزب جبهة التحرير الوطني) أن دورهم الاقتراحي كثيرا ما يصطدم بعائق الإمكانيات المالية "الضعيفة"، لذا تصبح "مصالح الدائرة" و"مصالح الولاية" و"المديريات الولائية التابعة لها"  الفاعل الأساسي في تجسيد المشاريع التنموية على المستوى المحلي،  فضمان التزويد بالمياه الصالحة للشرب، الإنارة العمومية، توزيع قفة رمضان أو إعداد القوائم الإسمية لطالبي الالتحاق بقوائم الشبكة الاجتماعية ليست إلا مطالب مسجّلة في مخطط التنمية المحلية على مستوى المصالح الإدارية للولاية.

إن المنتخبين المحليين المستجوبين خلال هذه الفترة من الدراسة في غرداية - على غرار باقي المنتخبين المستجوبين في التحقيق سالف الذكر- يقرّون بصعوبة التسيير على المستوى المحلي لتعقّد "التكيّف" مع هويتهم[25] المركبة بصفتهم منتخبين، مناضلين في أحزاب سياسية وممثّلين لمصالح الدولة في اللحظة ذاتها، بمعنى آخر، هم أولا منتخبون، مفوّضون من طرف الهيئة الناخبة التي عبّرت عن أصواتها لتسيير البلدية انطلاقا من "برنامج" تمّ اقتراحه في الحملة الانتخابية، وهم في الوقت ذاته مناضلون في أحزاب سياسية ترشّحوا فيها و ملزمون "نظريا" على الأقلّ بالبرنامج المسطّر من طرف تلك الأحزاب على المستوى الوطني، و هم أيضا الممثلّون لمصالح الدولة من خلال "السهر على تطبيق سياساتها" على المستوى المحلي موازاة مع تجسيد "وعودهم الانتخابية.

لقد عرفت الخريطة السياسية المحلية هي الأخرى تغيّرا واضحا، بحيث شهدت دخول "جبهة القوى الاشتراكية "[26] و"حزب العمال" و"الحركة من أجل الثقافة والديمقراطية" إلى المجالس المنتخبة محليا البلدية منها و الولائية، و هذا على الرغم من استمرار حضور "حزب جبهة التحرير الوطني"، المترافق مع تسجّيل تراجع لأحزاب أخرى مثل "التجمع الوطني الديمقراطي".

لم يمنع هذا التغيّر من بروز ظاهرة "المنتخبيــن الرحّـــل" بين التشكيلات السياسية على المستوى المحلي في غرداية أيضا، ولم يمنع ذلك من وجود تصريحات للعديد من المنتخبين المحلّيين الذين يعتبرون "الحزب السياسي" على المستوى المحلي في ولاية غرداية مجرّد إطار قانوني  للترشّح،  ففي بلدية بريّان شهد المجلس المحلي ميلاد "الحركة من أجل الثقافة و الديمقراطية"[27] لأوّل مرة كحزب مسيّر لمجلس المحلي فيها، و لم يتوان المنتَخبون المنتسبون له في التخلّص من مظلّته بعد تبعات أحداث بريان، وفي بلدية غرداية شهد المجلس البلدي دخول جبهة القوى الاشتراكية[28]، و في بلدية العطف صرح أحد المنتخبين في المجلس المحلي أنه ليس إلاّ مناضل اللحظات الأخيرة في حزب جبهة التحرير الوطني.

ما يهمنا من هذه المواقف والممارسات في هذه المرحلة من البحث أن ظاهرة الترحال من حزب إلى آخر ليست مقتصرة فقط على الولايات التي قمنا بدراستها بل تتعداها حتى إلى مناطق  تظهر على أنّها ذات بنية جماعاتية محضة.  

لقد كشفت لنا الدراسة المنجزة لحد الآن أن ولاية غرداية لا تمثّل استثناء، فهي استمرار لشكل من الممارسة السياسية أثناء الفعل الانتخابي في ولايات وهران، سيدي بلعباس وغليزان، فمنتخبو ولاية غرداية يعلمون حدود سلطة المنتخب المحلي وفي الآن نفسه يتنافسون من أجل الوصول للمجلس الشعبي البلدي حتى لو أدى ذلك إلى تجاوز الأطر الأولية للترشح أي مجلس الأعيان عند الميزابيين أو القبيلة عند العرب من الشعانبة أو المذابيح أو المرازيق أو غيرهم، مستخدمين الأحزاب السياسية على المستوى المحلي "كأطر قانونية" لتسهيل الإجراءات الإدارية  للترشح.

إذا كنا نتساءل عن إمكانيات تواجد "الفضاء العمومي" أو عن أشكال تجلّيه محليا في غرداية انطلاقا من تتبّعنا لمسار تشكّل الفعل الانتخابي المحلي، فإنّ التساؤل ينطبق على بقية الولايات التي أجري فيها التحقيق، وعليه فالمقارنة بين نتائج  الدراستين، وإن انتهت إلى كثير من المعطيات المختلفة تؤكّد تشابه البنية المؤسّسة للفعل الانتخابي، كما تكشف لنا تشابها في الملامح السياسية للمنتخب المحلي و في خطاباته حول الحزب السياسي، حول البلدية و حول سلطة المنتخب المحلّي.

المنتخب المحلي في غرداية : الخصوصيات الجماعاتية 

سمحت لنا نتائج الدراسة الاستطلاعية الأولى بمواصلة طرح الأسئلة الممهّدة للدراسة الثانية التي كانت تهدف أساسا لمعرفة إمكانية وجود بنية جماعاتية للفعل الانتخابي المحلي. فعل قائم أساسا على تصوّر أكثر تبلورا وتجسيدا في الميدان (بوصفه ثمثّلا، خطابا وممارسة) للإقليم المحلي ورهاناته، للذاكرة الجماعية و بنيتها المخيالية ولنظام القرابة ودوره الجماعاتي.

لقد كان الهدف في هذه المرحلة البحث عن محددات الفعل الانتخابي المؤسّسة لسلطة المنتخب في نطاق محلي في علاقتها مع مقومات المنظومة الجماعاتية[29].  

على الرغم من التشابه في كثير من الممارسات السياسية للمنتخبين المحليين بين غرداية وولايات سابقة الذكر إلاّ أنّه يمكننا القول أن الفعل الانتخابي المحلي في غرداية محكوم بأسس وخصائص جماعاتيةcommunautaire  كي لا نقول جماعوية [30]communautariste ، فإذا تحدّثنا عن علاقة الإقليم الجماعاتي بالمنتخب المحلي فإننا نجد أنه كلّما كان تعداد سكّان البلدية يميل لجماعة معينة كلما كان التمثيل الانتخابي محصورا تاريخيا في أفرادها بغض النظر عن الإطار السياسي للترشح.

ففي إقليم بلدية بونورة مثلا يشكّل الميزابيون البربر أغلبية سكاّنه، لذا تجد أنّ أغلب المنتخبين المحلّيين من الميزابيين (مترشحون أحرار)، ومن جهة ثانية نجد  إقليم بلدية ضاية بن ضحوة الذي تشكّل أغلبية سكّانه من المذابيح (العْرَب) يجعل التمثيل الانتخابي المحلي في غالبيته من هذه القبيلة بالذات مهما كان الإطار السياسي أو اللافتة الحزبية موضوع التنافس، أما في البلديات التي تشهد تواجدا للجماعتين (المزاب والعرب) بنسب متفاوتة مثل بلدية غرداية فالمنطق العددي للجماعتين كثيرا ما يحسم العملية الانتخابية.

يواصل منطق الجماعة فعّاليته التفسيرية للعديد من الظواهر المرتبطة بالفعل الانتخابي، إذ يخضع التقسيم الإداري للدائرة الانتخابية لبلدية بونورة مثلا لمنطق جماعاتي محض من أجل حلّ إشكالية التمثيل السياسي للجماعة الميزابية، بحيث يتم دمج قصر بني يزقن مع قصر بونورة لتكوين إقليم البــــلدية و بالتالي تكوين دائرة انتخابية محلية، رغم أن هذا القصر يبعد عن القصر الثاني مسافة 15 دقيقة مشيا على الأقدام ولا يفصل بينه و بين حي ثنية المخزن (حي من بلدية غرداية غالبيته من العْرب) المنتمي إقليميا لبلدية غرداية سوى ثانوية "مفدي زكريا". يعطي هذا التقسيم الانطباع أنّنا أمام إقليم بلدية مكوّن أساسا وفق منطق[31] هدفه إعطاء إمكانية أكبر لتمثيل سياسي محلي على أساس جماعاتي قاعدته الإجرائية تقسيم جماعاتي للإقليم[32].

يحدد الإقليم كفضاء جماعاتي حتّى مكان إجراء الحملة الانتخابية في بلدية غرداية أو باقي البلديات التي تشهد تواجدا للجماعتين في البلدية نفسها، فمنتخبو تشكيلة سياسية تسيّطر عليها كلّية الجماعة الميزابية (حزب جبهة القوى الاشتراكية) لم يستطيعوا أن يقوموا بالعمل الجواري أثناء القيام بالحملة الانتخابية التي جرت في شهر نوفمبر 2007 في حي ذو أغلبية عربية والشيء نفسه بالنسبة لقائمة سياسية مسيطر عليها من طرف الشعانبة و المذابيح (العْرب)، فالإقليم لا يحدّد فقط التشكيلة السياسية المسيطرة على المجالس المنتخبة محليا بل يتعدى ذلك إلى تحديد نطاق الأحياء المساندة جماعاتيا للقوائم المترشّحة.

بإمكان هذا المعطى الميداني أن يكشف لنا فيما بعد أيضا عن الخيارات المتاحة للمواطنين في حالة ما أرادوا أن يغيّروا مقر سكناهم من حي لآخر والتي قد تكون في الكثير من الأحيان مرتبطة  بمدى إمكانية تواجد الجماعة المشابهة إثنياّ ولغويا ومذهبيا في الحي المراد الانتقال إليه.

ما يمكن أن نستخلصه كقراءة أولى[33] أن الإقليم كفضاء جماعاتي (التمثلات حوله، الممارسات ضمنه و الخطابات حوله) و كبعد أنثروبولوجي مهمٌ في دراسة أشكال العلاقة بين جماعيتين إثنيتين مختلفتين في حالتنا هذه، أهمية تتجاوز كونها إطارا قانونيا و سياسيا محليا للبلدية، وتتجاوز كونها إطارا للحياة اليومية لـتصبح محدّدا لمعنى الانتماء للجماعة المحلية في غرداية ومفسّرا لمجال وحدود العمل السياسي والفعل الانتخابي.

نعتقد أن الفعل الانتخابي في ولاية غرداية خاضع لنظرة تاريخية لتكوّن الإقليم، وهذه النظرة تعبر عنها  التمثلات المخيالية التي تؤسّس لتأصيل جماعة بعينها في هذا الإقليم وتجسّدها الممارسات الانتخابية والسياسية المحلية، كما تبررها خطابات المنتخبيين كفاعليين سياسيين محلّيين، وبعبارة أخرى، يمثّل الإقليم كفضاء جماعاتي معطا تاريخيا، ساهم في صناعته الذاكرات الجماعاتية المتنافسة والمتنازعة أحيانا، قبل أن يكون راهنا محلّيا.

المنتخب المحلي، الذاكرة الجماعاتية و الأحزاب السياسية

إن اعتبار الذاكرة الجماعية[34]  كعنصر مهم في تحديد نظرة المنتخبين للإقليم ورهاناته[35] يقودنا إلى طرق باب التساؤل حول مضمونها ومدى حضورها و تأطيرها للفعل الانتخابي المحلي.

يتجلى الصراع حول معالم الذاكرة الجماعية في غرداية بين المنتخبين المحليين سواء على مستوى "التقسيم الإثنــــي" للتواجد داخل الأحزاب السياسية محليا و السيطرة على هياكلها التسييرية محليا[36] (الذي تبلور بشكل جلي في الانتخابات المحلية لسنة 2007)، أو على مستوى التأصيل لأحداث كبرى شهدتها المنطقة كـ "حدث الثورة التحريرية" وفاعليها، أو على مستوى التأصيل التاريخي للسكّان والمتساكنين في هذا الإقليم، أو على مستوى تاريخية الاختلاف الإثني و المذهبي في المنطقة.

نسعى للوهلة الأولى إلى البحث عن مدى الفعالية التفسيرية لـ"الذاكرة الجماعية" في فهم مقومات الفعل الانتخابــي على المستوى المحلي و سلطته لتكوين قاعدة تأويل أنثروبولوجية أساسها العلاقة التي يحدثها الفاعلون المحلّيون بين التاريخ، الذاكرة الجماعية والأساطير المرتبطة بهما، كما نتساءل في الوقت ذاته حول إمكانيات الحديث عن الفضاء العمومي الجماعاتي في غرداية.

يثيـر المنتخبون المحلّيون في بلديات كلّ من غرداية، ضاية بين ضحوة، العطف وبونورة، وهم يتحّثون عن تاريخية منطقة غرداية وقصورها المنتشرة في ربوع الحوض الميزابي، قراءات متباينة لأحداث مؤسِّسة أصبحت فيما بعد حُجّة لتبرير تسميات العديد من الأقاليم المنطقة. فكلمة "غرداية"  تتنازع التأويل السميائي بين فريقين على الأقل، يرى الأول أن الأصل يرجع لقصة أسطورية تأسيسية ترجع لعصور سابقة بطلتها امرأة اسمها "داية" اتخذت من الغار مكانا لها لحظة مخاضها وأصبحت بعد ذلك تسمى المنطقة بـ "غار– داية "، بينما يرى الفريق الثاني أن أصل الكلمة هو "تغرديت"، كلمة أمازيغية تعني فيما تعني "الربوة الخضراء" في الوادي.

فرق شاسع بين دلالة تحيل لحدث تعتبره الذاكرة الجماعية لعْرب المنطقة (الشعانبة، المذابيح و المرازيق و آخرون) حدثا تأسيسيا وتاريخا لتسمية المنطقة، بـينما تحيل الدلالة الثانية لبربر المنطقة لتسمية جغرافية تتجاوز لحظة الحدث التاريخي السابق.  يبــيّن الاختــلاف الموجود في صناعة الـدلالـة حول الأقاليم انطلاقا من قراءة خطاب الذاكرة الجماعية للمنتخبين المحليين إمكانيات وجود اختلاف في المرجعيات التاريخية للمجتمع المحلي ذي الطبيعة الجماعاتية حسب ملاحظاتنا الأولية.

 يتحدث المنتخبون المحليون المْيزابيون أو البربر عن مرجعية دينية تاريخية تتواجد في هذه المنطقة تسمى نظام العزابة [37] (409 هـ)، تعتبر في نظرهم المسيّر الفعلي للجماعة الإباضية دون سواها من الجماعات الأخرى المتواجدة في المنطقة نفسها. هذا النظام الجماعاتي له تاريخيته المستمدة من فترة زمنية تقارب الألف سنة (تصريحات أحد الشيوخ المبحوثين)، له شخصياته المؤسّسة وله مرجعياته التي تشكّلت طوال الفترة سالفة الذكر. و في المقابل لا يشير المنتخبون المحلّيون العرب لهذا النظام، و إن تمّت الإشارة إليه، فلا يعدو ذلك إلاّ أن يكون على سبيل التعريف بالاختلاف الموجود، فلا تتقاسم الجماعات العربية المرجعيات التاريخية مع بربر المنطقة، وهي بالنسبة إليهم لا تعنيهم في شيء، فلا هم يخضعون لسلطتها ولا هم يدينون لها بالولاء، كما أنّ الشخصيات المرجعية الإباضية المحدثة[38] منها أو القديمة مقصاة  تماما من البنية المخيالية للذاكرة الجماعاتية عند "العْرب".

تلعب الذاكرة الجماعاتية لدى المنتخبين المحلّيين دورا تبريريا في إطار التأصيل لسكان المنطقة، فبينما يشكّل تاريخ تطور نظام العزابة مرجعية زمنية بعيدة الأمد لبربر المنطقة لتأكيد حقهم التاريخي في تراب المنطقة، يشكّل الدور الذي لعبه العْرب في الثورة التحريرية (1954-1962) وتضحياتهم المسجلة فيها[39] مقارنة بجماعات أخرى في المنطقة القاعدة التاريخية لتأصيل شرعية وجودهم، فمن خلال المقابلات الأولية التي أجريت يتبيّن أن موضوع الثورة التحريرية يمثل نقطة خلافية مثيرة للجدل والنقاش، فالخطاب الشائع كما يقدّمه المنتخبون المحليون يبيّن أن هذا الحدث المؤسّس للدولة الوطنية لا يتوانى في تعميق الفصل بين من يسعون إلى الاستحواذ الرمزي على هذا الحدث و من يسعون إلى إثبات مشاركتهم التاريخية فيه.

تدعّم القراءة الأولية في التركيبة البشرية لبعض التشكيلات السياسية هذا التقسيم القائم على الاستعمال الجماعاتي للأحزاب السياسية على المستوى المحلي انطلاقا من بعد "الذاكرة الجماعاتية"، فمكتب فدرالية جبهة القوى الاشتراكية في ولاية غرداية مثلا تسيطر عليه "الجماعة الميزابية البربرية"[40]، والشيء نفسه بالنسبة للمكتب البلدي للتجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية ببلدية بريان، في حين تنقلب الصورة تماما عندما نعاين الأطر المسيّرة لحزب جبهة التحرير الوطني أو حزب العمال.

يبرّر المنتخبون المحلّيون المستجوَبون- سواء كانوا منخرطين في هذه الأحزاب أو في أحزاب أخرى- تواجد بعض التشكيلات ذات "التوليفة الجماعاتية" أو "البصمة الجهوية" مثل حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أو جبهة القوى الاشتراكية في غرداية  "بالإقصاء" المُمَارس من طرف "الجماعات العرْبية" التي  تفرض سيطرتها على التسيير المحلي للأحزاب التي تصنف نفسها بالأحزاب الوطنية، و عليه تصبح مقومات الهوية الجماعاتية (اللغة و المذهب الديني) محفّزا أساسيا للذاكرة الجماعاتية القائمة على أساس إثني دافعا للاستخدام الأداتي لبعض الأحزاب.

إن نموذجي جبهة القوى الاشتراكية FFS و جبهة التحرير الوطنيFLN  في غرداية يمثّلان مفتاحين لتتبّع الفعل الانتخابي محليا في بلدية غرداية و في باقي بلديات الولاية. ففي بلدية غرداية مثلا يحوز الحزب الأول على 4 مقاعد كلهم من "الميزابيين"، بينما يحوز الحزب الثاني على 5 مقاعد كلهم من "العرب". لقد استطاع الـFFS في الانتخابات المحلية لسنة 2007 ببلدية غرداية خاصة أن يقنع جزء من "المْيزابيين" على أنه حزب سياسي يمثلهم كأقلية إثنية مضاعفة (مذهبية ولغوية) متجاوزا بذلك سلطة مجلس الأعيان أو هيئة عبد الرحمان الكرثي، والتي كانت تشرف من قبل على إعداد القوائم الانتخابية "المستقلّة" الممثّلة للميزابيين،  ولكنّ هذا الحزب لم يستطع أن يفرض نفسه بالصورة نفسها في بلدية أخرى غالبية سكانها من الميزابيين وهي بلدية العطف (05 منتخبين فائزين من الميزابيين ينتمون إلى حزب الـFLN)، فقد فاوضت القائمة الميزابية في بلدية العطف حزب جبهة التحرير الوطني على المستوى الوطني مباشرة من أجل تشكيل قائمته ولم تفاوض على المستوى المحلي بحكم أنّ المكتب الولائي يسيطر عليه العْرب، و بما أن الحزب السياسي عموما يسعى لتوسيع التواجد محليا فقد تم تجاوز المكتب الولائي واقتراح قائمة الحزب بغالبية ميزابية في بلدية العطف.

تؤشر هذه الممارسة السياسية المحلية أن الحزب السياسي لم يتجاوز المنطق الجماعاتي بل اختار ضمن هذا المنطق الجماعة المحلية الأكثر حظاّ في الفوز بالانتخابات وهي الجماعة الميزابية في حالة بلدية العطف. المنطق نفسه قد يكون موجودا مع جماعة أخرى في بلدية أخرى.

خلاصة

يطرح السياق المحلي في غرداية، من خلال حقلي الديني والسياسي، أسئلة مختلفة حول مفهوم الفضاء العمومي انطلاقا من الحضور الجلي للنزعة الجماعاتية من جهة، و للنظام الجماعاتي من جهة أخرى، فالنزعة الجماعاتية لدى العْرب والمْيزابيين على حد سواء تطرح إشكالية العقد الاجتماعي ذي الطابع العقلاني كما تطرح إشكالية المواطنة بصفة عامة.

تحيل المواقف المعلنة لمختلف الجماعات على المستوى المحلي من "الإقليم" و"الذاكرة الجماعية" إلى أنّنا لسنا أمام فضاء عمومي بقدر ما نحن أمام فضاء جماعاتي، بمعنى أنّ الفاعلين في الحقلين الديني والسياسي محليا خاضعون للمنطق الجماعاتي سواء من حيث الممارسات، الخطابات أو التمثّلات، كما تُحيل حالة العزّابة ومجلس الأعيان في "القصور" الميزابية بوصفها نُظُما جماعاتية ذات بعد ديني وآخر مدني تسيّر "الشأن العام" على المستوى المحلّي - وإن كان محدودا- إلى إمكانية الحديث عمليا عن فضاء عمومي جماعاتي، فلا يتعلّق الأمر هنا بمجرّد نزعة جماعاتية قائمة على عقد معنوي عاطفي بين أفراد الإثنية الواحدة بل بنظام جماعاتي يفرض سلطة الولاء و يستهدف مراقبة الأفراد داخل إقليم محدّد هو "القصر الميزابي".

  تؤكد هذه النتيجة ممارسات هذا الشكل من النظم الجماعاتية في الحقلين الديني والسياسي، فعلى المستوى الديني، يسعى نظام العزّابة إلى تسيير هذا الحقل ومراقبته، وعلى المستوى السياسي يسعى مجلس الأعيان إلى استعمال أو تملّك  المؤسسات السياسية المدنية (البلدية، الحزب، الجمعيات، المنظّمات) المتواجدة محليا وفق استراتيجية تخدم المنطق الجماعاتي بما يساعده على إدارة الشأن المحلّي داخل "القصر". وفي هذا السياق يمثّل "القصر الميزابي" بوصفه "إقليما جماعاتيا" المجال الحيوي للفضاء العمومي الجماعاتي، فضمنه يتجلّى رهان تسيير الديني والسياسي بالنسبة للنظام الجماعاتي، كما تتجلى رهانات مراقبته و إعادة إنتاجه.

عناصر بيبليوغرافية

بعمارة، عيسى(تقديم) (1990)، اتفاقيات المجالس العامة لميزاب، باتنة، دار الشهاب. 

خواجة، عبد العزيز (2000)، الضبط الاجتماعي ومعوقاته، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد علم الاجتماع، الجزائر.

حسن رمعون، مصطفى مجاهدي، فؤاد نوار و جيلالي المستاري (2012)، "المواطنة أمام تحديات المحلي: المنتخب المحلي و الممارسات الانتخابية"، ضمن حسن رمعون (الاشراف)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات الكراسك، 2012، ص. 71- 110.

فؤاد نوار (2012)، "مستخدمو تريفيلور و الممارسات الانتخابية: خطاب حول المواطنة الاجتماعية"، ضمن حسن رمعون (الاشراف)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات الكراسك، ص. 110- 152.

جيلالي المستاري (2012)، " الخطاب الديني و مسألة المواطنة في الجزائر اليوم: قراءة في خطب منبرية بمساجد وهران"، ضمن حسن رمعون (الاشراف)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات الكراسك، ص.155- 175.

 Berque, Jacques (2001), Le Maghreb entre deux guères, Tunis,  éditions CERES.

Berque, Jacques (1978), Structures sociales du haut Atlas, Paris, PUF.

Ben Youcef, Brahim (1992), Le M'zab: Espace et société, Alger, Imprimerie Abou Daoud.

Godelier, Maurice (2009), Communauté, société, culture : trois clefs pour comprendre les identités en conflits, Paris, éditions CNRS.  

Geertz, Clifford (2006), Savoir local, savoir global, Paris, PUF.

Geertz, Clifford (1992), Observer l’Islam, La découverte.

Goffman, Erving (1973), La mise en scène de la vie quotidienne, Paris, Minuit

Habermas Jürgen (1978), l’Espace Public. Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, traduit par : M.B. de Launay, Paris, Payot.

Halbwachs, Maurice (1976),  Les cadres Sociaux de la Mémoire, Paris, éditions Mouton.

Halbwachs, Maurice (1997), La mémoire collective, Paris, Albin Michel,  (1ère édition 1957).

Jourarnneau Solenne (2013), Les imams en France, une autorité religieuse sous contrôle, Marseille,  Agone.

Kerrou, Mohamed (dir) (2002), Public et privé en islam, Tunis, IRMC et Paris, Maisonneuve et Larose. 

    Oussedik, Fatima (2008), Relire les Itiffaqat, Essai d'interprétation sociologique, Alger, ENAG.  

Shinar. Pessah (1983), Islam Maghrébin contemporain. Bibliographie annotée, Paris, éditions CNRS. 

Tönnies Ferdinand (2010), Communauté et société, Paris, PUF.


مقالات في مجلات

Bennabi, Malek (1968), « L'invitation du M'zab », in Révolution africain, n°  274.

Chaulet, Claudine (2000), « Le local, l’origine et le terme », in Insaniyat, n° 16.

Moriaz, Jean (1957), « Origine du nom Ghardaïa », in Bulletin de Liaison    saharienne, Vol 8, n° 25.

Salhi, Brahim (2006) « Société et religion en Algérie au XXe siècle : le réformisme ibadhite, entre modernisation et conservatio », in  Insaniyat, n° 31.

Salhi, Mohamed Brahim (2002), « Le local en question : citoyenneté en construction, le cas de la Kabylie », in Insaniyat, n° 16

  الهوامش

[1] تقدم كلودين شولي مقاربة أنثروبولوجيا لمفهوم " المحلي" و تبيّن أن ذلك يتعدى المعطى الجغرافي ليشمل جملة العلاقات التبادلية المادية و الثقافية و الرمزية. حالة الالتقاء بين "المحلي" و "اليومي" هي حالة غنية للدراسة. عند مقاربة " المحلي" يتجلى الموقف المنهجي الذي لا يستأنس بالتحاليل الإحصائية و غير الإحصائية لأنها تقدم صورة عامة عن " الوطني" و تقلص من حظوظ تجلي المحلي. أنظر:

Cf. Chaulet, Claudine (2002), « Le local, l’origine et le terme », in Insaniyat, n° 16, Janvier- Avril, p. 15-29.

Cf. Salhi, Mohamed Brahim (2002), «  Le local en question : citoyenneté en construction, le cas de la Kabylie », in Insaniyat, n° 16, Janvier-Avril, p. 55-97.

[2] Tönnies, F. (2010), Communauté et société, Paris, Puf.

[3] قصر غرداية، قصر بني يزقن، قصر بونورة، قصر مليكة، قصر العطف، قصر بريان وقصر القرارة. بعض باحثي المدينة لا يفضلون استعمال لفظ القصر بل يفضلون "المدينة" أو " القرية".

[4] يمكن أن نشير إلى أن الجماعة " المْزابية" تسيرها إضافة إلى القوانين الرسمية للدولة سلسة أخرى من "القوانين الجماعاتية " تسمى الاتفاقات  بما يحيل إلى ازدواجية العقود: عقد مجتمعي خاضع لسلطة القوانين الرسمية للدولة وعقد جماعاتي خاضع لسلطة الجماعة (مجلس الأعيان و حلقة العزابة).

[5] أنظر في هذا السياق كتاب:

 Oussedik, F. (2008), Relire les Itiffaqate, Essai d'interprétation sociologique, Alger, ENAG.

[6]  ما نقدمه هنا هي جملة من القراءات حول الدراسة الاستطلاعية حول حالة المجتمع المحلي ، و هذه الصورة قد تبدو كاركاتورية نوعا ما، بحيث يكفي ملاحظة " اليومي le quotidien  " على مستوى المؤسسات الرسمية وعلى مستوى فضاءات التبادل التجاري لنرى حالات اللقاء المتعددة بين الجماعتين. ما أردنا توضيحه من خلال هذه الملحوظة أن الصورة التي قد تبدو إستاتكية لا تنفي وجود تفاعل مجتمعي. أنظر الكتاب التالي:

Goffman, Erving (1973), La mise en scène de la vie quotidienne, Paris, Minuit.

[7] كان عدد الأئمة الذين تم إجراء المقابلات معهم 08 أئمة، 04 من أئمة المساجد "الإباضية" و04  من أئمة المساجد  "المالكية".

[8] نستعمل التوصيف أقلية و أغلبية حصريا على المعطيات العددية المتوفرة و نعتبر أن هذا التوصيف غير مبرر عندما يكون يتعلق الأمر بالمعطيات الثقافية و الرمزية لمختلف الجماعات المحلية.

[9] نسجل أن للمذهب الإباضي هيئات دينية  معتمدة رسميا تمثله محليا ومركزيا من خلال ما يسمى بناظر الأوقاف الإباضية .

[10] تجدر الإشارة هنا إلى القول  أنه بناء على ملاحظاتنا الأولية فإن المُصلي المالكي لا يصلي داخل المسجد الإباضي، لا في الصلوات الخمس  ولا في صلاة الجمعة، أما ما يتعلق بالمُصلي الإباضي "المزابي" فإنه قد يصلي خلف الإمام المالكي في الصلوات الخمس لكنه لا يصلي جمعته في مسجد مالكي.

[11] نشير في هذا السياق إلى أنه على الرغم من كون جماعة الدعوة والتبليغ جماعة دينية سنّية معاصرة، إلا أنها وجدت لها أتباعا وقيادات محلية ووطنية من داخل شباب الجماعة الإباضية الأمر الذي يفسر تواجد الجماعتين العربية والميزابية في المساجد التي بها إمام  قريب من هذه الجماعة مثل مسجد السلام بوسط غرداية حيث نجد إماما إباضيا يصلي خلفه من سبق لهم الانتساب للمذهبين الإباضي والمالكي.

[12] نشير هنا إلى أنّ هناك أربعة قصور  ميزابية في  مدينة غرداية هي : قصر غرداية، قصر بني يزغن، قصر ملّيكة و قصر بونورة، كما نجد ثلاثة قصور أخرى في بلديات خارج البلدية مقر الولاية وهي: قصر العطف (يبعد حوالي مسافة 7 كم)، قصر بريان (حوالي  50كم) وقصر القرارة ( عن بعد 70 كم).

[13] نشير فقط في هذا السياق إلى أن صلاة الجمعة على مستوى المساجد الإباضية لم تكن تقام إلى وقت قريب فمثلا لم تكن صلاة الجمعة لتقام في مسجد قصر بني يزقن إلا بعد سنة 2000 – كما جاء على لسان أحد المبحوثين - ومع ذلك كان التأطير الديني لحلقة العزابة داخل القصر ساريا ومتواصلا.

[14] نشير هنا أنه تم تسجيل مضمون هاته الخطب في سياق الدراسة الاستطلاعية الأولى  لفريق البحث في بداية شهر جانفي 2010 .

[15] النصوص  الرسمية للدولة الجزائرية من دستور وقوانين مسيرة للحقل الديني لا تشير صراحة إلى أن المذهب الرسمي للدولة هو المذهب المالكي بل تتحدث عن الدين الإسلامي بشكل عام وحتى تصريحات المدير الولائي للشؤون الدينية بولاية غرداية تؤكد هذا المنحى، لكن واقعيا ومن خلال تصريحات الأئمة المستجوبين وبعض خطبهم في الجمعة يبدو التوجه الذي يتحدث عن المذهب المالكي كمذهب رسمي جليا.

[16]هو إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم بن يوسف، اطفيّش (أبو إسحاق) ولد سنة 1886-توفي سنة 1965عالم من بني يزقن ، كان عضوا  بجمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا وممثلا لعمان في هيئة الأمم المتحدة سنة 1961. أسس مجلة في القاهرة ما بين سنتي 1925 و 1932 سماها "المنهاج"، وقد كان فقيها ومحققا وكاتبا صحفيا.

[17] صرّح أحد الأئمة المبحوثين في ردّ فعل هول مكانة الشيخ اطفيّش في غرداية  قائلا : «هذا الرجل لم يستقر في غرداية، عاش طوال عمره بين تونس ومصر وعُمان. لقد دافع عن استقلال عُمان ولم يدافع عن استقلال الجزائر».

[18] فمثلا نجد أن  تعاليم المذهب الإباضي مقصاة  من الكتب المدرسية الخاصة بالتربية الإسلامية ما عدا إشارة طفيفة في إحدى دروس السنة الثانية ثانوي، ولا نجد الشخصيات الإصلاحية الدينية الإباضية المعروفة مثل أبي إسحاق اطفيش أو غيره داخل كتب التاريخ.

[19] تقارب الدراسة الميدانية حول " المنتخب المحلي والممارسات الانتخابية" تحت إشراف حسن رمعون حالة  الانتخابات المحلية ليوم 29 نوفمبر 2007 في ولايات وهران، سيدي بلعباس وغليزان"  و قد تمت في الفترة ما بين نوفمبر 2007 و ماي 2008. أنظر:

  • حسن رمعون، مصطفى مجاهدي، فؤاد نوار و جيلالي المستاري،" المواطنة أمام تحديات المحلي: المنتخب المحلي و الممارسات الانتخابية"، ضمن حسن رمعون (الاشراف)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات الكراسك، 2012، ص. 71- 110.
  • فؤاد نوار، "مستخدمو تريفيلور و الممارسات الانتخابية: خطاب حول المواطنة الاجتماعية"، ضمن حسن رمعون (الاشراف)، الجزائر اليوم: مقاربات حول ممارسة المواطنة، وهران، منشورات الكراسك، 2012، ص 110- 152.

[20] خلال الدراسة الاستطلاعية الأولى في ديسمبر 2009 أجرينا خمس مقابلات مع خمس منتخبين محليين ممثلين تشكيلات حزبية مختلفة هي : حزب جبهة التحرير الوطني، جبهة القوى الاشتراكية، حزب العمال والتجمع الوطني الديمقراطي. تمكنا من تسجيل 04 مقابلات (تسجيل صوتي) في حين رفض الخامس من المبحوثين عملية التسجيل و فضل التدوين الكتابي. استطعنا أن نحصل على ما يعادل ثماني ساعات من التسجيل.

[21] أجرينا الدراسة الاستطلاعية الثانية في شهر أفريل 2010 خلال فترة إقامة الجامعة الربيعية لمدرسة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا التي يشرف عليها المركز و سمح الوقت المخصص للعمل الميداني بإجراء بعض المقابلات (06) مع منتخبين محليين لبلديتي العطف (حزب جبهة التحرير الوطني) و بلدية بونورة (القائمة المستقلة).

[22] احصائيات المشاركة الانتخابية في البلدية مقر الولاية هي الأقل مقارنة مع باقي البلديات في الولايات الثلاثة المدروسة في الدراسة سابقة. أنظر:

حسن رمعون، مصطفى مجاهدي، فؤاد نوار و جيلالي المستاري، مرجع سبق ذكره، ص 83 و91.

[23] ما قدم هنا ليس راجعا لقراءتنا في الإحصائيات الانتخابية المحلية (سنقدم قراءة لها فيما بعد) بل هي خلاصة تصريحات المنتخبين المحليين على اختلاف أطيافهم السياسية والجماعاتية. تضاربت أرقام مشاركة الهيئة الانتخابية في بلدية غرداية للانتخابات المحلية لنوفمبر 2007 بين التصريحات الرسمية لمديرية التنظيم و الشؤون العامة و محاضر بعض الأحزاب. لا نريد أن نقدم هذه الأرقام التي تم رصدها في بداية التحقيق دونما الوصول إلى تحديد لرهانات التي تحكم مصادر الأرقام حول المشاركة الانتخابية محليا.

[24] هناك تطابق في هذا الموقف بين خطاب المنتخبين المحليين في غرداية مع باقي المنتخبين في الولايات الثلاث محل الدراسة السابقة  أي وهران، سيدي بلعباس وغليزان.

[25] يصرح أحد المبحوثين :"لقد قدمت نفسي ضمن حزب سياسي معين على أنني من دعاة الدفاع عن الأقلية المضاعفة البربرية و الإباضية، لكن تجد نفسك تتورط عندما لا تستطيع أن تفي بوعودك الانتخابية لأن الموارد والصلاحيات خارج أسوار البلدية " (FFS، بلدية غرداية).

[26] في المرحلة الأولى من التحقيق الأول كان هدفنا البحث عن إمكانية وجود تطابق بين النتائج التحقيق الوطني والميدان الجديد أي غرداية،  لذا لم نركز  كثيرا على الإجابة عن العديد من الأسئلة حول مسار توطّن الأحزاب السياسية ذات " البصمة الجماعاتية"  في النسيج الاجتماعي المحلي ومن تلك الأسئلة مايلي: كيف توطّن FFS وRCD  في غرداية ؟ وكيف أصبح مناضلوه بنسبة كبيرة من الميزابيين فقط ؟ كيف يمكن لجماعة الشعانبة أن تحتكر تسيير FLN بحجة تقديم هذه الجماعة ما يزيد عن ثلاث مائة من الشهداء في الثورة التحريرية ؟ ألم يشارك الميزابيون في الثورة ؟ كيف يرفض الميزابيون الترشح تحت مظلة PT  ؟ هل لأن على رأسها امرأة؟  لماذا ينظر لبعض التشكيلات السياسية المحلية على أنها امتداد لحركة العروش في الجنوب ؟ فإننا لن نجيب عليه في هذه المرحلة.  

[27] يتكوّن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية RCD ببلدية بريان في غالبيته من الميزابيين (الإباضيين).

[28] حمل الأعضاء المترشحون تحت مضلة هذا الحزب ( حزب ذو أغلبية إباضية) شعار التخلص من الهيئات العرفية الإباضية التي تتهم بتغييب المطالب الحقيقية للجماعة نفسها و هذا نتيجة لتحالف السلطة السياسية المركزية مع الهيئة الأعيان. أحد القيادات المحلية لهذه التشكيلة السياسية يرفع شعار: الإباضيون أقلية مضاعفة، فهم أقلية إثنية ( بربرية) و أقلية (مذهبية) لذا فالمطالبة بالاعتراف الرسمي بهذه الهوية المضاعفة موجود في سلم الأولويات.

[29] من أجل تحليل عناصر المنظومة الجماعاتية وفعاليتها على المستوى المحلي، أضفنا لدليل المقابلة الذي اعتمدنا عليه في الدراسة السابقة تسعة أسئلة وجهت للمنتخبين المحليين المستجوبين تمت صياغتها من طرف فريق البحث تتمحور أساسا  حول التمثلات، الممارسات و الخطابات اتجاه  الإقليم (أصل تسمية غرداية، مميزات هذه المنطقة عن باقي نواحي الوطن، و علاقة الفرد بالحي الذي يسكنه)،  حول الذاكرة الجماعية (غرداية بين الماضي و الحاضر، إشكالية التأصيل لسكان غرداية، معالم الذاكرة المشتركة من أحداث وشخصيات)، وحول نظام القرابة (إشكالية الزواج المختلط، ردود الفعل حولها، إمكانيات و حدود تطورها). 

[30] نعتقد أننا لسنا مجبرين في مرحلة الدراسة الاستطلاعية أن نقيم فرقا بين المنطق الجماعاتي  والمنطق الجماعاوي في تفسيرنا لخطابات، ممارسات و تمثلات المنتخبين. مرحلة تحليل النتائج النهائية كفيلة بتحديد ما هو جماعاتي و ما هو جماعوي و ما هو مجتمعي .

[31] من الخطأ اعتبار المنطق العددي السكاني منطقا فاعلا في تحديد إقليم البلدية و إلا فلماذا لا يتم تقسيم بلدية وهران إلى العديد من البلديات ؟ لو تم اعتماد المنطق العددي نفسه لأصبح إقليم بلدية وهران المتكون من 1453152 ساكنا حسب الإحصاء العام للســــكن  و السكان لسنة 2008 يحتوي على ما يقارب أربع بلديات جديدة مقارنة مع عدد سكان بلدية بونورة الذي لا يزيد عن  35405 ساكنا .

[32] تتجلى من خلال خطابات سكان غرداية العديد من الصراعات النابعة أساسا من التمثلات حول الإقليم، فغرداية تعني تغردايت (الربوة الخضراء) بالنسبة الميزابيين وتعني "غار داية  بالنسبة للشعانبة و المذابيح والمرازيق، كما أن بعض الميزابيين يحصرون غرداية في قصورها السبعة المعبّرة في نظرهم  عن مناطق تواجد  "السكان الأصليين" للمنطقة و فيما عداهم يعتبرون "متساكنين" تعبيرا عن عدم تأصّلهم في المنطقة وتجذّرهم فيها.

[33] استطعنا أن نلتمس الأهمية الإجرائية للعبد الانثروبولوجي "الإقليم" المجسد في أسئلة القسم المشترك و التي تم طرحها في دليل المقابلة نصف الموجهة و عليه فإننا نعتبر أن الأجوبة التي جاءت بها الأسئلة حول الإقليم تعبر عن هذه الأهمية.

[34] Halbwachs, Maurice 1994 (1925),  Les cadres Sociaux de la Mémoire, Paris, Albin Michel.

Halbwachs, Maurice (1950), La mémoire collective, Paris, Puf.

[35] حـول العلاقة الممكن تواجدها بين الذاكرة الجماعية و الإقليم، ينتظرنا عمل مهم بالنسبة لجميع أعضاء فريق البحث والمتمثل أساسا في القيام بجرد الأسماء الرسمية للأحياء والشوارع والمدارس.  

[36] تجلى في الانتخابات المحلية ليوم 29 نزفمبر 2007 تقسيم إثني للتواجد داخل المؤسسات الحزبية على النطاق المحلي، فحسب المبحوثين لا يمكن أن نتصور غير شعانبي على رأس FLN  و في الوقت ذاته و إن لم يتم التصريح بذلك لا يمكن أن نتصور غير الميزابي على رأس FFS  أو RCD، في حين لا يمكن أن نتصور ترشح ضمن قائمة PT  للميزابيين لأن هذه التشكيلة السياسية تسيرها "امرأة " في نظرهم. ما نقوله هنا لا يعني بتاتا أن هذه التشكيلات لا تخلو من الاستثناءات و لكنها تكاد تكون محدودة عدديا.

[37] يصفه أحد أعضائه:  "نظام يعتمد على نفسه في تسيير كل أموره منذ  عشرة  قرون ". 

[38]  يصرح أحد المنتخبين المحليين : «عندهم شيخ اسمه اطفيش  و هو مرجعيتهم" (لا ندري إن المتحّث هنا يقصد العلاّمة أحمد بن يوسف اطفيّش قطب الأئمة بالنسبة للإباضيين أو ابن أخيه أبو إسحاق ابراهيم اطفيّش. يحيل هذا التصريح إلى مؤشر غياب تقاسم الذاكرة المحلّية بين الجماعتين).

[39] يصرح أحد المنتخبين التابعين لحزب جبهة التحرير الوطني: "الأمين العام للحزب في غرداية لا يجب أن يكون إلاّ شعانبيا لأننا قدمنا ثلاث مائة شهيد، أما "المزاب" فبإمكانهم الترشح في قوائم حزبنا وفقط ".

[40] يصرح أحد المنتخبين المحلّيين في هذا السياق :" لا يجب أن ننسى أننا أقلية لغوية و دينية مضاعفة، وبالتالي لم نجد منفذا للتعبير عن المطالب الهوياتية لسكان المنطقة سوى في جبهة القوى الاشتراكية، أما الأحزاب الأخرى للأسف لا نتقاطع معها في المطالب الهوياتية، إضافة إلى كونها  لا تجسّد سوى الاختيارات المفروضة من الأعلى على الميزابيين".