Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

الفضاء العمومي: خصوصية المفهوم

تقتضي دراسة الفضاءات العمومية في تاريخ الجزائر المحتلة تحديد بعض المفاهيم وأطرها النظرية. وتتطلب معرفة تطور هذا المفهوم في سياقه العام ومدى انطباقه على الواقع التاريخي للجزائر ومقتضياته خلال القرن العشرين. وقد وجدنا حيوية أو ديناميكية في مفهوم ميشال فوكو لهذه الفضاءات العمومية ودورها المركب ببعده الحضري حيث عرّفها كالتالي: « الفضاءات العمومية هي أماكن عمل، وبالتالي هي فضاءات لاستمرار أو بقاء الجماهير، وهي متواجدة  في مركز الصراعات الحادة والمتكررة بين مختلف السلط التي تسعى لاستعمالها كأداة تعليمية بغاية سياسية أو دينية، أو كرهان اقتصادي. وتشكل الأماكن العمومية رهانات ذات أهمية خاصة، وبالتحديد، لأنها تستطيع في أي وقت أن تستعيد  الجماهير ملكيتها عبر الثورات أو الاحتفالات التي لا تعترف بشرعية السلط سعيا منها لضبط الاستعمال»[1].

إن الاكتفاء بهذا التعريف ومحاولة تطبيق مفهوم يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) مثلا كما طبّقه روجي شارتي (Roger Chartier) في كتابه "الجذور الثقافية للثورة الفرنسية"[2]، يجعلنا نقع في تناقض نظرا لخصوصية المجتمع الجزائري المحتل أو ما سمي بمجتمع "الأهالي المسلمين". ينطلق مفهوم هابرماس للفضاء العمومي من واقع تاريخي خاص للمجتمع الأوربي، والذي يختلف عن المجتمع الأهلي، خلال القرن العشرين، لارتباط مفاهيم الفضاء العمومي بمفاهيم أخرى كمفهوم الفردية والنظام السياسي والديمقراطية. وقد تواجدت الفضاءات العمومية في "المجتمع الأهلي" بناء على ظرف تاريخي مختلف لمجتمع محتل،  فكانت فضاءات جماعية لتعزيز الشعور الجماعي وخاصة فضاءات للدفاع عن الهوية المتميزة عن هوية المحتل، ذوق بمعنى مقاومته وفرض مفهوم للذات المتميزة عن الآخر.

سنكون مجبرين على استعمال "مجازي" لما اصطلح عليه بالفضاء العمومي عند الغرب لتقريب الصورة، ولا نأخذ بعين الاعتبار تطور المفهوم في سياقه التاريخي. وخاصة أننا سنتناول في هذه الدراسة فضاء عموميا اعتبر "قلعة إصلاحية" تابعا ثقافيا وإلى حد ما إداريا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهو نادي الترقي، الفضاء المتعدد الأبعاد الثقافية، والدينية، والاقتصادية والسياسية. ولا نتوقع أن نجد عند هذه الجمعية مفهوما بهذا المستوى من التنظير إنما نستخلصه من الأسماء الإصلاحية التي أطلقتها على هذه الفضاءات بحيث اعتبرتها وسائل برهانات ديناميكية واستخدمتها بأبعاد الهوية والتحسيس أو التنشئة الإصلاحية وذلك انطلاقا من المسجد والمدرسة ثمّ النادي والجمعية الخيرية مرورا بالشارع كفضاء عمومي. ففيما تمظهر الصراع الديني-السياسي للمجتمع الجزائري المحتل في هذا النادي؟ وكيف انعكس على علاقاته الداخلية من جهة وفي علاقته بسلطة الاحتلال من جهة أخرى؟ وما هي طبيعة السلطات التي تجاذبته؟

نادي الترقي: بين  تجاذب الموقع ورمزية المعمار الأوروبي

عرفت الفضاءات العمومية "للأهالي المسلمين" بمدينة الجزائر خلال العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين عدة تحوّلات اجتماعية بأبعادها المركبة والتي ساهمت في التغييرات التي طرأت عليها فيما بعد. ولفهم هذه التغييرات لابد من مراعاة التقسيم الإداري للمدينة والذي حدد التوزيع السكاني بناء على ظروف اجتماعية واقتصادية ببعد سياسي. 

يعتبر نادي الترقي من أهم النوادي المؤسسة بمدينة الجزائر، نظرا لموقعه الحساس وسط المباني الحكومية ببطحاء الحكومة (مقر الولاية العامة وكاتدرائية الجزائر...الخ) والتي تعتبر مركز مدينة الجزائر المحتلة. بالإضافة إلى احتوائها على المحطة المركزية للترامواي الذي يعبر المدينة من الشمال إلى الجنوب (من سانت أوجان الى مصطفى). وهذا الموقع ولّد احتكاكا ما بين مؤسسات المحتل ومراكزه الأساسية ومباني المجتمع الأهلي التي تحد النادي، بحيث تطل شرفته على الساحة التي تحتوي على مسجدي السماكة وكذلك المسجد الكبير, وتقع خلفه القصبة ومجتمعها الجزائري أو ما سمي "بمجتمع المسلمين الأهالي". ونلمس إذن وجود النادي في محور مهم بين مجتمعين متجاورين ولكن متوازيين ومنفصلين عن بعضهما البعض.

أهمية هذا النادي مستمدة كذلك من احتضانه لعدة اجتماعات تأسيسية وتنظيمية لجمعيات رياضية ودينية وثقافية بأبعاد سياسية، لعبت فيما بعد دورا مهما في تاريخ الجزائر خلال الثلاثينيات والأربعينات، ونلمس قلّة المعلومات فيما يتعلق بالنادي كهيئة أو مؤسسة. ورغم غياب القانون التأسيسي الذي شكل فراغا كبيرا في معرفة طبيعة النادي، ونوعية الأعضاء المؤسسين، ومصادره المالية، والهدف من تأسيسه إلا أنه يمكن استنتاج ذلك من خلال نشاطات النادي، وخلفيات بعض أعضاء مجالسه الإدارية. وقد أشار صالح خرفي[3] أن القانون التأسيسي لنادي الترقي  قد نشر في العدد الثاني والخمسين من جريدة وادي ميزاب سنة 1927. واطلعنا على هذا العدد ولم نعثر على أي أثر له[4]. وأخبرنا عن مضمون مادتين من هذا القانون حيث منعتا الخوض في المسائل السياسية، كما حرّمتا الخمر والميسرّ[5].

احتوى مبنى نادي الترقي ذو الفن المعماري الأوروبي على قاعة فسيحة للاجتماعات، زيّنت بعدة رسومات نباتية وإطارات احتوت على صورة "العذراء مريم" و"السيد المسيح"، وزين وسط سقف القاعة برسومات "لملائكة مجنحة" وسط مجموعة من الورود. بالإضافة إلى احتوائه آنذاك على صور الحكام العامّين كشبه "هيئة رسمية" منع أو محاولة لعدم إيجاد نقاط للتصادم مع الإدارة. هذا الطراز المعماري وديكوره الأوروبي حافظت عليه الشخصيات الدينية الإصلاحية الفاعلة خلال فترة الاحتلال ولكن لم يبق، بعد الاستقلال، من هذه الزخارف والرسومات سوى ورود السقف وذلك بعد ترميمها في الثمانينات.

يتكون النادي من قاعة مركزية كبيرة إضافة لثلاث قاعات صغيرة. اتخذ الشيخ الطيب العقبي، خطيب النادي منذ 1928 على الأقل وممثل جمعية العلماء بعمالة الجزائر بعد تأسيسها سنة 1931، إحداها مكتبا له. والقاعة الأخرى لاجتماعات أعضاء المجلس الإداري لنادي الترقي، والثالثة خاصة بالنساء للاستماع إلى دروس الشيخ الطيب العقبي. بالإضافة إلى احتوائه على ميضأة ومطبخ صغير للمشروبات كانت به ثلاجة. وبعد إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية سنة 1933 اتخذت من القاعتين الموجودتين على يسار المدخل الرئيسي للنادي مقرا لها[6]. وذكر الزميرلي نائب رئيس نادي الترقي سنة 1934 أثناء "خلاف" نشب بينه وبين العقبي أنهم دفعوا مبلغ 70.000 فرنك لإنشاء (أو شراء المبنى) النادي[7]. وحسب صادق سلام فإن هذا المركز هو "ناد" حقيقي فيه محل للصلاة، وقاعات للاجتماع، وقاعة للندوات ومجموعها يتسع ما يقرب من ألف شخص»[8].

ذكر أحمد توفيق المدني في مذكراته، أنه هو من أوحى إلى أعيان مدينة الجزائر بفكرة تأسيس نادي الترقي: «..أثناء حفل عشاء أقيم لي بمنزل السيد محمد بن المرابط من أكبر التجار الجزائريين أثناء صيف 1926، وضم 32 رجلا من أعيان الجزائر وفضلائها..(قلت لهم) هلا فكرتم في تكوين ناد كبير ضخم، ممتاز، يقع في أحسن حي ويؤسس أحسن تأثيث، يلمّ شملكم ويجمع شعثكم ويجعلكم تجتمعون مرغمين كل يوم[...]»[9]. وأخبرنا أنه تم تهيئة قانونه الأساسي، وجمع "رأسماله الإسمي" وإضافة إلى رئاسة عمر بوضربة ضم كذلك مجموعة  من "أصحاب المال" منهم الزاوي الحاج، محفوظ بن التركي، محمد وعلي عباس التركي، محمد علي المنصالي، حسان حفيز[10].

تتناقص الوثائق الخاصة بنادي الترقي (والتي تمّ الحصول عليها)، ولا نكاد نصادف اسمه أو معلومات عنه كمؤسسة إلا من خلال اجتماعات مختلفة لمنظمات وجمعيات. ويطلعنا تقرير وحيد للشرطة سنة 31/03/1931 -وبإمضاء مدير الأمن العام بالجزائر- عن عقد اجتماعات بنادي الترقي لغرض إنشاء جمعية "علماء" هدفها توحيد المسلمين بجميع أشكالهم. هذه المساعي تنسب إلى توفيق المدني "الدستوري". ويهدف هذا الأخير إلى خلق مجلس وطني بشمال أفريقيا مثل ما هو موجود بتونس. ورغبة منه لتغطية لعبته وضع رئيسا له اعمر إسماعيل، وهو تاجر بالعاصمة ورئيس الجمعية الخيرية السلام[11].

زودنا تقارير الشرطة لسنة 1932 بمعلومات مختلفة عن إدارة النادي وعن نشاطاته كذلك، والصعوبات المالية التي عانى منها وأسلوب الأعضاء في معالجتها وذلك برفع قيمة الاشتراكات، وكذلك أخبرنا عن بعض التغييرات الطارئة على المجلس الإداري بسبب وفاة رئيسه. بحيث علمنا من خلال تقرير مؤرخ في 16/01/1932 بإمضاء غير مقروء لرئيس أمن العمالة، أن أعضاء المجلس الإداري لنادي الترقي عقدوا اجتماعا بتاريخ 08/01/1932، من أجل تعيين خليفة لرئيس النادي منصالي الحاج امحمد المتوفي في 01/01/1932. وقد تم تعيين بلونيش محفوظ، صاحب صناعة بحسين داي، وتم عرض التقرير المعنوي والمالي خلال الجلسة المسائية. وتقرر رفع الاشتراكات السنوية لأعضاء النادي نظرا لقلة المصادر المالية مقارنة بالمصاريف والديون، بحيث أصبحت قيمة الاشتراكات لكل من الأعضاء المنخرطين 100 فرنك بدل من 60 فرنك. والأعضاء العاملين 200 فرنك بدل 150 فرنك، والأعضاء المحسنين 300 فرنك بدل 250 فرنك[12].

نادي الترقي: هوية متميزة لفضاء نخبوي

أشار أحمد توفيق المدني أحد مؤسسي نادي الترقي في كتابه "هذه هي الجزائر" إلى الدور الفعال للنادي وكيفية نشأته وتأثيره على المجتمع: «[...] لم يكن الجزائريون يعرفون الاجتماعات منذ الاحتلال الفرنسي، وكانت قوانين الأنديجينا تحرّم الاجتماعات، فكانت كل الحركات الجزائرية تتسم بقلة النظام، إلى أن وفقنا الله لوضع معقل بعاصمة الجزائر، كان له تأثيره العظيم على الحياتين السياسية والاجتماعية، وذلك هو نادي الترقي الذي تمكنا من تأسيسه بعد جهود عظيمة في أحسن موقع من العاصمة، فكانت قاعاته الفسيحة تجمع النخبة المفكرة كلها، سواء بالعاصمة أو بداخل البلاد، وكانت المحاضرات والمسامرات والحفلات الكبرى تتوالى فيه، ويقبل الناس عليها إقبالا عظيما وكنا نسير بنادي الترقي – رغم القوانين الصارمة- في طريق الدعوة الملية الوطنية من جهة، وفي طريق الدعوة الإسلامية والعروبة الشاملة من جهة أخرى[...] »[13].

ذكر أبو يعلى الزواوي في رسالة موجهة إلى العقبي نشرت بجريدة البصائر[14] أنه ساهم في تأسيس نادي الترقي ولم يشر إلى طبيعة هذه المساهمة، وعلى أقل تقدير أيّد تأسيسه بصفته إمام مسجد سيدي رمضان الواقع في وسط القصبة: «[...] وما قصدت إلا ما قصدت في نادي الترقي، الذي لي اليد مع صديقي المانصالي وسيدي محمد بن مرابط الملازمين، إذ ذاك لأداء صلاة الجمعة في جامع سيدي رمضان[...] »[15].

وصف الهادي السنوسي زيارته إلى نادي الترقي في غرة محرم سنة 1346/1927 عندما قدم إلى الجزائر العاصمة: «[...] كان من حسن الصدف أن  وافيت نادي الترقي في ريعانه - ولن يزال بعزم شبابه في ريعان مستمر-، فكان خبره أول ما هز جوانحي وطرق سمعي. ونادي الترقي" أسسته الشبيبة الجزائرية في مفتتح هاته السنة، لغرض منه التعارف فالتئالف (كذا) حول المصلحة المشتركة وصالح البلاد فالعباد، بارك الله له فيه، وبارك للجزائر في شبابها. وللشباب فيهما معا»[16]. ويستمر الهادي السنوسي في وصف غبطته بتأسيس نادي الترقي، وتدرّج في وصف معداته، ومن التقى وبعض نشاطات النادي في أول سنة من تأسيسه: «[...] ما استقر قدمي على مستقر حتى ذهبت له توا يرافقني الصديق نعم الصديق الحميم نعم الحميم الأستاذ أحمد توفيق المدني[...] فدخلت ناديا تجلت فيه للكفاءة كل لوازمها، فسيح الجنبات، تام المعدات، مزدانا بكل ما تشتاقه النفس ويستعذبه الحس»[17].

 واسترجع الهادي السنوسي بغاية الامتنان طلب شبيبة النادي منه إلقاء مسامرة وذلك يوحي برفعة القيمة الاجتماعية والثقافية لمؤسسي النادي، ويذكر على رأسهم توفيق المدني «[...] وأرسل النادي بدعوة عامة لأدباء البلاد فضائلها ورجال العلم فيه فشرفوا بإجابتهم في الموعد المضروب لهم، فثارت لهم عاطفة وتحرك لهم خاطر ما كانت خواطره إلا حبسا عليهم [...] ألقيت في النادي جملة سموها بفضلهم (مسامرة) [...] فكان آخر ما طرب له الجميع منها قولي: ما كنت بأهل لمسامرتكم وكل ما اعتدته في مثل هذه المواقف إلقاء بييتات (كذا) من الشعر أقضي بها واجبا، وأرضي بها طالبا[18]».

 نَظَم  الهادي السنوسي أبياتا شعرية احتفاءً بنادي الترقي، واتخذ من اسمه عنوانا لها[19]:

نادي الشبيبة، وادعها "للنادي"      

 

إن النوادي شرعة الوراد

" ناد" تجلى بالمحاسن منظرا 

 

فكأنّه ذكرى (بني حمـاد)

نادي كان رجــاله في بهوه

 

 سرج مشعشعة، ومنبر هاد

ناد، سيذكره الرواة بمــا له

 

من نعمة تترى على الأحفاد

ويسجل التاريخ من أوصافه

 

عزم المجد، وهمة الأمجـاد

ويهز من أعطافه، ما هز من 

 

آباء فتيته، لسان الضـــاد

إعتبر أبو اليقظان من جهته نادي الترقي "مرتقى" الفخر وهو مرجعية كل النوادي الجزائرية، وبه استردت الجزائر صيتها في عواصم المشرق والمغرب[20]:

مرتقى الفخر، أيهذا النــادي      

 

تُه دلالا على جميع النوادي

 أنت حقل الكهول منتزه الشـ

 

بان روضة أنجب الأولاد

فغدت غــادة (الجزائر) منها

 

كالعروس تميس بين البلاد

واستردت لها لدى الشرق مجدا

 

قد طواه الفنــاء في آماد

   

لم تؤسس العائلات العاصمية الكبرى نادي الترقي فحسب بل مجموعة من الآليات أو المؤسسات التي اتخذت من هذا النادي مقرا لها. فقد انتخب المجلس الإداري لجمعية الزكاة مثلا بتاريخ 18/05/1931[21] ونلاحظ المكانة الاجتماعية والاقتصادية المتميزة لهذا المجلس الذي شكله أعيان المدينة. وتتكرر نفس الشخصيات المحورية في أغلب النوادي والجمعيات الخيرية كعائلة المنصالي، وابن سيام، وابن مرابط. وعين القانون التأسيسي لجمعية الزكاة مقرها بـ 9 بطحاء الحكومة، ولم يذكر إن كان هو نادي الترقي نفسه. وإن لم يكن نادي الترقي فإن مقرها قريب منه ليس من الناحية الجغرافية فقط بل كذلك في التشكيلة الإدارية لأعضاء مجلسها؛ لأن 5/10 من أعضاء جمعية الزكاة تواجدوا بعضوية المجلس الإداري لنادي الترقي حتى سنة 1935 ثم قدموا استعفاءهم من الإدارة في شكل موحد يوحي بتواجد تضامن أو تكتل بين الأعضاء أو حتى اختلاف مع طرف معين، وهذا ما لم نستطع إثباته بالوثائق المتوفرة لدينا لحد الآن.

وقد غلب الوضع الاقتصادي-الاجتماعي المتميز على أعضاء المجلس الإداري لجمعية الزكاة. بحيث نجد 6/10 من الأعضاء تجار جملة، و2/10 أصحاب صناعة، و2/10 من الملاكين، بالإضافة إلى أحمد توفيق المدني وكيل بنايات عائلة موهوب والمصاهر لها ولعائلة شكيكين[22]. والأعضاء المستقلين من إدارة نادي الترقي والمنتمين إلى جمعية الزكاة هم على التوالي ابن ونيش محمود، ورودوسي قدور، والمنصالي محمد علي، وعوّضوا بكل من ابن مرابط محمد، وموهوب محمد[23].

اتخذت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نادي الترقي مقرا لها واعتمدت على العائلات العاصمية الكبرى والميسورة ماديا لتمويل مشاريعها الإصلاحية المختلفة، وذلك باستعمال أسلوب خطابي "مؤثر" للطيب العقبي، الذي حاضر بنادي الترقي مرارا حول الزكاة. وقد حثّ خطيب نادي الترقي من خلال الحفلات المدرسية أو حفلات الجمعية الخيرية الإسلامية على التبرع من أجل فقراء مدينة الجزائر باستعمال الخطاب الديني مدعما بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وغالبا ما كان يبادر بالتبرع حاثا الحاضرين على الإنفاق واعدا إياهم بحسن الجزاء في الدنيا والآخرة. بالإضافة إلى دور التمثيليات المسرحية المستهجنة للبخلاء وكذلك القصائد العاطفية لمحمد العيد التي تصف الوضعية المزرية للمسلمين بمدينة الجزائر وتحث على تحسينها بالتبرع لإنجاز المشاريع الإصلاحية.

الفضاء العمومي: تمازج الديني والثقافي

تميز نادي الترقي بدوره المهم سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي. وذلك باحتضانه لعدة اجتماعات تأسيسية، وتظاهرات ثقافية لإتجاهات مختلفة: كتوزيع الجوائز على تلاميذ مدرسة الشبيبة الإسلامية، عرض مسرحية لرشيد قسنطيني)، ومحاضرات دينية واجتماعية ومحاضرات لأطباء ومحامين باللغات العربية والأمازيغية[24] والفرنسية، وعروض مسرحية وغنائية. وذكر سعد الله أن نادي الترقي نظّم (ولم يشر إلى مصدر معلوماته) بين سنة 1927ـ1929 حوالي ثلاثين محاضرة بالعربية وعشرة بالفرنسية، وبلغ أعضاؤه 270 عضوا.

  • أصدر ميشال مدير الشؤون الأهلية قراره بمنع أي مدرس أو محاضر بالمساجد غير منتم إلى السلك الديني الرسمي إلا برخصة منه شخصيا وذلك بتاريخ 18/02/1933، ومنذ هذا التاريخ أصبح نادي الترقي يحتضن النشاطات الدينية غير الرسمية أو النشاطات الإصلاحية الحرة بالإضافة إلى النشاطات الاجتماعية والثقافية بأبعاد سياسية. وعرف النادي نشاطا متزايدا بمناسبة شهر رمضان في سنوات الأربعينيات كاحتضانه لصلاة التراويح بالإضافة إلى محاضرات الشيخ العقبي، التي أصبحت يومية وهذا ما أخبرتنا به جريدة الإصلاح: «[...] وفي نادي الترقي تقام صلاة التراويح بعد فريضة العشاء جماعة بمسجد الجمعية الخيرية، في الجناح الخاص بها في عمارة النادي، وبعد الفراغ من الصلاة يتلو على الحاضرين بالقاعة الكبرى من النادي الشيخ(محمد الأغواطي) [...] وحوالي الساعة التاسعة يبتدئ العقبي درس التفسير وقد كان إقبال المصلحين عليه في هذا العام أيضا كسابقه متزايدا وبرغبة وتشوق عظيمين، ونظرا لكثرة المستمعين في غرف النادي المتعددة زيادة على القاعة العامة – إرتأت إدارة النادي إعادة تركيب مكبر الصوت "الميكروفون" تعميما للفائدة وتسهيلا على المستمعين»[25]. ولا نعلم لماذا نزع مكبر الصوت من النادي، وربما في فترة ما تناقص رواده أو عرف إقبالا أكبر في شهر رمضان عكس الأيام العادية.

أكدت جريدة الإصلاح الاحتمال الثاني ولم تشر إلى الحضور في الأيام العادية، لأنها ذكرت: «[...] انقضى شهر رمضان المبارك في هذه السنة و)نادي الترقي) يسير سيره الحثيث بالحركة الإصلاحية ويقودها ـ رغم الظروف العصيبة والعواصف التي يثيرها المغرضون من حين إلى حين- إلى الأمام ومصلحو هذه العاصمة على أقوى وأشد...كانت دروس النادي في كل ليالي رمضان في تفسير كلام الله الحكيم، وكان النادي يغص بأفواج الواردين عليه حتى من ضواحي العاصمة وأطرافها، وختم القرآن به في صلاة التراويح الشيخ (محمد الأغواطي) وليلة العيد كان الجميع بعد درس عام في بيان فضائل هذا الدين الإسلامي، وذكر البعض من حكمة القرآن البالغة وهدايته العامة، في انتظار ثبوت رؤية هلال شوال، حتى إذا أعلن رسميا من طرف الهيئة المكلفة بذلك... وبعد انتهاء أيام العيد رجعت دروس النادي إلى سيرها المعتاد يومين في الأسبوع فقط»[26]. وذكرت تقارير مختلفة عن دور النادي في انتظار ثبوت هلال رمضان وشوال في السنوات السابقة لتوفيره المقر والهاتف[27].

تعدد الأدوار: بين الواجهة الثقافية والبعد السياسي

أشار توفيق المدني في مذكراته إلى تعدد أدوار هذا النادي وجمعها بن الواجهة الثقافية والاجتماعية وبعدها السياسي بحيث جاء في مذكراته: «[...] وكان من نتيجة أعمالنا في النادي زيادة على المحاضرات الأسبوعية، تأسيس جمعية الفلاح، جمع شمل وحدة النواب الجزائريين، اجتماع مؤتمر طلاب شمال إفريقيا، تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية الكبرى، مقاومة سياسة التجنّس والاندماج، مساعدة الكفاح الفلسطيني، تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين[...] ومقاومة التبشير المسيحي، ومحاولة تكوين "اتحاد الأديان السماوية، وتأسيس جمعية الزكاة»[28]. ومشروع "البنك الإسلامي الجزائري" الذي ترأسه عمر بوضربة ومجموعة من الميسورين وعارضه الحاكم العام بشدة[29]. واستمر توفيق المدني في توضيح هذا الدور بقوله: «[...] وقاوم النادي نزعات الاندماج، كما قاوم طلب الجنسية الفرنسية قصد الإحراز على الحقوق السياسية، وفي هذا النادي المبارك تمكنا من تحقيق الحلم الذي كان يراود دعاة الحركة العربية الإسلامية، ألا وهو تأسيس هيئة إسلامية عربية تنهض بالبلاد نهضة جبارة، داخل عروبتها وقوميتها وإسلامها فكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.»[30].

 ألقيت بنادي الترقي محاضرات فردية لشخصيات علمية كمحامين سنة 1928، حيث نشرت جريدة وادي ميزاب[31] خبر إلقاء المحامي قاسي محاضرة بنادي الترقي: «[...] يوم 22 أفريل بنادي الترقي بالعاصمة ألقى الأستاذ قاسي المحامي ببلدة صطيف (كذا) محاضرة قيّمة باللسان الفرنسوي (كذا) وموضوعها الترقي». وما يلفت الانتباه هو أن نادي الترقي شجعّ الحياة الفنية الموجهة لأداء رسالة اجتماعية وذلك عند احتفالاته السنوية، فقد مثل وغنى الممثل الفكاهي رشيد القسنطيني في حفلة أقامها النادي سنة 1929»[32]. وأخبرنا سعد الله كذلك عن إقامة نادي الترقي لحفل تكريمي للرسام الشهير إتيان ديني بمناسبة اعتناقه للإسلام: «[...] (أسلم) إتيان ديني (ناصر الدين) في 03 نوفمبر 1927 بالجامع الجديد بالعاصمة تحت إشراف المفتي الحنفي الشيخ محمد بوقندورة، واحتفل المسلمون بهذا الحدث لشهرة ديني الفنية التي سبقته، وأقاموا له حفلا على شرفه بنادي الترقي»[33].

شكّل نادي الترقي مقرا لعدة جمعيات كالرابطة الإسلامية ضد الكحول، والتي تشكلت من الشخصيات الفاعلة بنادي الترقي، وعلى رأسهم الطيب العقبي محاضره. بحيث أشار تقرير للشرطة الفرنسية، دون تاريخ ولا إمضاء، إلى تاريخ تأسيسها وذلك في بداية سنة 1932، واعتمدت من طرف الولاية في 19/10/1932. ومبدأ هذه الجمعية هو "المنع التام لكل أنواع المشروبات الكحولية"، وهي بعيدة كل البعد عن السياسة. وتشكّل مجلسها الإداري من الرئيس الدكتور بن تامي، ونائبه عبد الرحمن الجيلالي، والكاتب العام سلمى فاتح سيد علي وهي شخصيات متعاطفة مع مذهب العقبي[34].

 تتبعت تقارير عدة للشرطة الفرنسية نشاطات هذه الرابطة، وتغييرات المجلس الإداري، والمواضيع المطروحة للنقاش سواء فيما يتعلق بالقانون التأسيسي أو أعمال الرابطة، وخضعت كل هذه الاجتماعات والنقاشات إلى نفوذ الطيب العقبي. واستمرت هذه التقارير في تتبع الرابطة خلال سنة 1933 فيما يتعلق بتنظيم محاضرات، كمحاضرة الدكتور سوسي Soucy عن مضار الكحول، وخطاب العقبي عن آيات تحريمه، وعرض فيلم عن مضاره، واستمر نادي الترقي في احتضان هذه النشاطات حتى نهاية الأربعينيات[35].

تجاوزت اهتمامات النادي الوضعية الداخلية للجزائر إلى الدول المجاورة، بحيث أفاد تقرير أمني  بدون إمضاء مؤرخ في 03/05/1935، أن بن ونيش عضو نادي الترقي أخبر محافظ التأمين عن ذهاب مجموعة من الشبان الجزائريين، أعضاء نادي الترقي، بعد الانتخابات البلدية إلى فاس للوقوف على الوضعية المادية والمعنوية للرعايا المغاربة، وستتوجه بعثة أخرى إلى مصر. وأخبره أن المسلمين الجزائريين لا يستطيعون احتمال الوضعية الراهنة وسيطالبون بقوانين جدية. وأسماء البعثات لم يكشف عنها، وستتولى الشرطة بالتنسيق مع مصالح الجوازات الحصول على أسمائهم ومراقبتهم بالمغرب[36]. ولم تشر جريدة البصائر إلى عضوية بن ونيش بنادي الترقي سنة 1935[37].

مثّل نادي الترقي سنة 1937 فضاء لمختلف التيارات، واحتضن محاضرات بمحتويات مختلفة، كالمحاضرات التوفيقية بين الأديان السماوية التي جمعت كل من قوزلان اليهودي، وبارلان الكاثلوكي، والطيب العقبي المسلم بنادي الترقي تحت عنوان "من أجل اتحاد المؤمنين الموحدين"[38]. وضم كذلك اجتماع جمعية  "من أجل اتحاد الأجناس" الذي حضرته شخصيات أوروبية و"أهلية"  كالسيد والسيدة سال ميلي Scelles-Millie، وممثلي كل من الشمال ومدينة الجزائر توماس Thomas وروجيس Regis، بالإضافة إلى العقبي والدكتور لوفراني وبن تامي، بن حورة، بن الحاج مدرس ومستشار بلدي لمدينة الجزائر، حمودة، عباس التركي. حيث شرح المحاضرون حاجة كل من الجزائر وفرنسا إلى بعضهما البعض، وضرورة توحد الجميع في ظل المساواة[39]. وتقريبا نفس الشخصيات نظمت محاضرات تحت لواء "الاتحاد في السلام الفرنسي"L’union dans la paix française ، وسجلت نفس محتويات الخطاب السابق ونفس الأهداف[40]. .

نادي الترقي: صراعات داخلية ورهانات سياسية

حاول الخطاب الديني الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي كان مقرها الرسمي بنادي الترقي، زعزعة الخطاب الديني السائد والقوى الاجتماعية السابقة سواء الزوايا أو/و إدارة الاحتلال وذلك بخلق ما يوازيها في هذا الفضاء الديني الثقافي. هذا الصراع حول شرعية الخطاب الديني بأبعاده السياسية، انتقل من مساجد المدينة إلى نواديها بعد مرسوم ميشال 1933، نتيجة لتداخل وتعدد وتجاذب سلط هذه الفضاءات بين سلطة الاحتلال وما بين مختلف توجهات "ممثلي الأهالي المسلمين". هذا التفاعل والشد والجذب الديني-السياسي الذي عرفه النادي، نظرا لامتلاكه مساحة من الحرية أكبر من المساجد والمدارس سمح للأفكار والممارسات الثقافية والاعتقادات الدينية وكذلك الانتماءات السياسية بالانتشار بشكل أوسع.

أصدر وزير الداخلية الفرنسية قرارا، بتاريخ 13 جانفي 1938، يمنع الجمعيات المرخّص لها من تقديم  أو بيع المشروبات لأعضائها أو الواردين عليها إلا برخصة من الوالي العام وتجري عليها بعد ذلك القوانين الجبائية، وإذا استمرت في بيعها دون إذن فإنها ستخضع للإجراءات البيع بدون رخصة. وقد اعتبرت جمعية العلماء، التي اتخذت من نادي الترقي مقرا لها، هذا القرار هادفا إلى القضاء على الحركة الإصلاحية لأن: « [...] الحكومة تعلم أن النوادي ليست محلات اجتماع اعتيادية فحسب، وإنما هي ملجأ لكل القائمين بالحركة والمحركين لدولاب النهضة الذين طاردتهم قراراتها المتساقطة فمنعتهم من العمل  لدينهم ولغتهم في المساجد التي بنيت لذلك وفي المدارس الحرة التي كونت بفضل مجهوداتهم، إذ في النوادي تلقى المحاضرات والدروس وتؤسس الجمعيات، وترسم الخطط لصالح الأمة وتقرر الأعمال الهامة لتسيير الحركة![41]».

 ووضحت جريدة البصائر كيف يؤثر هذا القرار على الحركة الإصلاحية الذي يبدو للوهلة الأولى اقتصاديا محضا: « [...] إن دفع معلوم الاشتراك مهما بلغ لا يفي وحده بتسديد ما يلزم النادي من مصاريف، وتقف حياة النادي على ثمن ما يباع به من المشروبات ضربة لازب. وإذا كان الفصل الأول من هذا القرار يحتم على أصحاب النادي الذين يريدون بيع هذه المشروبات أن يطلبوا رخصة لهذا البيع، فمعناه القضاء عل النوادي حصلوا عليها أم لم يحصلوا: فإن حصلوا على الرخصة انصبت على ناديهم القوانين التي تجري على المقاهي و(التبرنات) من تدخل البوليس في شؤونه ومراقبة إدارة المجابي لأعماله ولدخله السنوي لتأخذ منه قسطا، ولا يكون- بطبيعة الإرهاق- إلا باهظا. وفي هذا مس مخطر لحياة النوادي الأدبية والمادية: تدخل البوليس تضييق لحرية الاجتماعات وتدخل إدارة المجابي أضعاف لمالية النوادي. وإذا لم يحصلوا على الرخصة ضؤل دخل النادي ونشأ نقص مستمر في حركة النوادي وفي عدد من يغشاه من الناس حتى يؤدي إلى العجز المادي عن القيام به إذ لا يمكن أن يستغني النادي عن ثمن ما يباع به من المشروبات بمعلوم اشتراكات أعضائه. فاتضح إذن أنّ هذا القرار اعتداء فضيع على مقدسات أمتنا العربية المسلمة: إسلامها ولغتها، ومقاومة عنيدة للنهضة بكافة الرسائل وفي جميع النواحي»[42].

أخبرنا تقرير وحيد مؤرخ في 22/03/1938 عن موقف إدارة النادي من قرار منع بيع المشروبات في النوادي، بحيث أرسل المجلس الإداري لنادي الترقي إلى والي الجزائر رسالة ممضاة عن رئيس النادي بن مرابط محمد، بيّن فيها استجابته للمادة الأولى من مرسوم 13/01/1938، القاضي بمنع الجمعيات أو النوادي والتجمعات المنشئة بناء على قانون 1901 من التوزيع المجاني أو بثمن باهض لأي مشروب على أعضائها أو ضيوفها في المكان دون تصريح من الحاكم العام للجزائر. و«[...] رغبة من المجلس الإداري في احتفاظ النادي بسيرته بناء على قانون 01/08/1901، لن يكون ابتداء من 01/04/1938 أي بيع للمشروبات بالنادي»[43].

عرف نادي الترقي بعض الخلافات الداخلية بين أعضاء المجلس الإداري، بحيث أخبرتنا تقارير الشرطة المختلفة لسنة 1934 عن الخلاف الذي حدث بين الكاتب العام لنادي الترقي جوقلاري Juglaret (المدعو محمد الشريف)، وأعضاء المجلس الإداري للنادي بسبب تدخله في السياسة، وكيف تفاقم إلى خلافات مع العقبي. بسبب قرار مجلس الدفاع عن المصالح الإسلامية «Comité de défense des intérêts musulmans »، الذي اتخذ من نادي الترقي مقرا له، أثناء اجتماع سري إجراء مسيرة بعد صلاة الجمعة احتجاجا على "تمنيات" مجلس الوزراء. وذلك حسب تقرير للشرطة مؤرخ بـ 16/05/1934 وممضى من طرف قائد أمن العمالة chef de la sûreté départemental، لكن غيّر كل من أمين العمودي، وجوقلاري Juglaret الكاتب العام للنادي، وعلي بن أحمد رأيهم لأن هذا المشروع لم يرحب به[44].

يبدو أن تدخل جوقلاري في السياسة هو الذي سبب له مشاكل مع مجلس الدفاع عن المصالح الإسلامية وكذلك مع أعضاء النادي، بحيث أفاد تقرير آخر بتاريخ 21/05/1934 وبإمضاء نفس المصادر الأمنية، أن سبب إقصاء جوقلاري Juglaret من مجلس الدفاع عن مصالح المسلمين، هو نشره لمنشور دعائي يدعو فيه الأهالي إلى غلق دكاكينهم[45]. وتفاقم الخلاف أكثر عندما منع مسير نادي الترقي كلا من جوقلاري وعلي بن أحمد من دخول النادي، حسب نفس التقرير السابق بتاريخ 20 ماي 1934، وبعد تبادل الحديث قام "الأهلي" بن شلحة عضو بالمجلس الدفاع عن مصالح الإسلامية بصفع علي بن أحمد[46].

حاول الشيخ العقبي حسب نفس المصادر الأمنية حلّ هذا الخلاف، ولكن ساء الوضع أكثر عندما طلب (العقبي) تفسيرا من زميرلي، نائب رئيس المجلس الإداري لنادي الترقي، فيما يخص مقاييس الإقصاء المؤقت لجوقلاري من النادي. فأجابه  زميرلي بحدة قائلا: « دفعنا 70.000 فرنك لإنشاء النادي، سددوا المبلغ وهاكم المفاتيح». وعد العقبي بترك النادي عن قريب والذهاب إلى منزل بلعيش مقر منشأة التربية "L’institution éducatrice" التي تأسست في 09/05/ 1934[47].

جاء بن باديس من قسنطينة إلى الجزائر في 28/06/1934 وعاد إليها بتاريخ 01/07 بسبب هذه الأزمة. وسعى منذ حلوله بمدينة الجزائر لإعادة جوقلاري إلى منصبه ككاتب عام لنادي الترقي. وعلى ما يبدو حسب نفس المصادر الأمنية المؤرخة في 03/07/ 1934 أن مساعيه كانت ستثمر لولا ذهابه من 29 جوان إلى 01 جويلية إلى تلمسان فحدث تغيير[48]. ولم تسجل التقارير عودة جوقلاري إلى المجلس الإداري للنادي، ولا نملك معلومات إن تم تسوية هذه الوضعية  فيما بعد.

نشرت جريدة البصائر[49] "استعفاء" بعض من أعضاء المجلس الإداري لنادي الترقي سنة 1935 وتجديد إدارة النادي، ولم تقدم معلومات عن أسبابه ولم نعثر عليها في مصادر أخرى. إلا أنه يبدو أن أعيان العاصمة كانوا منقسمين إلى كتلتين، من جهة كتلة المستعفين وتضم كلا من بن ونيش (كذا) والزمرلي[50]، ورودوسي والمنصالي والزدك. بينما تضم الكتلة الأخرى أعضاء المجلس الإداري الجديد، ويبدو أن بن مرابط احتفظ بمنصبه إلى غاية الأربعينيات، وبقي المجلس يتكون من أعيان العاصمة المتعاطفين مع الحركة الإصلاحية، والخاضعين لنفوذ الطيب العقبي أمثال بن مرابط، الذي موّل المشاريع الإصلاحية وضمن إقامة العقبي مجانا في فيلا يملكها بالقبة، منذ قدوم هذا الأخير إلى مدينة الجزائر[51]، بالإضافة إلى الموهوب وبن الباي..الخ.

 استمرت المصالح الأمنية في مراقبة العلاقات بين أعضاء المجلس الإداري لنادي الترقي، ومختلف التنظيمات خاصة مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي عرفت خلافات مع أعضاء النادي. بحيث أفادت نشرة 11/01/1936 بتخلي بن باديس والعقبي على نادي الترقي، بعد مشاجرة ضاجة مع مسيري النادي وقررا الاستقرار بمقر الخيرية التي أسسها بن باديس[52]. احتوت هذه النشرة على معلومات لم تؤكدها الوثائق نظرا لبقاء مقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي حتى استقالة العقبي من مجلسها الإداري، ولم نعثر على وثائق تنسب تأسيس جمعية الخيرية الإسلامية إلى بن باديس بل جميعها ذكرت العقبي. وراقبت المصالح الأمنية للعمالة نشاطات نادي الترقي، الذي جمع التيارات المختلفة والمتناقضة في بعض الأحيان كحضور مصالي الحاج رئيس حزب نجم شمال إفريقيا المجيد الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1936 صباحا ومساء في نادي الترقي[53].

 اعتُبر العقبي الشخصية المحورية في نادي الترقي، وانعكست ظروفه المختلفة على النادي ومجلسه الإداري. وأشارت جيان سال-ميلي (Jeanne Scelles-Millie) في مذكراتها إلى انعكاس قضية كحول على نادي الترقي، وكيف أصرّ بن مرابط على جان سال لتولي رئاسة النادي لكنه رفض. ونتيجة إلحاحه الشديد قبل منصب نائب الرئيس وترك الرئاسة لبن مرابط، الذي تنازل عنها فيما بعد للعقبي وعين توفيق المدني نائبا له إضافة إلى جان سال (John Scelles). واعتبرت جيان سال ميلي Jeanne Scelles-Millie أن السبب الرئيسي لموقف بن مرابط، هو مهزلة اعتقال العقبي واتهامه بقتل المفتي كحول، وكذلك اعتقال بن مرابط لعدة أيام[54].  ولم نعثر على وثائق تثبت رئاسة العقبي لنادي الترقي كمنصب إداري.

يبدو أن ظروف الحرب العالمية الثانية وموقف العقبي "التنسيقي" (حسب التقارير الأمنية) مع الإدارة الفرنسية انعكس على إدارة النادي؛ بحيث منحنا تقرير شهري لمصلحة الاتصالات لشمال أفريقيا سنة 1940 معلومات عن مقررات المجلس الإداري للنادي، الذي يمارس العقبي تأثيره الكبير عليه. حيث اتخذ النادي خلال اجتماعه في 30 ديسمبر 1940 عدة قرارات توحي بتطوره "الايجابي" (بمنظور الإدارة الفرنسية)، بحيث أضاف إلى عنوانه السابق "الجمعية الفرنسية من أجل الوفاق الجزائري "Association française pour la concorde algérienne.  وحددت هدفها وهو "المساعدة على الوفاق الجزائري، وذلك بإقامة علاقات صداقة بين الفرنسيين الجزائريين من جميع "الأصول"، ووجهت رسالة ولاء إلى الحكومة الفرنسية. وبقي رئيسه بن مرابط محمد بائع جملة ونائب الرئيس السيد Scelles-Millie مهندس معماري[55].

تغيب المعلومات بعد هذه السنة في الوثائق المتوفرة لدينا عن نشاطات النادي، خلال الحرب العالمية باستثناء المحاضرات المعتادة للعقبي، أما المعلومات الخاصة بالمجلس الإداري واجتماعاته فلا نجد لها أثرا.

خلاصة

من الصعب التأريخ للفضاءات العمومية بمدينة الجزائر المحتلة وخاصة فيما يتعلق بتتبع نشأة وتطور نادي الترقي 1927-1940 وذلك بسبب نقص الوثائق وإن وجدت فأغلبها مصادر فرنسية. وبالتالي الإشكال الذي يطرح نفسه كيف نؤرخ للفضاءات العمومية للمجتمع الجزائري المحتل والتي نعتبرها فضاءات مختلفة تماما نشأت وتطورت للدفاع وتثبيت التميز والاختلاف عن سلطة المحتل من خلال الأرشيف الفرنسي؟ لذلك حاولنا إيجاد ما يقابل هذه الوثائق من خلال استعمال الأرشيف الشخصي لبعض الشخصيات (الإصلاحية أو الوطنية)، واستعمال الشهادات الشفوية والصحف الإصلاحية الصادرة في تلك الفترة.

ويمكن أن نلاحظ في الختام أن نادي الترقي وجميع الفضاءات الإصلاحية العمومية بمدينة الجزائر بالإضافة إلى كونها فضاءات متداخلة للتعبئة أصبحت، في أواخر الثلاثينات، فضاءات للتفاوض والوساطة بين المجتمع الجزائري المحتل والإدارة الاستعمارية. هذا الحيز المكاني للفضاء العمومي الذي تم التفاوض عليه هو  بمثابة تحد لسلطة الإدارة الاستعمارية نفسها وبالتالي لا يجب أن يحجب رمزية هذا الاسترجاع المكاني أي استعادة السلطة للمجتمع المحتل على أجزاء (فضاءات) من الفضاء العام. وقد سعت السلطة السائدة على جعل هذا الفضاء العمومي، للمجتمع المحتل، جامدا وسهلا للمراقبة ووسيلة للحفاظ على وجودها ولكن عرفت هذه الفضاءات حركية وحيوية وتحولت إلى مكان للصراع بين عدة فاعلين اجتماعيين حاولوا خلق ما يوازي هذه السلطة بالارتكاز وتبني هوية إسلامية جزائرية ضد هوية المحتل.

عناصر بيبليوغرافية

المدني، أحمد توفيق (1973)، حياة كفاح. ج1، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

المدني، أحمد توفيق (1958)، هذه هي الجزائر، القاهرة، مكتبة النهضة.

السنوسي، الهادي (1927)، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، تونس، مطبعة النهضة.

خرفي صالح (1984)، الشعر الجزائري الحديث، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب.   

أبو القاسم، سعد الله (1998)، تاريخ الجزائر الثقافي 1830-1954، ج5، الجزائر، دار الغرب الإسلامي، ط1.

صادق، سلام (1998)، الشيخ الطيب العقبي في نادي الترقي رائد "علمانية" إسلامية؟، مجلة نقد، عدد 11، الجزائر، ربيع.

Foucault, Michel (1975), Surveiller et punirNaissance de la prison, Paris, Gallimard.

Scelles-Millie, Jeanne (2003), Algérie, dialogue entre Christianisme et Islam. Mémoires et notes 1900 à 1974, Paris, L’Harmattan.

Chartier, Roger (1990), les origines culturelles de révolution française, éditions du Seuil.

 الهوامش

[1] Foucault, Michel (1975), Surveiller et punir. Naissance de la prison, Paris, Gallimard.

[2] Chartier, Roger (1990), les origines culturelles de révolution française, éditions du Seuil.

[3] خرفي، صالح (1984)، الشعر الجزائري الحديث، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، ص. 140.

[4] اطلعت على أعداد جريدة وادي ميزاب، المحفوظة بالمكتبة الوطنية الحامة (م ر30)  على شكل ميكروفيلم، المنشورة  مابين 01/10/1926 و نوفمبر 1928 ولم أعثر على القانون التأسيسي لنادي الترقي.

[5] خرفي، نفسه، ص.113.

[6] لقاء مع طالب عبد الرحمن القيّم على مقر نادي الترقي، بتاريخ 10/06/2006، نادي الترقي. ساحة الشهداء. الجزائر.

[7] محفوظات آكس بروفانس 2I/41.

[8] سلام، صادق (1998)، الشيخ الطيب العقبي في نادي الترقي رائد "علمانية" إسلامية؟، مجلة نقد، عدد 11، الجزائر، ربيع، ص. 23.  أنظر كذلك

Collection mémoires, Alger 1860-1939. Le modèle ambigu du triomphe colonial, N°55, Paris, Les éditions Autrement, mars 1999, p. 204-209.

[9] المدني، أحمد توفيق (1973)، حياة كفاح. ج1،  الجزائر،  الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ص. 110.

[10] المدني، المرجع نفسه، ص. 115.

[11] محفوظات آكس بروفانس. 9H46.

[12] المرجع نفسه.

[13] المدني، أحمد توفيق (1958)، هذه هي الجزائر. القاهرة،  مكتبة النهضة، ص. 165. عن كتاب الشعر الجزائري الحديث. خرفي صالح (المرجع السابق). ص. 140-141.

[14] البصائر، عدد 35، 18/09/1936.

[15] نفسه.

[16] السنوسي، الهادي (1927)، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2. تونس، مطبعة النهضة، ص. 182-183.

[17] المرجع نفسه.

[18] المرجع نفسه.

[19] المرجع نفسه.

[20] جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمركزها العام بنادي الترقي بالجزائر، الجزائر، دار الكتب، 1936، ص. 234.

[21] محفوظات ولاية الجزائر [1Z 46/1731]

[22] محفوظات آكس بروفانس. 2I32.

[23] البصائر، عدد 1، سنة 1935.

[24] البصائر، عدد 4، 17 جانفي 1936.

[25] الإصلاح عدد 31، 08/10/1940.

[26] الإصلاح عدد 33، 04/12/1940.

[27] محفوظات ولاية قسنطينة. مصلحة الاتصالات لشمال إفريقيا  S.L.N.A

B.M.I. concernant la politique indigène dans le département d'Alger 1937-1941

[28] المدني، أحمد توفيق، حياة كفاح، ج2، نفسه، ص. 114.

[29] سلام، نفسه، ص. 24.

[30] المدني، هذه هي الجزائر، نفسه، (عن) خرفي، نفسه، ص. 140-141.

[31] وادي ميزاب، عدد 82، 11/05/1928.

[32] سعد الله، أبو القاسم (1998)، تاريخ الجزائر الثقافي 1830-1954، ج5، الجزائر، دار الغرب الإسلامي، ط1، ص. 315.

[33] نفسه، ص. 416. لم يشر إلى مصدر معلوماته.

[34] محفوظات آكس بروفانس 2I41.

[35]  نفسه.

[36] محفوظات آكس بروفانس 2I46.

[37] البصائر، عدد1، نفسه.

[38] محفوظات آكس بروفانس 2I36.

[39] محفوظات آكس بروفانس 9H27.

[40] نفسه.

[41] البصائر، عدد 108، 15 أفريل 1938

[42] البصائر، نفسه

[43] محفوظات آكس بروفانس. 9H46.

[44] نفسه.

[45] نفسه.

[46] نفسه.

[47] نفسه.

[48] نفسه.

[49] البصائر، عدد1، نفسه.

[50] نائب رئيس الرابطة الإسلامية ضد الحكول سنة 1932.

[51] محفوظات آكس بروفانس. 2I36.

[52] محفوظات ولاية قسنطينة. مصلحة الاتصالات لشمال إفريقيا

Bulletin de renseignements des questions musulmanes, Etat-Major de l'armée

[53] محفوظات آكس بروفانس. 9H46.

[54] Scelles-Millie, Jeanne (2003), Algérie, dialogue entre Christianisme et Islam. Mémoires et notes 1900 à 1974, Paris, L’Harmattan, p. 42.

[55] محفوظات ولاية قسنطينة. مصلحة الاتصالات لشمال إفريقيا

B.M.I. concernant la politique indigène dans le département d’Oran 1937-1941