Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

مقدمة

تدور الغاية من هذه الدراسة حول محاولة البحث لإظهار الميزة الأساسية للبعد القبلي (القبلية) وعلاقته بالسلطة وذلك في إطاره المجتمعي، بالاعتماد أساسا على الممارسات المرصودة بمجتمع محلي (منطقة تيارت من الغرب الجزائري)، و المؤسسة على عامل الشعور بالانتماء لهذه القبيلة أو تلك، لهذه العائلة أو تلك، لهذه المجموعة أو تلك، على اعتبار أن القبيلة و العائلة الموسعة (القرابة بمفهومها الواسع) هما المحددان الأساسيان، وعامل الضبط المهم  في علاقة القبائل أو الأشخاص الذين يكوّنون مجتمع هذه المنطقة، سواء أكان ذلك داخل القبيلة أو العائلة نفسها، أو بين مختلف القبائل والعائلات بشكل عام. نحاول من خلال ذلك أيضا فهم كيف يمكن للقبيلة أن تحتفظ أو أن تجدد، بل وأن تعيد خلق تنظيماتها السياسية من خلال تداخلها مع تنظيمات وأجهزة الدولة، أو حتى من خلال تجنب الأطر التي تفرضها عليها الأجهزة الحديثة، والدور السياسي لهذا التنظيم.

سنحاول الوقوف عند أهم الآليات المتحكمة في البناء الاجتماعي التقليدي والحديث، من خلال الآليات المختلفة التي تدعو إلى تفعيل أطر ومؤشرات الهوية التقليدية على المستوى المحلي وحتى الوطني. وكذا الوقوف على التطورات الحاصلة أو الرتابة والانقطاع في النموذج (البنيوي التاريخي) القبلي في إطار الدولة الحديثة وإمكانية ذلك من عدمها في خلق فضاءات عمومية.

أولا: المجتمع المدني

أردنا في هذا الجزء أن نشير، كنوع من المقارنة بين المجتمع الجزائري المحلي والمجتمع الغربي إلى ما يطلق عليه مصطلح "المجتمع المدني"، بحيث لا يمكن التحدث عن مجتمع مدني بمفهومه المعروف والمتداول في الغرب، لأن الجزائر، وعلى غرار دول المغرب العربي، تختلف في خصوصياتها عن الغرب، كما يمكن القول أن الجزائر مازالت في طور التأسيس لمجتمع مدني، ولا يمكننا أن ضبط هذا المفهوم، على الأقل في الوقت الحالي، إلا من خلال بعض التجليات لهذا المفهوم في عناصر ملموسة وواقعية، يمكن أن تعبر عن هذا المجتمع.[1] ويقصد بهذا المفهوم حاليا ''مجموع الجمعيات والتنظيمات العاملة في الميدان الاجتماعي، والتي تهدف في آخر المطاف إلى تحقيق التنمية الاجتماعية''.[2] ويمكن أن نستخلص التعريف العام التالي بحيث يعبر المجتمع المدني في مفهومه الواسع عن العديد من العلاقات التي يقيمها الإنسان مع أقرانه، فهو ينتمي إلى فئات اجتماعية متعددة، ومؤلفة في الوقت نفسه، من الأعضاء أنفسهم وكذا التضامن الوظيفي الذي يجمع هؤلاء الأعضاء بنوع من الهدف التكاملي في علاقات إيجابية أو سلبية، والتي تؤلف شبكة متمازجة ومعقدة تتطور باستمرار، حيث يصبح المجتمع المدني فيها واقعة اجتماعية تاريخية وليس مفهوم قانوني، إنه حاصل اجتماع عدد كبير من الجماعات التي تختلط دون أن تذوب. إنه "مجتمع كلي"[3]. ويعرفه العربي ولد خليفة في سياق حديثه عن المجتمع المدني الجزائري بأنه ''شبكة منظمة أو شبه منظمة من النخب والقيادات السياسية والثقافية والاجتماعية تتمتع بالقدرة على الحركة والرد السريع والتأثير على مراكز القرار والإعلام بوجه خاص... وتضم الأطباء والمحامين والمهندسين والمناضلين والنقابيين أو الصحافيين والضباط والأساتذة والمفكرين والطلاب والمعلمين الخ...''[4].

أما فيما يخص المفاهيم المستقاة من الفكر والفلسفة والممارسة السياسية العالمية الغربية، فيمكننا أن نستعرضها باختصار. فلقد أكد هيغل في تحديده للمجتمع المدني بأنه تلك "التنظيمات والأنشطة التي تقوم على أساس تعاقد حر بين الأفراد خارج إطار العائلة والدولة"[5]. يعني ذلك أن المجتمع المدني في مفهومه العام يختلف عن السلطات والتنظيمات السياسية. ويعرفه "غرامشي" بأنه "مكونا من مكونات دولة الطبقة، بينما يكون المجتمع السياسي المكون الآخر". فهو إذن "مجموع التنظيمات والمؤسسات التي تحقق التوافق حول المجتمع السياسي وبالتالي تهدف إلى هيمنة مجموعة اجتماعية على المجتمع ككل. ويدخل في إطار هذا المفهوم بالنسبة للجزائر مجموع الجمعيات والمؤسسات والتنظيمات الاجتماعية. غير أنه، وعلى المستوى المحلي، يكاد هذا التنظيم يكون منعدما إذا ما أخذنا بالاعتبار عينه التعاريف و المفاهيم سابقة الذكر، اللهم إلا بعض الجمعيات المحلية، أو التنظيمات النقابية التابعة لمؤسسات وطنية، أو التنظيمات الخيرية ذات الطابع التقليدي، والتي تسعى من أجل تحسين المستوى المعيشي للمواطن، أو المساهمة في حل بعض المشاكل المتعلقة بالتعليم والصحة والبطالة. حيث أن هذه التنظيمات لا تلعب بشكل جلي دور الوسيط بين المجتمع والسلطة الحاكمة أو الدولة كما هي الحال بالنسبة للمجتمعات المدنية في الدول الغربية، وهذا على اعتبار أن مجتمعنا المحلي مجتمعا قبليا عشائريا[6]. وعندما تحدث حليم بركات عن الطبقات الأكثر هامشية وعجزا واغترابا في الوطن العربي، ذكر أن من بين هذه الطبقات طبقة المثقفين، وأكد على أن تنشيطها وإدماجها، لا يمكن أن يتم إلا من خلال تنشيط المجتمع المدني من أجل تجاوز اغترابها، ولا يمكن تنشيط المجتمع المدني وتجاوز الاغتراب سوى بالديمقراطية الحقة والفاعلة[7]. ويصبح بذلك دور المجتمع المدني على المستوى المحلي محدودا جدا ويقتصر على بعض المبادرات الفردية التي غالبا ما تخضع للسلطة الحاكمة وتنعدم لديها الديمقراطية في اتخاذ القرارات، وعدم الشفافية في التسيير، وحب الزعامة والظهور السياسي[8].

ثانيا: الصراعات وأشكالها على المستوى المحلي

 يظهر مجتمع منطقة تيارت في جانبه الاجتماعي، متجانسا على العموم، حيث يسود أفراده وقبائله التفاهم والانسجام، خاصة الجيران الذين يقطنون الحي نفسه، أو حتى مختلف العائلات التي تقطن أحياء أخرى من المجمعة الحضرية نفسها، والتي تحترم بعضها البعض وتتعاون في السراء والضراء، فلقد لاحظنا في عدة مناسبات كيف أن الجميع يساهم بالمال أو الجهد من أجل مساعدة الأهل والأقارب أو الجيران. إن هذا السياق المعنوي والاقتصادي و الاجتماعي يؤدي إلى تكوين الشخصية لدى الفرد، الذي يمتثل لمتطلبات التعاون الجماعي، الموصوم بخدمة الصالح العام، والحزم، والاحترام الاجتماعي"[9]. غير أنه و في الجانب السياسي السلطوي قد تختلف الأمور عنها في جانبها الاجتماعي، فالسلطة تأتي من كل مكان حسب م. فوكو، ومن الأسفل خاصة. تأتي من مجتمع يبدو و كأنه كتلة واحدة من خلاله تنتج علاقات قوة تعبر عن صراع ومواجهات متواصلة حول تناقضات تجعله في شكل علاقة العناصر التي يرسم لها الأشخاص خطوط القوة، و تحاول السلطة احتواءها وامتصاصها[10].

في الواقع إن أهم فكرة يمكن الخروج بها في هذا الإطار هي أن المجتمع القبلي – وعلى عكس ما يذهب إليه الانقساميون– هو مجتمع كانت تخترقه التفاوتات والتراتبات الاجتماعية، فخلف تلك "المساواة الانقسامية" المزعومة وفي العمق، يمكننا الوقوف على حقيقة الصراع والتناقض التي شكلت جزءا لا يتجزأ من واقع القبيلة المغاربية الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فقد كان مجتمع القبيلة يضم شرائح وفئات اجتماعية متفاوتة ومتصارعة اجتماعيا واقتصاديا، ويمكن إدراك ذلك التفاوت على مستوى ملكية وسائل الإنتاج (الأرض، الماشية، الماء وقوة العمل...)، وملكية وسائل القوة والضغط أيضا (السلاح، المنصب، العصبية وكثرة النسل…). وهنا يتداخل كل من عنصري الثروة والجاه بعنصر القوة الحربية لرسم وتحديد مكانة شيخ القبيلة، الاجتماعية والسياسية من داخل القبيلة ومجالاتها السياسية[11]. فقد لاحظنا سواء أثناء قيامنا بهذا البحث، أو حتي في حياتنا اليومية العادية، أن زعماء القبائل والأشخاص ذوي النفوذ، والذين يحتلون مكانة هامة في المجتمع، هم من ذوي المال والثروات المختلفة كالأراضي الفلاحية ورؤوس الماشية والتجارة الرابحة.

وعلى صعيد آخر، ففي صراع الطبقات المثقفة وغير المثقفة، وعلى المستوى المحلي، غالبا ما يقوم المشرفون على الأحزاب والقائمون على ضبط القوائم الانتخابية، بإقصاء النخبة المثقفة، وفق منطق للحجج، أن السياسة القبلية لا تتماشى مع الأفكار التحررية الحديثة والديمقراطية لهؤلاء المثقفين، فيسعون إلى عدم إشراكهم في تسيير أمور البلاد، أو على الأقل لن يسمحوا لهم باحتلال مراتب متقدمة على قوائم المرشحين للانتخابات[12]. إن هذا التصرف ناتج عن عدم فهم مقصود لسان حاله يقول: بأية حال يمكن لهؤلاء المثقفين أن يملوا أفكارهم على من يحملون جذور القبلية، وبذورها أيضا؟ وبأية حال يمكنهم أن يحكموا محليا؟ فهم لاينتمون إلى "عرش" من "الأعراش"[13] أو قبيلة من القبائل الفاعلة على الساحة المحلية. إن كل التبريرات الديمقراطية والثقافية التي يقدمها هؤلاء المثقفون تعتبر غير مقنعة وغير ذات جدوى في مفهوم ومعتقد القبلية. تتدخل هنا الحالة النفسية التي تعتقد في الانتماء القبلي، هذا الشعور الخفي الذي يدفع بالخيالي، الذي بدوره يتم على مستويات متعددة،  منها الأخلاق(la morale) ، والوعي الذاتي، والشعور الجماعاتي (sens de la communauté). إن هذا الشعور له قبول واقعي أكثر من الواقع، لأنه يخص الوحدات العقلية التي تؤطر في الغالب التصرف الإنساني، سواء كان سياسيا أو غيره[14].

ثالثا: الزبونية و العملية الانتخابية

إن المشكلة الأساسية للشخص في بلدان العالم الثالث ليست في انه مستغلا (بفتح الغين) ولكن في كونه أيضا مهددا ولو ضمنيا، من طرف المضاربين السياسيين والحكام. فالبحث عن منصب إداري في السلم السلطوي يقابله انشغال  للحصول على الثروات من طرف الفاعل السياسي، ونقصد به المسؤول بصفة عامة، في مقابل أيضا أن يمنح زبائنه (العائلة والأصدقاء) بعض الامتيازات. فالبحث عن السلطة في أي مستوى كان، يترجم التعطش إلى القوة و حب التحكم والتملك، وإرادة تلبية المتطلبات الشخصية، ومحاولة مغازلة الشرف، والثروات.... ولأجل الوصول إلى هذه الغاية، كل المصادر المستعملة بما فيها الوعود المتناقضة بشكل صارخ مع الوسائل الحقيقية للاستيلاء على السلطة تكون ممكنة[15]. إن ما يسميه "بيير بورديو" بالحقل السياسي، أو السوق السياسية، خاضع لقانون العرض والطلب، "إن التوزيع المتفاوت لأدوات إنتاج العالم الاجتماعي، والمعبر عنه بوضوح، هو ما يجعل ممكنا وصف الحياة السياسية بمنطق العرض والطلب؛ الحقل السياسي هو المكان حيث تتوالد، ضمن التنافس بين الفاعلين اللذين يجدون أنفسهم متورطين فيه، منتجات سياسية، مشاكل، برامج، تحليلات، تعليقات، مفاهيم، أحداث"[16]. وهو ما يسمى  (الإنتاج السياسي)، هذا الأخير الذي تتحكم فيه قوى السياسة أو المحترفين السياسيين(الأحزاب والمرشحين، والقادة ورؤساء القبائل والعشائر وأعيان المجتمع...) في نظر بيير بورديو.

إن المتأمل في العملية السياسية يلاحظ مدى تلاحم، وفي أحيان تصادم كل ما هو تقليدي مع ما هو حديث، فالانتخابات مثلا، وعلى المستوى المحلي، تصطدم ببنيات ذهنية قبلية وتصرفات تمليها الانتماءات العشائرية، بحيث تؤثر في عملية "ديمقراطية" هذه الانتخابات، وعملية اللعبة السياسية  كما يحلو لكثير أن يسميها. فلا يمكن بذلك لأفراد قبيلة ما أن يتنصلوا من قبليتهم وقيمهم التقليدية ليمارسوا الديمقراطية على وجهها الحديث، خاصة إذا سيطرت عليهم فكرة انتمائهم القبلي و ترسخت جذورها في ذهنياتهم، أو كان خضوعهم للمحترفين واضحا. حيث يتكون في الحقل السياسي، ودائما حسب بيير بورديو، ما هو قابل أو غير قابل للتصور، ما هو ضمني وما هو صريح، وما هو انطباع ذاتي وما هو موضوعي، ما هو معقول وما هو مستحيل، ما هو ممكن وما هو غير ممكن، هذا ما يطلق عليه بورديو في مجمله، وفي مواضع كثيرة، "النية السياسية"،  مما يسمح للذين يحتلون مختلف المواقع باختيار المواقف المناسبة، والمتفق عليها، ويتجنبون في نفس الوقت المواقف "المشوهة" التي يمكن أن تجعلهم يصطدمون مع محتلي المواقع المعارضة في مجال الحقل السياسي، وفي هذا الحقل فإن الإكراهات تزن على خيارات المستهلكين (جملة الناخبين، والمشاركين السياسيين)، الخاضعين لسيطرة المحترفين[17].

كما تؤكد رحمة بورقية على أننا "بالفعل عندما نلاحظ الشكل الذي تأخذه  المشاركة السياسية على المستوى المحلي، نستخلص أنها تتم عبر العلاقات القرابية و الشخصية . بل وتصبح العلاقات القبلية عنصرا يراهن به في خضم الصراع والتنافس حول السلطة ، لتتحول السلطة إلى علاقات زبونية"[18].

إن عمليتي الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين ليومي 17 ماي 2007 و29 نوفمبر 2007 على التوالي، لم تكن سوى عملية تشكيل وإعادة تشكيل للذهنية التقليدية. فرغم ظهور الكثير من الشخصيات، التي كان لها الحظ الوافر من التعليم، إلا أنها احتفظت بذهنياتها التقليدية، وكرست انتماءاتها القبلية والعشائرية، أو على الأقل العائلية في عملية التأثير على الناخبين للوصول إلى مناصب المسؤولية البرلمانية أو المحلية، مؤطرة بقوى اقتصادية وإيديولوجية تكمن وراءها مصالح مختلفة تسهل من عملية استغلال ذوي النفوذ المحلي المتمثل في الجاه والسلطة وفي رأس المال الرمزي[19]. إن "تشبث القبائل بالطقوس والأعراس، والمآتم، والاحتفالات الدينية، و"الطعم"[20]...الخ لإظهار التراتب الاجتماعي، كل ذلك يغذي  الزبونية، إذ هي مجرد  عملية إعادة للإنتاج الاجتماعي في جو احتفالي"[21].  فالخطاب التقليدي كان له وزن ووقع كبيرين على الناخبين، وهذا زيادة على عمليات الزبونية التي تتم بين المرشحين والمقبلين على عملية الاقتراع من الناخبين، دون أدنى اهتمام سياسي أو ديمقراطي ببرامج الأحزاب أو برامج القوائم الانتخابية الحرة. هذه البرامج التي كانت غائبة عن الساحة السياسية في حملات التوعية الانتخابية تمهيدا لعملية التصويت والاقتراع واختيار المنتخبين الجدد[22].

إن الزبونية أو الزبائنية عبارة عن نسق (système) يقتضي أن يعمل الزعيم (المرشح تحديدا) هو شخصيا أو بواسطة وسطاء أو حلفاء، على مبادلة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والإدارية بالولاء السياسي والدعم من طرف المتحزبين أو الأتباع، وتتلخص هذه المعادلة في: (ولاء = خدمات = تصويت = سلطة). يجب على المرشح، لكي يتمكن من تجسيد هذه المعادلة، أن يتمتع بنفوذ واسع في الحقل السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي (الخدماتي) والديني والطائفي إلى جانب الاستقطاب العائلي (أو العشائري) والمناطقي الجغرافي[23]. إذن، تتضافر كثير من المميزات والخصائص التي تلعب الدور الهام في عملية الزبونية، وبالتالي التصويت لصالح مرشح بعينه، ويأتي على رأس هذه الخصائص التمتع بالانتماء القبلي والعائلي خاصة في المجتمعات المحلية، فالزعامات التقليدية لا تتعدى في كثير من الأحيان هذين الانتماءين. كما تتعلق الزبونية بحقل آخر وهو الحقل المالي والاقتصادي، حيث أصبحت الزعامة العائلية والانتماء القبلي تبحث عن التحالف مع أصحاب الثروات وملاَك القطاع الخاص من مؤسسات اقتصادية صناعية ومن كبار التجار والمقاولين، وذوي الثروات الفلاحية الواسعة. مما أعطى فرصة لظهور الرشوة السياسية، والضغط الاقتصادي الممارس على الناخبين، وكذا مظهر شراء الأصوات من خلال تأمين خدمات شخصية عينية للناخب أو من خلال نظام ما يسمى "المفاتيح الانتخابية" الذين يلتزمون تأمين عدد من الأصوات مقابل مبلغ من المال[24]. فلقد لاحظنا محليا كيف قام عدد من المترشحين بتوزيع مبالغ من المال على أفراد معينين قصد حثهم على العمل على جلب عدد كبير من الأصوات، والتأثير على توجهات الناخبين لصالح هؤلاء المترشحين، أو الوعود التي يقدمونها بقضاء مصالح الناس واحتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية في حالة فوزهم في الانتخابات.

رابعا: العصبية الحزبية و القرابية

عند الاستقلال كان الخطاب ينطلق من السلطة الحاكمة لمخاطبة القبيلة على أساس أنها الشعب، و بالتالي زرع الروح الوطنية فيها بدلا عن الروح القبلية، أي جمع مختلف القبائل على الروح الوطنية و رموز السلطة الوطنية. بالتأكيد على العهد الذي أعطاه الشعب للثورة، كان نتيجة لرغبة السلطات الجزائرية بعد الاستقلال في تأسيس دولة حديثة ديمقراطية واشتراكية، و''ذلك بسعيها في ترسيخ ما أسمته "الأمة الوطنية" أو بـ "الدولة-الأمة" (Etat-Nation) أو بـ "الشخصية الوطنية" لشدة الاحباطات التي نشأت عن عدم الاستقرار وعن التحولات في "جماعات الانتماء الأولى" التي أعيد ابتكارها''[25]. غير أن هذا الخطاب عاد في الاتجاه المعاكس، أي أن خطاب الأمة عُكس خاصة في المجال السياسي الانتخابي والتكتلي، فأصبح يخاطب الشعب بالانتماءات القبلية ويركز على ذلك بشكل جلي، بعدما كان في السابق يسعى إلى محو مثل هذه الانتماءات والقضاء عليها.[26]

إن الوحدة الوحيدة التي تعطي معنى محسوس للهوية وبالتالي تدعو للدفاع والحماية هي القبيلة. إنها تبني فكرها وإيديولوجيتها على حدود معينة في المجال(خيالية وفيزيائية)، وعلى محددات وضوابط محسوسة أيضا وهذا حتى يشعر أفرادها بأنهم في مأمن ضد كل ما هو غير متوقع[27]. فالقبيلة إذن، هي من بين المحددات الأساسية للهوية في كل المجتمعات العربية، فهي المؤشر الأساسي في الانتماء، وهي الوحدة الرئيسية في النسب بعد العائلة.

''إن امتداد الولاءات العائلية، والقبلية، والجهوية، وانفجارها بشدة أثناء المناسبات السياسية كالانتخابات، هي وعي بالمسؤولية الجهوية، أو القبلية، أو العائلية، وفي المقابل فإنها إهمال – عن وعي أو عن غير وعي- للانتماء الأشمل والأكثر اتساعا وهو الانتماء إلى الوطن أو الوعي بالوطنية. فالوعي بالانتماء الجهوي، أهم من الانتماء الوطني''[28]، والوعي بالانتماء القبلي أو العائلي أهم منهما معا. وعليه يصبح على الأفراد الذين يؤمنون بالانتماءات القبلية، تقديم فروض الطاعة والولاء لهذا التنظيم، حيث ''تمثل الجبرية إحدى محددات الأيديولوجية القبلية، فمكانة الأفراد التي تستوجب الانصهار في الجماعة القبلية تجعلهم لا يعبرون عن إرادتهم الخاصة، بل تتطلب تعبيرهم عن فعلهم الفردي أو الجماعي من خلال إرادة القبيلة، فهم يتصرفون بالنيابة عنها. إن الفرد حينما كان يغزو أو يمارس الثأر فهو لا يفعل ذلك لنفسه فقط بل من أجل القبيلة، إنه يمارس بذلك فعلا اجتماعيا سياسيا نابعا من قهر الجماعة الذي يمنعه من ممارسة فعل مغاير لذلك الفعل''[29]. ويتعدى هذا الانتماء القبلي وجبرية الدفاع والانتصار لرموزه، والانصهار في بوتقته، يتعداه إلى كل ما يرمز إلى الحزب أو الجمعية...ويصبح الفرد في كثير من الأحيان متطرفا في ميولاته الحزبية أو الجمعوية، فقد لاحظنا، خاصة في المجتمع المحلي، الكثير ممن رفضوا مجرد المناقشات السياسية لأنهم لا يؤمنون بسوى حزبهم أو جمعيتهم.

خلاصة

إن السؤال المحوري الذي بنينا حوله الإشكالية العامة لهذه الدراسة يتلخص في معرفة وجود فضاء عمومي من عدمه في ظل اعتماد المجتمع المحلي لمنطقة تيارت (الغرب الجزائري) في علاقاته المختلفة على انتماءاته القبلية، سواء علاقة الأفراد فيما بينهم أو علاقة القبائل أو أقسام قبائل مع بعضها البعض، وفي ظل غياب مجتمع مدني واضح المعالم وفاعلا على الساحة الوطنية أو المحلية، وتأثير ذلك على هذه العلاقات، وتأثرها بعصبيات متواجدة في مجتمع يمكن وصفه بالحديث إذا ما أخذنا بالاعتبار الوسائل الحديثة والمستوى التكنولوجي والمعرفي الذي يتميز به هذا المجتمع الحالي. هذه الانتماءات تغذيها الروح العصبية القبلية والعشائرية، ويحددها الانتصار لكل ما يرمز إلى الجماعة الضيقة، بدءا بالعائلة ثم العشيرة والقبيلة وقد تصل إلى الجهوية إذا تحدثنا عنها في مجال أوسع من الرقعة الجغرافية التي تحتلها القبيلة أو العشيرة، وكذا في المجال الذي تحتله الأفكار والمعتقدات التي تتعصب للجنس أو السلالة.

وفي جانب واقع السلطة السياسية وممارساتها المحلية فلقد خلصنا إلى أن الطموح الذي يسعى الكثير من السياسيين إلى تحقيقه، أو الذي يؤمن به المواطن الممارس للعملية السياسية والسلطوية حسب موقعه، يعتمد في كثير من الأحيان على استدعاء كل ما يرمز إلى القبيلة والعشيرة والعصبية الحزبية أو القرابية، متجاوزا بذلك خصوصيات الديمقراطية والتعددية والعصرنة، كما يأخذ طابعا من الصراع المعلن في أحيان والخفي في أحايين كثيرة، يغذيه الشعور بالانتماء إلى تنظيم معين يبدأ من العائلة ليصل إلى الجهوية. إن ثبات النظم التقليدية واستمرارها، ومقاومتها للنظم الحديثة من أجل المحافظة على مكانتها، أو على الأقل عدم المحاولة للتعايش مع هذه النظم، يكرسه تمسك المجتمع المحلي موضوع الدراسة بكل ما يرمز إلى ما هو موروث، وأحيانا التعصب لهذا الموروث في مواطن كثيرة، مما يحول دون خلق فضاءات عمومية ميزتها تواصل أفراد المجتمع في جميع مناحي الحياة. فهل يمكن الحديث، في ضوء كل هذه التفاوتات والانقسامات، عن فضاء عمومي في هذا المجتمع المحلي ؟.

بيبليوغرافيا

مالكي، أحمد (تنسيق) (2002)، الإصلاحات الدستورية والسياسية في المغرب العربي، مراكش، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم15.

بورديو، بيير (1990)، التمثيل السياسي، ترجمة، رشيد شقير، مجلة الفكر العربي، السنة 11، العدد 59، بيروت، كانون الثاني، آذار.

لابيار، جان وليام (1977)، السلطة السياسية، ترجمة إلياس حنا، بيروت، سلسلة زدني علما، ط2.

بركات، حليم (2000)، المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

بورقية، رحمة (1991)، الدولة و السلطة و المجتمع، دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب ط1، بيروت، دار الطليعة.

عاطف، عطية (تحرير) (2003)، الواقع والممكن  في الممارسة الديمقراطية اللبنانية، مؤسسة فريدريش إيبرت ومعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية والاتحاد الأوروبي. ط1. بيروت.

حمودي، عبد الله (1985)، الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة، ملاحظات حول أطروحة غلنر، ترجمة عبد الأحد السبتي و عبد اللطيف الفلق، الرباط، مجلة كلية العلوم الإنسانية، عدد 11.

ولد خليفة، محمد العربي (1998)، الأزمة المفروضة على الجزائر، مقاربة أولية على هدى استراتيجية ثورة التحرير الوطنية، دار الأمة، برج الكيفان، الجزائر،.

محمد جحاح، عبد الرزاق، الزوايا والمجتمع والسلطة بالمغرب، دراسة حول الزاوية الخمليشية بالريف الأوسط، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس. السنة الجامعية2001/2002. غير منشورة.

بوطالب، محمد نجيب (2002)، سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1.

المنجي، حامد (2004)، توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر، نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، تونس، برفكت برنت.

مرقومة، منصور، القبلية والسلطة والمجتمع في الجزائر، بحث أنثروبولوجي في المجال السياسي التيهرتي. أطروحة دكتوراه علوم، خصص أنثروبولوجيا، إشراف العايدي عبد الكريم، قسم علم الاجتماع، جامعة وهران، 2009-2010 غير منشورة.

Boutefnouchet, Mostefa, Système social et changement social en Algérie, Alger, OPU, sans date.

Addi,  Lahouari (1987, Etat et pouvoir dans les sociétés du Tiers Monde, le cas de l’Algérie. Approche méthodologique et sociologique du pouvoir politique et de l’état TH doc SD de Lucette Valensi, Paris, EHESS.

Haddad,  Lahcen (2001), Le résiduel et l’émergent, le devenir des structures sociales traditionnelles (le cas de la tribu hors et dans la ville), Rabat, publications de la faculté des lettres et de  sciences humaines, série : Essais et études.

 الهوامش

[1] الصروخ، الزهرة (2002)، «المجتمع المدني في المغرب، المفهوم و التجليات»، ضمن أحمد مالكي (تنسيق)، الإصلاحات الدستورية والسياسية في المغرب العربي، مراكش، سلسلة ندوات ومناظرات رقم15، ص. 95-96.

[2] الزهرة الصروخ، المرجع نفسه، ص. 96.

[3] أنظر بهذا الصدد: لابيار، جان وليام (1977)، السلطة السياسية، ترجمة إلياس حنا، بيروت، سلسلة زدني علما، ط2، ص. 51-52.

[4] أنظر ولد خليفة، محمد العربي (1998)، الأزمة المفروضة على الجزائر، مقاربة أولية على هدى استراتيجية ثورة التحرير الوطنية، دار الأمة، برج الكيفان، الجزائر، ص.176.

[5] الصروخ، الزهرة، مرجع سابق، ص. 96.

[6] لا يمكن لأفراد مجتمع كهذا أن تقيم علاقات موسعة. أنظر جان وليام لابيار، السلطة السياسية، مرجع سابق، ص. 51.

[7] بركات، حليم (2000)، المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربي، ص. 172.

[8] لمزيد من المعلومات أنظر الصروخ، الزهرة، المجتمع المدني، مرجع سابق، ص. 98.

[9] Boutefnouchet, M, Système social et changement social en Algérie, Alger, OPU, sans date,  p. 31.

[10] Addi, Lahouari (1987), Etat et pouvoir dans les sociétés du Tiers Monde, le cas de l’Algérie. Approche méthodologique et sociologique du pouvoir politique et de l’état TH doc SD de Lucette Valensi, Paris,  EHESS, p. 38

[11] محمد جحاح، عبد الرزاق، الزوايا والمجتمع والسلطة بالمغرب، دراسة حول الزاوية الخمليشية بالريف الأوسط، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس، السنة الجامعية2001/2002. ص. 79. غير منشورة.

[12] على مستوى إحدى القوائم المحلية الانتخابية احتل أستاذ جامعي المرتبة ما قبل الأخيرة في حزب معين، بينما احتل من لا مستوى له رأس القائمة، لا لشيء سوى لأنه ينتمي لأكبر 'الأعراش" على المستوى المحلي (الأعراش جمع عرش  ونقصد به فرع من فروع التنظيم القبلي ويصادف العشيرة).

[13] أنظر الإحالة السابقة في تعريف "العرش".

[14] Haddad, Lahcen (2001), Le résiduel et l’émergent, le devenir des structures sociales   traditionnelles (le cas de la tribu hors et dans la ville), publications de la faculté des lettres et de  sciences humaines, série : Essais et études, Rabat, p. 77-78.

[15] أنظر      Addi,  L., op.cit., p. 10.

[16] بورديو، بيير (1990)، التمثيل السياسي، ترجمة، رشيد شقير، مجلة الفكر العربي، السنة 11، العدد 59، بيروت، كانون الثاني، آذار، ص.171.

[17] بورديو، بيير، التمثيل السياسي، مرجع سابق، ص. 172 و ص. 175.

[18] بورقية، رحمة (1991)، الدولة و السلطة و المجتمع، دراسة في الثابت و المتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب،  ط1، بيروت، دار الطليعة، ص. 165.

[19] نقصد بذلك الأشخاص ذوي التأثير عن طريق الثروات التي يمتلكونها أو الجاه المتمثل في المنصب الاجتماعي الذي تخوله عراقة النسب أو الانتماء السياسي التاريخي، كأن يكون من الشخصيات التي شاركت في ثورة التحرير أو تأسيس حزب مثلا، أو في إنشاء زاوية، وهذا نوع من رأس المال الرمزي. أنظر بهذا الصدد:

  Haddad, Lahcen, Le résiduel et l’émergent, op.cit.,  p. 71-72.

[20] نقصد بمصطلح "الطعم" أو "الوعدة" تلك الاحتفالية المتعددة الأبعاد الدينية والسياسية والاقتصادية التي تقام حول أضرحة الأولياء والصالحين، وتسخر لها الإمكانيات المادية والمعنوية اللازمة، وهي تقام مرة على الأقل في السنة خاصة بعد موسم الحصاد وجني المحاصيل الزراعية.

[21] أنظر بورقية، رحمة، الدولة و السلطة و المجتمع، مرجع سابق، ص. 170.

[22] إن غالبية المرشحين للانتخابات ليس لديهم تصور واضح لمعنى المشاركة السياسية، وليست لديهم برامج مسطرة، وأن المتحزبين منهم ليسوا على إلمام ببرامجهم الحزبية ولا بالفوارق الأساسية التي تميز هذه البرامج عن غيرها من برامج الأحزاب الأخرى.

[23] أنظر بهذا الخصوص ملحم شاوول، مقاربة اجتماعية سياسية لمواقف وسلوك اللبنانيين في الانتخابات النيابية، في كتاب: الواقع والممكن  في الممارسة الديمقراطية اللبنانية، إعداد وتحرير عاطف عطية، بيروت، مؤسسة فريدريش إيبرت ومعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية والاتحاد الأوروبي، ط1، 2003. ص. 46.

[24] المرجع السابق، ص. 47-48.

[25] حمودي، عبد الله (1985)، الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة، ملاحظات حول أطروحة غلنر، ترجمة عبد الأحد السبتي و عبد اللطيف الفلق، الرباط، مجلة كلية العلوم الإنسانية، عدد 11، ص. 193 و ص. 213.

[26] أنظر بوطالب، محمد نجيب (2002)، سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1.

[27] Haddad, Lahcen, Le résiduel et l’émergent, op.cit., p. 88.   

[28] المنجي حامد توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر، نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، تونس، برفكت برنت، 2004. ص.97.

[29]  محمد نجيب بوطالب، سوسيولوجيا القبيلة، مرجع سابق، ص. 108.