Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

"الفضاء العمومي عند هبرماس هو تفكير ارتكز على الاستعمال

العمومي و الشمولي للعقل غير المنفصل عن الحرية "

Michel Foucault (1994) Dits et écrits, volume IV, Paris, Gallimard

شكّل تطور وسائل الاتصال و تعدّد أشكالها موضوع اهتمام الكثير من الباحثين خاصة ما يتعلّق منها بدرجة التأثير على الجمهور المتلقي. من هذه الزاوية ظهرت إلى الوجود عدة دراسات تثمن قدرة الإعلام على استمالة الرأي العام وسلبه القدرة على معارضة سلطة القرار المتحكمة في وسائل اتصال الجماهير عامة والإعلام خاصة. أمام هذه الحالة نجد توجها آخر يدافع عن الحق في الإعلام و الاتصال مستندا إلى تصورات نقدية للمجتمعات المتقدمة صناعيا. تصورات تبرز مدى استغلال سلطة القرار لوسائل الاتصال الجماهيري و قدرتها على صناعة ثقافة استهلاكية تتحكم في الرأي العام. مثل هذه الثقافة المحمولة على وسائل الاتصال أصبحت السمة المميزة للمجتمعات المتقدمة صناعيا والتي نتجت عن الثورة الصناعية و تحرر العقل، تحرر شكل الحداثة التي تولدت عنها أعنف ظاهرة عرفت بالاستعمار الذي شكل نقطة تماس بين المجتمعات الغربية والمجتمعات المستعمَرة بما في ذلك المجتمعات العربية. من هذه النقطة انتقلت وسائل الاتصال الجماهيري إلى المجتمعات العربية من سينما

و مسرح و من وسائل إعلام، خاصة الصحافة المكتوبة التي أصبح بمقدور المثقفين العرب ممارستها. شكلت هذه النخبة قادة الرأي العام المنشطة للحركات الجماهيرية المدعمة للوعي السياسي.

من هنا لجأنا إلى دراسة السمات المشتركة بين المجتمعات الغربية و المجتمعات العربية ومنها المجتمع الجزائري، محاولين إسقاط منطق هبرماس الذي استخدمه في دراسة تشكل الفضاء العمومي على المجتمع الجزائري. منهجيا، كان علينا حصر أشكال الاتصال و كيف تم تشكل الفضاء العمومي داخل المجتمع الغربي مع ربطه بمسار تطوري دال على تكونه. الشيء الذي قام به هبرماس عندما استخدم المنهج التاريخي المقارن المعتمد على نموذج-المثال (Idéal-type) المؤسس من قِبَل "فيبر"، لمعرفة تاريخ الفضاء العمومي وصلته بالأشكال الاتصالية و كيف تم الانزلاق من المجال الخاص إلى  المجال العام. في هذا الاتجاه ركز هبرماس على تحول قراء الصحف و الروايات والمقربين من طبقة النبلاء إلى تشكيل الطبقة البورجوازية . على هذا الأساس المنهجي نحاول أن نعالج فرضيتنا المحورية في معرفة حدود تشكل الفضاءات العمومية و تشكيلها للرأي العام بالجزائر. فهل السمات المؤسسة للفضاء العمومي بالغرب تجد سبيلها إلى المجتمع الجزائري أم أن هنا معوقات تحول دون تأسيسه ؟وهل المنطق الذي حكم تطور الفضاء العمومي بأوروبا هو ذاته الذي سيحكم تطوره بالجزائر؟ أم ان هناك منطق آخر قد لا يوصلنا إلى فضاء لا تسوده المناقشة كأسس للديمقراطية التي نظر لها هبرماس؟ من التساؤلات المعبر عنها تصاغ الفرضية المحورية التي سنحاول من خلالها التأكد أولا من أن الإعلام أساس تشكل الوعي السياسي، ثانيا أنه الأداة التي يستخدمها المجتمع المدني في تسيير الفضاءات العمومية و ثالثا أنه الوسيلة  المدعمة لممارسة الديمقراطية. يعتمد تحليلنا على استخدام المنهج التاريخي المقارن المستخدم من قِبَل هبرماس و المستلهم من الأفكار الويبرية القائم على الوحدة التاريخية و المُعرّفة بالنموذج المثال، و ذلك باستخراج الوحدة التاريخية التي تحكم تطور الفضاء العمومي  و تأسسه بكل من أوروبا  والجزائر. و عليه سوف نحلل الصيرورة التاريخية لكل من الإعلام خاصة الصحافة المكتوبة، و المسرح و المجتمع المدني.

تأسيس مفهوم الفضاء العام عند هبرماس

تميزت أعمال هبرماس f العودة إلى  فلسفة كانط، خاصة عندما درس تكون الفضاء العمومي بأوروبا من حيث هو ناتج عن العقل، مبتعدا بذلك عن الماركسية كتقليد تميزت به مدرسة فرانكفورت، محاولا التقرب من الفلسفة التحليلية، متخذا وحدة اللغة كركيزة أساسية لوضع أسس نظريته في الفعل التواصلي المبنية على سند معرفي آخر تمثل في البنائية الوظيفية التي ميزت علم الاجتماع الأمريكي و المعروف بعلم الاجتماع التفهمي . غير أن هبرماس يشير في كتابه الفضاء العمومي (أركيولوجيا الإعلان كبعد تكويني للمجتمع البورجوازي) أن الدراسة التي أشرف على نشرها أدورنو حول الفضاء العمومي كانت تحت تأثير نتائج الأبحاث التي قام بها لازارسفيلد حول الدعاية، خاصة تلك التي شاهدها العالم أثناء الحرب العالمية الأولى و الثانية، مبرزا الكيفية التي قامت عليها الدعاية و تأثيرها على الرأي العام و كيف لعب قادة الرأي دورا في استمالته.

لقد اتفقت مجمل الدراسات التي قام بها هبرماس حول الاتصال و الرأي العام على أن الفضاء العمومي تكوّن تاريخيا بفعل الإعلام و الاتصال خاصة الإعلان. إذ يعرّف الفضاء العمومي على أنه الاستعمال العمومي للعقل داخل المجتمعات البورجوازية، أين يتم إبراز الفرق بين النبيل الذي يجمع الضرائب و البورجوازي النشط الذي يدفعها، وهو المعروف بالمواطن الذي يأخذ أحقيته في النشاط السياسي و في المشاركة في اتخاذ القرار. ضمن هذا المسلك يأخذ الإعلان مكانة بارزة في تشكيل الرأي العام. فالإعلان مثل ما يبينه هبرماس مرتبط بالقراء الذين يقرؤون النصوص القانونية المعلقة على جدران الساحات العمومية، والتي  انتقلت بفعل الطباعة إلى الصحف و أصبحت تحمل في طياتها، علاوة على القرارات السياسية، الأخبار الاقتصادية بحكم ازدهار التجارة. ويضاف إليها النصوص الأدبية التي كانت في البدء تأخذ كصيغة تعبيرية لتمثيل النبلاء و تشكل الطبقة الجديدة المكونة من الأدباء الذين يتقربون من البلاط الملكي(النبلاء)[1].

شكلت قراءة الأحكام و مناقشتها بالساحة العمومية ما اصطلح عليه حديثا سوسيولوجيا بالرأي العام. من السياق ذاته، أتى مصطلح الإعلان (Publicité) الذي يختلف عن ما هو معروف عند الفرنسيين بالترويج (Réclame). فقد نشأ هذا المصطلح من سياق فكري واجتماعي خاص، الشيء الذي جعله أكثر تعقيدا، خاصة  لدى استعماله في اللغة العربية، إلى جانب مفاهيم أخرى يستعملها هبرماس. فالمجال العمومي(Sphère publique) عند مترجمي هبرماس يختلف عن المجال الخاص(Sphère privée) الذي جاء نتيجة احتكاك النبلاء بالأدباء، حيث كانت غرف الاستقبال تخصص لهم للتعبير عن ذواتهم وتشخيصها في أدوار مسرحية. مع ولوج الأدباء و الخدم لحضور عروض النبلاء داخل صالوناتهم شُكل ما يعرف بالمجال العام، هذا الولوج حوّل ما هو خاص إلى عام، بفعل الإعلان الذي شكل حجر الزاوية في تشكل مفهوم الفضاء العام عند هبرماس.

مثل هذا الانزلاق من شأنه أن يشكل فضاءً عاما إذا ما ارتبط بالمسرح ارتباطا يؤدي إلى تشكل طبقة جديدة عرفت بالبورجوازية النشطة بحكم ما تمتلك من مؤسسات إنتاج، خاصة تلك التي كانت تحتاج إلى الأخبار السياسية و الاقتصادية.  هذاما دفعها إلى الاستثمار في مجال الصحافة، فتطور هذه الأخيرة بفعل تكنولوجيا الطبع وسّع دائرة "العمومي" التي أصبحت بدورها تطلب المعلومات المرتبطة بالأخبار السياسية.

شكلت البورجوازية بفعل احتكاكها بالنبلاء و امتلاكها لمصادر الثروة مع توسع نشاطها الاقتصادي  و التجاري الذي مكنها من ممارسة النشاط السياسي، نشاطا ترجم في انشاء أحزاب سياسية و مؤسسات إعلامية لدعم الحراك السياسي والاجتماعي و الثقافي،- حراك دعمه الإعلان المرتكز بالدرجة الأولى على الصحافة  وبدرجة أقل على المسرح. فكل من العمل الصحفي  و الأدب المسرحي شكل جمهورا يطلبه و يتأثر به، مما ساهم في إعطاء صورة واضحة عن علاقة وسائل الاتصال الجماهيري بالرأي العام. فالفضاء العمومي بالمفهوم الهبرماسي يتكون من الإعلان ،المعبر عنه بوسائل الاتصال الجماهيري أين يشكل المسرح والصحافة الركيزة الأساسية فيه، ثم الرأي العام و المجتمع المدني. هذا الأخير يبرز إلى الوجود بفعل تكتل المواطنين داخل الجمعيات و الأحزاب السياسية التي تناقش المسائل المرتبطة بالعالم المعيش. مسائل تناقش داخل فضاءات عمومية و يعلن عنها في الصحافة.

نموذج مثال مرتبط بالصحافة

يعتبر هبرماس الصحافة أداة تعبير عن حرية الرأي[2]، من خلال المقالات المنشورة عن الحريات الأساسية و الحق في إبداء الرأي و التي اتخذت مثل هذا المنحى مع الثورة الفرنسية، حيث تُرجم بالإعلان عن حقوق الإنسان والمواطنة. مثل هذا الإعلان أخد مسلكا ساهم في وضع الصياغة العامة التي كانت منبع القانون المدني الفرنسي[3] الذي كان مصدر قانون الإعلام، خاصة المادة الحادية عشرة و ما جاء فيها من رفع القلق عن الرأي شريطة أن لا يحدث فوضي على مستوي النظام العام[4]. مثل هذه الأفكار التي جاءت تؤطر العمل الصحفي و تحرره من الرقابة التي خضع لها بالرغم من التطور التقني الذي ساهم في تزايد عدد السحب و انخفاض سعر الصحيفة، مما أثر على الجمهور المهتم بالصحافة كما و نوعا .و بهذا التزايد تداخلت عدة عوامل منها ما هو سياسي و ما هو تقني وتجاري،  ففيما تمثلــت هــذه العوامل ؟ و هل هذا التزايد له علاقة بحرية التعبير؟ و هل هذه العوامل كانت كافية في وضع الأسس الخاصة بحرية الرأي دون تدخل أي طرف للحد منها ؟ من خلال المنهج التاريخي لدى هبرماس، المستخدم للنموذج-المثال، يتبين أنه تعرض للصحافة المكتوبة و أثرها في تكوين الرأي  العام و كذا الضغوطات التي تتعرض لها بفعل الرقابة.  كما قام هبرماس بالمقارنة بين الدول الأوروبية التي تزامنت فيها نشأة الصحافة و نضالها من أجل حرية التعبير خاصة فرنسا و إنجلترا  و ألمانيا.

أما بالنسبة للجزائر، فإن كرونولوجيا الأحداث و تطور الصحافة المكتوبة جعلها تختلف عن ما حدث بأوروبا، فالساحة الإعلامية بالجزائر عرفت حالات من الضيق و حالات من الانفراج تخللت الفترة الاستعمارية و فترة ما بعد الاستقلال. و عليه اختلف الحال عندنا بالنسبة للصحافة الوطنية التي بدأت بالنضال من أجل حرية التعبير لأن أغلبية السكان كانوا أميين، فكان لابد من توصيل الأفكار الوطنية لكافة المواطنين. غير أن المستعمر كان يدرك أن القراءة تنمي الوعي وتساهم في تكوين القراء الذين يشكلون المجتمع المدني وبالتالي الفضاء العمومي. مثل هذا الإدراك أثّر على السياسة الاستعمارية اتجاه المدارس الإسلامية بتخفيض ميزانيتها و تحويلها إلى ميزانية الجيش[5].  أمام هذا الوضع لا يمكن  المقارنة، فالإدارة الفرنسية تشرع القوانين للعمل الصحفي، بحيث لا معنى أن نمنح حرية التعبير لأناس يفقدون حريتهم وهم ببلدهم. فكيف يمكن للأهالي أن يتعاملوا مع قانون 29 جويلية 1881، خاصة المادة السادسة منه التي تحدد شروط إنشـاء جريدة ؟  و هل هذه الشروط يمكن أن تتوفر في الجزائري حتى   و إن كان تكتب باللغة الفرنسية ؟ صعوبات بهذا المستوي كانت ترفع عن الجزائري بعد التطبيع أي التخلي عن البعد الإسلامي[6]. فعملية التطبيع كانت تُسهل مهمة النشر والتوزيع لصحافة الأهالي التي كانت في خدمة المستعمر مع التحفظ على بعض العناوين[7]، وقامت على استراتيجية تكيف القانون الخاص بحرية الإعلام مع أوضاع الأهالي و الإدارة الاستعمارية.

لقد كانت السلطة الفرنسية تعتبر الجزائر ضمن أراضيها و تخضع لسيادتها، وكانت تسيرها بمقتضي قانون 29 جويلية 1881 المنظم للعمل الصحفي، إذ نجد ضمن مجموع مواده التي تنص على الحق في التصحيح و حق الرد أو الإجابة، مواد تحد من حرية إبداء الرأي مع المنع من التحريض أي التدخل بالنظام العام. القانون ذاته يحمل بعض المواد التي تخول وزير الداخلية سلطة البث في التنفيذ و التوقيف إذا ما كانت الجريدة تمس أمن الدولة. مثل هذه المادة وجدت لكي تحد من حرية التعبير وبالتالي إيقاف بعض الجرائد المزعجة للسلطة خاصة السلطة الاستعمارية. مثل هذا الإجراء مس الجرائد التي تعبر عن موقفها من الممارسات الاستعمارية، ومن منطلق قانون الإعلام الموجه لحرية الإعلام عملت الإدارة الاستعمارية على تأسيس جرائد باللغة الفرنسية، كما شكلت بعض  المقالات باللغة العربية عناوين صحف تخدم المستعمر وتؤدي وظيفة دعائية[8]، هدفها تغليط الرأي العام و التستر على ممارسات المستعمِر.

المضايقات ذاتها عرفتها الصحافة الحزبية التي نشأت في الحقبة الاستعمارية،   وبتصعيد مختلف جعلها تختفي تدريجيا بناءً على قواعد لعبة نسجتها السلطة بعد الاستقلال تمثلت في مراسيم و تعيينات خصت مدراء الجرائد الذين ينتمون إلى الوزارة الوصية. إذ بمرسوم تنفيذي تنزع الصحافة عن حزب جبهة التحرير بعد جوان 1965 وتضمن صلاحيات الوزير في تعيين مدراء للجرائد الذين هم في الأصل أعضاء في الحزب، حينها وصف هذا العمل بالسيطرة الكلية على الإعلام[9]. كما أن  صمت قانون الإعلام لعام 1982 عن المبادرة الصحفية في تشكيل مواده، جعله يؤكد على سيطرة السلطة على أجهزة الإعلام كتعبير للسيادة الوطنية، فمن خلال المادة الأولى التي تنص على أن الإعلام قطاع من قطاعات السيادة الوطنية و أنه تحت قيادة الحزب[10]، و حتى المدراء وضمن المادة السادسة يتشكلون من مناضلي الحزب[11]. من هنا ظل  التصور التوتاليتاري متحكما و مسيّرا للحق في الإعلام .غير أنه بعد انتفاضة بأكتوبر 1988، تغير مسار الصحافة و حرية التعبير مع  التعددية الحزبية، مما أدى إلى ظهور عناوين مستقلة عن جهاز السلطة بحكم صدور قانون 90.

شهدت الساحة الإعلامية قبل الاستقلال، عدة عناوين لجرائد اختفت مؤقتا قبل الاستقلال و نهائيا بعده، إلا عنوانا واحدا قاوم ثلاث سنوات بعد الاستقلال ليظهر من جديد بعد أحداث أكتوبر، فهل هذه الأحداث أعطت نفَسا جديدا للحرية الإعلامية و التفكير في صياغة جديدة لقانون الإعلام ؟ بناءً على ما جاء في المادة الثالثة من قانون الإعلام 1990  و التي تنص أن الحق في الإعلام يمارس بكل حرية مع احترام كرامة الإنسان و متطلبات السياسة الخارجية والدفاع الوطني[12]، مما أدى إلى ظهور عناوين عديدة  سجلت ميلاد صحافة حرة مستقلة على صيغة شركة ذات أسهم (SPA) منها جريدة الوطن باللغة الفرنسية و الخبر باللغة العربية.

فالتعددية في مجال السمعي البصري ظلت محتكرة من قبل السلطة بالرغم من ميلاد محطات إذاعية محلية نشاطها محدد سلفا بمراسيم .إذ من الملاحظ أن الساحة الإعلامية الجزائرية عرفت عدة تطورات منها ما كان سلبيا أثر على وظيفتها من باب تكوين الرأي العام، ذلك لما عرفت من ضغوطات مصلحيه و ضغوطات إرهابية، بالرغم من وجود مواثيق و إعلانات ناضلت من أجلها حركة الصحفيين الجزائريين التي ما فتئت توصف  باليسارية. واصبح التعبير العامي عن الصحفي أنه "ذلك الذي بيده قلم و بجيبه دينارين و ثلاث رصاصات بالرأس"[13]. فماذا لو كانت المصلحة الخالصة هـدف كل طرف ؟ ألا يكون الاتصال عاملا قويا في وضع أسس الديمقراطية ؟ ألا يساهم كذلك في تكوين مجتمع مدني قادر على إدارة النقاش حول قضاياه مستخدما الاتصال كوسيط ؟  

إن العمل الإعلامي لا يمكن له أن يوجد و يستمر بدون مورد مالي، خاصة عندما خرج من حماية الدولة التي أقرت بموجب دستورها الحرية و التعددية للإعلام و ما جاء في  تصريح رئيس الحكومة، أنه ينتظر من المسؤولين و المسيرين للإعلام العمومي أن يؤسسوا مع نظرائهم في التحرير عناوين جديدة. فالهدف هو إعطاء الحرية للإعلام و تخليصه من الهيمنة السياسية للحزب الحاكم. استجابة لهذا النداء تحول مدراء و رؤساء تحرير من الصحافة العمومية، خاصة الفرانكفونية و أسسوا جرائد خاصـة، مـنها جـريـدة الـوطــن باللـغـة الـفـرنــسـية (El Watan)، وجــريــدة (Le Matin)، و جريدة المنبر (La Tribune)[14]. هناك بعض الصحف التي تلقت الدعم المالي من الخواص، كالجريدة اليومية الحرة الناطقة باللغة الفرنسية (L’Hebdo libéré)، التي أخذت خطا افتتاحيا يطالب بدولة القانون و الديمقراطية وحرية الصحافة.  

بينما الصحف الناطقة باللغة العربية تكونت من أقلام كانت موجودة بجريدة الشعب ومنه الخبر. وعن الجانب المالي و بمقتضي المرسوم رقم 45 المؤرخ في 24 أكتوبر 1990، المحدد لميزانية التسيير لقطاع الإعلام، المعتمدة على مساهمة الدولة  و الإعلاميين. بمقتضي المرسوم المؤرخ في 4 أوت من عام 1990، القاضي بتجهيز المقرات الصحفية بوضع دار الصحافة  بصيغة مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي و تجاري (EPIC) . مؤسسة مسيرة بمجلس إداري مشكل من جهة من ممثلين عن الوزير الأول و عن كل من وزارة المالية و الداخلية والاجتماعية، من جهة أخرى من ممثلين منتخبين عن هيئات التحرير للعناوين الصحفية[15]. فهل لمثل هذه المؤسسة القدرة على تحرير الإعلام، والمساهمة في تشكيل فضاءات عمومية تساهم في الممارسة الديمقراطية و بناء دولة القانون؟

تشكّل الحركة الجزائرية للصحافة تعبيرا عن الحق في الاتصال الذي من شأنه أن يؤسس الفضاء العمومي. كون دولة القانون الضامن للحقوق الأساسية للإنسان، الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتبنى على أساس الحق في الإعلام والاتصال كامتداد للحرية و الديمقراطية. ويدرج الحق في الاتصال من بين حقوق الإنسان، أي الحق في التواصل وحق المشاركة في صناعة الخبر. هذا التواصل أخذ مسارا تطوريا ذا اتجاهين، أين يباشر المشاركون حوارات ديمقراطية متوازية. مثل هذه الفكرة طرحت كي تساهم في بناء الديمقراطية على المستوي الوطني.

غير أن هذا الإجراء لقي تحديات ترجمت في مواقف سياسية و إيديولوجية طبعت النقاش على مستوي اليونسكو[16]. فهل مثل هذه الترتيبات بمستوى الهيئات الدولية تمكّن من تحرير العمل الإعلامي المساهم في بناء الديمقراطية كشرط لوجود دولة القانون ؟ سمح هذا الإجراء للصحفيين الجزائريين بالتقرب من الهيئات الدولية و المنظمات غير الحكومية للتعبير عن رأيهم عن طريق الحركة الجزائرية للصحافة، التي أحدثت تحولا في النضال من أجل حرية التعبير. غير أن الحركة في بدايتها كانت نقابية، عرفت بلجنة 14 نسبة للصنف الذي ينتمي إليه الصحفي في ترتيب الأجور[17].

ما يمكن الإشارة إليه كذلك أن التأخر الواضح في مجال الإعلام خاصة الصحفي، دفع باليونسكو إلى تقديم الدعم المالي كي تتدارك الوكالة الجزائرية للأخبار (APS) التأخر المسجل على المستوي التكنولوجي. إلا أن الدعم لم يثمر أمام التحجر و قلة الإنتاج الإعلامي[18]. أمام هذه الوضعية التي يعيشها الصحفيون من قلة الإمكانيات و الرقابة المفروضة عليهم، تماسكت الحركة و انضم إليها صحفيون من توجهات مختلفة، بما فيها يسار جبهة التحرير الذين خلصوا في نهاية الأمر إلى الإعلان عن أهداف الحركة، بتشخيص الوضعية التي آل إليها العمل الصحفي خاصة في ما تعلق بمصداقية الخبر الوطني. مما استلزم ترميم العمل الصحفي مع تحريك الميل الفكري المدعم بقدرات تحليلية و إصدار الأحكام مع الوقوف أمام كل أشكال الرقابة  و الرقابة الذاتية[19].

نموذج مثال مرتبط بالمسرح

من الصيغ الاتصالية و المشكّلة في الوقت ذاته للقنوات الاتصالية مع الجمهور، نجد المسرح الذي يعتبره هبرماس من التشكيلات التي تكون الرأي العام و مظهرا من مظاهر الفضاء العمومي. فالمسرح كشكل من الاتصال الجماهيري برهن على قدرته في التأثير على الرأي العام، الذي  تمتد أصوله إلى العهد اليوناني و بالخصوص مع أرسطو واضع أسس المسرح التراجيدي. يعتبر هبرماس المسرح شكلا أدبيا استخدم من قبل النبلاء كوسيلة ترفيهية، أين استعملوا صالوناتهم كمسارح[20]، تلعب بها الأدوار المسرحية، أين يسمح فيه للخدم و الجنود أن يحضروا هذه العروض. فهبرماس لا ينظر إلى المسرح بالمفهوم الأرسطي ،بل باعتباره وحدة تاريخية ساهمت في تشكيل الفضاء العمومي، إذ تتمثل أطروحته الأساسية في أن المجتمع البورجوازي هو الذي شكل الفضاء العمومي نتيجة الانزلاق من  المجال الخاص إلى المجال العام. وهنا لا يختلف هبرماس  مع Pierre Bourdieu عندما حدد التشكيلات الاجتماعية التي ارتبطت بالمسرح خاصة البورجوازية الممثلة بكتابها[21]. إلا أن الانزلاق الذي حدث بالمسرح شكل و بداية من 1887 المسرح الحر الذي سمح لقراء الروايات من حضور العروض، فهل يمكن أن نؤكد أن المسرح حجر الأساس في تأسيس الفضاءات مع العلم أن الإنتاجات الأدبية الممثلة بالروايات شكلت عروضا مسرحية و كوّنت لها جمهورا ؟

لعل المسافة التي طرحت من قبل بريخت وجدت لها أرضية بالمسرح الجزائري منذ نشأته الأولى مع علالو، أين أقحم الجمهور بغية تنمية وعيه بدمجه ضمن أحداث المسرحية. علالو لا ينتج شكلا ثقافيا بل يدفع بالحركة الإنتاجية لرسم الخطوط الثقافية من خلال المسرح. أين يستخدم الضحك الذي ميز مسرحية جحا وغيرها كآلية من  آليات معرفة الذات[22]. مثل هذا الإدراك وإن كان يعتمد على لغة تبتعد إلى حد ما عن الشعبية، فهذا الابتعاد مكّن الجمهور من أخذ موقف آني من الأعمال المسرحية التي تعـرض أمامه. هذا الموقف شكل حكما معياريا للإنتاج الثقافي، فإذا كان ميلاد المسرح بالجزائر قد رسم الخطوط لثقافة جديدة، فهل هذا يعني الانسلاخ عن الموروث الثقافي الإسلامي؟

تميز عمل "علالو"  بتحويرات مست الموروث الثقافي الإسلامي مما شكل نفسا جديدا مكن من ميلاد مجتمع متأصل تاريخيا. مثل هذا الوعي التاريخي جعل المسرح الجزائري يتحول من إنتاج المعني الثقافي إلى إنتاج أفكار تحسيسية تحفر في العمق الشعور بالوطنية. إن روح المسرح الجزائري و منذ تشكله و بأول عرض مسرحي عام 1922، طرح قضايا وطنية بعد ما بدأ بنقل العمل المسرحي من اللغة العربية الكلاسيكية إلى اللغة الشعبية بغية ربط المتلقي بالنص المسرحي[23]. مثل هذه الحركة التي كانت تهدف في البداية إلى تخليص الجزائري من الأفكار الخرافية  التي زرعت في أذهانه باقتباس أعمال مسرحية  مثل عطيل لشكسبير و مسرحية "المولد" لـ عبد الرحمن الجيلالي. تطور المسرح لغة و أدبا مكن من توعية الشعب الجزائري بقضايا ارتبطت بالوطنية و التخلص من الاستعمار[24].

لم يبق المسرح الجزائري مرتبطا بطرح قضايا التحرر بل استمر بعد الاستقلال في توعية الجمهور (الشعب) تجاه قضاياه الجوهرية المرتبطة بمصير الأمة و مستقبلها. فلم يتخل القائمون على المسرح عن واجبهم اتجاه الجمهور في توعيته و إنارته نحو قضايا جوهرية تخص عالمهم المعيش . مثل هذه الأفكار طبعت الأعمال المسرحية ل عبد القادر عـلولة[25] عندما حاول أن يُحدث ثورة بالمسرح ويبتكر نوعـا جديدا، أين يستغني عن الديكور و يستعين بأكسيسوارات رمزية تمكنه من وضع الأسس لشكل جديد من المسرح عرف بالحلقة، أي مسرحا متجولا بالأسواق مكونًا فضاء عموميا يقوم على قنوات اتصالية تربط بين الممثل والمتلقي.

فكرة الحلقة التي تستغل الأماكن العمومية كالأسواق و بأكسيسوارات بسيطة شكلت فضاءً عموميا أين يتم إثارة قضايا تنمي الوعي السياسي. كأن نقول أنه يستخدم الإعلان النقدي بغية نقد قضايا مرتبطة بالعالم المعيش وفق للمنطق الهبرماسي. إنه خلافا للمسرح الأرسطي الذي يستهدف المتلقي و تغييب وعيه، الإعلان التوعوي أو النقدي بالنسبة لهابرماس قريب من الشكل المسرحي البرختي الذي يعتمد على خلق مسافة بين الممثل و الجمهور. كل من بريخت  و عـلولة يتفقان على نقطة واحدة هي تنمية الوعي مع جعله قادر على إدراك العالم المعيش. الفضاء العمومي الذي يتشكل من خلال الحلقة يعتبر منشطا (Catalyseur) لما اعتبره كانط الاستعمال العمومي للعقل و استثمره  بعده هبرماس.

نموذج مثال مرتبط بالرأي العام و المجتمع المدني

لا يفصل هبرماس المجتمع المدني عن الرأي العام  لكونهما متضمنان  بالفضاء العمومي. إذ غالبا ما يفترض ارتباطه بالأماكن العمومية أين يدار النقاش حول قضايا سياسية و اجتماعية و حتى ثقافية. فهذه المنتديات المنظمة من قبل نشطاء يشكلون المجتمع المدني ويتكتلون ضمن جمعيات ومنظـمات و أحزاب سياسية . يطور هبرماس مفهوم المجتمع المدني الذي ارتبط عند كل من هيجـل و ماركس بالبورجوازية. لأن في الأصل البورجوازي النشط  هو الذي شكل الطبقة الجديدة المعارضة و قاد الثورة الفرنسية، و يصبح بذلك مرتبط بالتشكيلات الإرادية الخارجة عن دواليب الاقتصاد و السلطة و الممثلة بالجمعيات السياسية والنقابات والأحزاب[26]. مثل هذه التشكيلات ساهمت في تكوين الرأي العام على حسب تصور هبرماس ضمن المجتمع الاتصالي. يصبح الفضاء العمومي في هذا التصور نتيجة مجردة ترتبط بمتتبعين لمسرحٍ مجسد واقعيا و من متتبعين افتراضين لوسائل الإعلام  ومن قرّاء للصحف. إذا كان مثل هذا الأمر مرتبطا بالدول المتقدمة صناعيا أين تطور مفهوم المجتمع المدني، فهل ينطبق على مجتمع عرف حقبة استعمارية وانتفاضة شعبية كانت نتيجتها ميلاد جمعيات سياسية ؟ و هل هذه الجمعيات قادرة على بناء مجتمع مدني ؟ و إن كان  الأمر كذلك فما هي الميكانيزمات المحققة لذلك ؟  

ما يمكن ملاحظته عن المجتمع الجزائري أنه يبدو وكأنه يحمل تركيبته هشاشته ليست تركيبة طبيعية فيه، بل تكونت بفعل عاملين أساسين، العامل الأول الاستعمار الذي  كان سببا في تحوله إلي مجتمع ثوري دافع لاسترداد حريته، العامل الثاني انتفاضته لفك الخناق الذي مارسته عليه السلطة. أمام مثل هذا الوضع تشكلت جمعيات و أحزاب عملت على تحويل هذه الهشاشة إلي قوة باستخدام عدة وسائل منها الإعلام . فتاريخ الإعلام الجزائري يُبرز مدى ارتباطه بالأحزاب سواء إبان الاستعمار أو في ظل النظام الواحد، أين كان نشاطهم السياسي ودوريتهم الإعلامية تتم في السرية. لعل الحركة السياسية التي تولدت إبان الاستعمار كانت تهدف إلى تكوين المواطن أولا ثم الأمة ثانية، لمثل هذا الهدف تكونت أحزاب سياسية وجمعيات باختلاف توجهاتها الإيديولوجية، مما ساهمت في تكوين مجتمع مدني نشط  و حركة وطنية تعمل على تعبئة الجماهير نحو قضية جوهرية تمثلت في تحقيق الوحـدة  والحرية. لمثل هذين الهدفين أدركت الأحزاب النشطة ضرورة التأثير على الرأي العام باستخدام جرائد كانت لسان حال لكل حزب أو جمعية.  يجب الاعتراف بالنخبة التي قادت الحركة الوطنية مثل الأمير خالد و فرحات عباس و التي شكلت كتاباته من 1926 إلى غاية 1930 وثائق من الدرجة الأولى لدراسة النخبة و مساهمتها في تكوين الرأي العام[27]. فبالرغم من الاختلاف في التوجه السياسي  إلا أن الحركة الوطنية استمرت في تكوين الرأي العام عن طريق الحلقات والنوادي و الصحف. وكانت هذه الحلقات نتيجة نضال بدأمع نجم شمال إفريقيا، أين كانت العريضة المطلبية تتضمن الإقرار بالجمعيات و حرية التعبير. هذه العريضة كانت موجهة ضمنيا للمطالبة بحكومة جزائرية مستقلة[28] و التي عرضت من قِبل مصالي الحاج عام 1933، كما شكلت برنامجا من أحد عشر بندا تضمنت الجمعيات و حرية التعبير. من هذا المنطلق كان الدور المنوط بمثل هذه الجمعيات تكوين الرأي العام قصد تعبئة الجماهير لتحقيق الحكومة الجزائرية المستقلة.

أما الهشاشة الثانية والتي تسببت فيها السلطة الحاكمة، و إن بحسن نية، في مواصلة الأهداف المسطرة في بيان أول نوفمبر، فهي الانزلاقات  في ممارسة السلطة وغلق كل نافذة لتشكيل جمعيات نشطة داخل المجتمع المدني. غير أن تعديل الدستور و صدور قانون الإعلام لعام 1990، شكلا عاملين ساهما في تكوين المجتمع المدني و دورهما في تكوين رأي عام موجه نحو تحقيق أهداف مرتبطة بالمصلحة الوطنية. فأين تكمن هذه المصلحة و فيمـا تتمـثل ؟ وهل هي تلك التي ارتبطت بالعنف و توقيف المسار الديمقراطي أم هي مصلحة خصت بجيل الشرعية الثورية، الذي لم يجد الجيل الذي يحقق الاستمرارية ؟ أم أن المجتمع المدني لم يحسن تكوين من يحقق الاستمرارية ؟                 

ما يجدر البدء به في عملية تحليل التجربة الديمقراطية بالجزائر، هو القول بأنها اعتبرت تجربة واعدة على مستوى الوطن العربي.  بناء على مجموعة من المؤشرات، تمثلت في واقع أملته الظروف الاجتماعية و الاقتصادية المتراكمة عبر التاريخ، ووجود هياكل قاعدية منها ما تم بناؤه في النظام السابق و منه ما ورث عن الاستعمار، كذلك المواثيق القانونية التي أطرت العملية السياسية. تاريخ الجزائر مليء بالشواهد التاريخية التي تثبت أن الممارسة الديمقراطية ليست وليدة أحداث أكتوبر بل هي متجذرة  في التاريخ خاصة الممارسة الحزبية، من الحزب الشيوعي إلى نجم شمال إفريقيا، و من حزب الشعب إلى حركة انتصار الحريات و الديمقراطية وصولا إلى المنظمة السرية ثم جبهة التحرير التي جمعت شمل الجزائريين في سبيل تحرير البلاد. من بداية الثلاثينات و النشاط السياسي الحزبي موجود إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية. ما جعل الحياة السياسية تمتد من العشرينيات إلى غاية الستينيات من القرن الماضي، لتنغلق بحجة التنمية و العدالة ثم تنفتح من جديد في الثمانينات. ألا تعد مثل هذه الحقائق التاريخية دليلا على تجذر الديمقراطية في الجزائر، خلافا لما يعتقد البعض، بأن الديمقراطية شهدت ميـلادا عنيفا ؟

يتبين من خلال مواقف بحثية أخرى أن جهاز الحكم قد أدرك القطيعة التي حدثت بين المجتمع والدولة الشيء الذي أقحمها في دوامة من العنف. فأدرك  جهاز الحكم أن الحل سيكون من خلال ممارسة الديمقراطية أو دمقرطة المجتمع   و الاعتراف بالحريات الأساسية. فكانت بدايتها تشكيل جمعيات ذات طابع سياسي ثم أحزاب سياسية. هذه الترتيبات الدستورية من شأنها أن ترفع العراقيل أمام النخبة للولوج في دواليب الإدارة و السلطة التي أغلقت منذ الاستقلال بهدف الحصول على الشرعي و المصداقية. ومن شأنها أيضا أن تعمل على  تملص السلطة من عبء الالتزام الاقتصادي و اتباع نهج اقتصادي جديد قائم على استقلالية المؤسسات و اقتصاد السوق . لكن هذه الترتيبات لم تضع في الحسبان الصعوبات التي ستواجهها، لأنها لم تدرك الواقع الذي تقوم عليه الروابط الاجتماعية التي يرتكز عليها المجتمع . بالتالي تصادمت مع مواقف ثقافية و إيديولوجية ملازمة للتاريخ الاجتماعي و السياسي للجزائر[29].

وجاء اقتصاد السوق لينظم المجتمع  و يجعله يتدارك الفجوة من خلال مشاركته السياسية عن طريق نخبه الممثلة له. وعليه كان الطرح الذي يقول أن الدول المعاصرة وسلّطها تقوم على رفع كل الضغوطات المتركزة على إيديولوجيا اجتماعية بإرساء قيم مبنية على الاتفاق[30]. مثل هذا الطرح يتقارب مع هبرماس  من باب أن التبرير الإيديولوجي للدولة الحديثة عليها أن تضمن الحرية و الأمن للأفراد على اختلاف مشاربهم السياسية و الثقافية و الفلسفية . زد على ذلك الاعتراف بالأقليات على أنها الأكثرية المحتملة . بهذا تأخذ الديمقراطية معناها الحقيقي في طرح التداول على السلطة، هذا التحقق وفر شرط الشرعية الضرورية التي تلتزم بها السلطة في حماية الحريات و الفضاءات العمومية[31].

خاتمة

يتضح مما سبق ذكره أن الديمقراطية بالجزائر القائمة على الحرية الإعلامية  و كذا استخدام الفضاءات العمومية، قادرة على تنمية الوعي السياسي لأفراد المجتمع. ما يجعله (المجتمع المدني) قادرا على مراقبة السلطة بمراقبة المجالس المنتخبة على الأقل محليا. إن مثل هذه الممارسة تعرف بالديمقراطية التشاركية بلجان الحي كمجالس بديلة عن المجالس المحلية التي يخول لها مهام تسيير شؤون الأحياء. وهو إجراء بإمكانه أن يدعم الممارسة الديمقراطية و يساعد على حسن استخدام الديمقراطية التداولية التي هي أقرب للتصور الليبرالي عن التصور الجمهوري. لأنه درج الربط بين التصور الليبرالي و النظام البرلماني و بين النظام الرئاسي و التصور الجمهوري. فهذا الربط يبرز الفرق بين استخدام الحقوق و إبراز الفرق بين الحق العام و الحقوق الشخصية. كما أن النماذج المثالية المرتبطة بالإعلام والمسرح و المجتمع المدني الممارسة بفضاءات عمومية ثبت أنها مؤطرة بالديمقراطية، مثل هذه النماذج شكلت المنطق الهبرماسي الذي يدعم الخصوصية الألمانية خاصة في مجال الحقوق و كيف يمكن أن يكون هذا المنطق القائم على المبادئ الكانطية شموليا (universel). ويكون التصور القائم على المنهج التاريخي المقارن الذي وظف من قبل هبرماس في دراسة تشكل الفضاءات العمومية بالغرب أساسا لإمكانية تحقق الفضاء العمومي بالجزائر، تحقق يستلزم توسيع نطاق عمل  الحركات الجمعوية المترجمة في لجان الحي مع تشجيع النقاش داخل فضاءات خصصت لذلك، برفع الطوق عن الممارسة الإعلامية وإلغاء الخطوط الحمراء المعرّفة بالرقابة و الرقابة الذاتية. رقابة تحيل دون ممارسة الديمقراطية الحقه في توجيه السلطة و تحقيق العدالة التي لا طالما كانت هدفا لكل انتاج فلسفي و أدبي.

المراجع

باللغة العربية

اسماعيل قيرة وآخرون (2002)، مستقبل الديمقراطية بالجزائر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

باللغة الفرنسية

Addi, Lahouari (1994) L’Algérie et la démocratie, Paris, édition la découverte

Ageron, Charles-Robert (1979), Histoire de l’Algérie contemporaine, Paris, PUF

Ancer,  Ahmed (2001), Encre rouge le défi des journalistes algériens, Alger édition El Watan

Bachetarzi, Mahieddine (1986),  Mémoire,  tome III, Alger, ENAL.

Bourdieu, Pierre (1998), Les règle de l’art, Paris, Seuil

Brahimi, Brahim (1989), Le pouvoir, la presse et les intellectuelles en Algérie, L’Harmattan.

Chalabi, El-Hadj (1999), La presse algérienne au-dessus de tout soupçon, Alger–Paris, édition Ina-Yas.

Djeghloul,  Abdelkader (1984) Eléments d’histoire culturelle, Alger, ENAL.

Derradji, Ahmed (1995), Le droit de la presse et la liberté d’information et d’opinion dans les pays  arabes, édition  Publisud.

Fauré, Christine (1988), Les déclarations des droits de l’homme de 1789, Paris, Payot. – Habermas, Jürgen (1992), De l’éthique de la discussion, tr : Mark Hunyadi, Paris, les éditions du Cerf

Habermas, Jürgen (1998), L’intégration républicaine, traduit par Rainer Rochlitz, Paris, édition Fayard.

Habermas, Jürgen (1997), Droit et démocratie (Entre faits et normes), traduit par Rainer Rochlitz et Christian Bouchain d’homme, Paris, Gallimard.

Habermas, Jürgen (1990), L’espace public, traduit  par Marc B de Launay, édition  Payot.

Ihaddaden,  Zahir (2003), Histoire de la presse indigène en Algérie, Des origines jusqu’en 1930 Alger, Les éditions Ihaddaden.

Koebel, Michel (2007), « Les travers de la démocratie participative », in Revue Sciences humaines, n°9, mars-mai.

Labter, Lazhari (2005), Journalistes Algériens 1988-1998 (Chronique des années d’espoir et de terreur), Alger, éditions Chihab.

 الهوامش

[1] Habermas, J. (1990), L’espace public, traduit  par : Marc B de Launay, Paris, éditions Payot, p.36.

[2] Ibid , p.254

[3] Fauré, C. (1988), Les déclarations des droits de l’homme de 1789, Paris, Payot,  p.18.

[4] Ibid, p.13.

[5] Ageron, C-R. (1979), Histoire de l’Algérie contemporaine, Paris, PUF, p.161.

[6] Ibid,  p. 64.

[7] Ibid, p .69-70.

[8] Ihaddaden, Z. (2003), Histoire de la presse indigène en Algérie, Des origines jusqu’en 1930,  Alger, Les éditions Ihaddaden, p.11.

[9] Brahim, B. (1989), Le pouvoir, la presse et les intellectuelles en Algérie, L’Harmattan, p.35.

[10] قانون الإعلام (بدون مؤلف)، الجزائر،  ديوان المطبوعات الجزائرية، 1982، ص.3.

[11] المرجع نفسه، ص.6.

[12] Journal officiel de la république algérienne n°14 du 4 Avril 1990.

[13] Labter, L. (2005), Journalistes Algériens 1988-1998(Chronique des années d’espoir et de terreur), Alger, édition Chihab, p. 33-43.

[14] Chalabi, E. (1999), La presse algérienne au-dessus de tout soupçon, Alger–Paris, édition Ina-Yas, p.47-48.

[15] Ibid, p.54-55.

[16] Derradji, A. (1995), Le droit de la presse et la liberté d’information et d’opinion dans les pays  arabes, édition  Publisud, p. 24-25.

[17] Ancer, A. (2001), Encre rouge le défi des journalistes algériens, Alger, édition EL Watan, p.22.

[18] Ibid, p.30.

[19] Ibid, p. 46-47.

[20] Habermas, J., L’espace public, op.cit., p. 49.

[21] Bourdieu,  P. (1998), Les règle de l’art, Paris, Seuil,  p. 200-201.

[22] Djeghloul, A, (1984), Eléments d’histoire culturelle, Alger, ENAL, p.125.

[23] Bachetarzi, M. (1986), Mémoire,  tome III, Alger, ENAL, p. 22-23.

[24] Ibid, p.38-39.

[25] نستند هنا إلى عملنا المنجز عن مسرحية الأجواد و المقابلات  التي أقيمت مع ممثلين بالمسرحية و  التي دعمت العمل.

[26] Habermas, J,. L’espace  public, op.cit., Préface de 1990, p .XXII.

[27] Kaddache, M. (1993), Histoire du nationalisme algérien, Alger, ENAL, p.211.

[28] Ageron, C-R (1979), Histoire de l’Algérie contemporaine 1871-1954, Paris, PUF, p. 351.

[29] Addi, L. (1994), L’Algérie et la démocratie, Paris, édition la découverte, p.132-133.

[30] Ibid, p.137.

[31] Ibid, p. 140-141.