Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2013 ، ص.05-09، ردمك 9-53-813-9961-978 | نص كاامل


شريف سيني

اعتبرت المرأة والأسرة في المجتمعات التقليدية المصدر الأول للتنشئة الاجتماعية، بحكم إشرافهما على عملية إعادة إنتاج القيم المجتمعية المشتركة وفي مستهلها اللغة وعناصرها السوسيوثقافية. إن تبني المجتمع لهذا التصور كأساس للتفاعل الاجتماعي أدى إلى توجيه انتقادات للرجل لإسهامه في جلب عادات، مفردات وشظايا لغوية حين عودته من رحلة البحث عن الطعام و ذلك بفعل احتكاكه بمنظومات ثقافية ولغوية مغايرة، الأمر الذي جعل الأسرة تفرض ضوابط ضمنية متعلقة بالممارسات اللغوية للحفاظ على التراكيب الأصلية.

على هذا الأساس جسدت المرأة، بفضل الدور المنوط بها، حصنا واقيا لضمان استمرارية البنية الثقافية للمجتمع من خلال عملية تلقين قواعد اللغة وتراكيبها، فنون الطبخ، الأزياء...إلخ،  في حين جسد الرجل السلطة التي يتم اللجوء إليها في حال التمرد أو تعرض القواعد الثقافية الضمنية للخطر.

لكن ما يمكن قوله هو أن هذه المعطيات لم تعد متداولة حاليا في ظل التحولات الطارئة على مكانة المرأة الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية (إتاحة فرص التعليم واكتساب المعارف والخبرات، الحصول على منصب عمل ودخل مادي ثابت الخ....) إلى جانب ولوجها مجالات كانت فيما سبق حكرا على الرجل؛ فالعصرنة أو الحداثة لم تُعِد رسم العلاقة بين المرأة والرجل فقط، وإنما ساهمت في بلورة وتعميم نظام اجتماعي جديد تجلت أهم ملامحه في الأسرة النووية، الأمر الذي ساهم في اختلاط بين اللهجات المحلية أو الجهوية وأحيانا بين اللغات المختلفة.

وإذا كان هذا الاحتكاك والامتزاج جليا في المدن والمناطق الحضرية على عكس المناطق الريفية، فالتحضر / التمدن ليس العامل الوحيد المؤثر في التحولات السوسيولغوية التي يشهدها الفضاء الاجتماعي الجزائري. فالتجانس الثقافي المنشود من قبل السلطة وتجديد الاهتمام باللغة الشفهية وإخضاعها للموروث الثقافي المكتوب في السياق الحداثي يندرجان ضمن السياسة اللغوية في الجزائر الفاعلة في سياق عولمي جارف. فنحن في الحقيقة في مواجهة تطور يشمل السياق الاجتماعي الوطني برمته ومن ضمنه / جملته الممارسات اللغوية داخل الفضاء الأسري.

فمساهمة الأسرة والمرأة على وجه الخصوص في هذه السيرورة لا تندرج ضمن الصورة النمطية التقليدية لدورها، وإنما ترتبط بمساعي حثيثة لتجسيد أنماط جديدة للنجاح الاجتماعي تشكل اللغة قوة محركة لها.

والأكيد أنه برغم عدم استئثار الممارسات اللغوية العائلية على الرصيد اللغوي لكل شخص، فهي ما زالت تشكل أحد الرهانات السلطوية داخل الوحدة الأسرية بالرغم من التماس بعض الاختلافات الجوهرية عند الأسر النووية مقارنة بغيرها وبالتحديد في حال ممارسة الأم أو الجدة لعمل مأجور.

فلقد شهدت عملية تعليم اللغة للأطفال، ومن ضمنها اللغات الأجنبية، تحولا جوهريا حيث انتقلت من حتمية التواصل والتوارث إلى عامل من عوامل تحقيق النجاح الاجتماعي، وبالتالي اندرجت ضمن ديناميكيات التحولات السوسيوثقافية الراهنة للمجتمع. ومن هنا، فبدلا من اعتبار هذا الفضاء ملتقى المظاهر الواجب حمايتها أو موروث نقوم بالحفاظ عليه ضد كل تيار خارجي، أضحى يجسد هذا التغيير مشاريع للبناء مع وجوب عدم المساس بثوابت الرصيد الثقافي للمجتمع على المستوى الأسري، القروي، الجهوي والوطني.

دفعت هذه التحولات عددا من الباحثين إلى صياغة مجموعة من التساؤلات البحثية لرصد حيثيات الظاهرة ودوافعها، تساؤلات يمكن إجمالها في الآتي: 

ما هو واقع اللغات وعناصرها الثقافية داخل الفضاء الأسري الجزائري ؟ هل يتم نقل اللهجات / الممارسات اللغوية اليومية على الوجه المطلوب في ظل تحمل المدرسة مهمة التربية اللغوية للطفل ؟ هل ما زالت المرأة حامية التقاليد بعدما أصبحت الاختيارات متاحة أمامها على نقيض الأجيال السابقة ؟ هل تتماثل سلوكات المرأة في حال الانتماء للعائلة النووية أو التقليدية بمعنى العائلات الممتدة ؟ هل يقتضي التحول نحو العائلة النووية تطور الممارسات اللغوية العائلية والاجتماعية على المدى البعيد ؟ كيف يمكن اعتبار الفضاء الأسري النواة للتنظيم الاجتماعي الديناميكي للغاتنا ؟

أثارت هذه التساؤلات جملة من النقاشات التي شكلت محور ملتقى جمع العديد من المختصين الذين حاولوا اثراء الموضوع من منطلق تجربتهم الميدانية وتنوع مشاربهم المعرفية واختلافهم الفكري، نقاشات أشارت في نفس الوقت إلى صعوبة و يسر التحدث بلهجة جزائرية متعددة و في تحول سوسيوثقافي و سوسيولغوي.

طرحت الباحثة دليلة مرسلي أولا اشكالية تأثير الأدوار الجديدة للمرأة على الممارسات اللغوية العائلية، كما قامت بدراسة مسار وشجرة اللغة لعائلتين لتبيان / إبراز العوامل الاجتماعية والثقافية التي تمثل أساس نموذجهم اللغوي ومن ناحية أخرى دور فاعلي اللغة في التطورات الحاصلة.

قدم الباحث شريف سني نتائج التحقيقات التي أجراها مع عائلات بمنطقة تيزي وزو (القبائل) حول مكانة المرأة الحامية للتقاليد واختياراتها بخصوص انتقاء أسماء الأطفال، اللغات الملقنة لهم ونمط الحياة المتعلق بالأسرة النووية المرغوب فيه، حيث أظهرت وجود مؤشرات تنمّ عن تحولات سوسيوثقافية، إذ لم تعد اللغة وعناصرها الثقافية، باعتبارها قيمة اجتماعية مشتركة، أولوية في ذاتها و ذلك بفعل تأثير التعميم التدريجي لنمط الأسرة النووية على الممارسات اللغوية خاصة الذكورية منها.

في نفس الإطار أرجعت الباحثة ربيحة آيت حمو أسباب ابتعاد العائلات عن منح أبنائهم ألقابًا من أصول قبائلية إلى إعادة تأسيس المنظومة اللغوية والثقافية التي تشهدها منطقة القبائل برمتها، حيث توصلت إلى ذلك بعد إجراء مجموعة حوارات مع أشخاص يحملون ألقابًا من أصول قبائلية في طريق الإندثار.

 إضافة إلى مقارنة التعابير المستخدمة من قبل أمهات ماكثات بالبيت وأخريات يمارسن نشاطا اقتصاديا لتقصي التأثيرات الثقافية واللغوية للأطفال المتمدرسين بالروضات (دور الحضانة) والممارسات اللغوية الأسرية.

أكد الباحث رشيد ملال انطلاقا من مقارنته بين الصيغ اللغوية المستخدمة من قبل أمهات ماكثات بالمنزل وأخريات يمارسن نشاطا مأجورا بخصوص المضامين اللغوية والثقافية لوضع أطفالهم برياض الأطفال واللغات المستخدمة معهم ومع أزواجهم.. إلخ، على وجود اختلاف وجهات النظر استنادا لهذا المتغير مع اللجوء إلى استخدام اللغة الفرنسية كمعيار وظيفي وليس قطيعة ثقافية.

أوضحت الباحثة صليحة باعة من جهتها وحسب نتائج التحقيقات التي أجرتها مع أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 5 سنوات إلى 6 سنوات (مرحلة ما قبل التمدرس) بمنطقة بجاية بأن استخدام أكثر من لغة يساعد على تطوير القدرات الذهنية والإدراكية لديهم، خصوصا الذاكرة.

خلصت الباحثة نوال حمدوش بعد اجرائها لمقارنة بين مجموعة من المتمدرسين من مدينتي سطيف وبجاية، يستخدمون على التوالي اللغة العربية واللغة القبائلية باعتبارهما اللغة الأم، إلى حيوية هذه الأخيرة بالنسبة للطرفين واختلاف قدراتهما التعبيرية في مجال اللغة العربية الرسمية (المستعملة بالمدرسة) واللغة الفرنسية، فلقد لاحظت تمكن المتعلمين من بجاية من اللغتين على نقيض زملائهم من سطيف.

 في السياق ذاته، حاول الباحث محي الدين عز الدين الاطلاع على مكانة اللغة الفرنسية في الممارسات اللغوية العائلية بتلمسان، حيث لاحظ من خلال استماعه لأربع تسجيلات أجريت مع أسر تلمسانية "بأن أهمية استخدام اللغة الفرنسية في العديد من القطاعات، يلعب دورا في تحديد الممارسات اللغوية العائلية، بالأحرى تأسيس سياسة لغوية عائلية".

حاول الباحث محمد زكرياء علي بن شريف دراسة الأطر والأنماط المشجعة على اكتساب وانتقال اللغة الفرنسية في الفضاء الأسري التلمساني، حيث عمم نتائج الملاحظات التي قام بها على بعض العائلات ومفادها الاستخدام المطلق للفرنسية والتناوب الرمزي.

استطاعت الباحثة عالجية أوطالب بأسلوب يمزج بين السرد والخطاب المنقول إبراز التوزيع الوظيفي للغتين الفرنسية والقبائلية في الممارسات الخطابية لاثنين من الأزواج من منطقة تيزي وزو، كما تمكنت من نقل مشاعرهم بالتعبير اللفظي اتجاه اللغة القبائلية، العربية والفرنسية، فلقد لاحظت بأنهم :  "يستعملون اللغة الفرنسية أثناء الحديث عن المدرسة، العمل، أما في الحياة العائلية اليومية، خاصة خلال النزاعات والشجار والمشاحنات فإنهم يلجؤون إلى القبائلية و على العموم، و في حالات خاصة، كالتحيات، التعبير عن المشاعر، التعابير السعيدة، يتم اللجوء إلى اللغة الفرنسية ؛ فظاهرة "التلاعب باللغات" أو "التلاعب بين اللغات" يشير إلى انتماء كامل للغتين اثنثين و بالتالي إلى ثقافة مزدوجة ".

لجأت الباحثة دليلة تميم إلى استبيان موجه إلى 26 متعلمًا بمدرسة خاصة بمدينة عنابة، حيث كشف بأن الفرنسية تحقق التفوق السوسيووظيفي، العربية الدارجة تندرج ضمن الاستمرارية ثقافية، العربية الفصحى لغة الأدب والصحافة، أما الانجليزية فسيقت ضمن إطار عولمي حيث أضحت تمثل لغة الحوار العالمي، الأنترنت والاقتصاد....

تناولت الباحثة فريدة بومدين أهمية المرجعية الثقافية في تحديد القيم السوسيوثقافية، بعد إجرائها لحوارات مع ناطقين باللغتين العربية والقبائلية بمدينة تيزي وزو للإطلاع على ممارساتهم اللغوية بالفضاء العائلي.

أجرى الباحث حلوان حسان تحقيقات شملت الوسط العائلي الممتد والنووي، خلال فترات الدراسة والعطل في 6 مدارس ابتدائية بمنطقة واصيف، انطلاقا من العلاقة بين الحضر والريف ومن منظور انتقال الموروث الثقافي واللغوي.

في سياق مشابه، طرحت الباحثة نجوى رعود اشكالية العلاقة بين التغيير اللغوي والنجاح الدراسي والاجتماعي عند خمس أسر من منطقة سيدي لحسن التابعة لولاية سيدي بلعباس، أين تتراوح اللهجات نوع من التنميط و التمايز الجماعاتي.  

أخيرا، أجرت كريمة آيت دحمان مقابلات مع 25 شخصًا تراوح سنهم ما بين 20 و 35 سنة و منحدرين من أصول مغاربية مهاجرة بمدينة موبلييه الفرنسية، وذلك لتحري تمثلاتهم وتصوراتهم عن اللغات الممارسة بالوسط العائلي خاصة اللغة العربية.        

شريف سيني

ترجمة لعاقر سعاد