Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

كتب كراسك، 2013 ، ص.33-62، ردمك 9-53-813-9961-978 | نص كاامل


نوال حمادوش -عمورا

 

لا يختلف اثنان في اعتبار اللغة الأم، إنما هي اللغة الأولى التي يتم فهمها، تعلمها و من ثم تكلمها من طرف الأفراد في أحضان أول مؤسسة تربوية، و التي عادة ما تكون الأسرة، خلال فترات الطفولة الأولى.

و عليه، فكما قد يشترك جل الأفراد في مجتمعات معينة في اللغة الأم، قد يحدث، و أن تتنوع هذه الأخيرة وتختلف في البعض الأخرى. و لعل ذلك حال المجتمع الجزائري الذي، وعلى غرار المجتمعات المتعددة، تتباين لغات أم أفراده بين جملة من اللغات هي اللغة العربية، اللغة الأمازيغية  بل و حتى اللغة الفرنسية.

هذا، و تجدر الإشارة في هذا المقام، أنه  وكما قد تكون واحدة من اللغات المذكورة أعلاه اللغة الأم للأفراد وبشكل إقصائي، قد تتوصل اثنتين من بينها أو الثلاث لأن تكون مجتمعة، اللغات الأم لهم، كل تبعا لفرص الحياة والمعيشة، الأصول، المحددات الجغرافية، الاثنية، الاتصالية  و غيرها.

تأتي هذه الدراسة لإثبات صحة ذلك، خصوصا و أنها تستند للمقارنة بين مجموعتين من المكونين المتشابهين في السن، فروع التكوين، الجنس و مدة التكوين (100 مكون من كل منطقة)، و لكن مختلفتين في المنطقة التي يتم العيش فيها. فكانت إحدى هذه المنطقتين ممثلة لبوابة الهضاب العليا – سطيف-، في حين كانت الأخرى البوابة الصغرى لمنطقة القبائل –بجاية-، ومن ثم الإجابة عن سؤال مفاده:

  • هل يملك الشباب الجزائري و الذي أنهى تكوينه في المدرسة الجزائرية، مهما كانت المنطقة الجغرافية التي ينتمي إليها ومن ثم مهما كانت لغته الأم، نفس الخصائص، العادات، الاستعمالات و الممارسات اللغوية ؟

الأمر الذي لن يتم الإجابة عنه إلا بعد ضبط و تحديد اللغات الأم للمبحوثين في ظل تلك الخاصة بأوليائهم، و ذلك قبل التعرض لوصف ممارساتهم و استعمالاتهم اللغوية، حيث جاء هذا الجدول، مبينا لإجابات المبحوثين عن السؤال الذي مفاده : "ما هي اللغة الأولى، التي تم تكلمها عندما كنت  صغيرا ؟".

الجدول رقم (01): يوضح اللغة الأم للمبحوث حسب المنطقة الجغرافية

اللغات الأم

المنطقة الجغرافية

للمبحوث

المجموع

العربية

الفرنسية

الأمازيغية

الهضاب العليا

88

 %88.0

01

%01.0

11

%11.0

100

100 %

القبائل الصغرى

11

%11.0

02

%02.0

87

%81.0

100

100 %

المجموع

98

49,0 %

03

01.5 %

98

49,5 %

200

100 %

إن  معاينة النتائج الموضحة في الجدول أعلاه تُبين، أن هناك انقساما متساويا نسبيا في لغات أم المبحوثين. فقد ظهر هؤلاء منقسمين و بشكل أساسي بين اللغتين الأمازيغية و العربية باعتبارهما لغات أم، ذلك بنسب كلية هي (49,5 %) و(49,00 %) على التوالي. في حين ظهرت نسبة (1,5 %) ممثلة للمبحوثين التي كانت اللغة الفرنسية لغتهم الأم.

هذا و يسهل ملاحظة زيادة نسبة كون اللغة الأمازيغية اللغة الأم لدى المبحوثين القاطنين لمنطقة القبائل الصغرى حيث بلغت (87 %) ،لتنخفض نسبتها لدى المبحوثين القاطنين لمنطقة الهضاب العليا، فتظهر بنسبة (11 %).

تماما كما يتم ملاحظة ذات الشيء بالنسبة للغة العربية، حيث تسجل زيادة نسبة كونها اللغة الأم للمبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، حيث ظهرت بنسبة مماثلة هي (88 %) و انخفاضها لدى المبحوثين القاطنين لمنطقة القبائل الصغرى، حيث تمثلت بـنسبة (11 %).

في وقت ظهر فيه المبحوثون الذين تعتبر اللغة الفرنسية لغتهم الأم بنسبتي (02 %) و (01 %) في كل من منطقتي القبائل الصغرى و الهضاب العليا، بهذا الترتيب.

 هذه النتائج التي يؤكد تباينها، قيمة (khi-deux de pearson) المحسوبة والمقدرة بـ (119,16)، و هي أكبر من قيمة (khi-deux de pearson) المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) و درجات الحرية 02 = α والمقدرة بـ (5.99).

و هو ما يعني أنه توجد فروق ذات دلالة إحصائية في اللغة الأم للمبحوثين تبعا للمناطق الجغرافية التي يقطنونها.

هذا الأمر يضمر سوسيولوجيا اختلافا في الأصول الاثنية و الاجتماعية والثقافية. فما دامت اللغة الأم، -و كما تمت الإشارة له سابقا -، عبارة عن اللغة الأولى المستهلكة و من ثم المنتجة من طرف الأفراد ضمن أول المؤسسات التنشئوية الممثلة في الأسرة؛ فقد بات من البديهي أن تكون لغات أم الأفراد القاطنين للمناطق المأهولة بجماعات مميزة على المستوى الاجتماعي، الاقتصادي و الثقافي ذاتها لغة أم أسلافهم و أوليائهم .

و يكفي فقط في هذا السياق مقارنة الجدول الخاص بلغة أم المبحوثين و ذلك الخاص بلغات أم أوليائهم،  وبشكل خاص أمهاتهم، حتى يتبين و بجلاء التماثل الشديد بينهما [ أنظر الجدولين (01)، (02) ].

هذا التماثل الذي يؤكد و بوضوح دور التنشئة اللغوية الوالدية في قولبة الممارسة اللغوية الأولية للأفراد، باعتبار أن ممارسة لغة ما (إن كان استهلاكا أو إنتاجا) داخل البيت من طرف أحد الوالدين، و بشكل أكبر الأم، يؤدي بالضرورة لتوارثها و استدخالها آليا من طرف الأبناء.  

الجدول رقم (02) : يبين لغات الأم لأولياء المبحوثين

المنطقة

اللغة الأم لأولياء

لأولياء المبحوث

المجموع

العربية

الفرنسية

الأمازيغية

منطقة الهضاب

العليا

الوالد

85

.085 %

01

.001 %

14

.014 %

100

100 %

الوالدة

87

87.0 %

01

.001 %

12

.012 %

100

100 %

المجموع

172

86 %

02

01 %

26

13 %

200

100 %

منطقة القبائل الصغرى

الوالد

06

.006 %

01

.001 %

93

93.0 %

100

100 %

الوالدة

09

09.0 %

00

00.0 %

91

91.0 %

100

100 %

المجموع

15

07.5 %

01

00.5 %

184

92.0 %

200

100 %

المجموع

187

46,75 %

03

0,75 %

210

52,5 %

400

100 %

معطيات هذا الجدول، بدورها، جاءت على شاكلة معطيات الجدول السابق حيث أظهرت هي الأخرى انقساما في لغات أم أولياء المبحوثين حيث ظهروا مفيئين، و بشكل أساسي بين اللغتين الأمازيغية والعربية، باعتبارهما لغات أم، ذلك بنسب كلية هي : (52,5 %) و (46,75 %) على التوالي، في حين ظهرت نسبة (0,75 %) ممثلة للأولياء الذين كانت اللغة الفرنسية لغتهم الأم. هذا، ويعاود ملاحظة، و بسهولة، زيادة نسبة كون اللغة الأمازيغية اللغة الأم لأولياء المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى حيث بلغت (92 %)، لتنخفض نسبتها لدى أولياء المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، حيث ظهرت بنسبة (13 %).

تماما كما يلاحظ زيادة نسبة كون اللغة العربية اللغة الأم لأولياء المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا حيث بلغت (86 %)، و انخفاض نسبتها لدى أولياء المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، حيث ظهرت بنسبة (7,5 %) فقط.

في وقت ظهر فيه الأولياء الذين تعتبر اللغة الفرنسية، لغتهم الأم بنسبتي (1 %) و (0,5 %) في كل من منطقة الهضاب العليا و منطقة القبائل الصغرى .

هذا و بالإضافة لما تحيل إليه هذه النتائج من تباين، تؤكده قيمة (khi-deux de pearson) المحسوبة والمقدرة بـ (126,91) للآباء و (124,96) للأمهات، المجدولتين عند المستوى الخطأ (0,05) و درجات الحرية 02 = α و المقدرة بـ (5.99).

ذلك ما يعني تواجد فروق ذات دلالة إحصائية في اللغة الأم الخاصة بأولياء المبحوثين تبعا للمناطق الجغرافية، و يشير أيضا إلى العلاقة الطردية الكائنة بين لغة أم الأولياء، من جهة؛ و اللغات الأم الخاصة بالأبناء، من جهة أخرى: فكلما زادت نسبة كون اللغة العربية اللغة الأم لدى أولياء المبحوثين كلما زادت نسبة كون هذه اللغة ذاتها اللغة الأم للأبناء.

و كلما انخفضت نسبة كون اللغة العربية اللغة الأم لدى أولياء المبحوثين، كلما انخفضت نسبة كونها اللغة الأم للأبناء. والأمر ذاته بالنسبة للغة الأمازيغية، بل وحتى اللغة الفرنسية*.

و في ذلك إشارة إلى إن حظوظ لغة في مجتمع ما تتقوى بشكل أساسي داخل الوسط الأسري، أي من خلال الوالدين، إن لم نقل بأنها تتصلب أكثر بمساعدة الأم، لا لشيء سوى لاعتبار أن الوالدين، والأم على وجه الخصوص، أسبق الأفراد في التفاعل مع الطفل و أكثرهم قضاء للوقت معه. و من ثم فهما أهم الواضِعيْن للإطار اللغوي القاعدي الذي يتم من خلاله - و بشكل أولي- الاستهلاك و الإنتاج، منذ الفترات الأولى للتنشئة الاجتماعية.

و ليس أحسن برهانًا على هذه الاستنتاجات، سوى ما يحدث مع اللغة الأمازيغية التي، و بمقارنتها بغيرها في مجتمعنا، تراهن على الوسط الأسري من أجل مواصلة توريثها للأجيال الناشئة، ذلك بحكم أن تعلمها ينحصر داخل هذا الوسط بالذات، عكس اللغتين العربية و الفرنسية مثلا و اللتين، حتى و إن لم يتم ممارستهما داخل المحيط الأسري، فيتسنى ممارستهما خارجه، طالما أنهما مسجلتين في المدرسة، و المحيط العام.

و عليه، يمكن استقراء، و من خلال كل ما سبق، أن للعامل اللغوي الوراثي وزن و دور في التأثير على ممارسات أفراد العينة اللغوية مما يؤسس لاختلافها من فرد لآخر، ذلك بالإضافة طبعا لعوامل أخرى سيتم التحقق من دورها في ما يلي.

هذا و تظهر القراءة الأولية لمختلف الجداول الموالية، و التي دارت في فلك الممارسة اللغوية للمبحوثين، أن الاستعمالات  اللغوية إنما هي متباينة و مقسمة تبعا لثلاث لغات هي: اللغة العربية، اللغة الأمازيغية و اللغة الفرنسية. هذه اللغات تنشط الفضاء اللغوي العام للمجتمع الجزائري، إمّا بشكل أحادي، أي من خلال إحدى اللغات المذكورة، أو بشكل متزامن، أي لغتين أو أكثر، و ذلك باختلاف المواضع الاجتماعية، سواء أتعلق الأمر بـ: الموضع الأسري، المدرسي أو العام، أو بتباين المواقف الاتصالية، سواء أتعلق الأمر بصيغة يكونون فيها هم القائمين بممارسة و استعمال اللغات مع الآخرين، أو بصيغة المتجاوبين مع ممارسات واستعمال اللغات، عند قيام الآخرين بها.

جاءت نتائج الجدول التالي، مترجمة لإجابات المبحوثين عن السؤالين الذين مفادهما:

- ما هي اللغة / ت التي يحدثك بها أفراد الأسرة من أب، أم و إخوة / أخوات ؟

- ما هي اللغة / ت التي تحدث بها أفراد الأسرة من أب، أم، إخوة/أخوات ؟      


الجدول رقم (03): يبين اللغة/ات التي يستعملها المبحوث مع أفراد الأسرة من أب، أم، إخوة و أخوات.

 لقد توزعت كلا من استعمالات أفراد الأسرة مع المبحوثين و استعمالات المبحوثين أنفسهم من أفراد أسرهم، و بشكل أساسي، بين اللغتين العربية والأمازيغية بنسبة كلية هي (33,5 %) و (28,33 %) مقابل (36 %) و (27,50 %) بهذا التسلسل؛ في حين ظهرت الاستعمالات الثنائية (أمازيغية / فرنسية) و (عربية / فرنسية) من طرف أفراد الأسـرة مع المبحوثين بشكل متقارب حيث تمثلت في (14,66 %) و(13 %) بهذا الترتيب، و من طرف المبحوثين مع أفراد أسرهم بـ (18,33 %) و(9,66 %) على التوالي، لتظل باقي اللغات مستعملة و بشكل مشتت، حيث لم تتعدى نسب الاستعمال (10 %) لكل منها.

هذا، و تجدر الإشارة هنا إلى أنه تتزايد نسب استعمال اللغة العربية من طرف أسر المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا حيث تصل إلى (65,66 %)، فتظهر الأمهات بنسبة استعمال غالبة تتمثل في (78 %)، يتبعها كلا من (الإخوة والأخوات) و الآباء بـ (64 %) و (55 %) لكل منهما. الشيء نفسه يتم ملاحظته بالنسبة لاستعمال اللغة العربية من طرف المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا مع أفراد أسرهم، حيث تصل إلى (70 %) يظهر استعمالها مع الأمهات غالبا، حيث تبلغ نسبة (78 %) يتبعها استعمال هذه اللغة مع الأولياء و الإخوة، بنسبة مماثلة هي (66 %). لتنخفض نسبة استعمال هذه اللغة تماما لدى أفراد أسر المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، حيث لا تتعدى نسبة (1,33 %) : ففي حين يستعملها الآباء بنسبة (3 %) و الأمهات بنسبة (1 %)، لا يقوم الإخوة والأخوات باستعمالها تماما مع المبحوثين.

الشيء نفسه يتم تسجيله بالنسبة لانخفاض استعمال اللغة العربية لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى مع أفراد أسرهم، حيث تظهر فقط بـ (2 %)، فيقتصر استعمالها مع الأمهات بـ (4 %) و الآباء بـ (2 %).

و طبعا، و بشكل معاكس، تتزايد نسب استعمال اللغة الأمازيغية من طرف أفراد أسر المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى حيث تمثل بنسبة (52 %) فتظهر دائما الأمهات بأكبر نسبة استعمال حيث تصل إلى (68 %)، يتبعها الآباء والإخوة بـ (50 %) و (38 %) لكل منهما. هذا و تستعمل اللغة الأمازيغية من طرف المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى مع أفراد أسرهم بنسبة (52 %)، و تظهر الاستعمالات مع الأمهات، الآباء و الإخوة، مماثلة لاستعمالات هؤلاء مع المبحوثين؛ لتنخفض نسبة استعمال هذه اللغة و بشكل بديهي لدى كل من أفراد الأسر و المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، حيث لا تتعدى نسبة الاستعمال من طرف أفراد الأسر (5,66 %) و من طرف المبحوثين نسبة (3 %).

الأمر سيان بالنسبة لاستعمالات الثنائية (أمازيغية / فرنسية) و (عربية / فرنسية)، حيث يتزايد استعمال الثنائية الأولى عند أفراد أسر المبحوثين و هؤلاء بالذات، الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، حيث ظهر الاستعمال لها بـ (28,66 %) و بـ (15,33 %) على التوالي. ذلك بنسبة استعمال غالبة من طرف (الإخوة/ الأخوات). و تنخفض تماما عند أفراد أسر المبحوثين و هؤلاء بالذات الممثلين لمنطقة الهضاب العليا.

و العكس صحيح بالنسبة لاستعمال الثنائية (عربية / فرنسية) و الاستعمال الثلاثي للغات بالرغم من كونه قد ظهر بنسبتي استعمال (8,83 %) و (9,16 %) فقط لكل من أفراد الأسرة و المبحوثين، إلا أنها تتزايد بالنسبة لأولئك الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى حيث تتجاوز (15 %) بالنسبة لاستعمال أفراد  الأسرة و(13 %) بالنسبة لاستعمال المبحوثين مع أفراد أسرهم، و في كلتا الحالتين نسب استعمال من طرف الإخوة والأخوات.

أمام جملة هذه النتائج، نستشف تجانسات نسبية و نستنتج فروقا جوهرية بين الاستعمالات اللغوية بالمقابل، إن كان القائم بهذه الاستعمالات المبحوث نفسه مع أفراد أسرته، أو كان فيها المستقبل لها منهم في كل من منطقتي الهضاب العليا والقبائل الصغرى.

هذه الفروق التي أكدتها بداية قيم (khi-deux de pearson ) لاستعمالات أفراد الأسرة اللغوية و المقدرة بـ (149,057) للآباء و بـ (153,152) للأمهات و بـ (154,545) للإخوة و الأخوات، المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) و درجات الحرية 60 = α، المقدرة بـ (12.59) من جهة و للاستعمالات اللغوية للمبحوثين أنفسهم مع أفراد أسرهم والمقدرة بـ (152,438) للآباء و بـ (142,597) للأمهات وبـ (151,728) للأخوة و الأخوات المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) ودرجات الحرية 60 = α المقدرة بـ (12.59)، من جهة ثانية.

ذلك ما يحيل لتواجد فروق نمطية تضمر اشتراكا موقفيا من استعمال اللغة الأم مع و من طرف الأولياء/الأبناء.

فلما كانت اللغات الأم الخاصة بالمبحوثين و أوليائهم موزعة و بشكل أساسي بين اللغة العربية في منطقة الهضاب العليا، واللغة الأمازيغية في منطقة القبائل الصغرى، كان من البديهي أن تظهر كل لغة أم، كلغة تواصل مركزية، إن كان استعمالها من جهة الأولياء، أو من جهة المبحوثين .

و لعل (برشتاين  Berstein) و غيره من المتخصصين قد سبق لهم و أن أكدوا على أن الاكتساب الطبيعي لأي لغة من طرف الأفراد إنما يتم بطرق متداخلة لدرجة يصبح فيها أهم ما يشتركون و يجتمعون فيه، في حالة التلقي والممارسة للغة الأم، هو الالتقاط الشعوري لها. هذا الالتقاط يؤدي جنبا إلى جنب النمو  البيولوجي بالفرد لاستعمال هذه اللغة في حياته بيسر و طلاقة، دون التفكير فيما يراد قوله[1].

فيصبح من الأمور العادية و الطبيعية أن يتواصل الأفراد في البيت، بواسطة اللغة المشتركة بينهم، و التي هي في الأساس اللغة الأم.

و من ثم فالفروق المسجلة في استعمالات المبحوثين اللغوية بين منطقة الهضاب العليا و منطقة القبائل الصغرى، لا يمكن تفسيرها سوى بالعودة لبنية الوعي اللغوي. هذه الأخيرة التي لطالما تكون مشروطة اجتماعيا تبعا لنوع العلاقات التي تسود الوسط الأسري والذي، غالبا، ما يتميز بعلاقات المحبة الحميمية وتعليق شتى أنواع و أشكال الرسمية. مما يؤدي في الأخير للنزوع لاستعمال أدنى مجهود ممكن عند التواصل، بالتوازي مع الوثوق من فهم المستمعين، من جهة؛ و لتعليق كل أنواع  العنف الرمزي الممكن ممارسته عبر السلوك اللغوي، من جهة أخرى على حد تعبير (بورديو Bourdieu)[2].

و ليست نسبة الاستعمال الإقصائي للغة الأم مع الوالدة و استعمال هذه الأخيرة لهذه اللغة بالذات بشكل غالب، إن كان في منطقة الهضاب العليا أو منطقة القبائل الصغرى، من جهة؛و نسبة الاستعمال الثنائي للغة الأم و اللغة الفرنسية مع الإخوة والأخوات، و استعمال هؤلاء لهذه الثنائية مع المبحوثين المتصاعدة في كلا المنطقتين، من جهة ثانية؛ سوى تأكيد على ما تم التوصل إليه من استنتاجات أعلاه، خصوصا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار أن:

الأمهات، و بالنظر للمراحل التاريخية التي عشنها، من جهة؛ و لفعالية تقاليد معينة كانت سائدة خلالها من جهة ثانية، تجعل من فرص التعليم أمامهن تتضاءل، و من ثم فمعرفة استعمال لغة مغايرة للغة الأم تصبح جد ضعيفة، الأمر الذي يستلزم استعمال هذه الأخيرة و استعمال أبنائهن لها معهن؛

الإخوة/ الأخوات، و بحكم صغر السن و فرص  التعليم المتاحة أمامهم مقارنة بأمهاتهم، ناهيك عن عيشهم في خضم ظروف مغايرة، و تفاعلهم و تطورهم ضمن وسط مجتمعي متعدد و معقد لغويا؛ فذلك يؤدي بالضرورة لاستعمال اللغة الأم بشكل قاعدي، ما دام أن العلاقة بينهم و بين المبحوثين لا تفتقد للحميمية، لكن ويضاف لها استعمال اللغة الفرنسية. هذه الأخيرة التي يظهر حضورها وبشكل  قوي في استعمالات المبحوثين مع غيرهم، فتشير، من ثم، إلى أنها باتت تأخذ مكانة أساسية بالنسبة للجميع باختلاف انتماءاتهم الجغرافية.   

هذا و تكملة للنتائج السابقة، فلقد جاءت نتائج الجدول التالي مترجمة لإجابات المبحوثين:

- ما هي اللغة / ات التي يحدثك بها أفراد المحيط المدرسي (زملاء المدرسة) و أفراد المحيط العام (رفاق غير المدرسة) و- ما هي اللغة / ات التي تحدث بها أفراد المحيط المدرسي (زملاء المدرسة) و أفراد المحيط العام (رفاق غير المدرسة)؟

الجدول رقم (04) : يبين اللغة / ت التي يستعملها المبحوث مع أفراد المحيط المدرسي / العام

لقد توزعت كلا من استعمالات أفراد المحيطين المدرسي و العام مع المبحوثين واستعمالات المبحوثين أنفسهم من أفراد المحيط و بشكل متجانس أساسا بين اللغة العربية و بين الثلاثية اللغوية (عربية/ فرنسية / أمازيغية) بنسب كلية هي (36 %) و(22,25 %) بهذا الترتيب.

في حين ظهرت الاستعمالات الثنائية (أمازيغية / فرنسية) و (عربية / أمازيغية) سواء من جهة أفراد المحيط أو من جهة المبحوثين بنسب متساوية ممثلة في (18,75 %) و (13,75 %). لتظل باقي اللغات و الثنائيات مستعملة وبصفة مشتتة، حيث لم تتجاوز نسب استعمالها من الطرفين (10 %) لكل منها.

ترتفع بشكل ملفت نسبة استعمال اللغة العربية من جهة الطرفين في منطقة الهضاب العليا، حيث تتوصل لأن تتمثل في (72 %) لكل منهما. و تنعدم تماما ومن جهة الطرفين في منطقة القبائل الصغرى. و بشكل معاكس، ترتفع نسبة استعمال اللغات الثلاث، و بشكل متزامن، لدى الطرفين في منطقة القبائل الصغرى، حيث تمثل إبتداءا من (41,50 %) وتتناقص بشدة لدى الطرفين في منطقة الهضاب العليا حيث لا تتعدى نسبة (2,5 %).

و أما بالنسبة للاستعمالات الثنائية (أمازيغية/ فرنسية) و (عربية/ فرنسية)، فقد لوحظ استعمال الثنائية الأولى المتزايد عند المبحوثين و أفراد محيطهم في منطقة القبائل الصغرى، حيث ظهر الاستعمال لها ابتداءا من نسبة (18,5 %) و قارب الانعدام عند المبحوثين و أفراد محيطهم في منطقة الهضاب العليا، حيث لم يتعدى الاستعمال الثنائي في مـنطـقة الهضاب العليا بين (الأمازيغية و الفرنسية) نسبة (0,5 %). و العكس صحيح بالنسبة للاستعمال الثنائية (العربية/ فرنسية).

هذه النتائج التي تؤكد على وجود فروق أساسية في الاستعمالات اللغوية بين  المبحوثين و أفراد محيطهم، إن كانوا ممثلين لمنطقة الهضاب العليا أو لمنطقة القبائل الصغرى.

هذه الفروق أكدتها بداية قيم (khi-deux de pearson) لاستعمالات أفراد المحيط المدرسي والعام و المقدرة بـ (181,192) و (178,173) و لاستعمالات المبحوثين مع أفراد المحيط المدرسي و العام والمقدرة بـنسبة (177,845) و(174,398) و عند مستوى الخطأ (0,05)، و درجات الحرية 40 = α المقدرة بـ (09.49). أي أن هناك ثبات نمطي في الاستعمالات اللغوية مهما تغير المحيط بالنسبة للمبحوثين لمنطقة الهضاب العليا.

هذه النتيجة هي عكس ما سجل بالنسبة للمبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى حيث عوين وجود تغير في الاستعمالات اللغوية كلما تغير المحيط. فلقد ثبت لجوء المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، و في كل وسط، سواء أكان حميميا، ألا و هو الأسرة، بما يمثله من أولياء، إخوة و أخوات، أو رسميا؛ ألا وهو المدرسة، بما يحتويه من زملاء و رفاق، تلعب الصدفة دورا هاما في جعلهم يربطون علاقات مع المبحوثين. (إن كانوا من ذوي نفس أصولهم أو لا)، أو غير رسمي، والممثل في رفاق غير المدرسة، حيث يلعب الاختيار الشخصي الدور الأهم في مباشرة العلاقة معهم؛ استعمال اللغة العربية.

هذه الأخيرة إن كانت في غالب الأحيان اللغة الأم للمبحوثين، فهي ليست كذلك لجميع أفراد المحيط المدرسي، بل و حتى العام و من ثم يمكن الحديث عن نمطية لغوية ثابتة مهما تغير موضع الاتصال بما يمثله هذا الأخير من فضاء، أفراد وعلاقات، و فرض لاستعمالات مرتكزة على لغة اقصائية، هي اللغة العربية، من جهة؛ و اغتنام فرصة معرفة الآخرين، إن كانوا من نفس الأصول أم لا في المدرسة، أو في غيرها، لهذه اللغة و النزوع، من ثم، لاستعمال أدنى مجهود ممكن عند التواصل معهم، بالتوازي مع الوثوق من فهم كل المستمعين على اختلافهم، و إجبار ذوي اللغات الأم المغايرة، و بشكل رمزي، على التجاوب بهذه اللغة بالذات، من جهة أخرى.

في حين ثبت لجوء المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى لاستعمالات لغوية متبانية و مختلفة تبعا للمواضع الاجتماعية.

فكما تسنى لنا ملاحظة ظهور اللغة الأم، ألا و هي اللغة الأمازيغية، كلغة تواصل أساسية، إن كانت من جهة الأب و الأم، أو من جهة المبحوثين؛ في وقت أنها، وبمجرد الابتعاد عن الأولياء و الاقتراب ممن هم أصغر سنا و أوفر حظا في التعليم ألا و هم (الإخوة / الأخوات)، يبدأ مزجها باللغة الفرنسية.

هذا، و ما أن يصبح المبحوثون خارج المنزل حتى يتم الأخذ بعين الاعتبار بالمعطيات السيوسيولغوية لواقعه (خارج المنزل). فيحدث أن يقيم المبحوثون علاقات زمالة ضمن المحيط الدراسي مع من يملك و مع من لا يملك معرفة باللغة الأمازيغية، لذلك فهم يتعلمون كل اللغات و التي غالبا ما تكون على شكل ثنائيات أي: اللغة الأمازيغية تزامنا مع اللغة الفرنسية، أو اللغة العربية تزامنا مع اللغة الفرنسية.

و ليس المزج هنا كأسلوب لغوي سوى نتاج حتمية موضعية طالما أن التواصل في المدرسة لن يكون بعيدا عن أمور الدراسة البسيطة ذات العلاقة بالبحوث، الامتحانات و المقاييس... و غيرها من الأمور التي يتم تنفيذها باللغة الفرنسية. ومن ثم فالنقاش حولها غالبا ما يسحب استعمال اللغة التي تتم بها.

الشيء نفسه يحدث مع أفراد المحيط العام أين يختار المبحوثون أحيانا كثيرة أصدقاءا لا يحسنون التواصل باللغة الأمازيغية، الأمر الذي يدفع بالمبحوثين للتجاوب مع لغات أم أصدقائهم و من ثم استعمالها.

و عليه يمكن استنتاج أنه كلما اتسعت دائرة العلاقة مع غير أفراد الأسرة، كلما احتكم المبحوثون في منطقة القبائل الصغرى، عكس نظرائهم في منطقة الهضاب العليا، لما يفرضه موضع الاتصال من خصائص سوسيولغوية، و لما يفرضه واقع العلاقة مع الآخرين الذين يمكن أن يكونوا من نفس الأصول، و من ثم ذوي نفس اللغة الأم؛ ليصبح استعمال اللغة الأمازيغية اقصائيا أو تزامنيا مع اللغة الفرنسية واردا جدا، خصوصا و أن هذه الأخيرة تظهر كلغة تكوين غالبة في الجامعة.

كما يمكن أن يكونوا من غير نفس الأصول، و من ثم ذوي لغات أم أخرى ومغايرة، ليتم استعمال اللغة العربية اقصائيا أو تزامنيا مع اللغة الفرنسية، وبالتالي استعمال كل اللغات.

هذا و يمكن إدراج فرق تمت معاينته، و بشكل أولي، و الذي يستدعي المتابعة والتأكيد لاحقا، فيما يخص اللغة الفرنسية و حضورها، و الذي يبدو و كأنه أقوى ضمن الاستعمالات اللغوية الأسرية، المدرسية أو العامة لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل، مقارنة بتلك التي تم رصدها لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا. حيث، و بالرغم من استيفاء شروط تجانس أفراد العينة في التكوين، نوعه ومدته، إلا أنه لوحظ أنه حتى و إن تعلق الأمر بالمكونين الذين تابعوا تكوينهم الجامعي باللغة الفرنسية في منطقة الهضاب العليا، إلا أنهم يستعملون بدرجة أقل هذه اللغة من نظرائهم في منطقة القبائل الصغرى.

*لغات التكوين

من المعروف أن اللغة الرسمية للوطن الجزائري إنما هي اللغة العربية. و عليه، فقد بات من البديهي، و بحكم موقعها، أن تكون لغة التكوين الأساسية والإجبارية بشكل رسمي، طيلة المراحل الابتدائية، الأساسية و الثانوية.

هذا، و وصولا للمرحلة الجامعية، يتم تحديد لغة التكوين ضمنها تبعا للفرع المتبع، فإذا ما كان علميا أو تكنولوجيا، تركت مكانها لصالح اللغة الفرنسية؛ فيما عدا ذلك تحتفظ بمكانتها كلغة تكوين جامعية.

و رغبة منا في معرفة مدى تطابق بين ما يحدث واقعا وبين ما يجب حدوثه وفقا لما هو رسمي، فيما يخص استعمال اللغات، ضمن الإطار التكويني منذ المرحلة الابتدائية و حتى الجامعية؛ جاءت النتائج التالية مبينة لذلك.

الجدول رقم (05): يبين لغة التكوين الجامعي بالنسبة للمبحوثين

         اللغات

المنطقة

 الجغرافية

التي يتم بها التكوين

المجموع

العربية

الفرنسية

العربية + الفرنسية

الهضاب العليا

50

.050 %

43

.043 %

07

.008 %

100

100 %

القبائل الصغرى

00

.000 %

67

.067 %

33

.033 %

100

100 %

المجموع

50

.025 %

110

55,0 %

40

20,00 %

200

100 %

لقد ظهرت لغات التكوين متباينة بين منطقتي الهضاب العليا و القبائل الصغرى، ذلك بالرغم من كونه يتم ضمن نفس الإطار ألا و هو الجامعة، التابع نظريا لوزارة موحدة، و هي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

فتوزعت لغات التكوين بشكل غير متجانس بين لغات ثلاث هي: اللغة العربية / اللغة الفرنسية، و الثنائية اللغوية عربية / فرنسية.

جاءت أكبر نسبة من المبحوثين ممثلة لمن تابع تكوينه الجامعي باللغة الفرنسية حيث تمثلت في (55 %)، تلتها نسب المبحوثين الذين تابعوا تكوينهم باللغة العربية بـ (25 %) و باللغة العربية و الفرنسية بـ (20 %).

ترتفع نسبة التكوين باللغة الفرنسية، اقصائيا  أو تزامينا مع اللغة العربية، في منطقة القبائل الصغرى حيث تصل لـ (67 %) بالنسبة للأولى و بـ (33 %) للثانية؛ لتنخفض في منطقة الهضاب العليا، حيث تمثل بـ (43 %) و (08 %) على التوالي. و عكسيا، ترتفع نسبة التكوين باللغة العربية اقصائيا في منطقة الهضاب العليا حيث تصل إلى (50 %) وتنعدم تماما هذه النسبة في منطقة القبائل الصغرى.

هذه التباينات تؤكدها قيمة (khi-deux de Pearson) المحسوبة و المقدرة بـ (69,489) و هي أكبر من قيمة (khi – deux) المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) و درجات الحرية 20 = α و المقدرة بـ (5.99). و هو ما يعني أنه توجد فروق إحصائية دالة في لغة التكوين الجامعي للمبحوثين تبعا للمناطق الجغرافية أي منطقة الهضاب و منطقة القبائل.

هذه الفروق لا يمكنها الإشارة لخلل في اختيار أفراد  العينة بقدر ما يكشف عن مفارقات و تناقضات ذات دلالة معتبرة فيما يخص عدم توحيد لغات التكوين في الجامعة الجزائرية.

فبالرغم من الإشارة، عند التعرض للسيرورة التاريخية للإطار التكويني في الجزائر، إلى كونه لم يتمكن من الانفلات من حالة الثنائية اللغوية، منذ مطلع الثمانينات؛ حيث يتم بموجب هذه  الحالة، التكوين ضمن العلوم الدقيقة الطبيعية و التكنولوجية و التقنية باللغة الفرنسية. مقابل التكوين باللغة العربية ضمن العلوم الإنسانية والاجتماعية. إلا أنه لا يزال يُحافَظ على هذه  الصورة فقط في الجامعة التي يتكون فيها المبحوثون الممثلون لمنطقة الهضاب العليا، حيث تظهر بعض الفروع الخاصة بالعلوم الطبيعية، و بشكل استثنائي، الوحيدة التي تعتمد على الثنائية (عربية/ فرنسية). بينما تتغير جل هذه المعطيات في الجامعة التي يكون فيها المبحوثون الممثلون لمنطقة القبائل الصغرى، حيث يتم التكوين في جل الكليات و من ثم الفروع، و بشكل أساسي إما باللغة الفرنسية، و إما بالاعتماد على الثنائية (عربية / فرنسية)، فيما تبقى اللغة العربية لغة تكوين إقصائي سوى لفرع واحد ألا و هو فرع الأدب العربي.

هذه المعطيات، على قدر ذبذبتها لمستويات التجانس العامة للمكونين في الجامعة الجزائرية، فهي تفسر جزئيا ما تمت معاينته آنفا حول سر تزايد ظهور اللغة الفرنسية ضمن الاستعمالات اللغوية الخاصة بالمبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى مقارنة مع نظرائهم في منطقة الهضاب العليا، ذلك ما دام أن هذه الفروق يتم تكريسها رسميا و تعميقها من خلال اعتماد فروق في لغات التكوين. الشىء ذاته لوحظ عندما تم التساؤل حول إمكانيات استعمال اللغات العربية، الفرنسية والأمازيغية في الإطار المدرسي، حيث لم يكن الغرض من طرح هذا السؤال التشكيك في تحديد لغة التدريس الرسمية بقدر ما كان الغرض منه جمع جل المعطيات المتعلقة بمختلف اللغات الممارسة فعلا ضمنه باختلاف المناطق الجغرافية.


الجدول رقم (06): يبين اللغات المسموح استعمالها ضمن الأطوار الأساسية

                                         اللغات

السماح استعمال

 ضمن الطور     

                        المنطقة

                     الجغرافية

 

 

 

 

المجموع

العربية

الفرنسية

العربية و الفرنسية

العربية + الفرنسية + أمازيغية

الأساسي

الهضاب العليا

57

.057 %

00

.000 %

29

.029 %

14

.014 %

100

100 %

القبائل الصغرى

00

.000 %

00

.000 %

13

.013 %

87

.087 %

100

100 %

المجموع

57

28,5 %

00

00.00 %

42

21,00 %

101

.050 %

200

100 %

 

الجامعي

الهضاب العليا

24

.024 %

13

.013 %

44

.014 %

19

.019 %

100

100 %

القبائل الصغرى

00

.000 %

11

.011 %

00

.000 %

89

.089 %

100

100 %

المجموع

24

.012 %

24

12,00 %

44

.022 %

108

.054 %

200

100 %

توزعت إذن إمكانيات استعمال اللغات ضمن الأطوار التكوينية ما قبل الجامعية بين اللغات الثلاث (العربية، الفرنسية و الأمازيغية)، و اللغة العربية بشكل إقصائي، تليهما إمكانية استعمال كلا من اللغتين العربية و الفرنسية بنسب هي: (50,5 %)، (28,5 %) و (21,00 %) على التوالي .

فيما انقسمت إمكانيات استعمال اللغات ضمن الطور الجامعي  بين اللغات الثلاث (العربية، الفرنسية و الأمازيغية)، اللغتين (العربية و الفرنسية) و كلا من اللغة العربية بشكل إقصائي و اللغة الفرنسية بنسب هي : (54.00%)، (22 %)، (21,00 %)، (12.00 %) و (12.00 %) على التوالي. 

هذا و ترتفع و بشكل ملحوظ نسبة إمكانيات استعمال كل اللغات من طرف المبحوثين في منطقة القبائل الصغرى، سواء كان ذلك أثناء الطور ما قبل الجامعي أو بعده حيث تبلغ (87 %) و (89 %) بهذا الترتيب. لتنخفض نسبة استعمالها من طرف المبحوثين في منطقة الهضاب العليا إلى (14 %) و (19 %) تاركة المجال لإمكانية استعمال اللغة العربية و بشكل إقصائي في الطور ما قبل الجامعي و ذلك بنسبة (57 %) و استعمال كلّ من اللغة العربية و الفرنسية بنسبة (44 %) في الطور الجامعي.

و هذا إن كان يدل على شيء إنما يدل على الفروق التي  تؤكدها قيم (khi – deux Pearson) المحسوبة و المقدرة بـ (115,858) للطور ما قبل الجامعي و(113,537) للطور الجامعي، و هما أكبر من قيمة (khi – deux) المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) و درجات الحرية 30 = α و المقدرة بـ (07.81). و هو ما يعني أنه توجد فروق إحصائية دالة في إمكانيات استعمال اللغات ضمن الأطوار التكوينية للمبحوثين تبعا للمناطق الجغرافية التي يمثلونها.

هذه الفروق تبرهن على صحة الاستنتاجات التي تم التوصل إلى عرضها ضمن التحليلات الخاصة بالاستعمالات اللغوية الأسرية، المدرسية و العامة و التي استندت للخصائص السوسيولغوية، من جهة؛ ولمتطلبات الواقع العلائقي مع الآخر، من جهة ثانية.

فالمبحوثون الممثلون لمنطقة الهضاب العليا، و باعتبار أغلبهم ذوي أصول عروبية بالنظر للغاتهم  الأم، إنما يتماهون بشكل آلي مع ما هو مفروض رسميا، إذا ما توافق الرسمي مع الاستعمالات  الخاصة بهم المرتكزة على اللغة الأم؛ لذلك لم يكونوا مستعملين و بشكل غالب لغير لغة التكوين الرسمية ضمن الطور ما قبل الجامعي. و إن سمح بغير ذلك، فذلك في حالات استثنائية. عكسيا لما ظهروا به عند الانتقال للجامعة، حيث أنهم تشتتوا بين الاستعمال الإقصائي للغة العربية أو اللغة الفرنسية، و تمركزوا حول الاستعمال الثنائي لهما معا. طبعا، كلّ تبعا للغة التكوين، التي و كما قد حُوفظ على كونها ممثلة في اللغة العربية بالنسبة للبعض، تغيرت لتكون اللغة الفرنسية للبعض، و تراوحت بين العربية و الفرنسية بالنسبة للبعض الآخر.

و أما بالنسبة للمبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، باعتبار أغلبهم ذوي أصول أمازيغية بالنظر للغاتهم الأم، فيبدو أنه يؤخذ بعين الاعتبار لديهم للخصوصيات السيوسوثقافية للأفراد المتفاعلين ضمن الإطار المدرسي. وعليه فالتماهي مع ما هو مفروض رسمي أمر مستبعد عندهم، منذ المراحل الأولى من التمدرس، وحتى أعلاها. فلم يكونوا وفقا لذلك مستعملين للغة واحدة، عربية أكانت، أمازيغية أو فرنسية،  بل استعملوا  كل اللغات، ما دامت أن اللغة العربية إنما هي اللغة الرسمية و اللغة الفرنسية إنما هي اللغة الأجنبية الأولى التي يتم التعرف إليها منذ السنوات الأولى من التمدرس. و أما اللغة الأمازيغية فهي اللغة القاعدية و التي يتم اللجوء لاستعمالها و إدخالها ضمن اللغات المدرسية كلغة شرح و تواصل مساعدة، ما دامت أنها تعتبر اللغة الأم لأغلبية المبحوثين.

  • لغة التعرض لوسائل الإعلام االمرئية و المسموعة و المكتوبة :

يعرف عن وسائل التنشئة الإعلامية أنها ذات التأثير البالغ على الأفراد و ذلك لكونها ذات استقطاب جماهيري معتبر، حيث أنها تضم عناصر الجذب المهمة (الصوت، الصورة و الحركة)، التي بدورها تشد الفرد مهما كان جنسه، سنه ومستواه الدراسي.

هذا الجذب الذي يؤدي لاستغلال محتوى هذه الوسائل و جعلها موادا مركزة ترفع من المستوى الثقافي والإبداعي و تقوى من الملكات التحليلية حيث يتحول الفرد من متلقي سلبي إلى آخر ناقد.

و رغبة في معرفة لغات الوسائل التنشئوية الإعلامية، التي يعرض المكونون أنفسهم لها،  جاء هذا الجدول موضحا لذلك.   

الجدول رقم ( 07): يبين لغة تعرض المبحوثين لوسائل الإعلام  المرئية والمسموعة و المكتوبة

لقد توزعت لغات التعرض لوسائل الإعلام المرئية، المسموعة و المقروءة، و بشكل أساسي بين اللغتين (العربية و الفرنسية) بشكل ثنائي، اللغة العربية بشكل إقصائي، فاللغات (العربية + الفرنسية و الأمازيغية) بشكل ثلاثي، وأخيرا اللغة الفرنسية بشكل إقصائي، بنسب كلية هي: (34,5 %)، (20,5 %)، (17,50 %) و(13,16 %) بهذا الترتيب.

في حين ظهرت باقي اللغات بشكل مشتت حيث لم تتعدى نسب ظهورها (8 %). هذا و تجدر الإشارة هنا إلى أنه:

ترتفع نسب التعرض لوسائل الإعلام المختلفة المستعملة للغتين (العربية والفرنسية) بشكل ثنائي، واللغة العربية بشكل إقصائي، لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، حيث تصل إلى (46 %) و (36,66 %) بهذا الترتيب وتتراجع نسبة استعمالها لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى إلى (25,33 %) و(4,33 %) بهذا التسلسل.

و بشكل عكسي، ترتفع نسب التعرض لوسائل الإعلام المختلفة المستعملة للغات (العربية، الفرنسية والأمازيغية) و بشكل ثلاثي، و اللغة الفرنسية بشكل إقصائي، من طرف المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، حيث تصلان إلى (32,33 %) و (19,66 %) بهذا الترتيب. لتتراجع نسبتهما لدى المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا  إلى (2,66 %) و (6,66 %) بهذا التسلسل.

طبعا، و لا يتعرض لوسائل الإعلام المختلفة المستعملة للغة الأمازيغية سوى أفراد العينة الممثلة لمنطقة القبائل الصغرى، و ذلك بنسبة (6,33 %) مقابل نسبة معدومة لنظرائهم من منطقة الهضاب العليا.

مضمون هذه النتائج، إن دلت على شيء، إنما تدل على عدم التشابه في لغات التعرض لوسائل الإعلام المرئية منها، المسموعة أو المكتوبة تبعا للمناطق الجغرافية، و الذي يؤكد من خلال قيم (khi – deux Pearson) للغة التعرض لوسائل الإعلام المرئية و المقدرة بـ (65,182) و للغة التعرض لوسائل الإعلام المسموعة و المقدرة بـ (107,985) و للغة التعرض لوسائل الإعلام المقروءة و المقدرة بـ (51,304)؛ و هي في مجملها أكبر من قيمة (khi – deux) المجدولة عند مستوى الخطأ (0,05) ودرجات الحرية5 0= α والمقدرة بـ (11.07).

أي ما يعني تواجد فروق إحصائية دالة في لغات التعرض لوسائل الإعلام بين المبحوثين تبعا للمناطق الجغرافية، حيث يتعرض أفراد العينة الممثلة لمنطقة الهضاب العليا للوسائل الإعلامية المعتمدة على اللغتين العربية والفرنسية بشكل ثنائي، أو اللغة العربية بشكل إقصائي. في حين يقوم نظرائهم من منطقة القبائل الصغرى بالتعرض لوسائل الإعلام المعتمدة أكثر على اللغات (العربية، الفرنسية، الأمازيغية) بشكل ثلاثي أو اللغتين (الفرنسية و العربية) بشكل ثنائي و بدرجة أقل منهما باللغة الأمازيغية بشكل إقصائي.

و من ثم يمكن الخلاص لعدة استنتاجات تنسجم أغلبها مع ما تم التوصل إليه قبلا خلال التعرض لجملة الاستعمالات اللغوية لدى المبحوثين، و التي مفادها: بالرغم من أن المبحوثين، يجدون أنفسهم مقابل زخم كبير من القنوات التلفزية، الإذاعية و الفعاليات الموسيقية و الثقافية، و الصحافة المكتوبة و المؤلفات المنشورة الوطنية منها و غير الوطنية  المستعملة للغات العربية، الفرنسية و الأمازيغية.

بحيث يمكن لأحدهم أن يتابع (القناة الأرضية)، المعتمدة على اللغة العربية، أو قناة (canal Algérie) المعتمدة على اللغة الفرنسية، أو (القناة الرابعة) المعتمدة على اللغة الأمازيغية محليا؛

 أو يتابع (قناة اقرأ)، (الجزيرة) و غيرها المعتمدة بدورها على اللغة العربية أو قناة (TF1)، (canal +) وغيرها المعتمدة على اللغة الفرنسية، أو قناة (Medi1) ذات البث الأمازيغي، عالميا؛

 و يستمع لموجات (الإذاعة الثقافية) المتميزة بالاتجاه المحافظ و الإيديولوجي المعرب، أو لتلك الخاصة بـ (الإذاعة الجزائرية الثالثة)، المعروفة بتوجهاتها المعاكسة تماما أو التوسط فيما بين الإذاعتين، و الاستماع لقناة (البهجة) المعتمدة للغتين و الموفقة للإيديولوجيتين: محليا؛

أو يستمع لـ (Beur TV)، (MBC1)، أولـ (Radio Pays) على المستوى العالمي؛       

و يطالع جريدة (الخبر)، أو (الشروق)، الصادرتين باللغة العربية، أو (الوطن) و(لبيرتي)، الصادرتين بدورهما باللغة الفرنسية، أو حتى: (la friaca Izen Amazigh) (message Amazigh) على المستوى المحلي، أو يطالع جرائد، كـ (الأهرام)، (عكاظ) المستعملتين للعربية، أو (le monde amazigh)، (لوفيغارو)، (لوموند)، المعتمدتين على اللغة الفرنسية  أو : (Twiza) و (Agraw Amazigh) على المستوى العالمي؛

إلا أن تعرضهم لمجموع هذه القنوات التلفزية كانت أو الإذاعية، و الجرائد والدوريات، العامة كانت أو المتخصصة؛ إنما يتحدد بجملة من الخصائص التي منها ما تعلق بالميول الذاتية، و منها ما تعلق بالكفاءات الموضوعية سواء اللغوية أو المعرفية الخاصة بالمتلقي، و منها ما تعلق بالأسلوب المعتمد من طرف المرسل في رؤية الأحداث و كيفية تحليلها و طرق عرضها، و منها ما تعلق بدرجات اقتناع المتلقي بتوجهات المرسل، وما إلى ذلك من الخصائص.

على هذا النحو اقتصرت لغة مشاهدات، استماع و قراءات المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا على اللغتين العربية و الفرنسية بشكل ثنائي، أو على اللغة العربية بشكل إقصائي، بصورة متناوبة.

في حين أنه توسعت لغة مشاهدات و استماع المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى لتشمل اللغات (العربية، الفرنسية و الأمازيغية) بشكل ثلاثي، أو على اللغتين العربية و الفرنسية بشكل ثنائي، خصوصا للقراءة والمطالعة.

و في ذلك طبعا إحالة لامتلاك أكبر للكفاءة و المهارة اللغوية الممثلة أساسا في القدرة على الفهم عن طريق السمع، المشاهدة لما هو منتج باللغات العربية، الفرنسية، الأمازيغية؛ و القدرة على القراءة لما هو منتج باللغتين العربية و الفرنسية بشكل ثنائي، و بدرجة أقل الأمازيغية، من طرف المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى؛ مقارنة بنظرائهم، الممثلين لمنطقة الهضاب العليا و الذين تقتصر مهارات نصفهم في أحسن الأحوال على قدرة الفهم، عن طريق السمع، المشاهدة و القراءة بكل ما ينتج باللغتين العربية و الفرنسية بشكل ثنائي، في حين لا تتعدى مهارات النصف الآخر عن فهم ما ينتج إلا إذا ما تم باللغة  العربية.

و عليه، و بالنظر لاستطاعة المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى على الاستيعاب اللغوي لمختلف الرسائل التي تبثها جملة الوسائل الإعلام  العربية منها، الفرنسية أو الأمازيغية فهم يقومون، أكثر  من نظرائهم في منطقة الهضاب العليا، بالتعرض الفعلي لها، لاستقبالها و من ثم استهلاكها.

هذه القابلية الاستيعابية لما هو مسموع و ما هو مشاهد باللغات الثلاث و لما هو مكتوب باللغتين العربية والفرنسية، تترجم وعيا أكبر بواقع الفضاء الثقافي و المعرفي، من جهة؛ و بتعددية لغات العناصر المشتغلة ضمنهما، من جهة ثانية. إضافة للرغبة و الإرادة اللتين تتحولان لممارسة فعلية في عدم إقصاء إحدى وسائل الإعلام بسبب اللغة التي تستعملها، و من ثم تجاوز للحواجز اللغوية من أجل استهلاك كل ما يشاهد، يبث، ينطق و يكتب باللغات الحاضرة ضمن الفضاء اللغوي العام من طرف المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى، من جهة ثالثة.

 بينما يبقى المبحوثون الممثلون لمنطقة الهضاب العليا أقل نضجا سوسيولغويا مقارنة بقرنائهم  الممثلون لمنطقة  القبائل الصغرى، طالما أن الأوائل يقصون، بصورة أو بأخرى، أحد عناصر الواقع الثقافي الجزائري، إن كان، وبشكل أساسي، ممثلا في العنصر الأمازيغي، أو ممثلا في العنصر الفرنسي، بشكل أقل.

ثم إن معاينة أي  اللغات التي يتم التعرض من خلالها لوسائل الإعلام المكتوبة بشكل إقصائي من طرف المبحوثين في كلا المنطقتين، و الاهتمام بنسبتها ليؤدي إلى استنتاجات إضافية لتلك التي تم إبرازها حتى الآن، و التي مفادها أن هناك ثمة فرق في الأفضلية اللغوية لما هو مقروء تبعا للمناطق الجغرافية :

ففي حين أدلى (36 %) من المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا بأنها تتعرض لكل ما هو مكتوب باللغة العربية بشكل إقصائي؛ ظهرت نفس النسبة  من المبحوثين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى بأنها تتعرض للوسائل الإعلامية المكتوبة باللغة الفرنسية و بشكل إقصائي.

هذا الفرق كان سيبدو بديهيا و مفسرا إذا ما تعلق الأمر بقراءة المقالات، الكتب والدوريات ذات الطابع الأكاديمي، طالما أن نصف المبحوثين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا قد تابع تكوينه العالي باللغة العربية، في حين أن أغلب أولئك الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى قد تكونوا في الجامعة، اعتمادا على اللغة الفرنسية، إلا أن كون النتائج المبينة أعلاه إنما تتعلق بوسائل الإعلام المكتوبة الممثلة في المقالات الواردة في الجرائد، المجلات، المواقع الالكترونية و بشتى أنواع القصص والسلاسل الأدبية الخارجية بالنسبة للإطار التكويني، فذلك ما يجعل منها غير عرضية، بل ذات دلالات إحصائية و سيوسيولوجية هامة.

إن أهم فارق بين المطالعتين الخارجية منها و الأكاديمية هو مجال الحرية، التفضيل و الاختيار. فبينما تستهدف كلا من المطالعة اليومية للجرائد، المجلات، الدوريات و صفحات الأخبار الالكترونية متابعة جل التطورات التي تحدث محليا أو عالميا و المطالعة للكتب و السلاسل القصصية و الأدبية: التسلية الهادفة، الاستفادة من تجارب الحياة، بالإضافة للتدريب على إيجاد الملكة الهاضمة للمعارف العلمية، الثقافية أو الفنية و امتلاكها؛ كل تبعا لخصائص ذات علاقة بالأسلوب المعتمد في الكتابة، و الخاص بكل نوع إعلامي،من جهة؛ و للكفاءة اللغوية و الميول الخاصة بكل قارئ، من جهة ثانية ؛

تدفع المطالعة الأكاديمية، و بشكل عكسي القارئ لممارستها بالتماشي مع لغة الفرع التكويني الخاص به بعيدا عن مسألة التفضيلات و الاختيارات الخاصة به؛ بشكل إذا كانت فيه لغة  الفرع هي اللغة الإنجليزية أو الاسبانية مثلا، فسيجد المكون نفسه  مضطرا للقراءة المتخصصة بنفس اللغة، حفاظا على عدم التباس المفاهيم و المصطلحات، و على عدم تضييع الوقت في ترجمة المبادئ و النظريات القاعدية. و من ثم فالتماشي هنا بين لغة التكوين و لغة المطالعة الأكاديمية يصبح شأنها شأن الاستراتيجيات الأخرى المؤدية للنجاح المدرسي بصفة أولية على حد وصف (كريستين كرفجال Christine Carvajal).

هذا و ما دام أن نفس التماشي يلحظ أيضا بين لغة التكوين و لغة المطالعة الخارجية، فلعل ذلك راجع لحقيقة مفادها أن فعل القراءة و بشكل عام، مضمونها، قدرها و لغتها بشكل خاص، إنما هو نتاج تفاعل عدة عوامل بيئية واجتماعية.

فبالإضافة لجملة ما أشارت إليه مختلف الأدبيات السوسيولوجية التربوية، المؤكدة على دور الرأسمال الثقافي في بناء عادات القراءة مهما كان مضمونها ولغتها[3]، باعتبار أن هذا الرأسمال، يعد انعكاسا أساسيا لما يؤمن به أفراد الأسرة من مواقف واتجاهات نحو القراءة بصفة عامة و نحو مضامينها و لغاتها بشكل أخص؛ تؤكد أيضا  التجارب الميدانية على أن تعود الأفراد  مشاهدة أوليائهم، إخوانهم أو ممن يحيط بهم يقرؤون، بل و يقرؤون كتبا معينة و بلغة محددة، مما يعطي المجال لوجود نماذج قارئة حولهم؛ تؤدي بالضرورة لدفعهم لتقليدها، و تبني نفس مساراتها القرائية شكلا و مضمونا[4].

هذا و إذا ما تم إسقاط هذه  التأكيدات السوسيولوجية و تمت العودة إلى مختلف المحطات التاريخية، و لما ميزها بخصوص تطور و تفاعل اللغات في المجتمع الجزائري ؛ نجد أن الفروق ذات الطابع السوسيوتاريخي التي طبعت كلا من منطقة الهضاب العليا و القبائل الصغرى في حقب زمنية ماضية، قد كان لها الأثر و بصورة متعدية على تشكل تطورات و تفاعلات مختلفة، مؤسسة لتبانيات أخرى في الوقت الراهن، شكلت في مجملها ما يسمى بالملامح السيوسيولوجية  البارزة لكل منطقة (les traits socio-linguistiques marquants de chaque région).

فالفرق المسجل في الاتجاه العام (tendance générale) نحو القراءة بلغة معينة، ضمن المنطقتين، بشكل ينقاد أكثر في منطقة الهضاب العليا نحو أفضلية استعمالية للغة العربية، بينما ينساق أكثر اتجاه أفضلية استعمالية للغة الفرنسية في منطقة القبائل الصغرى، إنما يفسر بالاستناد لعديد من المعطيات الواجبة تسييقها ضمن الإطار العام لكل منطقة على حدى. كون اللغة العربية، لغة القراءة في منطقة الهضاب العليا، إن كان للمبحوثين أنفسهم أو لأوليائهم، أمر طبيعي، طالما أن هذه اللغة تجمع بين عدة مكانات وظيفية، بدءا من دورها كلغة أم، لغة تكوين أساسية و بشكل ثابت منذ أقدم الحقبات التاريخية، وصولا لما تتمتع به من مكانة رسمية مستدامة، و لما تفيه من حاجات استهلاك لغوية في مختلف مواضع الاتصال الاجتماعية الخاصة بالمنطقة الأمر الذي يجعل من اللغة العربية لغة منافسة لباقي اللغات، ذلك حتى و إن سجلت هذه الأخيرة حضورها الكتابي ضمن المحيط العام، و من ثم عدم تسجيل ضعف وتيرة تعلم اللغة العربية أو القراءة بواسطتها بل و عدم الشعور لا بالضغط و لا بالضرورة الملحة للاستثمار في غيرها. عكسيا لما هي عليه اللغة الفرنسية في منطقة القبائل الصغرى التي لطالما كانت سواء لأفراد الجيل الحالي، أو لما قبله (جيل الاستقلال أي جيل الأولياء)، و الذي استفاد من التعليم و إن كان بشكل متوسط : اللغة المنافسة - و بصورة لها دلالتها – لباقي اللغات، بما في ذلك اللغة الأم الممثلة في اللغة الأمازيغية، إن كان ذلك على المستوى الكتابي أو على مستوى المواقف الاتصالية الرسمية أو شبه الرسمية، أين يتم اللجوء إليها لاستعمالات تقنية، علمية و سياسية.

هذا و يشرح (شاكر سالم)، و بشكل مؤسس له تاريخيا، أن هذا الواقع يمكن تأكيده بالارتكاز على عدة مؤشرات موضوعية: كتوثيق تواجد الصحافة الفرانكفونية في منطقة القبائل، بل و توثيق وجود صحافة فرانكفونية محلية ضمنها، رسوخ مشاهدة القنوات التلفزية الناطقة باللغة الفرنسية، توطيد التواصل الحيوي والدائم مع الأقرباء المغتربين في فرنسا، الاستعمال التجاري و الاشهاري الإقصائي باللغة الفرنسية،... تفاعل مثل هذه المؤشرات أدت لمعاينة حدوث تغيرات مدهشة على المستوى اللغوي، خصوصا منذ بدايات التسعينات، أين اختفت فيه اللغة العربية من الأماكن العمومية، -باستثناء طبعا مواقع الدولة المركزية- تاركة المجال لحضور كل من اللغة الأمازيغية (إن كانت مكتوبة بالتفيناغ أو اللاتينية) و اللغة الفرنسية[5] 

  • التقييمات الذاتية للقدرات اللغوية :    

يعجز كثير من الباحثين عن إيجاد السبل المثلى و الأكثر موضوعية لقياس القدرات اللغوية للأفراد، فبين محاولات الاعتماد على كشوف النقاط، الاختبارات الرسمية، ملاحظات و تقييمات الأساتذة المكلفين بتدريس اللغات، أو على غيرها، تم في التفكير في أنه  لا يمكن التوصل موضوعيا إلى معرفة حقيقة قدرات المكونين في المدرسة الجزائرية إلا من خلال تقييماتهم – هم -  لأنفسهم، لكن بطريقة غير مباشرة، حيث يُتفادى فيها السؤال عن القدرات بشكل كلي، فتكون الإجابات محتكمة للنوازع الذاتية: كالتكلف، التصنع والغرور، و اختيار بالمقابل مجموعة منوعة من المؤشرات الدالة عن مستويات الكفاءة اللغوية و القابلة لقياسها.

و ما دامت الكفاءات اللغوية تنقسم بشكل عام لمهارات أربع هي القدرة على الفهم، الكلام، الكتابة و على القراءة في لغة[6]، فإنه يمكن الحديث عن نوعين متمايزين و مختصرين لهذه المهارات : يتمثل النوع الأول في قدرات الاستهلاك اللغوي فيضم الفهم عن طريق السمع أو القراءة؛ بينما يتمثل النوع الثاني في قدرات الإنتاج اللغوي، فيضم: الكلام و الكتابة.

هذا و قد أفضت النتائج المبينة أسفله لقدرات المبحوثين في كلا المنطقتين الجغرافيتين.

الجدول رقم (08):يبين تقييمات المبحوثين الذاتية لقدراتهم اللغوية

 

 المعاينة المستندة للاتجاه العام للجدول تبين أن هناك تباينات في القدرات اللغوية الخاصة بالمكونين في المدرسة الجزائرية، حيث تتراوح بين كونها جيدة جدا وضعيفة تماما.

فجاءت مثلا أعلى نسبة من مجموع المكونين ممن هم يملكون لقدرات جيدة على الاستهلاك و الإنتاج، إن كان باللغة العربية، الفرنسية أو الأمازيغية، و ذلك بنسبة (28,5 %) .

ترتفع هذه القدرة الجيدة  و بشكل ملفت، لدى المكونين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى فتبلغ (43 %)، حيث أنها تشتمل بالأساس القدرة المزدوجة على الاستهلاك و الإنتاج بكل من اللغتين العربية و الفرنسية، بنسبتي (55 %) و (46 %)؛ بينما تنخفض بالنسبة للغة الأمازيغية إلى (28 %) فقط.

فيما تنخفض لدى المكونين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا فتظهر بنسبة (14 %) لتشمل أساسا القدرة على الاستهلاك و الإنتاج باللغة العربية، بنسبة (26 %)؛ بينما تنخفض هذه القدرة المزدوجة بالنسبة للغتين الفرنسية و الأمازيغية إلى (14 %) و(2 %) بهذا الترتيب.

تليها نسبة ممن هم يملكون لقدرات جيدة جدا على الاستهلاك و الإنتاج، حيث قدرت بـ (25.20 %). فتتقارب نسبتها لدى المكونين من كلا المنطقتين، حيث مثلت بـ (26.3 %) و (24 %).

هذا و تتباين هذه القدرة  الجيدة جدا تبعا للغات و للمناطق الجغرافية، فتندرج في منطقة الهضاب العليا  في الانخفاض من اللغة  العربية بـ (66 %)، إلى اللغة الفرنسية بـ (10 %)، فاللغة الأمازيغية بـ (3 %) .

في حين أنها تتجه للتناقص في منطقة القبائل الصغرى بدءا من اللغة الأمازيغية الممثلة بـ (40 %) إلى كل من اللغة العربية و الفرنسية، بـ (18 %) و (14 %) لكليهما.

كل ذلك في وقت جاءت فيه نسب المكونين، ممن يملكون قدرات لغوية متوسطة، قليلة و قليلة جدا مشتتة ومتكافئة لحد ما بين المنطقتين. فظهرت نسبة أولئك الذين يحكمون على أنفسهم بأنهم غير قادرين تماما لا على الاستهلاك و لا الإنتاج بأي لغة، ممثلة في نسبة (15,3 %)، أين ظهرت عدم القدرة الكاملة بالتعامل باللغات بصورة أكبر لدى المكونين الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، حيث أنها قدرت بـ (29,7 %)، و بشكل خاص و أساسي لما يتعلق الأمر بالتعامل باللغة الأمازيغية. فيم لم تتعد نسبة عدم القدرة على التعامل بكل اللغات في منطقة القبائل الصغرى نسبة (1 %).

هذا، و رغبة في تأكيد و معرفة أكثر لقدر الفروق الكائنة في قدرات المكونين اللغوية و مدى تجانسها أو عدمه، إن كانت في كل منطقة على حدى، أو المقارنة بينهما، جاءت النسب الدالة عن هذه الفروق كالتالي:

بلغ المتوسط الحسابي للقدرات اللغوية لأفراد العينة قيمة (03,07) بانحراف معياري (2,06)، ذلك ما يعني أنها قدرات مقبولة على مستوى الإنتاج والاستهلاك، لكن هذا لا ينفي وجود فروق فردية معتبرة في قدرات المبحوثين.

لذلك جاءت نسبة الـ (khi-deux de pearson) مقدرة بـ 135,046، أكبر من تلك للجدولة عند درجات الحرية (6)، ومستوى الخطأ (0,05 = α)، المقدرة بـ (12,59). و هذا ما يدل على وجود فروق ذات دلالة إحصائية في القدرات اللغوية للمكونين تبعا للمنطقة الجغرافية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بكل من اللغتين الفرنسية و الأمازيغية. 

أما، إذا ما تم التركيز على كل منطقة على حدى، فإن المتوسط الحسابي للقدرات اللغوية للأفراد الممثلين لمنطقة الهضاب العليا، قدر بـ (3,8067) بانحراف معياري ممثل في (2,42)، ذلك ما يعني أنها قدرات مقبولة على المستويين الإنتاجي و الاستهلاكي مع وجود فروق فردية هامة بين الأفراد؛ في حين أن المتوسط الحسابي للقدرات اللغوية للأفراد الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى قد تمثلت في (2,33)، بانحراف معياري ممثل في (1,24). ذلك ما مؤداه، أنها قدرات جيدة على المستويين الإنتاجي و الاستهلاكي مع وجود فروق فردية بين الأفراد.

 هذا، و جاءت نسب الـ (khi-deux de pearson) مقدرة بـ (388,817) و(60,43) و هما أكبر من تلك المجدولة عند درجات الحرية (12)، و مستوى الخطأ (0,05 = α) المقدرة بـ (21,03). و ذلك ما يدل أيضا على وجود فروق ذات دلالة إحصائية في القدرات اللغوية بين مكوني منطقة الهضاب العليا  و بين مكوني منطقة القبائل الصغرى.

هذه النتائج  على قدر تنوعها إنما تؤدي لاستنتاجات متناسقة مفادها أنه لا يملك من تكون في المدرسة الجزائرية – بالرغم من تشابههم في عدة خصائص – نفس القدرات اللغوية : فكما تصل نسبة منهم لامتلاك مهارة مقبولة في الفهم، الكلام الكتابة و القراءة في اللغات: العربية، الفرنسية و الأمازيغية؛ تتوصل نسبة منهم لامتلاك مهارات جيدة جدا أو جيدة ؛ تماما كما لا ترتقي نسبة أخرى منهم لامتلاك سوى مهارات متوسطة، أو أقل من المتوسط .

الأمر الذي يحيل لعدم تمكن المسارات التكوينية المتبعة، على اختلافها ضمن الإطار المدرسي، الجامع نظريا لكل مناطق الوطن، و الموحد بالنسبة لجميع المتكونين ضمنه، من مجابهة تأثير الإطار العام لكل منطقة جغرافية، من جهة؛ وتأثير الفروق الأسرية و عمليات إعادة الإنتاج، على امتلاك القدرات و المهارات اللغوية، من جهة أخرى، بحيث لا يسمح فيه للإطار المدرسي لقولبة القدرات اللغوية الخاصة بالمكونين و لا لجعلها متكافئة و متقاربة.

فالعجز التام المسجل لدى أفراد مجموعة الهضاب العليا على استهلاك و إنتاج لغة وطنية، غير اللغة العربية، حيث ظهرت الأغلبية الساحقة، غير متمكنة كليا من أبجديات التواصل باللغة الأمازيغية، مهما كان نوع موضع الاتصال  رسمي / غير رسمي) أو نوعه (شفهي / كتابي)؛ و التمكن المتذبذب من اللغة الأجنبية الأولى الممثلة في اللغة الفرنسية، ذلك بالرغم من كونها، و بنسبة نصفية لغة التكوين الجامعي، و عدم توصل مستويات المكونين فيها، لأن تتعدى درجة المقبول ؛ مقابل القدرة المسجلة لدى أفراد مجموعة القبائل الصغرى على التعامل مع اللغات الوطنية، عربية أكانت أو أمازيغية، استهلاكا و بدرجة أقل إنتاجا، كلا تبعا لموضع الاتصال و نوعه و التمكن بشكل أكبر من اللغة الأجنبية الأولى، الممثلة في اللغة الفرنسية حيث أنه، تتوصل مستويات الأفراد فيها، لأن توافق درجة الجيد، هذا العجز لا يمكن تفسيره كليا، أو جزئيا، بالعودة للإطار المدرسي، باعتباره إطارا مشتركا بين المجموعتين، و إنما بالعودة للاستناد إلى  التفسير الإيكولوجي للغة*.

هذا التفسير، الذي ينطلق من كون أن كل لغة، إنما ترتبط ببيئة ما ارتباطا خاصا و من ثم لا يمكنها الوجود خارج العلاقات التاريخية و الاجتماعية، باعتبارها نتاج الممارسات الاجتماعية، فهي إذا تتشكل و تتميز عن طريق الظروف الجغرافية النفسية و الاجتماعية، الاقتصادية و الثقافية التي يعيش في ظلها مالكوا مهاراتها ومستعمليها[7].

بالتالي فالمكونون هنا يتفاعلون مع اللغات العربية، الفرنسية، الأمازيغية  وفقا للحاجات التي يقوم المحيط العام تبعا للظروف المذكورة أعلاه بهندستها و من ثم تقرير وظيفيتها (ses fonctionnalités).

إن الحاجة لواحدة من اللغات، لاثنتين منهما أو لكلها، هي التي تقرر إذن تعلمها و من ثم اقتناء مهاراتها.

هذا و ما دام أن المكونون ينتمون لمجموعتين، تقطن كل واحدة منها منطقة جغرافية معينة، فإن الحاجات الاتصالية لأفرادهما ستكون و من باب البداهة السيوسيولوجية غير متماثلة، كما أن الطاقات الوظيفية الخاصة بكل لغة على حدى  وطرق تكييفها لن تكون أيضا نفسها في كليهما. ذلك انطلاقا من كون امتلاك قدرات و مهارات في لغة ما ما هو إلا تجسيد أو تشيء (réification) للوعي، الذي  لا يمكنه، بدوره أن يتم بمنأى عن عناصر: الواقع الاجتماعي، الجماعة و القيم. هذه الأخيرة تدين بوجودها للاستعمال و القبول العام؛ فالفرد لطالما عجز عن تثبيت قيمة واحدة و لا على قياس وظيفيتها بنفسه.

و عليه : فإخفاق الإطار المدرسي في الدور المنوط به، فيما يخص تقديم اللغات الوطنية (ألا وهي اللغة العربية و الأمازيغية) وتمكين كل مُكوَن من الحصول على المهارات و القدرات الخاصة بها، بل و في تقديم و تمكنيه من الحصول على تلك الخاصة باللغة الأجنبية الأولى[8]، أعطى الفرصة لإطار آخر للتدخل و منافسته في هذه المهمة، فيتولى و بشكل آلي تقديم أحسن و تحفيز لامتلاك المهارات و القدرات  الخاصة باللغات الأم كما أنه يتولى تشجيع أو تثبيط تعلم اللغات المغايرة، و امتلاك المهارات الخاصة لها، هذا الإطار يتمثل في الإطار الاجتماعي العام.

و الدليل على كل ما سبق أن اللغات التي يتمكن فعليا المكون من امتلاك مهاراتها الخاصة في كل منطقة على حدى، بعد قضاء ما معدله ستة عشر و نصف سنة  من التكوين و الدراسة إنما هي اللغة الأم ؛ فبالنسبة لأفراد المجموعة الممثلة لمنطقة الهضاب العليا تكون طبعا اللغة العربية، بينما تكون بالنسبة لأفراد المجموعة الممثلة لمنطقة القبائل الصغرى اللغة الأمازيغية. هذه اللغات، و كما ذكر سابقا ما هي في الحقيقة سوى لغة الحنان، الانفعال و التعبير القاعدي.

هذا و تأتي كلا من اللغتين العربية و الفرنسية المدرسيتين في ثاني مرتبة من حيث التمكن الفعلي في امتلاك مهاراتهما بالنسبة لأفراد مجموعة القبائل الصغرى لا لشيء سوى لاعتبارهما أولى اللغات المغايرة للغة الأم اللتين يتم التعرف إليهما. في حين تبقى اللغة العربية المدرسية أكثر امتلاكا لمهاراتها من تلك الخاصة باللغة الفرنسية بكثير من طرف أفراد مجموعة الهضاب العليا، لما لهذه اللغة من قرب وتشابهات من اللغة الأم، فيتم التركيز والثبات عند مستواها.

 هذه الحقائق تعكس، و بشكل مباشر، أن امتلاك المهارة اللغوية العربية من طرف المكونين في منطقة الهضاب العليا يفي باحتياجاتهم اللغوية و الاتصالية، كما أنه يجسد التحقق الجماعي من وظيفية هذه اللغة بالذات، وضرورة اكتساب  مختلف القدرات الاستهلاكية أو الإنتاجية الخاصة بها؛ الأمر الذي لا يمكن سحبه لا على اللغة الأمازيغية، حيث يتم استقراء حالة إنكماش مجالها الوظيفي من خلال عدم امتلاك الأفراد في هذه المنطقة لقدرة تواصلية بواسطتها، ولا على اللغة الفرنسية – و بشكل أقل - حيث يتم التفكير في عدم الحاجة لتكييف مجالها الوظيفي، ما دام ذلك الخاص باللغة العربية يفي بكثير  مختلف الحاجات  اللغوية.

هذا ما يحدث بشكل مقلوب مع المكونين الممثلين لمنطقة القبائل الصغرى الذين يطورون تفاعلا خاصا مع اللغات الثلاث ضمن المحيط العام. هذا الأخير الذي أوجد، و بفعل عدم خضوع اللغة الأم، الممثلة في اللغة الأمازيغية، للتقنين الكتابي وعدم تحصنها لا بالنفوذ الديني و لا الرسمي، آليات تجسيدية  واعية لوظيفية كلّ من اللغات العربية و الفرنسية وللأدوار التي تستطيع القيام بها. فهما لغتان معترف بهما رسميا، تحتكمان للتقنين الكتابي، يتم الاشتغال بهما في التعليم و التكوين ويحتمل أن تكون إحداهما لغة العمل، الشيء الذي يجعل من اكتساب مهارتهما أمرا استراتيجيا.

كل ذلك بالموازاة مع إنعاش الآليات التجسيدية لوظيفية اللغة الأمازيغية، و إن كانت لغة وطنية، دون ترسيمها، باعتبارها قوام الهوية و الموروث الثقافي الأمازيغي، و ليس النزوع لتعلم كتابتها سواء باللغة اللاتينية أو التيفناغ – كما تم التحقق منه من خلال قيام بعض المبحوثين بدروس خصوصية من أجل تحسين المهارة الكتابية بهذه اللغة- سوى برهان على التهيؤ والاستعداد لمرحلة يتكرس فيها استعمال هذه اللغة بشكل ملموس. 

 الهوامش

* قد يحدث و أن تكون اللغات الأم الخاصة بالأولياء أنفسهم مختلفة، كما تسنى ملاحظته عند بعض أولياء أفراد العينة ، كأن تكون لغة الأم للأب اللغة العربية، في حين أن لغة الأم للوالدة هي اللغة الأمازيغية أو العكس، أو أن تكون اللغة الأم للوالد الفرنسية و اللغة الأم للوالدة اللغة العربية أو العكس، و هي حالات تحتكم لمنطق الاستثناءات المنجر عنها بالضرورة احتمالات متناسبة، فإما أن تكون اللغة الأم للابن هي اللغة الأم الخاصة بالأب، أو تلك الخاصة بالأم، أو بهما معا و بشكل متوازن، كلّ تبعا للظروف المميزة لعلاقة الأزواج مع بعضهم البعض، و من ثم لظروف تفاعل لغاتهم و مدى التفاهم حول أولوية توريث هذه اللغة أو تلك للأبناء.

** جاء المجموع ناقصا، لأنه حدث و أن تواجد مبحوث من ضمن العينة الممثلة لمنطقة الهضاب العليا، بدون إخوة

*** جاء المجموع ناقصا، لأنه تم الإشارة سابقا إلى أنه 03 مبحوثين صرحوا بعدم وجود إخوة.

**** جاء المجموع ناقصا، لأنه تم الإشارة سابقا إلى أنه 03 مبحوثين صرحوا بعدم وجود إخوة.

[1] Berstein, Basil, Langage et classes sociales, Paris, édition de Minuit, 1975, pp.40-45.

[2] بورديو، بيير و فاكونت، د.ج، أسئلة علم الاجتماع (في علم الاجتماع الانعكاسي ترجمة عبد الجليل الكور، المغرب،دار توبقال، 1998، ص.ص.105-106.

[3] Carvajal, Christine,  «  La pratique de la lecture chez les étudiants », in Notes et travaux sociologiques, cahiers des URMIS, n° 2 et 3, Paris, 1996/1997, p.30.

[4] Spiegel, D.L., « A portrait of parents of successful readers », in E.H. Cramer & M. Castle : To during the love of reading  :  The effective domain un reading education, Newark, 1994, pp.74-78.

[5] Chaker, Salem, «  Le berbère de Kabylie (Algérie) », in Encyclopédie berbère XXVI, op-cit, pp.4055-4066. 

[6] Hamers,  J. F. et Blanc, M., op.cit, p.22.

* Pour en savoir plus, voir : Hangen, Einar, The ecology of language, Stanford university press, Stanford, Califonia, 1972.

[7] Calvet, Louis Jean, Pour une écologie des langues du monde, Paris, Plon, 1999, p.17.   

[8] Azzouz, Lakhdar, «  La problématique de la baisse du niveau scolaire », in Réflexions, revue semestrielle, « l’école en débat », Alger, Casbah édition, n° 02 mars 1998, 1998, pp.47-57.