Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يقتضي الحديث عن تعليم الدين في المؤسسة التعليمية الجزائرية بداية تحديد الموضوع بحكم تعدد مجالات هذا التعليم. فهناك مجال يجمع المؤسسات التي تستهدف تكوين الأطر الدينية وتخريج المتخصصين في العمل الديني، و نقصد بذلك الجامعات الإسلامية ومعاهد تكوين الأئمة و الزوايا. وهناك مجال آخر للتعليم الديني العام لا يستهدف تكوين متخصصين في المجال المعرفي الديني، بل تكوين الشعور الديني عند المتمدرس وهو التعليم الذي يتوجه للتلاميذ الجزائريين عامة بغاية تكوينهم على الشعور بالهوية الدينية و العقائدية.

يتعلق بحثنا بالمجال الثاني أي المدرسة العمومية و مضمون الخطاب الديني الموجه للتلاميذ من خلال الكتاب المدرسي المقرر غداة الإصلاحات الجديدة التي تعرفها المنظومة التربوية الجزائرية مقارنة بما كان سائداً من قبل، في محاولة لرصد و متابعة ما حدث من تغير على مستوى مضمون الخطاب في مادة التربية الإسلامية.

وقد استهدفت هذا المجال من التعليم الديني العديد من الدراسات والأبحاث، الجزائرية منها والمغاربية، نذكر في هذا السياق على سبيل المثال أعمال الملتقى الذي أشرف عليه المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر في جانفي 2002 والذي تناول "واقع التربية الإسلامية في المدرسة الجزائرية وآفاقها" ، حيث تمت الإشارة فيه إلى خطاب الكتاب المدرسي الخاص بهذه المادة في كل المستويات التعليمية بما فيها المستوى الثانوي. كما تناولت هذا الموضوع بالتحديد أعمال الندوة الدولية التي نشرت بالمغرب سنة 2004 بعنوان: "Enseigner la religion aujourd’hui ? "، والتي شارك فيها عدد من الباحثين من ضفتي البحر المتوسط أمثال محمد العيادي، محمد شريف فرجاني، أحميدة النيفر، René Mouailhat وغيرهم. أحالت هذه الندوة إلى النقاش الواسع حول طبيعة التعليم الديني الذي تقدمه عدد من المنظومات التربوية المعاصرة في الضفتين،  مشيرة إلى عدم ارتباط هذا النقاش بأحداث سبتمبر 2001 فقط ، ذلك أن الإشكالية ليست وليدة اليوم، كما أنها لا تعني المجتمعات العربية-الإسلامية وحدها بل نجدها مطروحة بصيغ مختلفة في العديد من المجتمعات المعاصرة شرقية وغربية على حد سواء. تناولت الأبحاث المقدمة أيضا موضوع التعقّد والتعدّد الدلاليين لكلمة "دين" وما تثيره من خلافات عميقة بخصوص مضامين التعليم الديني ومناهجه وأهدافه، كما أثارت أسئلة جوهرية من مثل مضمون التنشئة الدينية وإمكانيات تجاوزها لقيم الجماعة الدينية ورؤاها المذهبية إلى مستوى نقل المعارف باعتبار الدين جزءا من الثقافة الإنسانية، وكذا إشكالية الوقوف عند المعارف التي ينتجها كل دين عن ذاته وإمكانيات تجاوز ذلك إلى مقاربة تلك المعارف على ضوء أسئلة ومناهج العلوم الإنسانية.

واصلت مضمون الإشكالية نفسها ندوة علمية دولية نظمت بتونس سنة 2009 بإشراف من مؤسستي اليونيسكو و" كونراد أديناور" الألمانية كان عنوانها : "تدريس الأديان في عصر العولمة " حيث تناولت بالتحليل تجارب التعليم الديني ورهاناته المعرفية والأيديولوجية في عدد من دول العالم اليوم. كما شكلت هذه الانشغالات أحد عناصر الأطروحة التي دافع عنها محمد أركون في عدد من دراساته في إطار مشروعه نقد العقل الإسلامي عندما نادى بأهمية إدماج تعليم تاريخ الأديان المقارن في المنظومة التربوية الرسمية الفرنسية و كان الهدف عنده هو المساهمة في مقاربة علمية نقدية لإشكالية تعليم الدين بعيدا عن السجال الأيديولوجي. وفي الفترة التي نحن بصدد كتابة هذا المقال صدر عدد من مجلة "تريماTréma "، التي ينشرها  مركز دراسات الوثائق والبحث في تاريخ التربية بمونبولييه نهاية ديسمبر 2011، عنوانه: "القيم، التمثلات والصور النمطية في الكتب المدرسية في منطقة المتوسط"[1]. ومن أهم الإشكاليات التي أثارتها المساهمات في هذا العدد صورة الذات ومكانة الآخر في الكتب المدرسية من خلال عدد من النماذج المختلفة من ثماني دول متوسطة هي الجزائر، تونس، المغرب، فرنسا، إيطاليا، قبرص، لبنان ومالطا.

   نشير في هذا الصدد أيضا إلى أن هناك عددا من المساهمات لباحثين جزائريين  تناولت تأثير الخطاب الأيديولوجي الرسمي على مختلف الكتب المدرسية خاصة ما تعلق منها بمواد العلوم الاجتماعية قبل وبعد الإصلاحات الجارية في المنظومة التربوية إلى اليوم، نذكر من تلك الدراسات  على سبيل المثال  لا الحصر: مساهمات حسن رمعون[2]، دراسات نورالدين طوالبي- الثعالبي[3]، مقالات محمد غالم[4]. ما نتوخاه في محور بحثنا هو  دراسة مضمون الخطاب حول الدين في الكتب المدرسية الجديدة المتعلقة بمادة التربية الإسلامية في التعليم الثانوي محاولين رصد الخصائص العامة لهذا الخطاب وعلاقة ذلك بإشكالية المعرفي والأيديولوجي، بتعبير آخر، نحاول أن نجيب على السؤال التالي : هل الخطاب الديني الذي تتضمنه الكتب المدرسية حول التربية الإسلامية في هذا الطور، خطاب تربوي معرفي، أم خطاب تعبوي دفاعي أيديولوجي؟

نستهدف من خلال هذه الدراسة رصد واقع ومضمون الخطاب الديني الذي تتناوله كتب العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي بالجزائر اليوم ومن ثمّ خطاب التنشئة الدينية في المؤسسة التعليمية من خلال تحليل  رهاناته التربوية والمعرفية من جهة ورهاناته الأيديولوجية من جهة أخرى. وبناء على ذلك اعتمدنا من الناحية المنهجية على تقنية تحليل المضمون في جانبها الكيفي بالخصوص، حيث قمنا بتحليل الخطاب الرسمي حول المضمون المعرفي لمناهج التربية الإسلامية في الثانوي بعد الإصلاحات الجديدة في المنظومة التربوية من أجل بحث أهم خصائص الخطاب الديني المدرسي بعد تجربة الإصلاح.

وبناء على ذلك كانت مدوّنة الدراسة مايلي:

- "المفيد في العلوم الإسلامية"، السنة الثالثة ثانوي، كل الشعب (2008).

- "الواضح في العلوم الإسلامية"، السنة الثانية ثانوي، كل الشعب (2007).

- "المنير في العلوم الإسلامية"، السنة الأولى ثانوي، كل الشعب (2006).

 - القانون التوجيهي للتربية الوطنية الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 يناير سنة 2008.

- الإطار المرجعي للمناهج الصادر سنة 2008. 

تمت الاستعانة أيضا ببعض المقابلات مع بعض أعضاء اللجنة الوطنية للمناهج وأحد مؤلفي كتب التربية الإسلامية موضوع الدراسة إضافة إلى عدد من أساتذة المادة من أجل فهم سياق تأليف الكتب المدرسية للمادة.

الإطار الأيديولوجي لمناهج التربية الإسلامية في التعليم الثانوي

لابد من التذكير في البداية أنه تحت تسمية "التربية الإسلامية" في التعليم الابتدائي والمتوسط، وتحت تسمية "العلوم الإسلامية" في الثانوي، تلازم مادة التربية الدينية التلميذ الجزائري في كل مساره الدراسي بحجم ساعي قدره ساعة ونصف أسبوعيا في الابتدائي، ساعة واحدة في التعليم المتوسط وما بين الساعة والساعتين في الثانوي حسب التخصصات. تدرّس هذه المادة في كل مستويات التعليم الثانوي بنفس المحتوى والكتب المدرسية دونما تمييز بين الشُعب الأدبية والعلمية والتقنية، وإذا كان مدرس هذه المادة في التعليم الابتدائي والمتوسط هو أستاذ اللغة العربية، فإن مدرسها في الثانوي هو خريج المعاهد المختصة في العلوم الإسلامية كجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة أو معهد أصول الدين بالعاصمة أو معهد الحضارة الإسلامية بوهران، باتنة أو أدرار.

لقد عرفت مناهج ومحتويات كتب التربية الإسلامية عملية إصلاح وإعادة نظر منذ سنة 2003، وعملية الإصلاح هذه جد مؤطرة، فالدولة هي التي تحدد التوجّهات العامة للمناهج من خلال البنود الدستورية والقانون التوجيهي الخاص بالتربية الوطنية، لتأتي اللجنة الوطنية للمناهج CNP، والمكونة من جامعيين، مفتشين وأساتذة، لتضع المحاور الكبرى أي المنطلقات المنهجية والمعرفية وملامح التخرج للمواد حسب مستويات التعليم، ثم تأتي اللجان المتخصصة لكل مادة GSD لتضع دليل برنامج كل مادة والذي توضع الكتب المدرسية على أساسه.  وقد قررت وزارة التربية الوطنية أن تكون الكتب المدرسة الجديدة في جيلها الأول بعد الإصلاح مباشرة موحدة عبر كامل الوطن[5]، تسهر على طبعها مؤسسة واحدة هي الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية ONPS وتقيّم من قبل خبراء المعهد الوطني للبحث في التربية INRE.

لعلّ أول ما يلاحظ على الكتب المدرسية الخاصة بالتربية الإسلامية أن أسماء المشرف عليها وبعض مؤلفيها لا تتغير بالنسبة لكل مستويات التعليم من الابتدائي إلى الثانوي، وأن أغلبهم أعضاء في اللجنة المتخصصة لإعداد البرامج ذات العلاقة بالمادة وهو ما نجده في كثير من المواد الأخرى.

يستدعي فهم الخطاب السائد حول الهوية الدينية الذي تتضمنه مناهج وكتب التربية الإسلامية في مستوى التعليم الثانوي، الانطلاق من الإطار الأيديولوجي الذي يؤطر هذا الخطاب في الفترة الحالية. إنّ الإصلاحات الجديدة في مناهج التربية الإسلامية مؤطرة بعدد من المبادئ الدستورية ومدعوة إلى الاستجابة إلى عدد من التحديات والتجاوب مع عدد من الأحداث أشارت إليها بنود القانون التوجيهي الخاص بالتربية الوطنية المؤرخ في 23 جانفي 2008. تشكل هذه العناصر كلها الإطار الإيديولوجي المرجعي الذي يحدد معالم وأسس الخطاب الديني التربوي الذي ينبغي على المدرسة الجزائرية أن تنشره في مستويات التعليم وفق أجرأة تحددها اللجان المتخصصة في هذا المجال.

 أمّا ما يتعلق بالمبادئ الدستورية فهي ثلاثة أولها أهمية احترام "البعد الوطني" وما يرتبط به من ضرورة تقوية الوحدة، الهوية والثقافة الوطنية في أبعادها الثلاثة: الإسلامية، العربية والأمازيغية. ثانيها "البعد الديمقراطي" وما يتعلق منه بضمان تكافؤ الفرص لكل تلميذ في التأطير البيداغوجي والتكوين التطبيقي بغض النظر عن المنطقة الجغرافية أو المكانة الاجتماعية أو المستوى المادي، إضافة إلى ضرورة إدماج الممارسة الديمقراطية وتطبيقاتها العملية داخل القسم بإشراك التلاميذ في حياة المدرسة. أمّا البعد الثالث فهو البعد العالمي وما يتعلق منه بضمان ثقافة علمية تكنولوجية، فنية وأدبية مع التركيز على مبدأ الانفتاح على العالم وتكوين تلميذ ذي حس نقدي يمكنه من الاستعمال الإيجابي للمعارف المختلفة.[6]

 بناء على هذه المبادئ فإن المنظومة التربوية مطالبة بأن تتكيف مع الواقع السياسي والاقتصادي للجزائر أي النظام التعددي واقتصاد السوق بما يفرض تكوين المتعلم على قيم جديدة مختلفة عما كانت عليه المنظومة التربوية في سياق أمرية أفريل 1976، ونعني بهذه القيم الجديدة، القيم الجمهورية والديمقراطية ومعاني الحرية الفردية والتضامن الاجتماعي. كما أن المنظومة التربوية ومنها برامج التربية الإسلامية مدعوة أيضا إلى الأخذ بعين الاعتبار التحديات الخارجية التي حددها القانون التوجيهي في ثلاثة وهي: تحدي العولمة، تحدي وسائل الإعلام والاتصال وتحدي الثورة العلمية والتكنولوجية[7].

بناء على هذا الإطار المرجعي للمنظومة التربوية سيوضع مضمون الكتب الجديدة للعلوم الإسلامية في سياق رؤية جديدة تعتمد أساسا على أهمية التكيف مع التحليل العلمي، مع تنمية الروح النقدية والتكوين على معاني الإبداع والمجازفة والمسؤولية والقدرة على التنبؤ. إنها وسائل وكفاءات لابد أن يستهدفها النظام التربوي، حسب المنظومة القانونية، من أجل تحضير الطفل الجزائري لمواجهة التحديات المذكورة آنفا. يتجلى هذا المنحى من خلال رؤية وزير التربية الوطنية للمضمون الجديد للخطاب الديني المدرسي عندما يشير في كتابه إلى ما ينبغي على مناهج وكتب التربية الإسلامية أن تتناوله من موضوعات في مرحلة الإصلاح الحالية حيث يقول: " حان الوقت لأن تدمج  المناهج الجديدة والكتب الجديدة البعد الاجتماعي والأخلاقي في كل المسار التعليمي حيث تؤخذ بعين الاعتبار حاجات التلميذ  ومستوى تطوره البسيكولوجي وكفاءاته الإدماجية في مختلف مستويات التعلّم. لابد على هذه المادة أن تسمح للتلميذ بأن يتعلم الأركان الخمسة للإسلام في السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، لتدمج بشكل تدريجي الممارسة الدينية والمحاور الأساسية للإسلام مع السنوات الأخيرة من الابتدائي وخلال كل سنوات التعليم المتوسط، ومع السنة الأولى من التعليم الثانوي يبدأ المتعلم باكتساب ثقافة أكثر سعة لتمكنه من الانفتاح والتسامح اتجاه الأديان والثقافات المختلفة"[8].         

ما يلاحظ على مضمون الخطاب الأيديولوجي الرسمي المؤطر للمنظومة التربوية هو تلك الازدواجية وذلك الغموض في تحديده لمهمة المدرسة بما قد يؤدي إلى ازدواجية في تمثله لدلالة الخطاب حول الهوية داخلها. إنه خطاب يحيل دوما إلى ثنائية غير محددة بشكل جلي، " أهمية عولمة المدرسة"[9] من جهة و" ضرورة تعميق الهوية الوطنية والدينية "[10] من جهة أخرى، الأمر الذي يبدو أنه سيتواصل مع مضمون الخطاب الذي ستتضمنه مادة العلوم الإسلامية في الثانوي من خلال تلمّس وجود تلك الثنائية المرتبكة في أهداف الخطاب الديني المدرسي بين تكوين "مواطنين مسؤولين لمجتمع ديمقراطي"  وتكوين " ذوات دينية لمجتمع ديني".

الموضوعات الكبرى لكتب العلوم الإسلامية في المستوى الثانوي

بناء على الإطار العام السالف الذكر، عمد بعض أساتذة العلوم الإسلامية وتحت إشراف المفتش العام للمادة السيد "موسى صاري" إلى تأليف ثلاثة كتب مدرسية هي: "المنير في العلوم الإسلامية"[11] خاص بالسنة الأولى ثانوي لكل الشعب، "الواضح في العلوم الإسلامية"[12] خاص بالسنة الثانية ثانوي لكل الشعب و "المفيد في العلوم الإسلامية"[13] الخاص بالسنة ثالثة ثانوي لكل الشعب.

و بعد أن كان التركيز في مناهج التربية الإسلامية في المتوسط على الطابع الخلقي، التهذيبي والتكليفي، سيتم التركيز في المستوى الثانوي على الجانب "المعرفي"[14] ولذلك تمّ تغيير التسمية من مادة "التربية الإسلامية" إلى مادة "العلوم الإسلامية". ويبدو من خلال مقارنة عامة بين برامج المتوسط والثانوي غياب التكرار في الموضوعات المتناولة، يرجع سبب ذلك إلى أن نواة مؤلفي الكتب المدرسية لم تتغير مما حال دون أي تكرار أو تناقض في المحتويات المقدمة. ستهتمّ كتب العلوم الإسلامية الثلاثة الخاصة بالمستوى الثانوي، وبناء على ما جاء في مقدماتها، على دروس أو ملفات قد يتكرر بعضها من سنة لأخرى لكن مع اختلاف في موضوعات كل منها، ويبدو من خلال استقراء عام لعناوين تلك الملفات أن هناك هاجسا أساسيا يحكم صياغة هذه المحتويات هو كيفية إدماج القيم العالمية والإنسانية في منظومة القيم الدينية وخاصة في بعدها الجماعي من جهة وكيفية الاستفادة من القيم الدينية التراثية في بناء قيم جديدة من جهة أخرى،  حيث يبدو التركيز في الملفات الأولى من كل كتاب مدرسي على القيم الدينية المتعلقة بالعقائد، العبادات والمعاملات الأسرية والاجتماعية لينتقل الاهتمام بعد ذلك إلى موضوعات حديثة متعلقة بالمجالات الاقتصادية، الإعلامية، التواصلية، البيئية، الصحية الفنية والجمالية.

كتاب المنير في العلوم الإسلامية

هو كتاب موجه للسنة الأولى ثانوي، كتاب من الحجم المتوسط عدد صفحاته 191 صفحة، يحتوي على عشرة (10) ملفات تغطى سنويا من خلال ساعة واحدة أسبوعيا بالنسبة للأقسام العلمية وساعتين بالنسبة للأقسام الأدبية. تطلق تسمية "الهدي" على الموضوعات المتعلقة بالقرآن والسنة النبوية وتطلق تسمية "الدراسات" على الموضوعات المتعلقة بالسيرة النبوية وتسمية "القيم" على الموضوعات الأخرى الاجتماعية والحديثة. نجد أن هناك خمسة (05) ملفات ارتبطت بما يمكن أن نسميه موضوعات " تقليدية " في العلوم الدينية هي: من هدي القرآن، من هدي السنة، القيم الإيمانية والتعبدية، القيم الاجتماعية والأسرية والدراسات في السيرة النبوية و05 ملفات مرتبطة بما يمكن أن نطلق عليه " قيما حديثة " هي القيم الفكرية والعقلية، القيم الاقتصادية والمالية، القيم الإعلامية والتواصلية، القيم الصحية والبيئية والقيم والفنية والجمالية.

كتاب الواضح في العلوم الإسلامية

هو كتاب خاص بالسنة الثانية ثانوي، كتاب من الحجم المتوسط يصل عدد صفحاته إلى 127 صفحة،  يحتوي على خمسة (05) ملفات كان قد اعتمدها كتاب السنة الأولى ثانوي لكن مع تغييرات في الموضوعات المتناولة داخل كل ملف، إذ نجد أن هذا الكتاب يبقي على الملفات التالية: من هدي القرآن، من هدي السنة، القيم الإيمانية والتعددية، القيم الأسرية والاجتماعية والقيم الإعلامية والتواصلية. ومن الإضافات التي نجدها في كتاب الواضح في العلوم الإسلامية إدراج ما سماه المؤلفون بالتفسير الموضوعي بدل التفسير التحليلي وكذا بعض الاتفاقيات السياسية والنصوص التنظيمية التي أبرمت في عهد النبوة، وقد عد محتوى ما أضيف مهما لدى المشرف على تأليف الكتاب من خلال ما جاء في المقدمة الموقعة باسمه حيث يقول : "فقد أدرج التفسير الموضوعي في دراسة النصوص الشرعية بدلا عن التفسير التحليلي، وأضيفت أحكام تلاوة القرآن حتى يتمكن المتعلم من النطق الصحيح للقرآن الكريم ويتضمن المنهاج مجموعة من الأحاديث النبوية. كما يقوم المتعلم بتحليل بعض الوثائق التنظيمية التي صدرت في زمن الرسول (ص) من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانيته"[15]. كما أن من أهم ما أشير إليه في هذا الكتاب تاريخ المذاهب الفقهية في الملف الثالث أي القيم التعبدية حيث أشار إلى مذاهب خمسة، المذاهب الأربعة ( الحنفي، المالكي، الشافعي والحنبلي) مضافا إليها المذهب الإباضي ، كما تناول في الملف الخامس أي القيم الإعلامية والتواصلية ظاهرة التطرف معتبرا إياها خطرا على الدين وعلى المجتمع على حد سواء.

كتاب المفيد في العلوم الإسلامية

هو كتاب خاص بكل شعب السنة الثالثة ثانوي، كتاب من الحجم المتوسط عدد صفحاته 207 صفحة، يحتوي على سبعة (07) ملفات، ستة (06) منها قد تمّ التطرق إليها في السنوات الأولى والثانية مع اختلاف في الموضوعات المتناولة ونعني بذلك ملفات : من هدي القرآن، من هدي السنة، القيم الإيمانية والتعبدية، القيم الإعلامية والتواصلية، القيم المالية والاقتصادية والقيم الاجتماعية والأسرية. إضافة إلى ذلك تمّ إدراج ملف جديد لم يتناول من قبل وهو ملف القيم الحقوقية حيث تمّ التطرق فيه إلى موضوعين هما "حقوق الإنسان في مجال العلاقات العامة والتعامل الدولي" و"حقوق العمال وواجباتهم في الإسلام". نشير في هذا السياق إلى أنه قد أضيفت في نهاية هذا الكتاب عدد من النصوص تصل إلى 11 نصا وظيفتها حسب المشرفين عليه "الدعم والاستثمار يستعين بها الأستاذ والتلميذ" وهذه النصوص هي:

1- وثيقة العهدة العمرية أي نص المعاهدة التي تمّت بين أهل فلسطين والمسلمين في عهد عمر سنة 651 م.

2- ضرورة الاجتهاد والتجديد في الإسلام، من خطاب رئيس الجمهورية في أحد الملتقيات حول الفكر الإسلامي نظم في مارس سنة 2002.

3- شخصية المسلم الصحيحة لمحمد الصالح صديق من كتابه "الدروب الحمر".

4- أيها المسلم الجزائري، مقال للشيخ عبد الحميد ابن باديس في جريدة الشهاب.

5- الحرب في الإسلام، للدكتور مصطفى أبو الخير، الخبير في القانون الدولي.

6- الصحة النفسية في منظور القرآن للأستاذة منى محروس، أخصائية في علم النفس.

7- حقيقة المسيح كما ذكره القرآن، نقلا عن  الأنترنت وبالضبط عن موقع منتدى البوابة.

8- الحقوق المالية للمرأة في الإسلام، كتبه خلف بن سليمان النمري (بدون تعريف المؤلف).

9- الإسلام يجمع بين متطلبات الروح والدين، للشيخ الطاهر بدوي الجزائري.

10- إنيّة وأصالة بقلم مولود قاسم نايت بلقاسم وزير الشؤون الدينية سابقا.

11- الأوقاف العقارية بفحص الجزائر في أواخر العهد العثماني، لناصر الدين سعيدوني، مدير سابق لمعهد التاريخ بجامعة الجزائر.

خصائص الخطاب الديني المدرسي في كتب العلوم الإسلامية

إن محاولة أولية لتحليل محتوى كتب العلوم الإسلامية في مختلف مستويات التعليم الثانوي تحيل إلى التساؤل حول طبيعة وخصائص الخطاب الديني الذي تتضمنه محتويات تلك الكتب في علاقتها بإشكالية الفرق بين المعرفي والإيديولوجي، أو بتعبير آخر، هل نحن أمام خطاب تنشئة دينية تربوية قائم على الإدماج القيمي والأخلاقي أم نحن أمام خطاب تنشئة أيديولوجية يقوم على محتوى تعبوي تجييشي يحمل بين طياته حمولة عاطفية ؟ هل نحن أمام خطاب تربوي هدفه المضمون المعرفي والكفاءة السلوكية أم خطاب سجالي لا يهم فيه المضمون المعرفي بقدر ما يهم فيه المنطلق الذي يوظف المضمون المعرفي لخدمة المنطق السجالي؟

إن أول ما يلاحظ على الموضوعات التي تتضمنها محتويات كتب العلوم الإسلامية الثلاثة هو أننا لسنا أمام محتوى ديني كما نجده في المؤسسات الدينية التقليدية مثل الجامعات الإسلامية العتيقة أو مدارس تكوين الأئمة أو الزوايا بحيث يكون تصنيف العلوم الدينية تصنيفا كلاسيكيا يشمل أنواع المعرفة الدينية التقليدية من قرآن وحديث وتفسير وقراءات وسير وغيرها، بل يحيل محتوى كتب العلوم الإسلامية في الثانوي إلى "خطاب جديد حول الدين"[16] لا يمكن تصنيفه ضمن محتويات العلوم الدينية التقليدية،  الأمر الذي يجعلنا نصوغ السؤال التالي: ماهي معالم ومميزات هذا الخطاب الجديد حول الدين؟ يبدو من خلال التشخيص الأولي أن محتوى الخطاب الديني الذي تتضمنه هذه الكتب تحكمه ميزتان أساسيتان تحيلان إلى طغيان الجانب النفعي التعبوي المنفعل وإلى خطاب هوياتي فيه كثير من الأداتية في تناول التراث الديني ، والميزتان هما: أنه خطاب تبجيلي من جهة و خطاب مرتبك، ملتبس وانتقائي من جهة أخرى، إنهما تؤكدان مدى تأثير الخطاب الأيديولوجي الرسمي ذي الطبيعة المزدوجة في تحديده لمهمة المدرسة ومحتوى برامجها على مضامين الكتب المدرسية للعلوم الإسلامية في هذا المستوى من التعليم.

1.خاصية التبجيل

حاولت ملفات كتب العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي أن تقدم صورة شمولية للدين الإسلامي ليس باعتباره دينا للعبادات والحياة الخاصة بل باعتباره نظام حياة، وبأنه يرتبط بالواقع الاجتماعي الراهن ويتفاعل مع المشكلات العالمية المطروحة اليوم في مختلف مستوياتها سواء تعلق الأمر بالحياة الفردية أو الأسرية
أو الاقتصادية أو السياسية المحلية أو الدولية، وأنه دين يساهم في التنمية ويتعايش مع الأديان والثقافات الأخرى وأنه دين يتضمن كل القيم والمعاني التي توصلت إليها الخبرة الإنسانية في العصر الحديث[17].

يحاول خطاب الشمولية هذا أن يقدم صورة مميزة مثالية للقيم الفردية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والحقوقية والسياسية باعتبارها كفاءات مستهدفة من قبل منهاج العلوم الإسلامية على أساس أنها موجودة كلها في الدين الإسلامي من قبل، حيث جاء في مقدمة موضوع حقوق الإنسان في مجال العلاقات العامة والقانون الدولي كتاب السنة ثالثة ثانوي ما يلي : إن مقياس تقدم الدول ورقيها هو مقدار ما تراعي حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهذه الوثيقة الدولية التي لم يمض على إعلانها سوى نصف قرن، في حين أقرَّ الدين الإسلامي ما هو أوسع وأشمل من هذه الحقوق قبل أكثر من 1400 سنة[18] ، وأن هذه القيم الإسلامية التي من المفترض أن تسود في المجتمع الجزائري مختلفة تماما عن القيم غير الإسلامية[19]، فقيم الأسرة المسلمة متميزة والنظرية السياسية ونظرية العلاقات الدولية الإسلامية مختلفة عن النظريات الأخرى، والنظرية الاقتصادية الإسلامية لها خصوصياتها. يبدو أننا في مختلف الموضوعات المتعلقة خاصة بعلاقة الإسلام بالقيم الحديثة أمام خطاب ديني يجعل من الشمولية خاصية لا حدود لها لكن من خلال خطاب محدود مشحون بعاطفة المدح والتبجيل والتضخيم لمحتويات التراث الديني ومحاولة وضع كل مناحي الحياة الاجتماعية الحديثة في حقل تحكم الخطاب الديني باعتباره خطابا يحمل كل الإجابات على كل الأسئلة بدون أن يترك أي مجال للمتعلم لأن يضع النصوص الدينية في سياقاتها التاريخية والاجتماعية وهي تتناول الموضوعات المختلفة.

إن خطاب التبجيل والمدح القائم على آلية التقديس والذي يحكم جلّ موضوعات الكتب المدرسية للعلوم الإسلامية المتعلقة بالحياة الاجتماعية والقضايا الاقتصادية والسياسية والتواصلية والفنية، خطاب يتضمن سطحية جلية ويتأسس على منطق ثنائي يقابل بشكل تبسيطي بين الثنائيات المختلفة كالصحيح والخاطئ، الأنا والآخر وهو ما يحول دون تفتّح عقل المتعلم في تناول واقعه الاجتماعي المعقّد، ذلك أن المنطق الثنائي وخصوصا إذا ما كان مشحونا عاطفيا سيحدّ من إمكانات التحليل أمام العقل هذا ناهيك عن عدم تمكينه من التمييز بين الدين والأيديولوجية الدينية بحكم طبيعته السجالية.

  • 2. خاصية الالتباس والارتباك

يبدو الخطاب الديني المدرسي في المستوى الثانوي خطابا مرتبكا ملتبسا من جهة وانتقائيا من جهة أخرى وهذه ميزة كل خطاب مشحون بحمولة عاطفية تعبوية، وكمثال جلي على ميزة الارتباك ما نجده في كتب المستويات الثلاثة حول علاقة المسلمين بغيرهم من أهل الأديان والثقافات الأخرى، حيث نجد موضوعات تصيغ خطابا حول الأخوة والصداقة والحرية والتسامح والتعايش مع الآخر من جهة وموضوعات تحيل إلى خطاب يحذر من "خطر الغزو الثقافي وتقليد الأديان الأخرى" من جهة أخرى.

يتناول كتاب السنة أولى ثانوي على سبيل المثال موضوعا في ملف القيم الإعلامية والتواصلية عنوانه: "الإسلام يدعو إلى التعايش السلمي" (ص147-151)، كما نجد في كتاب السنة الثانية ثانوي موضوعا آخر في ملف هدي القرآن عنوانه "جدلية الحقوق والحريات المدنية في الإسلام" (ص32-35) حيث تمت الإشارة فيه إلى وقائع عملية في السيرة النبوية فيما يتعلق بالتعامل مع أهل الأديان الأخرى، ومن أمثلة ذلك زواج النبي (ص) من ريحانة "الجارية اليهودية". وتحضر هذه المعاني أيضا في كتاب المفيد في العلوم الإسلامية للسنة ثالثة ثانوي وبشكل أوضح من خلال موضوع "الإسلام والرسالات السماوية" حيث تم التطرق فيه إلى فكرة وحدة الرسالات السماوية أي الإسلام، المسيحية واليهودية ، إذ نجد على سبيل المثال ما نصه "إن الرسالات السماوية تشكل وحدة متلاحمة وجوهرا مشتركا وثابتا يتمثل في توحيد الله" (ص 350)، كما يحيل الكتاب إلى فكرة أخوة الأنبياء والرسل والتي تقتضي أخوة أتباع هؤلاء الرسل والابتعاد عن أي نزاع بينهم "الأنبياء تشدهم أواصر المحبة والأخوة والاجتماع على الحق والسعي من أجل إرساء مجتمع فاضل" (ص 58)، كما "أن أخوة الأنبياء والرسل تقتضي أخوة الأتباع والابتعاد عن أي نزاع لأن الإخلال بذلك يعد إخلالا بالميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين بأن يصدِق بعضهم بعضا" (ص 58). وتأكيدا لهذا المنحنى التسامحي، تمّ التطرّق أيضا إلى موضوع آخر في الكتاب نفسه بعنوان "العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغيرهم" (ص 146) حيث تم التركيز فيه على أهمية احترام الاختلاف بين الأديان، حقوق غير المسلمين في بلد الإسلام وكان التركيز هنا على حق الحماية، التأمين عند العجز والفقر، حق التدين، حق العمل وحق تولي وظائف الدولة إلاّ "ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش والقضاء بين المسلمين والولاية على الصدقات ونحو ذلك" (ص 149). إضافة إلى ذلك كان التطرّق إلى الموضوع نفسه في آخر ملف من ملفات كتاب السنة الثالثة أي ملف القيم الحقوقية حيث تمّت الإشارة فيه إلى موضوعات من مثل "المساواة في الأخوة الإنسانية" (ص 169) و"الاعتراف بالتعددية الحضارية والثقافية والسياسية والعقائدية" (ص 170) وصولا إلى نتيجة بأن "السلام العالمي هو الهدف النهائي من النظرية الإسلامية في العلاقات الدولية" (ص 171).

لكن، أمام هذا الخطاب المؤيد للصداقة والاختلاف والتعايش بين الأديان نجد منحى مغايرا تماما في موضوع "الغزو الثقافي وخطره على المجتمعات"(ص 44) من كتاب السنة الثانية ثانوي من خلال تناول موضوع  يشير إلى "عدم تقليد الأديان السماوية الأخرى" باعتبارها تشكل خطرا على الدين والمؤمنين بهذا الدين، ورغم أن الموضوع جاء في سياق تثبيت الهوية الدينية الذاتية، إلا انه يشير إلى خطاب يحاول أن يقابل بين الأديان بترجيح المنطق الصدامي على منطق التبادل والتفاعل الثقافيين.

 3.خاصية الانتقائية:

   وأما عن منطق الانتقائية فيبدو جليا من خلال محاولة تبرير الشمولية في سياق الخطاب التبجيلي الذي سبقت الإشارة إليه، إذ نجد في معظم الدروس والملفات المتعلقة بعلاقة الإسلام بالقضايا المجتمعية الحديثة محاولة للاستخدام الأداتي الانتقائي للنصوص التراثية والمعاصرة حيث تعرض في شكل مجزّأ ومبتورة عن سياقها الذي ذكرت فيه من أجل هدف تبريري سجالي عاجل. ولعل أدلّ على ذلك استخدام عدد من الآيات والأحاديث النبوية "لتأصيل" قيم الحفاظ على البيئة
أو القيم السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية مثل ربط نهي الرسول (ص) عن البصاق على الأرض بموضوع "مكافحة التلوث" ( كتاب السنة الأولى ص 161) أو ما جاء في موضوع آخر ما عنوانه "الظاهرة السكانية في القرآن الكريم" (كتاب السنة الثانية ص 28) حيث يبدأ موضوع الدرس بذكر عدد من الآيات حول دعاء زكرياء بأن يرزقه الله بالذرية أو آية (كل نفس ذائقة الموت) أو الآية 15 من سورة الملك (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)، ثم تأتي عناصر الموضوع كالتالي: "التنمية البشرية بين الكم والكيف" ، "إذا كان القرآن يدعو إلى التنمية البشرية في إطار الكم فليس معنى هذا أن الكم هدف في ذاته"، "القرآن والعمليات السكانية الأساسية، المواليد، الوفيات، توجيه القرآن إلى عمارة الأرض بطريقة مستدامة". ومن أهم مظاهر منطق الانتقائية هذا هو تعامل الكتب المدرسية مع المذهب الإباضي[20] حيث تمت الإشارة إليه في موضوع "المدارس الفقهية وتطورها" من كتاب السنة ثانية ثانوي (ص 84)  كمذهب فقهي وليس كمذهب عقائدي أو سياسي، وقد تم التركيز فيه على التعريف بأبرز شيوخه،  ليبقى هذا المذهب وفق منطق الكتاب المدرسي مصدر "ثروة تشريعية" دون الإشارة إلى قيمته وثرائه في الجانب العقائدي وتجربته السياسية تاريخيا. يبدو أن الخطاب الديني الكتاب المدرسي يتسامح مع الاختلاف الفقهي لكنه لا يتسامح مع الاختلاف العقائدي أو السياسي وهو يتعامل مع النصوص التراثية، وتلك في تصورنا إحدى أهم صور هذه الانتقائية الجلية.

ولعل أدل على ذلك أيضا الغياب الكلي للخطاب الصوفي في كل الكتب المدرسية موضوع التحليل، على الرغم من أن الخطاب الصوفي جزء رئيس في بنية التراث الديني الإسلامي وأن التصوف الشعبي ظاهرة واقعية لها حضورها في المجتمع الجزائري. كما نسجل أيضا غيابا كليا لأدنى إشارة إلى المذهب الشيعي باعتباره أحد النماذج الدينية المعرفية التي يتضمنها التراث والذي يجد له اليوم  منابر إعلامية لتقديمه والترويج له يستهلكها المتعلم الجزائري تلقائيا من خلال القنوات الفضائية المختلفة بما يقتضي من الخطاب المدرسي وضعها كموضوع للتناول المعرفي حيث يمكن المتعلم من أدوات فهم نظام هذا الخطاب في سياقه العام على الأقل ليكون مستهلكا إيجابيا للقيم الدينية التي تتضمنها وتنشرها وسائل الإعلام والاتصال المختلفة. تحيلنا هذه الملاحظات إلى مجال من مجالات المسكوت عنه في الخطاب الديني المدرسي وهو ما يتعلق بموضوع التعامل مع التعدد على مستوى الآراء العقائدية والسياسية في التراث الديني، بما يؤكد الميزة الانتقائية والمنطق السجالي الذي يؤطر مضمون هذا الخطاب.

خاتمة

من خلال هذه القراءة الأولية نتصور أن مضمون الخطاب الديني الذي تتضمنه الكتب المدرسية للعلوم الإسلامية في مختلف مستويات التعليم الثانوي اليوم لا يخلو من عناصر تعبوية تجييشية تقوم على منطق تبجيلي، انتقائي ومرتبك أحيانا، بما يؤدي إلى كثير من الضبابية في دلالات ومضامين الهوية الدينية التي تستهدف المدرسة العمومية تنشئة الأجيال عليها،  ذلك أن أساس هذا الخطاب مثلما يبدو من عناوين ومضامين جل الموضوعات المتناولة هو "الدفاع عن القيم الدينية ضد عدو مفترض". هذا النوع من الخطاب التعبوي إضافة إلى ما يطرحه من مشكلات بيداغوجية وتربوية انطلاقا مما يتضمنه من عنصر "التقديس" في تناوله للمعارف الدينية وتعامله مع المعارف الحديثة، فإنه يطرح مشكلات معرفية لعل أهمها غياب الوضوح من الناحية الإبستمولوجية في تناول قضايا لها أهميتها في التعليم الديني والتناول العلمي لموضوعات ذات علاقة بالهوية الدينية منها قضية الإيمان والمعرفة، مسألة الحدود بين ما هو عالمي وما هو خصوصي في الدين، الفرق بين الأسطورة والتاريخ والفرق بين الأخلاق والمعرفة[21]. كما أن الطريقة التبريرية التبجيلية المميزة لطبيعة الخطاب الديني الذي تنشره المدرسة الجزائرية قد تؤدي إلى مشكلة أخرى هي توسيع الهوة بين مادة العلوم الإسلامية وباقي المواد الأخرى، باعتبار أن هذه الطريقة تؤدي إلى ترسيخ منطق "عدم وجود تشاركية وتكامل بين العلوم الدينية والعلوم المدنية"[22]، كما أنه خطاب يضع تمييزا بين معرفة الحاضر ومعرفة الماضي وخاصة ما يتعلق منه بالعلوم الدينية بل ويجعل من معرفة الماضي مصدرا كافيا ونهائيا لمعرفة الحاضر وهو ما سيزيد من تعميق خطاب الأيديولوجية الدينية أو على الأقل عدم تمكين المتعلم وفق هذا الخطاب الانتقائي، المرتبك والمشحون في آن واحد من أدوات التمييز بين الدين والأيديولوجية الدينية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى الدور الفعّال لأيديولوجيا الفاعلين التربويين، فإيديولوجيا الخطاب الرسمي حول المنظومة التربوية  ليست وحدها الفاعلة في مضمون الكتاب المدرسي ذلك أنّ هناك خطابا إيديولوجيا آخر له فعاليته إنه  خطاب الفاعلين التربويين والحالة هنا متعلقة بمؤلفي الكتب المدرسية الذين يتدخلون بشكل مباشر في تشكيل معالم الخطاب الديني المدرسي. وهؤلاء هم نتاج أيديولوجيات فرعية مصدرها مؤسسات التكوين الديني المتنوعة التي أنتجتهم وخاصة منها الجامعات الإسلامية التي بينت دراسات سابقة[23] حول الموضوع أن مقرّراتها ومنتوجها المعرفي من أطروحات ورسائل تحوي خطابا أيديولوجيا حول الدين مختلفا عن الخطاب الديني التقليدي، خطاب متأثر بأشكال الخطاب التي وضعها ولا زال يضعها  مناضلو الإسلام السياسي.

عناصر بيبليوغرافية

الكتب المدرسية المستخدمة

  1. صاري، محمد ( إشراف)، "المنير في العلوم الإسلامية" خاص بالسنة الأولى ثانوي لكل الشعب، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الطبعة الأولى، الجزائر، سنة 2006.
  2. صاري، محمد (إشراف)، "الواضح في العلوم الإسلامية" خاص بالسنة الثانية ثانوي لكل الشعب، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الطبعة الأولى، الجزائر، سنة 2007.
  3. صاري، محمد (إشراف)، "المفيد في العلوم الإسلامية" الخاص بالسنة ثالثة ثانوي لكل الشعب، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الطبعة الأولى، الجزائر، سنة 2008.

مراجع باللغة العربية

  1. مؤسسة كونراد أديناور و كرسي اليونيسكو للدراسات المقارنة للأديان بتونس، تدريس الأديان في عصر العولمة ، أعمال ندوة دولية ، تنسيق وترجمة محمد حداد، تونس، 2009.
  2. بوحديبة ، عبد الوهاب ، و آخرون . الواقع الديني اليوم، قرطاج، تونس  بيت الحكمة، 1999.
  3. أركون، محمد قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 1998.
  4. أركون، محمد، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 2001.
  5. علي، خليفة، أبناء الطوائف. إشكالية التعليم الديني، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى، سنة 2007.
  6. واقع التربية الإسلامية في المدرسة الجزائرية وآفاقها"، أيام دراسية، الجزائر، منشورات المجلس الإسلامي الأعلى، العدد3، 2002.
  7. سبيلا، محمد و عبد السلام بنعبد العالي، الأيديولوجيا، الدار البيضاء (المغرب)، دار توبقال، ط 2، 2006.

مراجع باللغة الفرنسية

  1. Loi d’orientation de l’éducation nationale du 23 janvier 2008
  2. Benbouzid, B. La réforme de l’éducation en Algérie, enjeux et réalisations, Alger (Algérie), Casbah éditions, 2009.
  3. . Fondation du Roi Abdu-Aziz & la Fondation Konrad Adenauer. Enseigner la religion aujourd’hui ? Actes de colloque, Casablanca (Maroc), 2004.
  4. S et Hassani-Idrissi, M. (dir.) Valeurs, représentations et stéréotypes dans les manuels scolaires dans la Méditerranée, in Revue Tréma, n°35-36, décembre 2011, CEDRHE, IUFM de l'académie de Montpellier.
  5. Ghalem, M. « Idéologie et histoire : Le livre d’Histoire de la 2ème année secondaire », in Ghalem M. et Remaoun H. (dir), Comment enseigner l’Histoire en Algérie, Oran édition, CRASC, 1995.
  6. Remaoun, H. « L’Etat national et sa mémoire : le paradigme histoire », in Remaoun-Benghabrit, Nouria et Haddab, Mustapha (dir), l’Algérie, 50 ans après. Etat des savoirs en Sciences Sociales et Humaines (1954-2004), Oran, édition CRASC, 2008.
  7. Remaoun, H.Elites et enjeux institutionnels, Alger, Réflexions-Casbah, 1997, (Version en langue arabe, in Insaniyat, n°3 ,1997)
  8. Remaoun, H. « L’école, histoire et enjeux institutionnels dans l’Algérie indépendante », in Les temps modernes, n° 580, février 1995.
  9. Toualbi-Thaâlibi, N. & Tawil, S. (Dir.). L’école à l’épreuve du nouveau monde, Alger (Algérie), Casbah éditions, 2005.
  10. Toualbi-Thaâlibi, N. Ecole, idéologie et droits de l’hommes, Alger (Algérie), Casbah éditions, 2004.
  11. Toualbi-Thaâlibi, N .L’identité au Maghreb. L’errance, Alger (Algérie), Casbah éditions, 2001.

 الهوامش

[1]Cromer.S et Hassani-Idrissi, M.(dir.) Valeurs, représentations et stéréotypes dans les manuels scolaires dans la Méditerranée , in Revue Tréma, n°35-36, décembre 2011, CEDRHE, IUFM de l'académie de Montpellier.

[2] Remaoun.H. * « L’Etat national et sa mémoire : le paradigme histoire » (2008) , in Remaoun-Benghabrit, Nouria et Haddab, Mustapha (dir), l’Algérie, 50 ans après. Etat des savoirs en Sciences Sociales et Humaines (1954-2004), Oran, éditions CRASC,  * « Histoire nationale et pratiques politico-identitaires. Une lecture des manuels officiels en usage dans l’école algérienne » (1997), in Marouf, N. et Carpentier, C. (dir), Ecole langue, identités, Paris, l’Harmattan.    

 * L’école, histoire et enjeux institutionnels dans l’Algérie indépendante, revue Les temps modernes, n° 580, février 1995.

 (هذا المقال مترجم إلى العربية ونشر في مجلة إنسانيات العدد 3سنة 1997)

[3] Toualbi-Thaâlibi, N. *L’identité au Maghreb. L’errance (2001). *Ecole, idéologie et droits de l’homme(2004).

[4] نذكر أنه من أهم مساهمات محمد غالم في هذا المجال:

* مقال بعنوان "الأيديولوجيا والتاريخ" (1995)، منشور في كتاب جماعي عنوانه: " كيف ندرس التاريخ في الجزائر؟" ، تحت إشراف حسن رمعون ومحمد غالم ، منشورات كراسك .

* مقال بعنوان "الفلسفة والمدرسة، قراءة في مقترحات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية" (2004) ، منشور في كتاب جماعي تحت إشراف محمد غالم و أحمد كرومي عنوانه : " الفلسفة، الذاكرة والمؤسسة"، منشورات كراسك.

 [5]طرح النقاش في بداية تطبيق الإصلاحات سنة 2003 حول إمكانية فتح سوق طبع ونشر الكتب المدرسية أمام دور النشر الخاصة بما يفتح المجال أمام تعدد المؤلفين ومحتويات الكتب وشكل الطبعات، لتعود وزارة التربية الوطنية وتقرر ضرورة توحيد مضمون الكتب المدرسية وطبعها من طرف مؤسسة عمومية هي الديوان الوطني للكتب المدرسية .

[6] Loi d’orientation de l’éducation nationale du 23 janvier 2008, article n° 2

[7] Ibid.articles  n°4, n°5 et n°6.

[8] Benbouzid, B. La réforme de l’éducation en Algérie, enjeux et réalisations, Alger (Algérie), Casbah éditions, 2009, page 53-54.

 [9] Toualbi-Thaâlibi, N. Changement social, représentation identitaire et refonte de l’éducation en Algérie,  in Toualbi-Thaâlibi, N. et Tawil S.( Dir), L’école à l’épreuve du nouveau monde , Alger (Algérie), Casbah éditions, 2005, page 24.

[10] La loi d’orientation de l’éducation nationale du 23 janvier 2008, article n° 2.

[11]صاري، محمد ( إشراف). المنير في العلوم الإسلامية للسنة الأولى ثانوي، الجزائر، الطبعة الأولى، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 2006.

[12]صاري، محمد ( إشراف). الواضح في العلوم الإسلامية للسنة الثانية ثانوي، الجزائر، الطبعة الأولى، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 2007.

[13]صاري، محمد ( إشراف). المفيد في العلوم الإسلامية للسنة الثالثة ثانوي، الجزائر، الطبعة الأولى، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 2008.

[14] نقصد هنا بالجانب المعرفي ما أشار إليه الخطاب الرسمي حول محتوى المادة من ضرورة التركيز على ما سماه وزير التربية الوطنية: "اكتساب ثقافة أكثر سعة لتمكنه من الانفتاح والتسامح اتجاه الأديان والثقافات المختلفة".

[15] أنظر مقدمة كتاب الواضح في العلوم الإسلامية للسنة الثانية الثانوي، ص3.

[16] El Ayadi, M. L’école publique moderne et l’enseignement religieux, in ouvrage collectif, Fondation du Roi Abdu-Aziz & la Fondation Konrad Adenauer. Enseigner  la religion aujourd’hui ?, Actes de colloque, Casablanca (Maroc), 2004,  page 57.

[17] أنظر على سبيل المثال لا الحصر موضوعات كتاب المنير في العلوم الإسلامية للسنة الأولى ثانوي مثل: موضوع القيم في القرآن الكريم، ص 25-34، موضوع العمل والإنتاج في الإسلام ومشكلة البطالة ص 40، موضوع الإسلام والرسالات السماوية، ص 58-69

[18] أنظر كتاب المفيد في العلوم الإسلامية للسنة الثالثة ثانوي، ص 162

[19] أنظر مقدمة موضوع جدلية الحقوق والحريات المدنية في القرآن الكريم، كتاب السنة ثانية ثانوي ص 33-35، موضوع الحديث الثالث: الغزو الثقافي وخطره على المجتمعات ص 44-45

[20]  المذهب الإباضي  مذهب ديني إسلامي له حضوره في الجزائر حيث تعتنقه طائفة من سكان ولاية غرداية وما جاورها من مناطق وادي ميزاب بالجنوب الجزائري.

[21] Ismail M. L’enseignement religieux : Transmission du savoir ou appel à l’adhésion ?, in ouvrage collectif, Fondation du Roi Abdu-Aziz & la Fondation Konrad Adenauer, Op.cit, page 95.

[22] Ibid. page 96.

[23] نشير في هذا السياق على سبيل المثال لا الحصر  إلى دراسة الباحث التونسي احميدة النيفر حول مضامين التكوين  في الجامعات الدينية في الدول المغاربية وخاصة منها جامعات الزيتونة بتونس، القرويين بفاس وجامعة الأمير عبد القادر قسنطينة،أنظر  http://www.alwihdah.com/issues/development/2010-04-26-

 2072.htm، كما ننطلق أيضا من نتائج دراسة ميدانية قمنا بها حول مضمون المعرفة الدينية المنتجة في جامعة الأمير عبد القادر من خلال دراسة لموضوعات أطروحات الدكتوراه التي نوقشت ما بين سنتي 1990 و2007، في إطار مشروع سابق لفريق البحث حول خطاب النخب بين المعرفي والأيديولوجي أشرف عليه الأستاذ المرحوم أحمد كرومي. a