Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

نستهدف من وراء هذا البحث، الوقوف على المنهاج من جهة وكتاب إشكاليات فلسفية (تحديدًا مقدمة الكتاب) الكشف عن الجسور والروابط بين المدونتين، و بينها وبين مرامي تواجد تدريس الفلسفة في الثانوي من حيث هي نمط تفكير، يشهد له، بالتَّميُّز والتَّفرُّد. فمادة الفلسفة هي أحد أهم المواد السيادية، و بالتالي أحد أهم المفاتيح لتحديد الدوافع التي توظف من قبل المؤسسة المدرسية من حيث هي مؤسسة جمهورية لتحقيق تنشئة مدرسية تتلاءم واستراتيجيات السلطة الإيديولوجية المهيمنة. إن إخضاع المدونتين للتحليل (الأولى) وفق المقاربة الكيفية راجع لكون المنهاج وكتاب الدروس يمثلان وثائق بيداغوجية فاعلة في القسم و توظف من قبل المتعلم والمعلم على حد سواء لكن بدرجات و قدر متفاوتين. وهما في ذات الوقت حلقة وصل بين الوثائق القانونية التوجيهية للمؤسسة المدرسية و فاعلو  العملية البيداغوجية في القسم : المعلم والمتعلم (أساسا) وكذا مفتش المادة.

تتحرك الإشكالية ضمن مثلث ذي ثلاث أقطاب متفاعلة :

الأول: يتعلق بالمدونة ذاتها (المنهاج وكتاب الإشكاليات).

الثاني: الكفاءات الختامية و المحورية.

ثالثا: فهرس الإشكاليات والمشكلات الفلسفية مُتوَّج بمقدمة الكتاب.

و تحديدًا يستهدف البحث التساؤل التالي: أية دلالات إيديولوجية يمكن استنتاجها من هذا المثلث ذي الأقطاب الثلاثة ؟

يتحرك جسم تحليل المقالة وفق محورين : الأول يتعلق بتقديم المدونة شكليا، فهو يستند على المقاربة الوصفية (غير الاستدلالية) للمدونة محل المعاينة و التقصي. أما الثاني فيتعلق بتوظيف المقاربة الكيفية لمنهج تحليل المضمون للاستدلال واستنتاج بعض الدلالات الكيفية لهذه المدونة.

المدونة شكليا

1ـ1ـ كتاب الدروس

كتاب إشكاليات فلسفية[1]، السنة الثالثة من التعليم الثانوي، شعبة آداب وفلسفة، وزارة التربية الوطنية، تحت إشراف وتأليف حسين بن عبد السلام (مفتش التربية والتكوين)، شارك في التأليف المفتشون : جمال الدين بوقلي حسن، عبد الرحمان مبروك، عبد الحكيم بليليطة، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 2007 (الطبعة الأولى)  الجزائر. من الحجم المتوسط، 350 ص ذو لون أخضر. مقدمة الكتاب من أربع صفحات (ص ص2-5) موقعة و مؤرخة على الصـورة التـالية : »والله من وراء القصد «، حسين بن عبد السلام بريان، (غرداية)، في 21 فبراير 2007. أما خاتمة الكتاب من صفحة واحدة (ص:344). متن الدروس (ص ص: 6-343) موزع على أربع إشكاليات كبري:

- في إدراك العالم الخارجي: خمس مشكلات فرعية (ص ص 7-124)

- في الأخلاق الموضوعية و الأخلاق النسبية: أربعة مشكلات فرعية (ص ص 125-221)

- في فلسفة العلوم: خمس مشكلات فرعية (ص ص 223-307)

- في الفن و التصوف بين النسبي و المطلق: مشكلتان فرعيتان (ص ص 308-343)

المتن مدلل بهامش يستهدف: الإحالة المرجعية، الشروح و تعاريف الفلاسفة والمفكرين.

كما يتشكل في الأخير من فهرسين، الأول متعلق بقائمة المصادر والثاني بمحتويات الكتاب، بالنسبة لقائمة المصادر (ص ص 345- 349)، مقسم إلى مصادر بالغة العربية من (ص ص345- 348) بـ 126 مصدرًا مرتب وفق الحروف الأبجدية. ومصادر بالغة الفرنسية (ص 349) بـ 22 مصدرًا مرتبة وفق الحروف اللاتينية (ABCD) أي ما مجموعه 184 مصدرًا. أما بالنسبة لفهرس المحتويات (ص 350)، فمقسم إلى أربع إشكاليات وكل إشكالية بدورها مقسمة إلى مشاكل فرعية مرقمة من 1 إلى 16 مرفقة بالعنوان الفرعي لكل مشكلة مع ضبط الصفحات لكل منها.

أنظر الجدول رقم 1: فهرس المحتويات

الرقم

المحتويات

الصفحة

المقدمة

مقدمة الكتاب

3

الإشكالية الأولى

في إدراك العالم الخارجي

6

1

2

3

4

5

المشكلة الأولى     

المشكلة الثانية    

المشكلة الثالثة   

المشكلة الرابعة 

المشكلة الخامسة

في الإحساس والإدراك............................

في اللغة و الفكر..................................

في الشعور و اللاشعور........................... .

في الذاكرة و الخيال..............................

في العادة و الإرادة ...............................

7

30

55

77

102

الإشكالية الثانية

في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية.................

125

6

المشكلة الأولى

في الأخلاق بين النسبي و المطلق.........................

في الحقوق و الواجبات والعدل............................

في العلاقات الأسرية والنظم الاقتصادية والسياسية.........

في الشخصية الجماعية والشخصية الفردية وكرامة الإنسان

126

144

170

204

7

8

9

المشكلة الثانية

المشكلة الثالثة

المشكلة الرابعة

الإشكالية الثالثة

في فلسفة العلوم ..........................................

222

10

11

12

13

14

المشكلة الأولي

المشكلة الثانية

المشكلة الثالثة

المشكلة الرابعة

المشكلة الخامسة

في الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة................

في الرياضيات و المطلقية................................

في العلوم التجريبية والعلوم البيولوجية.....................

في علوم الإنسان والعلوم المعيارية........................

في الإبستيمولوجيا وقيمة العلم............................

223

239

254

272

294

الإشكالية الرابعة

في الفن و التصوف بين النسبي و المطلق ................

308

15

16

المشكلة الأولى

المشكلة الثانية

في الآثار الفنية والتجربة الذوقية...........................

في التصوف بين النسبي والمطلق..........................

309

327

الخاتمة

خاتمة الكتاب..............................................

344

فهرسا الكتاب

مصادر ومحتويات الكتاب.................................

345

         

 

1ـ2ـ  المنهاج

إنهما وثيقتان موجهتان للسنة الثالثة ثانوي مختلف الشعب. للسنة الدراسية 2007 ـ 2008 وهي نفس السنة التي نشر فيها الكتاب المدرسي (درسا ونصا).

ما يهمنا، فيما يتعلق بالمنهاج، شقه الأول المتعلق بكفاءات ومحتويات برنامج شعبة آداب وفلسفة (ص ص 4- 13)، ضمن هذه الصفحات، تعالج الوثيقة الكفاءات المطلوب انجازها ثم مجمل الكفاءات المحورية والخاصة وعلاقتها بالمحتوى المعرفي لهذه الشعبة.أما فيما يتعلق بوثيقة دليل الأستاذ، فتتشكل الوثيقة من ثلاثة فصول، يهتم الأول بقراءة لفلسفة البرنامج (وهي تفصيلات موجهة للأستاذ تحديدًا للكفاءات الختامية والمحورية والخاصة). و الثاني بقراءة لأهدافه ومحتوياته المعرفية وفق كل شعبة من الشعب، أما الفصل الأخير فيهتم بالوجه العملي للمقالة الفلسفية وتقويمها.

2- بعض الدلالات الكيفية للمدونة

2-1- على مستوى المنهج

ثمة اعتبار البرامج الفلسفية الجديدة، و كنظرة تربوية جديدة تقدم على المقاربة بالكفاءات وهي أحد مفاتيح الإصلاح التربوي كما أقرته السلطات العمومية. فلم يصبح البرنامج مستقلا عن سياق يندرج فيه، بل أن البيداغوجيا المعاصرة قد أقرَّت أنه قطعة من ضمن قطع أخرى مدمجة ضمن سياق يطلق عليه المنهاج، وعندما يكون المنهاج مدرجا ضمن المقاربة بالكفاءات فلا بد للبرامج أن تتخذ صورة بنائية ملائمة لهذه المقاربة ، مندمجة معها، متلونة بتلوينها و مترسمة بترسيماتها. فالمحتويات المعرفية للبرامج موزعة في اتجاهين : الكفاءات المحورية والخاصة والكفاءات الختامية. الأولى تستهدف صياغة الكفاءات وفق ما ترمي إليه الإشكالية والتي تصب في النهاية في الثانية، الكفاءة الختامية.

نقرأ في بداية مدخل المنهاج ما يلي » إن برامج الفلسفة الجديدة التي نقدمها للسنوات الثلاثة الثانوية في جميع شعبها[2] انطلاقا من هذه السنة الدراسية (2007- 2008) تقدم على أساس نظرة تربوية جديدة تعرف اليوم بالمقاربة بالكفاءات[3]«. وفي سياق ذلك يعتبر أن هذه النظرة الجديدة تقدم على استراتيجية تستهدف  »مساعدة المتعلم على التكيف السريع و التلاؤم النافع مع المتغيرات المتعددة التي يعرفها العالم والتحولات المستمرة التي يعيشها الناس في حياتهم اليومية، ومن ثمة تمكنه من الإبداع المفيد والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية المستقلة. «

الدرس الفلسفي يستهدف مساعدة المتعلم على التكيف و التلاؤم المفيدين والتغيرات العالمية و انعكاساتها على معيش الناس اليومي وكيف يمكنه المشاركة في الحضارة الإنسانية المستقبلية، انه يرمي للتفتح على الحضارة المعاصرة . وكأنه يرمي إلى إخراج النشء من مخالب منطق اصطدام الحضارات وامتداداته القائلة بنهاية التاريخ وجبرية الأحادية القطبية وإدخاله إلى منطق حوار الحضارات وامتداداته القائلة بالتعددية القطبية . وذلك من خلال مسلكين يتكاملا أحيانا، وينفصلا أحيانا أخرى : التأهل للارتقاء إلى الدراسات الجامعية وخوض معترك الحياة اليومية.

اعتمادا على تحقيق وإنجاز الكفاءات الختامية الثلاثة التالية: يتوصل المتعلم إلى ممارسة التأمل الفلسفي في قضايا فكرية تتعلق بالإنسان و محيطه أولا، فلسفة العلوم و فلسفة التَّسامي إلى الوحدة. ثانيا الاتصال المباشر بمصدر الخير و معالجته ثالثا، (ص 5).

نحن هنا أمام مسألة الإدراك بمعناها الواسع، إدراك العالم الخارجي الطبيعي والاجتماعي، وأدوات وآليات تحقيقه، والصيرورات الناتجة عنه ومكانة وفعالية الإنسان ضمن هذه الصيرورات. ولما كان هذا المحيط بدلالة المنهاج متعدد الأوجه والتجليات، فهو في أكمل أوجه ؛ فلا يمكن لمتعلّم التفلسف إلاَّ أن يندرج ضمن المعرفة النسبية دون المعرفة الأخلاقية، الحقيقية الجزئية دون الحقيقة الكلية، الممكن والاحتمال دون المستحيل والمُتعذّر. تعْمل المقاربة بالكفاءات على تحويل مركز التعلم من المعلِّم إلى المتَعلِّم[4] وتستهدف أساسًا تشكيل فردًا مستقلاً، ناضجًا، مبادرًا ذي مسؤولية على مستوى الفكر و العمل . 

بدون شك، درس الفلسفة ها هنا يلعب دورًا مفتاحيا لتحقيق و انجاز هذا النمط من التنشئة المدرسية الختامية في مصب التعليم الثانوي والملامح المرجوة عند لحظة المخرجات وفق التعبير النسقي. ألم ينتبه أفلاطون إلى يقظة الفكر، من حيث هو رأس مال نقدي بالتعبير المعاصر، عندما مثل الفيلسوف وكأنه ذبابة والمجتمع وكأنه فيل ؛ فالفيل من طبيعته خامل نشاطه يكاد ينعدم فتأتي الذبابة دومًا بحركتها ونشاطها، ذهابها وإيابها، صوتَها المزعج غير المرغوب فيه، لإيقاظ الفيل فَينْعَمُ بالنشاط، بالحركة والحيوية طالبا الغذاء والبقاء ؟ كذلك الفيلسوف بالنسبة لأفراد المجتمع يعمل على إيقاظ حيويتهم الفكرية وحدتهم الذكائية، وكفاءتهم النقدية من خلال إعادة بعث فيهم دور العقل اليقظ ، فقد اعتبر كانط ؛ وهو يؤسس للتنوير الذي عرفه بقوله : التنوير: هو » خروج الإنسان من تصوره الذي اقترفه في حق نفسه ، وهذا التصور هو عجزه عن استخدام عقله إلاَّ بتوجيه من إنسان آخر [....] فلا بد من العزم والشجاعة اللذين يُحفِّزانه على استخدام العقل بغير توجيه إنسان آخر [5]، أن  » الكسل والجبن هما علَّة رضا طائفة كبيرة من الناس بأن يبقوا طوال حياتهم قاصرين، بعيدين عن خِلقَتهم الطبيعية.... وهما كذلك علَّة تطّوع الآخرين لغرض الوصاية عليهم، ويبدو أن الأمر وكأن كل واحد منهم يقول لنفسه أن الوصاية عليّ لمريحة، فما دامت أجد الكاتب الذي يفكر لي، و الراعي الرُّوحي الذي يغني ضميره عن ضميري...فما الحاجة لأن أجهد نفسي، فليست هناك ضرورة تدعوني للتفكير... مادام غيري يتكفَّل، و يتحمل هذه المشقة الثقيلة.«[6] 

إذا كانت المقاربة بالكفاءات ترمي إلى تشكيل استقلالية الفرد و بالنتيجة انبثاقه فإنه لن يتأتى تحقيق هذا الهدف الختامي للمؤسسة المدرسية إلاَّ حينما يصطبغ العقل بالتنوير ويسلك مسلكه. و التفلسف، هو أحد المفاتيح المهمة الذي من خلاله يتم استهدافه ويعمل على تحقيقه. فلن يكون خطاب الدرس الفلسفي، إلاَّ خطاب التفلسف، خطاب المساءلة الدائمة وفي العمق  و بالجرأة المطلوبة ، خطاب إمعان وتأمل في مسائل الإنسان والوجود والحياة في الواقع، » كل إنسان يتفلسف «، فالإنسان حتى وإن كان  »عمومي « فهو يتفلسف بطريقته الخاصة، وهكذا تأتي جمهرة التلاميذ في الثانوي لتوظيف هذا التفلسف القبلي للدخول في مسلك العقل المستنير على أساس هدم وإعادة بناء ، من خلال التفاوض والقبول، المكتسب المعرفي ـ الذهني السابق (le déjà là) كما يعبر عن ذلك الديداكتيكيون. لغرض اكتساب المرونة في الفكر والنسبية في الأحكام، والتفتح على الآخر[7].

 من خلال » إخضاع كل ما تقدمه الحواس، التخيلات، التمثلات، التجارب، الآراء، المواقف، العقائد، الإيمان، الأحكام المسبقة، القواعد الجاهزة، الخرافات، الأساطير، العادات، التقاليد...لصرامة الروح النقدية « [8]. إذ يهدف الإصلاح إلى تمكين الطلبة عبر الدرس الفلسفي  »إلى إدراج تفكيرهم في صلب الاستمرارية التاريخية للفكر البشري الباحث عن الحقيقة بانتهاج السبل العقلانية، و امتحان نسبية الآراء والتصورات حول العالم،...وتمكينهم من اتخاذ مواقف نقدية إزاء الأفكار الرائجة والسارية، و إزاء 'الحقائق المطلقة' حول القضايا المختلفة والأحكام المسبقة «[9]. ضمن أفق التحول البيداغوجي في اتجاه المقاربة في الكفاءات إذ يسجل بوقلي حسن جمال الدين ما يلي:...وهكذا، فإن المواضيع التقليدية قد بدأت تفقد قدسيتها، ولم يعد الاهتمام ينصب على جمع الحقائق والمعلومات وعلى حشوها في ذاكرة الطالب، بل أصبح الاهتمام ينصب على البحث عن المبادئ والقواعد الأساسية التي يمكن أن تعتبر محورًا تتجمع فيه المعرفة التي يحصل عليها الطالب من حوله. لم يعد واضعو البرنامج يهتمون بالمواد الدراسية والفائدة المرجوة من دراستها. بل أنهم أصبحوا يضعون الأهداف المرغوب فيها أمام أنظارهم، و يصوغونها في لغة الكفاءات ويقومون من ثمة، باختبار مواد الدراسة والتجارب التي من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق هذه الأهداف. [10]

لكن ضمن نسق إيديولوجي ذي السيادة يتغذى منه قطاع واسع من النشء نسخًا كثيفة عبر تعليم الفلسفة درسًا و نصًا. "والحق – كما يلاحظ محمود الأمين العالم– أن تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية بالذات – من حيث طابعه الحساس وبنيته وارتباطه المباشر مع فئات ذات وزن عددي ونوعي خاص مهمة بالغة التأثر في التوجيه الفكري والنظري (للتوجه الفكري والنظري في هذه المرحلة مصادر أخرى تعليمية واجتماعية بغير شك)، لكن لعلَ الفلسفة تقدم الشكل الأكثر تعميمًا وتجريدًا وبالتالي تأثيرًا في المجتمع عامة وذلك للأسباب التالية :                                            

  1. لأن آلاف الطلبة الذين يدرسون الفلسفة في هذه المرحلة الثانوية، يتأثرون بما يدْرسون أو ما يُدَرَّسُ لهم...وأغلب هؤلاء لا يواصلون دراسة الفلسفة بل تتنوع وتختلف دراستهم بعد الثانوي أو يتجهون مباشرة إلى العمل الاجتماعي حاملين معهم ما ترسَّب في نفوسهم وعقولهم من فكر نظري إلى الحياة العملية
  2. لأن الطلبة في هذه السن، نهاية مرحلة المراهقة هي سن الأسئلة الكبيرة التي تتعلق بقضايا جوهرية في الحياة... يُجَسِّمُون إلى حد كبير توجههم الفكري والعلمي بحسب ما يتلقونه من إجابات حول تلك القضايا، ودرس الفلسفة مصدر مُهِمٌّ من مصادر هذه الإجابات.
  3. لأن برامج الدراسة، برامج رسمية والمدرسة جهاز من أخطر أجهزة التوجيه الإيديولوجي والسيادة الإيديولوجية للنظام القائم فإن برنامج تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية هو باب من أهم أبْواب هذا التوجيه وهذه السيادة. بما تملكه الفلسفة من مناهج نظرية محددة تساعد على بلورة وتثبيت الدلالات والقيم التي يُراد تسويدها[11]

يحدد المنهاج ثلاثة كفاءات ختامية لشعبة آداب و فلسفة.

 أنظر الرسم التخطيطي التالي

تتمحور الكفاءات الختامية الأولى حول:

أولاً: علم النفس الذهني، إدراك العالم الخارجي، إذ نلاحظ العبارة التالية المتعلقة بهذه الكفاءة  »تتعلق بالإنسان ومحيطه « فالرؤية المؤطرة ذات طابع سيكولوجي مُنمَّاة على مستوى تاج الكفاءة الختامية الأولى (الإحساس والإدراك، اللغة والتفكير، القدر واللاشعور، الذاكرة والخيال العادة والإرادة). تُستَهدَفُ هذه الكفاءات من خلال الإشكالية الأولى: "إدراك العالم الخارجي" موزعة على خمسة مشكلات متعلقة كل واحدة منها بإحدى المواضيع المحددة أعلاه.

ثانيا: يلحق بهذا النمط الإبستمولوجي ذي النزعة السيكولوجية، المعرفة النظرية والعلمية للقيمة الأخلاقية (من تقييم وتقويم للسلوك الأخلاقي في المعيش اليومي). وانطلاقا من هذا المنظور الإبستيمولوجي القيمي يدخل البرنامج إلى موضوعات: العمل، الاقتصاد، السياسة، العدل، الشخصية، الكرامة، المصير، من حيث هي موضوعات مدمجة ضمن الإشكالية الثانية كمشكلات فرعية. بدون شك المقاربة النسقية المؤطرة للتَّعلم بالكفاءات. تفرض على المتَعلِّم أن يدرك الجزء ضمن نسقه وليس ضمن تبعيض ( من البعض) مستقل عن الكلية التي ينتمي إليها وهكذا لن يتم رؤية الموضوعات في الإشكالية إلاَّ من خلال الأفق الذي تَطُل به وهو في الإشكالية الأولى.

فثمة تراتب  معيار نسقي

              السيكولوجية     ←      الأخلاقوية        ←      الاجتماعيات

               (1)                   (2)                        (3)

فالأولى معيار الثانية، والثانية معيار الثالثة.

نحن  هنا أمام إخضاع إبستمولوجي متعدد الأوجه لهُ تبعات إيديولوجية أكيدة :

إخضاع القضايا الفكرية التي تتعلق بالإنسان ومحيطه إلى منطق علم النفس الذهني و بالتعبير السيكولوجي. ومن ثم إخضاع الأكسيولوجيا في نسختها الأخلاقية لهذا التَّعبير وأخيرًا إخضاع الشأن المتعلق بالأسرة، العمل، الاقتصاد، السياسة، العدل... للمعيارين سالفي الذكر: السيكولوجية  و الأكسيولوجية .

العلوم وفلسفة التسامي إلى الوحدة [13] تنتميان إلى براد يغما مختلف إبستمولوجي، فالأولى مؤسسة على العقلانية وتكوين العقل العلمي وشرائطها التَّنهيجية والثانية مؤسسة على منطق القلب والتفاني الروحي، ومنطق القلب لا حجّة عليه كما يقول باسكال. في حين منطق العقل هو منطق الحجة والاستدلال ، فالأول يستهدف ترقية الذات إلى أعالي الصفاء الإيماني والثاني يستهدف منطق إنتاج العلم ضمن الحقول المعرفية المختلفة. ثمة إدماج كفاءتين ختاميتين ضمن كفاءة واحدة.[14]  فتُميَّع الأولى في الثانية، والثانية في الأولى، فلا هو (أي المُتعلِّم ) مدرك لمنطق إنتاج العلم ولا هو مدرك للذوق الصوفي. فثمة ترجيح للمسلكين، بحكم استقلالية كل منطق عن الآخر وما يتبعه من ابستيميا.

2-2- على مستوى مدونة الكتاب

يلاحظ أن مهندسي المنهاج والكتاب المدرسي للفلسفة وفق الإصلاح اجتهدوا بقوة لتجاوز الهيكل الإبستمولوجي والأيديولوجي للبرنامج والكتاب المدرسي لما قبل الإصلاح والذي كانت السيادة فيه خاضعة للأستاذ محمود اليعقوبي الذي  يمثل "الأستاذ المرجع " لتدريس الفلسفة في الثانوي مابين الستينات والتسعينات من القرن الماضي بالرغم من التعديلات التي تمت على مستوى البرنامج والكتاب والذي ساهم فيها كثير من الأساتذة  والمفتشين والتي تحتاج إلى معاينة وتقصي .

» كل تفلسف [...] محكوم بغائية طلب حقيقة واحدة من حيث الماهية، متجددة المظهر بصورة دائمة و هكذا يتموضع الكتاب المدرسي (ما قبل الإصلاح) ضمن مسعى بنية التفلسف، تحديد طرقه، والالتزام بغائيته وفق معيار النسق الأرسطوطاليسي –وفي حدوده فقط- الذي يؤسس للحقيقة الثابتة في ماهيتها العارية من كل تغير جوهري، فالجدل والنقاش والنقد، والأخذ والرد ينصب إذن وفقط على مستوى المظاهر المتغيرة لهذه الحقيقة وذلك من أجل تحقيق الصَّقل الدائم لها لتكون ناصعة أكثر فأكثر فيتبناها النشء الدارس للفلسفة ليتحقق الاطمئنان المطلوب والمرغوب وفق المنظومة الإيديولوجية الرمزية المهيمنة. « [15]

إن هذا المعيار الماهوي، المؤسس على جوهر مبادئ العقل الأرسطية والمتمثل في مبدأ الهوية ومشتقاتها : عدم التناقض والثالث المرفوع والذي يُنتِجُ عنه رؤية للعالم والخالق، للطبيعة والمجتمع والمعرفة. هو المحور المنهجي – الإبستمولوجي المهيكل للمدونة المدرسية الفلسفية لما قبل الإصلاح – لمباركة وترسيخ من قبل الفاعل المركزي محمود اليعقوبي.

هذه الاجتهادات من قبل هؤلاء الفاعلين وفي قلبهم جمال الدين بوقلي حسين، أفضت إلى صياغة منهاج وكتاب مدرسي يعتمدان على رسمية المقاربة بالكفاءات من أجل تحقيق التحويرات الجذرية في هيكل البرنامج والكتاب المدرسي وذلك وفق آليتين الحذف والدَّمج المضمرتين.

بالنسبة للأولى: آلية الحذف و الدّمج ( أنظر الجدول رقم:2 )  

 

الآلية

الموضوع

الحذف

الذكاء

التعلم

مناهج البحث عند مفكري الإسلام

الدَّمج

الإرادة

الذوق الفني ( علم الجمال)

الذوق العرفاني ( التصوف )

تم حذف ثلاثة مشكلات متعلقة بموضوع : الذكاء، التعلم، ومناهج البحث عند مفكري الإسلام، وتم إدماج الإرادة والذوق الفني والذوق العرفاني (التصوف).

إن استبعاد درس "مناهج البحث عند مفكري الإسلام"، والذي أُدرج في البرنامج ضمن التعديلات التي تم إدخالها في التسعينات من القرن الماضي والتي كانت تستهدف الانتباه إلى أن معارف المُحدِّثين والمؤرخين، والفقهاء، والأصوليين (المشتغلين على أصول الفقه) هي معارف إنسانية، نسبية، خاضعة لمنطق "النوازل " أو ما نطلق عليه اليوم السياقات الاجتماعية والثقافية للأمصار والأزمان. وبالتالي هي حلقة مهمة ضمن المنطق الإبستمولوجي المراد تدريسه للمتَعلِّمين والذي يرمي إلى إدراك المقدس في تعاليه، وإدراك المدَنس في أنسيته ونسبتيه .

صحيح أن إدخال الذوق العرفاني (التصوف) ضرورة ملحة نتيجة الحضور الملفت في نسيج المؤسسات الثقافية والدينية للمحيط الاجتماعي للمتَعلِّم من جهة وتوازنها بين الحقيقة المطلقة للربوبية ( التسامي إلى الوحدة ) والتعدد في طلب المسالك للوصول إليها. لكن دون أن نعتبر الذوق العرفاني أداة للتعبير، و التأطير للمتعلمين ذات البعد الأحادي.

بالنسبة للثانية : آلية الدمج (أنظر إلى الجدول رقم 2) المتمثلة في النسقية المنتجة للمشكلة، فقد تم الانتقال من آلية مؤسسة لبنية برنامج مُهيكَل على أنساق المفاهيم ذات التعبير الأرسطوطاليسي (مبدأ الهوية) إلى آلية نسقية منتجة كمشكلة خاضعة لترتب تفريعي (الإشكالية أولا، يتفرع عنها مشكلات ثانيا). يبدو لنا أن هذا النسق الإبستمولوجي الجديد الحاكم لمنطق إنتاج الوثائق البيداغوجية المفتاحية للتعليم بالكفاءات في مادة الفلسفة  لم يتم التفكير فيه بصفة كافية نتيجة منطق الاستعجال الذي حكم نشاط اللجنة الوطنية للمناهج والمجموعات المتخصصة للمواد الملحقة بها التي تكفلت بمسؤولية صياغة المناهج وما ترتب عنها من منطق وآليات وظِّفتَا بهذا القدر أو ذاك عند هندسة الكتاب المدرسي.

أهم الاجتهادات التي تمت لتجاوز المنطق الإبستمولوجي الأرسطوطاليسي المسيطر على مدونة الكتاب ما قبل الإصلاح هو التحرر من التعبير الماهوي المؤسس على (مبادئ العقل)، إذ نقرأ مقدمة كتاب الدروس» إشكاليات فلسفية «[16] حين يتحدث حسين بن عبد السلام عن أهمية الكفاءات الختامية من حيث أنها تستهدف :

  1. تأصيل روح التفتح والاعتدال في إبداء الموقف والرأي ومرونة التصرف مع الأخر.
  2. إدماج الفرد في الكيان الاجتماعي العام كفردٍ ناجح ٍ، منتج ٍ وفعالٍ.
  3. عقلنة أساليب التعامل مع الأفكار والوقائع والأشياء مما يُيسِّرُ التكيف معها.

فَرُوح التفتح و الاعتدال، عقلنة أساليب التعامل، و إدماج الفرد في الكيان الاجتماعي تتحقق بوسائل تحددها مقدمة الكتاب على الصورة التالية :

أولاً : تمكين الفكر من تنمية منهجية الصَّورنة، التحليل والتركيب والاستدلال، وهي آليات في مجملها مرتبطة بالعقلنة والمعقولية .

ثانيا : ترقية أنماط البحث والتقصي على أساس من تحري الموضوعية العلمية وهي ممارسة في التفكير تتحقق لتمعين العقل نوع من الاستقلالية النسبية عن الإشكاليات والمشكلات والقضايا المطروحة أمامه، هذه المسافة بين المتأمل وموضوعه تمكنه من إدراك معقولية الأشياء لاَ انفعالاتها .

ثالثا : تفعيل الجانب العملي في التصدي لمختلف المشكلات والسعي إلى حلها. الأمر الذي ينقل المتَعلِّم من وجاهة المبادئ والتصورات النظرية التي تمكَّنَ منها إلى نسبية الوقائع ومختلف الممارسات التي يشاهدها في عوالم محيطه الاجتماعي والثقافي والسياسي المحلي والعالمي.

خاتمة

لعلَّ هذه الرؤية المؤسسة للمنهاج والكتاب المدرسي تمثل، ملمحًا مغايرًا لمدونة الكتاب المدرسي اليعقوبية بحكم تحررها من منطق المعيار الماهوي الذي اعتمد إبستيمولوجيا  لصياغة المدونة المدرسية في الثلاثين سنة بعد الاستقلال .. إذ تستهدف الإمكان والتفتح على التحولات العالمية بمفارقاتها الأليمة أحيانا و الآملة أحيانا أخرى، بالتحديد القيم الإنسانية العالمية التي هي مهمشة نتيجة عولمة مُأمْركة ذات القطبية الأحادية المسيطرة . إلاَّ أن هذا الإمكان والتفتح مُسَيَّج بنسق إبستمولوجي لا تمكِّن المتَعلِّمَ من اكتساب النقد المعرفي والجرأة الفكرية حين الوقوف على المشكلات المفتوحة على واقعه المعيشي.

معالم بيبليوغرافية وبيداغوجية

  1. الأمين العالم، محمد، ثلاثة نصوص وثلاثة مواقف في منهج تدريس الفلسفة، في تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء، مراكش، منشورات الأونيسكو (UNESCO)، 1987، ص ص 103-104.
  2. غالم، محمد ، الفلسفة والمدرسة : قراءة في مقترحات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية، في الفلسفة، الذاكرة والمؤسسة، وقائع الملتقى، تنسيق محمد غالم وأحمد كرومي،14-15 سبتمبر2002، وهران، منشورات كراسك (Crasc)، ص ص 93-98.
  3. كرومي، أحمد، السلطة، الإيديولوجيا وتعليم الفلسفة في الجزائر : مقاربة تحليلية انطلاقا من الكتاب المدرسي، ماجستير في علم الاجتماع السياسي، معهد علم الاجتماع، جامعة وهران ، المشرف: أحمد العلاوي.
  4. موسى، عبد الله، " إشكاليات الدرس الفلسفي : المعرفي والتعليمي " في "الفلسفة، الذاكرة، والمؤسسة " وقائع الملتقى، تنسيق محمد غالم وأحمد كرومي، 14-15 سبتمبر2002، وهران، منشورات كراسك (Crasc)، ص ص119-130.
  5. LARDJANE, O. le statut du sujet dans le manuel de philosophe algérien, NAGD, N°5, avril-aout, 1993, PP 43-56.

 الهوامش

[1] إشكاليات فلسفية، إشراف: حسين بن عبد السلام، السنة الثالثة ثانوي، شعبة آداب وفلسفة، الجزائر، دوم، 2007.

[2] الشعب المقصودة هي : آداب و فلسفة، لغات أجنبية، رياضيات، علوم تجريبية، تقني رياضي، تسيير و اقتصاد.

[3] المصدر السابق، ص 2.

[4]   أنظر، عبد الله موسي، إشكالية الدرس الفلسفي : جدلية المعرفي و التعليم،  الفلسفة، الذاكرة و المؤسسة، وقائع 14-15 أكتوبر 2002، تنسيق محمد غالم و أحمد كرومي، منشورات الكراسك (CRASC) 2006، ص ص : 124-128

[5] أنظر كرومي أحمد، السلطة؛ الإيديولوجيا و تعلم الفلسفة في الجزائر، مرجع سبق ذكره، ص ص: 99

[6] أنظر كرومي أحمد، المرجع نفسه، ص: 112

[7] أنظر كرومي أحمد، المعرفة العالمية و المعرفة الفلسفية، مرجع سبق ذكره، ص ص: 99- 103

[8] أنظر كرومي أحمد، السلطة، الإيديولوجيا و تعليم الفلسفة في الجزائر، ص: 81

[9] محمد غالم، الفلسفة و المدرسة، قراءة في مقترحات اللجنة الوطنية، في الفلسفة، الذاكرة والمؤسسة، مرجع سبق ذكره، ص : 95

[10] أنظر هامش برامج الفلسفة، 2007-2008، ص : 5

[11]محمد أمين العالم، ثلاث نصوص، و ثلاث مواقف من تدريس الفلسفة، في تدريس الفلسفة و البحث الفلسفي ضمن الوطن العربي  اجتماع الخبراء مراكش ،( طبع بمعونة من اليونسكو (UNESCO) 06-03- يوليو 1987، ص: 105

[12] أنظر وثيقة برنامج الفلسفة، وزارة التربية الوطنية، مرجع سبق ذكره، ص: 5

[13] فلسفة التسامي إلى الوحدة، حد ينتمي إلى العرفان، مدمجة معه الإستيتيقا (علم الجمال) و هذه معضلة أخرى

[14] لا ينبغي إدماج أنظمة ابستمولوجية  متباينة في الجوهر و الأساس ضمن منطق كفاءة ختامية  واحدة، فنحن هنا أمام نسقيه اصطناعية، فلاعتبار الملامح هنا هو أن كل نظام ابستمولوجي نسق كفاءة ختامية واحدة و موحدة  تقابله و تلائمه

[15]  أحمد كرومي، السلطة و الإيديولوجيا و تعلم الفلسفة في الجزائر، ص: 140

[16]  حسين بن عبد السلام، إشكاليات فلسفية، السنة الثالثة ثانوي، شعبة آداب و فلسفة، المقدمة، ص: 3