Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

يعدّ الكتاب المدرسي وسيلة تدخل في طلب العملية التربوية، إذ يحتل مكانة هامة في سلم الاهتمامات التربوية و العلمية و التواصلية. وهو المدخل لدراسة المنظومة التربوية و تحليل مقوماتها الأساسية، يعكس فلسفتها الاجتماعية و غاياتها وأهدافها بما ينقل من معارف و علوم و يهيئ لاكتساب مهارات مختلفة. يتضمن الكتاب المدرسي رؤية اجتماعية يُفترَض أن تكون منسجمة تحقق التنشئة الاجتماعية للأجيال، وتصوغ تمثلات الهوية الوطنية على ضوء مستجدات الحداثة و ضرورات العولمة. إنه صورة لحياة المجتمع، تدل على تاريخه و درجة تطوره و توضّح ملامح مستقبله و تحدد مستويات طموحاته. فهو الحامل للمضامين الدراسية التي تشكّل فكر المتعلم و وجدانه. يرتبط الكتاب المدرسي ارتباطا عضويا بالمنهاج الدراسي بما يتضمّن من توجيهات رسمية ملازمة له والمقاربة التعليمية التي بُنيَ وفقها.

تعد المقاربة بالكفاءات المعتمدة من المنظومة التربوية الجزائرية في بناء المناهج مسعا تربويا حديثا يقوم على الاتجاه المعرفي البنائي الذي يعتبر الفرد إيجابيا ونشطا و قادرا على بناء معرفته و اكتساب مهارات عبر وضعيات تعلّمية إدماجيه و يعتبر التعلم تغييرا في البنية المعرفية و ليس ترصيفا للمعارف و تكديسا لها.

إن هذه الوجهة المعرفية هي التي تؤثر اليوم بقوة في تصور و استعمال الكتاب المدرسي، إذ يجب أن تسمح الكتب المدرسية باكتساب معارف و حسن التصرف فيها من جهة، و من جهة أخرى أن تمكّن من تجنيد هذه المعارف و إدماجها بمواجهتها مع وضعيات حقيقية[1]. إنّ الكتاب المدرسي أساسي في المسار التعلّمي لا يمكن تعويضه بأداة أخرى .

حظي الكتاب المدرسي في الجزائر و المغرب العربي بدراسات ذات تنوع و تباين على المستويين: الآفاق النظرية و المقاربات المنهجية، و لازال محل اهتمام متزايد في حقل العلوم الاجتماعية والانسانية. غير أن مجال تدخلنا يندرج ضمن سياق البحوث حول المقررات و الكتب المدرسية آخذين بعين الاعتبار تقاطعهما مع إشكالية المعرفي و الإيديولوجي و التي أسهم في تحليلها كوكبة من الباحثين من الجزائر و المغرب نذكر منهم حسن رمعون، محمد غالم، عمر لرجان، مصطفى حداب، زواوي بغورة، أحمد كرومي و مصطفي محسن. و إذا كانت الدراسات في هذا الشأن متقدمة
و تتطلب من دون شك حوصلة تركيبية فإن المنظومة التربوية الجاري العمل بها في الجزائر تطرح علينا رهانا بحثيا جديدا نجسّده في الإشكالية التالية: هل العلاقة بين المعرفي والأيديولوجي في الكتاب المدرسي ذات طبيعة واحدة أم أنّ هناك تحوّل في هذه العلاقة ؟

إنّ الفرضية التي اشتغلنا عليها مزدوجة تؤكّد التباين والتفرّع وتقوم على ثنائية التوجّهات الرسمية التي تنصّ عليها الوثائق المرجعية كالقانون التوجيهي للتربية الوطنية والمرجعية العامة للمناهج والتوجّهات الإيديولوجية المضمرة في الكتب المدرسية المقرّرة. مثل هذه الثنائية الإيديولوجية حاولنا الإحاطة بها و تحليل ابعادها و دلالاتها و من ثم إبراز مخاطرها على مسار التعلّم والتكوين في الجزائر.

يلاحظ الباحث في الكتاب المدرسي للطور الثانوي حضورا مكثفا لنماذج تفكير مناوئة للحداثة و العقلانية و الثقافة التنويرية. إن السلفية الوطنية تصادر الخطاب التاريخي المدرسي. أماّ العقل الأشعري بامتداده الصوفي فإنّه يطغى  على الدرس الفلسفي ويحول دون تحقيقه لوظائفه: النقد والتساؤل العقلاني والتفكير الحر. أمّا خطاب العلوم الإسلامية فيسوده نسق عقائدي ونزعة تجييشية، تبجيلية وانتقائية تطرح مشكلات معرفية وبيداغوجية حول مضمون التعليم الديني في المدرسة الجزائرية اليوم.  

فإذا استحضرنا زمن العولمة بكل ما يعجّ به من رهانات و تحدّيات جديدة، فإننا ندرك كم نحن بحاجة إلى علوم اجتماعية وإنسانية منخرطة في عصرها ترفض الوثوقيات و المعتقدات الجاهزة و قادرة على توجيه الفكر والممارسة نحو قيم الحداثة  و التنوير  و مُشكّلة لحصانة ضد أي تكبيل للعقل أو مصادرته .

ماهي الإجراءات المنهجية التي استأنسنا بها في معالجة الإشكالية المطروحة؟

اعتمدنا منهجية تحليل المضمون المتداولة في مقاربة الأنساق الثقافية والتربوية[2]. ونحن بصدد الحديث عن هذه المنهجية ننبّه إلى أنّ التحليل الذي اتّبعناه لم يركّز فقط على مقاربة المضمون الظاهري للنصوص المقروءة بل حاولنا المزاوجة والمكاملة بين مستويين أساسيين:

  • تحليل كمّي يستهدف رصد كثافة وحضور المعطيات والقضايا والمحاور التي اتجه إليها البحث في أبعادها الكمية الظاهرة.
  • تحليل كيفي يتجاوز المعطيات الكمية المستخلصة إلى مستوى التأويل والتفسير والتعليل، أي يتجاوز منطوق الخطاب المدرسي ومضمونه المباشر إلى استنطاق ما لم يكشف عنه وينطق به.

مع العلم أنّ هذه المزاوجة المنهجية لا تتعارض مع الحرص على تكامل نسقية التحليل وانسجامه. نريد أن نؤكّد إلى أنّ الأمر يتطلّب فطنة نظرية ومنهجية مضاعفة ذلك أنه في الوقت الذي يجب فيه الحذر من قصور المعطيات الكمية وضرورة تجاوزها إلى معطيات كيفية دالة ومعبّرة ، يجب الحذر من الوقوع في منزلق تفسير مجرّد لا يأخذ بعين الاعتبار المعطيات العينية الملموسة.

يمكن أن نجمل ما نهدف إليه على العموم من وراء تحليل الخطاب المدرسي فيمايلي:

  • إبراز الدلالات الثقافية والإيديولوجية التي تشكّل الخلفية الضمنية لنص الخطاب المدرسي ومرجعياته الأساسية.
  • المقارنة بين المضمون الظاهري للخطاب ومحتواه الضمني بهدف التعرّف على كثافة الحضور الذي يحتلّه كلّ منهما.
  • الكشف عن طرق وأساليب الاستدلال والمحاجّة والتعامل الذي ينهجه الخطاب المدرسي اتجاه القضايا والمواقف والنظريا المدروسة.
  • إيضاح المنطق الرابط بين أجزاء الخطاب، أي بين عنصر بنيته الداخلية.

نريد أن نشير في الأخير إلى أنّنا دعّمنا منهجيتنا بمجموعة من المقابلات أنجزناها مع أعضاء اللجنة الوطنية للبرامج ورؤساء اللجان المتخصّصة المكلّفين بالسهر على تطبيق إصلاح المنظومة التربوية إضافة إلى عددمن مؤلّفي الكتب المدرسية قصد التعرّف على مساراتهم التكوينية والمهنية وتوجّهاتهم الفكرية.  

يحتوي الكتاب على قسمين رئيسيين:

 يتعلّق القسم الأول بالسياق العام للدراسة وهو الموسوم بـ: المنظومة التربوية والعلوم الإنسانية : بحث في السياق والممارسة، في حين يتعلّق القسم الثاني بتحليل لنماذج من الكتب المدرسية الخاصة بالعلوم الإنسانية في الطور الثانوي وهو الموسوم بـ: العلوم الإنسانية في الثانوي اليوم: تحليل الكتب المدرسية.

القسم الأول: المنظومة التربوية والعلوم الإنسانية: بحث في السياق والممارسة

شهدت الجزائر تحولات جذرية في عدة مجالات سياسية و اقتصادية و ثقافية فرضت على الدولة أن تعيد النظر في مؤسساتها العامة ومنها المؤسّسة التربوية. فالانتقال من الحزب الواحد إلى التعددية السياسية والتخلّي عن الاقتصاد الموجه لصالح اقتصاد حر يحكمه قانون السوق، وأخيرا دسترة اللغة الأمازيغية و ثقافتها، كلها ظواهر جديدة  كان على المنظومة التربوية أن تتكفل بها. كما كان عليها أن تراعي التحديات العالمية مثل العولمة و ثورة الإعلام والاتصال و التوجهات التربوية العالمية .

قام إصلاح المنظومة التربوية على مرجعيات أساسية تمثّلت في :

- ترسيخ القيم المشتركة للمجتمع الجزائري التي ترمي إلى تعزيز الوحدة الوطنية     و التماسك الاجتماعي.

- تكريس القيم الفردية الأخلاقية و الجمالية والفكرية و الوجدانية المتفتحة على العالم.

- الانفتاح المتزايد على الثقافات و الحضارات الانسانية بما يدعم لدى المواطن التربية على الغيرية (التسامح و الاعتراف بالآخر ).

- لتحقيق هذه الوظائف الجديدة اعتمدت المنظومة التربوية الجزائرية على المقاربة بالكفاءات التي تضع المتعلّم في مركز العملية التربوية و تجعل منه فردا نشطا قادرا على  اكتساب مجموعة من القيم و المعارف و الكفاءات التي تمكّنه من تنفيذ عدد من النشاطات والاعمال المندمجة.

في هذا الصدد، تسعى مساهمة الباحث حسن رمعون عبر قراءة في مضامين الإصلاح الجامعي لسنة 1971 و مشروع الخارطة الجامعية لسنة 1984، إلى الكشف عن آليات المعرفة حول المجتمع في الجزائر المستقلة .

لقد تمت هيكلة المنظومة الجامعية الجزائرية و معها المنظومة التربوية حول غايتين أساسيتين:

- الأولى، تجسدت في وظائف موجّهة نحو تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية اضطلعت بها العلوم الطبيعية و العلوم التقنية إضافة إلى العلوم الاقتصادية و بدرجة أقل علم الاجتماع و الجغرافيا و اللغات الأجنبية. مثل هذه العلوم مكلفة بإنجاز الرصيد المعرفي الضروري للخروج من التخلف و اللحاق بالأمم التي حققت التنمية الشاملة.

- الثانية تمثلت في وظائف إيديولوجية- هوياتية تضطلع بها اللغة العربية والفلسفة و التاريخ   والتربية الإسلامية و ترمي إلى بناء مقومات المجتمع الجزائري الفكرية و الحضارية .

تقوم العلوم الاقتصادية بدور البراديغما للصنف الأول من العلوم بينما يلعب التاريخ الدور نفسه بالنسبة للمعارف التي تستهدف استرجاع الشخصية الجزائرية التي شهدت تشوّهات عبر قرون من الانحطاط و التخلف  و الاستعمار. و إذا بحثنا عن موقع علم النفس و العلوم القانونية فإنها قد تلحق حسب تخصّصاتها بهذا الصنف أو  ذاك. ومن الواضح أن المعارف ذات البعد الهوياتي الأقوى مثل التاريخ و اللغة العربية و آدابها والتربية الإسلامية هي التي تمّ إقرارها في المنظومة التربوية الجزائرية بدءًا من التعليم الابتدائي وتجسدت في مناهج و كتب مدرسية. نلمح من خلال غايات السياسة التربوية –العلمية التي أقرتها الدولة الجزائرية منذ السبعينيات من القرن الماضي بنية الإيديولوجية الوطنية التي تتألف من اتجاهين أساسيّين:

- الإيديولوجيا الشعبوية التي تعتقد أن التقدم لا يتحقق بالحرية السياسية والمنهج الديمقراطي بقدر ما يتحقق بالقوة المادية. فالحضارة في نظر المنتصرين لها هي الصناعة والتنمية الاقتصادية وثقافتها هي العلم، إلاّ أنّ المثقف الشعبوي بالقيم يؤمن التقليدية - أو بعضها-  يتمسك بها لأنها نابعة من الشعب.

- الإيديولوجيا الاصلاحية التي تضع المسألة في "العودة إلى صفاء ديننا و الوفاء لماضينا  المجيد" .

تعمل المنظومة التربوية الجزائرية الحالية على تجديد الوظائف الفكرية للإيديولوجيا الوطنية دون إعادة النظر فيها,

و بعد مرور سنوات غير قليلة على  تطبيق الاصلاح التربوي ، يتساءل الباحث لكحل لخضر عن أسباب التفاعل السلبي مع ذات الاصلاح الذي يصدر عن أطراف فاعلة و مؤثرة مثل الأساتذة و المفتشين  وأولياء التلاميذ ، فاذا كانت المناهج الدراسية الجديدة هي قلب العملية الاصلاحية، فان الكتب المدرسية التي يفترض أن تعكس توجهاتها ، تحتوي على اختلالات معرفية و ايديولوجية تسببت فيها مواقف المؤلفين الذين يتأثرون بمساراتهم الثقافية و المهنية وبالتيارات الفكرية السائدة . يولي الباحث عناية خاصة بما أسماه الأبعاد الثلاثة لكل عملية إصلاحية: البعد التنظيمي المتمثل في هيكلة التعليم و تجديد التشريعات التي تسيّره، البعد التربوي الذي تعكسه المناهج الدراسية و المقاربة بالكفاءات وأخيرا البعد التاريخي الذي يشير الى أنّ التربية لا تنشأ من فراغ بل هي حصيلة تجارب سابقة .

و في الأخير يخلص الباحث الى أنّ الكتب المدرسية في مجال التربية الاسلامية واللغة العربية و التاريخ تعاني قصورا لأنها لا تتكفل بما فيه الكفاية بمهام التنشئة الاسلامية و الهوية العربية   والتكوين على الوطنية . فاللغة العربية الرسمية مثلا "ليست في مأمن" لأن اللغة الفرنسية تنافسها إذ اعتبرتها النصوص "أداة تسمح للمتعلم بالتواصل والتعبير وتوظيف مكتسباته اللغوية في نشاطاته المدرسية والشخصية و الاجتماعية.

يسعى الباحث مصطفى حداب عبر تحليل مضامين الكتب المدرسية المقررة برسم الاصلاح إلى الكشف عن التوجهات التربوية و الايديولوجية الصريحة و المضمرة التي تتحكم في الفعل التربوي. فيخلص إلى أن الكتاب المدرسي في مجال العلوم الانسانية خاصة الفلسفة يخضع لسلط متباينة: سلطة المؤسسة الرسمية التي تقرر المناهج الدراسية و تضع الشروط العلمية والمنهجية لتأليف الكتب المدرسية، و سلطة المؤلفين الذين يتأثرون بتقاليدهم المهنية و تنشئتهم الاجتماعية، ثم سلطة المدرسين الذين يعتمدون عليها وفي الأخير سلطة المتعلّمين الذين يستعملونها  في الثانوية وخارجها.  فكل طرف يدلو بدلوه ، يريد من موقعه في العملية التربوية أن يوجه تدريس العلوم الإنسانية حسب منطقه لا منطق السياسة التربوية الرسمية .

يشير التحليل إلى أنّ المعارف الخاصة بالعلوم الانسانية يعرضها الكتاب المدرسي بشكل دوغمائي أي لا تحتوي على قدر كبير من الكشف العلمي. فالمعارف الخاصة بالفلسفة و التاريخ و العلوم الإسلامية والجغرافيا يقدمها الكتاب المدرسي على أنها مادة جاهزة تمت صياغتها من قبل بدل تقديمها في شكل مادة علمية قابلة للتحليل والتساؤل. إن المنطق الوضعاني و العلموي يفرض سلطانه على المناهج الدراسية والمقرّرات .

وعند الحديث عن المقاربة بالكفاءات، يلاحظ الباحث أن حضورها في كتاب الفلسفة شكلي لا يتجاوز أسلوب التساؤل عند تقديم الوضعيات التعلمية. أما العمليات الهيكلية التي تفترضها هذه المقاربة و التي تهدف إلى إعداد المتعلم على صياغة الإشكالية و تمكينه من القدرة على تحليل نص فلسفي أو كتابة مقالة نقدية فهي غائبة.

إن الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة يحمل المتعلم على الحفظ و الاستيعاب و لا يحمله على التساؤل و التفكير المستقل و النقد مثل هذا المنحى يؤثر سلبا في التمثلات السياسية  والاجتماعية للمتعلمين : مواطني المستقبل. تحيل مضامين هذا الكتاب إلى موقفين فلسفيين: الانتقائية واللا أدرية فرضا تغييبا لتيمات كلاسيكية وأساسية في الفلسفة مثل نظرية المعرفة و فلسفة الوجود ... فالمنطق الصوري الأرسطي يحظى بعناية مفرطة تحيل إلى مفهوم تقليدي للفكر العلمي لا يأخذ بعين الاعتبار فتوحات المدارس العلمية الحديثة مثل البنيوية و الظاهراتية وأعمال فوكو وبرديو. إن النزعة الانتقائية و الروح الموسوعية تطغيان على كتب العلوم الانسانية.

القسم الثاني: العلوم الإنسانية في الثانوي اليوم: تحليل الكتب المدرسية

يعمل الباحث أحمد كرومي من خلال الوقوف على المنهاج من جهة وكتاب "إشكاليات فلسفية"[3] للسنة الثالثة آداب وفلسفة على الكشف عن الصور و الروابط بين المدوّنتين وبينهما وبين مرامي تدريس الفلسفة في الثانوي من حيث هي نمط تفكير يشهد له بالتميز و التفرّد. إن إخضاع المدونتين للتحليل الأولي وفق المقاربة بالكفاءات مردّه أنهما تمثّلان حلقة وصل بين الوثائق القانونية التوجيهية للمؤسسة المدرسية و فاعلي العملية البيداغوجية في القسم .

تتحرك الإشكالية ضمن مثلث في ثلاثة أقطاب : الأول يتعلق بالمدونة ذاتها (المنهاج و كتاب الإشكاليات) والثاني يتصل بالكفاءات المحورية و الختامية والثالث يشمل قائمة الاشكاليات والمشكلات الفلسفية المقررة وتقوم الفرضية التي بني عليها البحث على أن التنشئة الاجتماعية و التعوّد المهني شكّلا الإيديولوجيا الفرعية التي تتحرك بمعية الإيديولوجيا الرسمية داخل الدرس الفلسفي .

يخضع بناء الكفاءات الختامية إلى تراتب معياري يجعل من السيكولوجيا معيارا للأخلاقوية، والأخلاقوية معيار الاجتماعيات. نحن أمام مسعى إبستمولوجي متعدد الأوجه، له دلالات إيديولوجية أكيدة تتمثل في إخضاع القضايا الفكرية التي تتعلق بالإنسان و محيطه إلى منطق علم النفس الذهني.

و من جهة أخرى، تكشف الإشكاليات الفلسفية عن مفارقة إبستمولوجية أخرى إذ تضع فلسفة العلوم و التصوف ضمن براديغما مشتركة. فالأولى مؤسسة على العقلانية و العقل العلمي والثانية مؤسسة على الحال في اصطلاح المتصوفة والوجدان. فهذه تنشد ترقية الذات و السمو بها و تلك تستهدف إنتاج العلم . فيحصل تمييع الأولى في الثانية، أما المتعلم فحاله " لا هو مدرك لمنطق العلم و لا هو مدرك للذوق الصوفي".

يتجاوز الدرس الفلسفي الجديد المنطق الأرسطي عن طريق تفعيل الجانب العلمي في التصدي لمختلف المشكلات و السعي وراء حلّها ، الأمر الذي ينقل المتعلم من وجاهة التصورات النظرية الي نسبية الوقائع والممارسات، غير أن تحرير هذا الدرس لم يؤدّ إلى فتح إبستمولوجي يمكّن المتعلم من اكتساب النقد العلمي والجرأة الفكرية حين الوقوف على القضايا المفتوحة على واقعه المعيشي.

يعتمد الباحث عبد القادر مالفي على قراءة تحليلية للوثائق الرسمية، والكتاب المدرسي للفلسفة الموجّه للأقسام العلمية لتقصّي مواطن التناغم ومواطن التنافر بين القيم والمعارف المقرّرة في المنهاج الرسمي وبين القيم والمعارف المقرّرة في الكتاب المدرسي. كانت الفرضية الأساسية التي بُني عليها البحث تقوم على أنّ عامل التنشئة الاجتماعية شكّل الإيديولوجيا الفرعية للمدوّنة التي تتواجد مع الإيديولوجيا الرسمية المجسّدة في النصوص الرسمية منها القانون التوجيهي للتربية الوطنية والمرجعية العامة للمناهج. فالخطاب الفلسفي في المدرسة الجزائرية تتحكم فيه ثنائية إيديولوجية ترسم بنيته المعرفية والقيمية. 

يلاحظ الباحث عند تحليل مضامين الكتاب المدرسي قصورا في فهم الفلسفة فكرا و مادة تعلمية. كان المفروض أن يطعّم  الدرس الفلسفي بالتيمات التي تمكّن المتعلمين من اتخاذ مواقف نقدية تجاه الأفكار الجاهزة والحقائق المطلقة مثل الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم.  كما كان على المشرفين على هذا الكتاب ألاّ يختزلوا الفلسفة في التفكير الميتافيزيقي الذي ينشد البحث في الأوليات الجوهرية والعلل الأولى للموجودات باستخدام الاستنباط العقلي. إنّ مثل هذا الحجز يكشف عن موقف إيديولوجي يسعى إلى تكريس المنطق الأشعري وإلى " تحصين المتعلّم من الانزلاقات الفلسفية" بتأصيله في المنظومة العقائدية المغاربية التقليدية القائمة على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوّف السني.

يجري الباحث محمد غالم تحليلا لمضامين المعارف التاريخية عبر دراسة كتاب التاريخ المدرسي في الطور الثانوي والتحقق من مدى تجاوبها مع الغايات التي نص عليها القانون التوجيهي للتربية الوطنية ؛ و تتمحور حول :

- التركيز على الانتماء الجزائري  بدل الهوية العربية –الإسلامية ، إي إضافة البعد الأمازيغي و النظر إلى  المكونات الثلاثة : العروبة و الاسلام و الأمازيغية لا كأجزاء منفصلة بل كوحدة متكاملة كرسها التاريخ الجزائري .

- الانفتاح على الحضارات و القيم الإنسانية و قيم الحداثة و المواطنة و التفاعل الإيجابي مع الآخر.

 اعتمدت الدراسة على تقنية تحليل المضمون للكشف عن الدلالات الايديولوجية التي يحتوي عليها التاريخ المدرسي ومرجعياته الأساسية و لإبراز العوائق المعرفية والمنهجية التي تواجه تدريس التاريخ في المرحلة الثانوية .

خلُص الباحث إلى نتائج هامة يمكن عرضها كما يلي:

- تناولت الكتب المدرسية تاريخ العالم الإسلامي الحديث (1453-1914) وتاريخ الجزائر الحديث  و المعاصر (1500-1890) و تاريخ أوروبا الحديث (1500-1890) ثم تاريخ العالم المعاصر (1945-1990) في وقت يتم فيه تعتيم شبه كلي لتاريخ المغرب الكبير (تونس والمغرب على الخصوص ) وتاريخ أمريكا اللاتينية رغم أن الكتب المدرسية السابقة كانت تعنى بهذا التاريخ و لو نسبيا. إن هذا التعتيم يحدث اختلالات في التوازن الذي يجب أن يقوم عند دراسة تاريخ العالم و يخلق لدى المتعلم قصورا في إدراك الصيرورة التاريخية إدراكا يهيئه إلى اكتساب الروح التاريخية .إضافة إلى ذلك، فإن غياب المغرب الكبير يعزز رؤية التمحور المشرقي وكأن العالم العربي – الإسلامي يتشكل من مركز هو المشرق العربي والسلطنة العثمانية ومن أطراف منها بلاد المغرب الكبير. تنتمي الجزائر إلى الفضاء المغاربي : حقيقة تاريخية وثقافية غفل عنها القائمون على صياغة منهاج التاريخ المدرسي و مؤلفو الكتب المدرسية، في حين تؤكدها المقررات المغربية و التونسية التي تخصص حيزا لا يستهان به لتاريخ الجزائر.

- يرتكز الخطاب التاريخي المدرسي على معارف و نشاطات تربوية لا تهيء المتعلم الى اكتساب القدرة على التحليل و الاستنتاج لأن السندات المقَدَّمة في غالبها ذات مضمون وصفي تقريري لا يشجع على التساؤل و النقد. إن قيم التسامح والانفتاح على الحضارات تكاد تكون غائبة في الخطاب التاريخي المدرسي لأن هذا الأخير يهتم بالحروب و الصراعات أكثر من اهتمامه بالتفاعل الإيجابي بين الحضارات. فالغرب يقدم على أنه عدو أبدي للعالم الإسلامي. هكذا فالنهضة الأوروبية أنتجت الرأسمالية و التي بدورها انتجت الاستعمار الذي دمّر العالم العربي الاسلامي و تسبب في انحطاطه: رؤية أقل ما يقال عنها أنها تقوم على الاختزال        والتبسيط و لا تؤكدها الدراسات التاريخية الموضوعية.

- يحتل تاريخ الجزائر الحديث و المعاصر حجما مبالغا فيه إلى درجة تكرار المعلومات التاريخية و الموضوعات  المدروسة (حركة الاستيطان و المقاومة و الحركة الوطنية و ثورة التحرير ) هل هذا الافراط يفيد أهداف غرس الانتماء الجزائري لدى المتعلم أم فرضية نزعة إيديولوجية رومانسية تقوم على مجاملة الذات و تعظيم الماضي؟

تقوم مساهمة الباحث جيلالي المستاري على تحليل مضمون الخطاب الديني الموجه للمتعلمين من خلال الكتاب المدرسي المقرر غداة الاصلاح الذي شهدته المنظومة التربوية الجزائرية .

حاول الباحث رصد و متابعة ما حدث من تغير على مستوى مضمون الخطاب في مادة العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي من خلال الوقوف على رهاناته التربوية     والمعرفية من جهة ورهاناته الإيديولوجية من جهة ثانية . فالإيديولوجيا الرسمية المؤطرة للمنظومة التربوية تعتريها في نظره ازدواجية وغموض في تحديد مهمة المدرسة. إنها تحتوي على ثنائية غير محددة بشكل جلي، قائمة على "عولمة المدرسة" من جهة و"ضرورة تعميق الهوية الدينية والوطنية" من جهة ثانية. ستتواصل مثل هذه الثنائية المرتبكة مع الخطاب الذي تتضمنه مادة العلوم الإسلامية في الثانوي من خلال ما يمكن استنتاجه من تحليل أهداف الخطاب الديني المدرسي التي تتأرجح بين تكوين "مواطنين مسؤولين لمجتمع ديمقراطي" من جهة و" تكوين ذوات دينية لمجتمع ديني" من جهة ثانية.

بناء على ذلك، يستنتج الباحث أن مضمون الخطاب الديني الذي تتضمنه الكتب المدرسية للعلوم الإسلامية اليوم لا يخلو من عناصر تعبوية تجييشية تقوم على منطق تبجيلي انتقائي ومرتبك أحيانا، بما يؤدي إلى كثير من الضبابية في دلالات ومضامين الهوية الدينية التي تستهدف المدرسة العمومية تنشئة الأجيال عليها. إنّ هذا الخطاب مثلما يبدو من عناوين و محتويات جلّ الموضوعات المتناولة هو " الدفاع عن القيم الدينية ضد عدو مفترض" هذا النوع من الخطاب التعبوي يطرح مشكلات بيداغوجية وتربوية انطلاقا مما يحمله من "تقديس" في تعامله مع المعارف الدينية وتناوله للمعارف الحديثة.

تبين الدراسات حول الأنساق الثقافية و التربوية أن الإيديولوجيا التي تحملها الخطابات التعليمية تؤثر بشكل إرادي و غير إرادي على التمثّلات التي ترسمها حول ثقافة الأنا و ثقافة الآخر. في هذا الصدد، تلقي دراسة الباحثة نبيلة حميدو نظرة تحليلية شاملة على مجموعة من النصوص الأدبية لكتاب اللغة الفرنسية للسنة الأولى من التعليم الثانوي. تؤسّس هذه النصوص لثنائية نظائرية تقوم على المفاضلة بين ثقافة الأهالي السلبية (مدينة عربية ذات هندسة فوضوية مكوناتها البؤس والخوف واللاأمن) وثقافة أوروبية إيجابية (مدينة حديثة: فضاء الرفاهية والرقي والحضارة) . تتسع هذه المدوّنة لنصوص أدبية تدعو إلى تصفية الشعب الجزائري
و إلى ترسيخ الأحكام الاستعمارية.

تستغرب الباحثة وجود مثل هذه الأطروحات العنصرية في الكتاب المدرسي الجزائري لأنها تتعارض مع رسالة اللسانيات التي تؤسّس للتنوع الإيجابي والتثاقف. فلا يجوز للكتاب المدرسي أن يحمل بين طياته نصوصا أدبية تعمل على تثمين ثقافة الآخر و تبخيس الثقافة الوطنية. يؤثّر مثل هذا المنطق التعليمي سلبا على مخيال المتعلّم الذي يتحول إلى بؤرة توتّر بين تمثّلات ذاتية سلبية و تمثلّات غيرية إيجابية. إنّه بعيد كل البعد عن وظائف تدريس اللغات الأجنبية التي تنص عليها الوثائق الرسمية الجزائرية .

تقوم الباحثة كهينة بوعنان بتحليل كتاب اللغة الفرنسية للسنة النهائية خاصة طبعته الجديدة  المؤرخة في 2009-2010. يتألّف الكتاب من أربعة مشاريع تعليمية:  يهتم المشروع الأول بإنجاز مادة وثائقية ثم تركيب معطياتها، ويُعنى الثاني بتنظيم حوار ثمّ تحرير محضر عنه، ويوجّه الثالث دعوة من أجل التعبئة حول قضية إنسانية محددة، أما المشروع الرابع و الأخير فيرمي إلى تأليف رواية عجائبية . مثل هذه المشاريع هدفها تنمية الفعل التواصلي أثناء العملية التعلمية. يشتمل كتاب اللغة الفرنسية على نصوص أدبية ألّفها أدباء جزائريون ناطقون باللغة الفرنسية ومؤلفون غربيون. تحمل تلك النصوص رصيدا معرفيا يستند إلى البعد التاريخي وتسوّق لرسائل إيديولوجية معينة. إنّ تعليم اللغة الفرنسية  تؤطره وظائف تحددها النصوص الرسمية و الكتاب المدرسي معا، وتتمثل في تدعيم ثقافة المتعلّم و إعداده إلى اكتساب ثقافة أجنبية و التكوين على الآداب الفرنسية بهدف اطلاعه على الآخر
و حضارته.

لا يطمح هذا العمل إلى الإحاطة بجوانب المنظومة التربوية الحالية ورهاناتها المعرفية والأيديولوجية، بل يسعى إلى التأكيد على ضرورة القيام بالمزيد من الدراسات والبحوث من أجل توضيح خصائصها والملابسات التي تتحكّم في سيرها وتسييرها. 

 محمد غالم

 الهوامش

[1]   المنظومة التربوية الجزائرية: واقع و آفاق، الجزائر، 2008، ص، 269

[2] باردين، تحليل المضمون، باريس، 1977، ص48، وما بعدها (باللغة الفرنسية)

[3] إشكاليات فلسفية، السنة الثالثة ثانوي، شعبة الآداب والفلسفة، إشراف وتأليف: جمال الدين يوقلي حسن، دوم م، ط1، الجزائر 2007.