Les Ouvrages Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des ouvrages

1- تعريف الإصلاح التربوي

وردت عدة تعاريف للإصلاح التربوي، ونظر صاحب كل تعريف لعملية الإصلاح من زاوية معينة، فمنهم من ركز على نوعية الإصلاح هل هو شامل أو جزئي، منهم من نظر إلى مجال الإصلاح هل يتعلق بالهيكلة أو المناهج أو تكوين المعلمين... ومنهم من وجه دراسته لمصادر الإصلاح هل يقوم على الخبرات المحلية أو التجارب الأجنبية... وبعد الإطلاع على الكثير من التعاريف توصلنا إلى تقديم التعريف التالي للإصلاح التربوي: " هو تلك الجهود المبذولة والقائمة على الدراسة العلمية المنهجية لمختلف مشكلات المنظومة التربوية، في إطارها الكلي أو الجزئي قصد تجاوز سلبياتها وتدعيمها بحلول جديدة بغرض تكييفها مع مختلف التغيرات الحاصلة على الساحة الداخلية والعالمية في مختلف المجالات سواء كانت سياسية
أو اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية... دون الخروج عن الخصائص الحضارية للمجتمع الذي يتبناه. وهو في كل الحالات يتضمن تغييرا هادفا ومدروسا لواقع المنظومة التربوية من أجل نقلها من وضع الإشكال المعبر عنه بالخلل أو الأزمة إلى وضع الحل الذي يحمل الخلفيات المرجعية والأدوات التقنية لتجاوز هذا الإشكال. وهو في كل هذا ينسجم تمام الانسجام مع بقية العناصر المشكلة للتنمية الاجتماعية الشاملة، رغم أنه أهم هذه العناصر، لأن هدفه هو الإنسان صانع التنمية".

وبهذا فإن عملية الإصلاح هي معالجة علمية ومتأنية لمختلف المشاكل الطارئة والكامنة والمؤثرة على صيرورة النظام التربوي، وهو بهذا لا يكتفي بالمعالجة السطحية للمشاكل التربوية، بل ينبغي كلما استدعى الأمر ذلك، أن يغوص في أعماق التكوين الخاص بالمجتمع ليكتشف عوامل أخرى قد لا تؤخذ في الحسبان ولكنها مع ذلك تؤثر تأثيرا بليغا في تحقيق الأهداف المرجوة.

وإذا استثنينا الحالات التي تتطلب الإصلاح الجذري، فإنه يمكننا القول بأنه لا وجود لأي إصلاح ينطلق من الصفر، بل كل إصلاح هو جهد مدروس لمواصلة تنمية المجتمع. وكل نماذج الإصلاح تدل على هذا المعنى، فإلغاء كل ما هو قائم وبناء نظام تربوي من لا شيء، قد يعصف بكل الجهود التي بذلتها الأمة في مسارها التاريخي الطويل.

إن ما ينبغي مراعاته في عملية الإصلاح هو مدى استجابة أي مشروع تربوي لمقومات الأمة ومتطلبات حاضرها وتطلعات مستقبلها. وبهذا فإن الإصلاح لا بد أن يكون ممتدا في التاريخ لتفادي التفاعل السلبي، مستجيبا لمتطلبات الحاضر ليعبر عن انشغالات حالية، متطلعا ومخططا لمستقبل زاهر حتى لا يكون ارتجاليا، متفتحا على مختلف التجارب العالمية حتى لا يكون منغلقا على ذاته، فالعولمة قد فرضت نفسها ولا بد من التعامل معها بالمحافظة على خصائص الأمة والاستفادة من أحسن التجارب العالمية.

2- أبعاد الإصلاح التربوي

توجد ثلاثة أبعاد رئيسية تقوم عليها كل عملية إصلاحية وتتمثل هذه الأبعاد فيما يلي:

2-1 البعد التنظيمي

 يقصد بالبعد التنظيمي كل ما يتعلق بهيكلة التعليم وتنظيمه وتحديد التشريعات والقوانين التي تسيره. فالأنظمة التربوية لا تأخذ شكلا واحدا من الهيكلة، كما أنها تغير القوانين والتشريعات كلما تطلب الأمر ذلك. فعلى سبيل المثال نجد أن النظام التربوي الجزائري غير مراحل التعليم الأساسي، فبعدما كان يتضمن ست سنوات في الابتدائي مقسمة على طورين، وثلاث سنوات في التعليم المتوسط تشكل طورا واحدا، أصبح مقسما على مرحلتين؛ التعليم الابتدائي ومدته خمس سنوات، والتعليم المتوسط ومدته أربع سنوات. وقد تم تغيير تسمية مرحلة التعليم الإجباري من التعليم الأساسي إلى التعليم القاعدي، وقد جاء في توضيح السبب لذلك: "إن هذا الإجراء الذي تبرره من الناحية البيداغوجية البحتة، كثافة البرامج الحالية، يستجيب في نفس الوقت لطلب ملح ومستمر لكل الجماعة التربوية (معلمون، تلاميذ وأولياء)"[1]. كما ورد فيما يتعلق بتنظيم التعليم فتح الباب أمام التعليم الخاص، بحيث يكون جزءا لا يتجزأ من النظام التربوي الوطني[2]. وفي النظام التربوي المغربي ورد في إعادة هيكلة التعليم ما يلي: "تتضمن الهيكلة التربوية الجديدة كلا من التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي والتعليم العالي، على أساس الجذوع المشتركة والتخصص التدريجي والجسور على جميع المستويات:

عندما يكون تعميم التعليم الأولي قد حقق تقدما بينا، ستحدث الروابط التالية، على المستويين البيداغوجي والإداري:

- دمج التعليم الأولي والتعليم الابتدائي لتشكيل سيرورة تربوية منسجمة تسمى "الابتدائي"، مدتها ثمان سنوات وتتكون من سلكين: السلك الأساسي الذي سيشمل التعليم الأولي، والسلك الأول من الابتدائي، من جهة، والسلك المتوسط الذي سيتكون من السلك الثاني للابتدائي، من جهة ثانية.

- دمج التعليم الإعدادي والتعليم الثانوي، لتشكيل سيرورة تربوية متناسقة تسمى الثانوي، ومدتها ست سنوات، ويتكون من سلك الثانوي الإعدادي وسلك الثانوي التأهيلي"[3].

ومن ذلك أيضا ما جاء في إصلاح المنظومة التربوية الفرنسية حيث ورد في هيكلة التعليم الابتدائي أنه يتضمن طورين؛ الأول ومدته سنتان وهو طور التعلمات الأساسية وهي تعلم الحديث والقراءة والكتابة والحساب، والثاني مدته ثلاث سنوات وهو طور التعميق ويشكل الخطوة الرئيسية نحو التعلم الذاتي[4].

وهكذا لا نجد أي نظام تربوي تخلو إصلاحاته من تناول هذا البعد المحوري والرئيسي في عملية الإصلاح.

2-2 البعد البيداغوجي

يقصد بالبعد البيداغوجي كل ما يمس العلاقة المباشرة بين الأطراف المشكلة للموقف التعليمي، من مناهج دراسية ووسائل تعليمية وأساليب واستراتيجيات تدريسية... وما يلاحظ على الإصلاحات المختلفة أن هذا البعد يحتل المكانة القصوى في جلها، وأن التعديلات التي تحدث فيه تكون هي الغالبة إذا قورنت مع البعدين الآخرين، وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى كونه موجها نحو العلاقة المباشرة بين مختلف الأطراف المشكلة للموقف التعليمي وخاصة ما تعلق منها بالعلاقة بين المعلم والتلميذ. والدليل على ذلك أن المناهج الدراسية هي أكثر المجالات التي يمسها الإصلاح التعليمي في مختلف النظم التربوية، وهي أكثر المجالات التي يعتبر التغيير والتجديد فيها سريعا إذا ما قورنت بالمجالات الأخرى[5]. وكمثال على هذا البعد نذكر الإصلاحات التي تمس المناهج التعليمية، ففي الجزائر مثلا تم في المناهج الجديدة تبني المقاربة بالكفاءات كامتداد للمقاربة بالأهداف التي كانت توجه المناهج القديمة. وقد جاء تبرير ذلك كما يلي: "المناهج الجديدة جاءت لتثري هذه التجربة الأولى واعتمدت المقاربة بالكفاءات التي هي في الواقع امتداد للمقاربة بالأهداف وتمحيص لإطارها المنهجي والعلمي. وتتلخص المقاربة المعتمدة في المناهج الجديدة في الإجابة على الأسئلة التالية:

- ما الذي يتحصل عليه التلميذ، في نهاية كل مرحلة، من معارف وسلوكيات وقدرات وكفاءات؟

- ما هي الوضعيات التعليمية/التعلمية الأكثر دلالة ونجاعة لإكسابه هذه الكفاءات وجعله يتمثل المكتسبات الجديدة بعد تحويله لمكتسباته السابقة؟

- ما هي الوسائل والطرق المساعدة على استغلال هذه الوضعيات المحفزة لمشاركة المتعلم في تكوين ذاته مشاركة مسؤولة؟ 

- كيف يمكن أن يقوّم مستوى أداء المتعلم للتأكد من أنه قد تمكن فعلا من الكفاءات المستهدفة؟"[6].

إن هذه التساؤلات ذات طابع بيداغوجي محض، وهي تعبر بوضوح عن المقصود بهذا البعد، والجزائر ليست البلد الوحيد الذي تتعرض مناهجه للمراجعة والتعديل، وهذا راجع للتغيرات المحلية والدولية التي تفرض مثل هذه المراجعة. وكمثال على التغييرات التي حدثت في مناهج بعض المنظومات العالمية نجد المناهج الجديدة في فرنسا سنة 2002[7]، والمناهج الجديدة في المغرب سنة 2001[8]، وقد تم في هذه المناهج أيضا تبني المقاربة بالكفاءات، وهو ما يعبر عن الطابع العالمي الذي بدأت تأخذه هذه المقاربة. ولسنا هنا بصدد مناقشة مدى صحة أو خطأ تبني هذه المقاربة في هذا البلد أو ذاك، وإنما الغرض الرئيسي من هذه الأمثلة، هو توضيح معنى البعد البيداغوجي وحصة الأسد التي ينالها في أغلب الإصلاحات في العالم.

2-3 البعد التاريخي

البعد التاريخي بكل اختصار هو الخبرات الماضية ذات التأثير المستمر، ونظرا لمحورية هذا البعد في دراستنا، فقد ارتأينا أن نخصص له مبحثا مستقلا من أجل الوقوف على مكوناته وتأثيراتها المختلفة في المنظومة التربوية.

1- البعد التاريخي ومكوناته

1-1 مفهوم البعد التاريخي

 إن تناولنا للبعد التاريخي، يكون في سياق الصراع الذي يشهده العالم على كافة المستويات، وبطبيعة الحال فإن تركيزنا سيكون على المستوى التربوي بالدرجة الأولى لما في ذلك من علاقة مباشرة بالموضوع ولما تحتله التربية من مكانة بارزة في كل الجهود المتعلقة بالتنمية والرقي والتفوق الحضاري. و مكانة التاريخ في أي مجتمع تبرز في منظومته التربوية، لأن المدرسة هي حاضنة الأجيال وهي أكثر المؤسسات تأهيلا لتخريج جيل متشبث بانتمائه متطلع للتفوق في عالم يسوده الصراع ولا مكانة فيه للضعفاء.

إن النظام التربوي في أي مرحلة من مراحل تطوره ما هو إلا امتداد لخبرات تربوية سابقة، قد تكون ماثلة للملاحظة، وقد تكون متغلغلة في أعماق المجتمع، تؤدي دورها الكبير في السلوك وهي مع ذلك غير ظاهرة للعيان، بحيث تبدو لكثير من الناس وكأنها عديمة التأثير. وقد عبر مايكل سادلر M.Sadler عن هذا المعنى بأسلوب بليغ حين قال: "يجب أن لا ننسى أن هناك أشياء خارج المدرسة قد تكون أكثر أهمية من الأشياء التي في داخلها، بل إنها قد تتحكم في هذه الأشياء الأخيرة وتفسيرها، ولا يمكننا أن نجول بين النظم التعليمية، ونقطف زهرة من غصن وبضعة أوراق من غصن آخر، ثم نتوقع أننا لو غرسنا ما جمعناه في تربة بلدنا فإننا نحصل على نبات حي. إن النظام القومي للتعليم كائن حي، وهو نتاج الصراعات التي نسيناها، ونتاج الصعاب والمعارك التي قامت منذ أمد طويل[9]". فما نلاحظه اليوم على مختلف الأنظمة التربوية من تغييرات وتجديدات لا يمكن بحال من الأحوال فصلها عن الامتداد التاريخي، وإلا فإن الحكم على هذه الأنظمة يكون حكما سطحيا، بعيدا عن الفهم الحقيقي لنشأتها وتطوراتها. وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على الأنظمة التربوية عبر التاريخ، فإنه لا يمكن وصف كل خبرة وقعت في الماضي بأنها مؤثرة على النظام التربوي الحالي. فالحضارات في مسار تشكلها الطويل عرفت أحداثا تاريخية كثيرة، ولكنها لم تحتفظ إلا بما يتناسب مع بقائها وديمومتها، وما لا يتعارض مع وجودها المستقل المحافظ على خصائصها.

إن الأحداث والخبرات الماضية ذات التأثير المستمر في الخبرة التربوية الحالية مهما كانت مستوياتها وميادين تحقيقها، وبمختلف مكونات هذه الأحداث والخبرات، هي التي يمكننا من تسميتها بالبعد التاريخي. وبهذا فإننا نميز بين الأحداث والخبرات التاريخية التي انتهى تأثيرها، وبين تلك التي مازالت مؤثرة. ومن هنا فإن البعد التاريخي يعني بالضرورة استمرار التأثير في الأنظمة التربوية المعاصرة. ويكفي للدلالة على هذا التأثير الجدل القائم حول أهمية البعد التاريخي بمختلف مكوناته في الإصلاحات التربوية المتتالية، إذ يكفي مجرد هذا الاختلاف للدلالة على ذلك، سواء كان الموقف مؤيدا أو مخالفا.

1-2 مكونات البعد التاريخي

 كل نظام تربوي يتأثر لمكونات البعد التاريخي للمجتمع، وقد وجدنا أربع مكونات للبعد التاريخي، ثلاث منها مشتركة بين الأنظمة التربوية وهي اللغة والتراث والتفاعل الحضاري التاريخي، و واحد منها يختلف من نظام لآخر حسب الطابع السياسي والاجتماعي، و يتمثل هذا المكون في الدين أو ما يعتمده المجتمع من أيديولوجيا أو فلسفة تقوم مقامه.

ولدراسة هذه المكونات، سنقوم بعملية إسقاط مباشرة على العالم العربي الذي تنتمي إليه الجزائر، وذلك على النحو التالي:

  • الإسـلام

لقد شكلت الرسالة الإسلامية التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نقطة تحول حاسمة في تاريخ الأمة العربية، إذ لم يكن لهذه الأمة وجود على الساحة العالمية بالمفهوم الحضاري للوجود، وتاريخ الأمة العربية قبل الإسلام لا يكاد يذكر لنا أي إسهام في الجهد الحضاري البشري، في الوقت الذي كانت فيه الحضارات القديمة في قمة ازدهارها وعطائها، ونخص بالذكر الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية. وبهذا يمكننا القول بأن الإسلام كان السبب في نقل الأمة العربية من اللاوجود إلى الوجود الحضاري. وقد سجل ابن خلدون في مقدمته هذه الحقيقة وهو يتكلم عن علاقة الحضارة والعمران عند العرب بالدين الإسلامي، بحيث قدم وصفا للعرب إذا تركوا الدين ووصفا آخرا إذا تدينوا. ففي الحالة الأولى يقول عنهم بأن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب والسبب في ذلك هو: "أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقا وجبلة، وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له، فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب، وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له". ثم يقدم نماذج سلوكية تدل على هذا الواق ع، من ذلك أنهم إذا احتاجوا إلى خشب فإنهم يهدمون أوتاد البيوت فيسقطون السقف، وإذا احتاجوا إلى الحجر فإنهم يخربون المساكن وهكذا. وهم في الاقتصاد لا يرون قيمة للصنائع والحرف، وفي السياسة تجدهم متنافسين على الرئاسة وقل ما يسلم أحدهم الملك لغيره حتى ولو كان ابنه
أو أباه أو أخاه. و هكذا فإن العرب إذا تخلوا عن الدين تحكمت في سلوكهم طبيعتهم البدوية وسيطرت عليهم نزعتهم الوحشية. أما عن الحالة الثانية فإنه يصفهم بأنهم لا يحصل لهم ملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين ويبرر ذلك في كونهم: "لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة و بعد الهمة والمنافسة في الرئاسة. فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم. وذلك بما يشملهم من الدين المذهِب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك"[10]. وهكذا فإن العرب لم يعرفوا استقرارا ولا حضارة إلا بعد أن شرفهم الله تعالى بالإسلام، فخرجوا من جفوتهم وغلظتهم وتحولوا إلى دعاة خير ينشرون نور الله في الأمصار.

وما لبثت أن أخذت رقعة الإسلام تزداد انتشارا، وهو على خلاف الهجمات الاستعمارية كان يدخل إلى البلدان برضا أهلها، وذلك لما اتضح الهدف من قدوم الفاتحين، إذ كان همهم نشر الإسلام ولا يأبهون بعد ذلك بمن تولى زمام الحكم هل هو من العرب أم من العجم. وهو الأمر الذي يفسر به الانسجام الحاصل بين مختلف الشعوب العربية. وقد ذكر الأستاذ "خميس بن حميدة" أن النمو الحاصل في التربية بصفة عامة في العالم العربي في سياق ديني ولغوي وثقافي متميز بدرجة عالية من التشابه والانسجام. ذلك لأن هذا الوطن الممتد من المحيط إلى الخليج العربي يدين سكانه بنفس الدين ويتكلمون نفس اللغة وتجمعهم نفس العادات والتقاليد. وهذا السياق الثقافي المنسجم يشكله أساسا الدين الإسلامي، الذي تبرز أهمية التربية فيه الآية الأولى التي نزلت من القرآن الكريم: "اقرأ باسم ربك الذي خلق[11]". وحث رسوله الكريم على طلب العلم ولو بالصين[12].

لقد ترك الإسلام آثارا جليلة في العالم العربي، ومن أهم هذه الآثار نجد؛ نقل العرب من الشرك والوثنية إلى التوحيد، توحيد قبائل العرب المتشتتة والمتحاربة، اتساع الرقعة الجغرافية للعالم العربي، تخليد اللغة العربية بخلود القرآن، التطور الكبير في مختلف العلوم والدخول إلى مصف الأمم المتقدمة.

وبهذا يكون الإسلام بفعل تشجيعه على طلب العلم والبحث في شتى مجالات المعرفة، قد غير واقع العالم العربي رأسا على عقب. فلقد نقل الإسلام العرب من قبائل غارقة في الأمية والجهل والحروب، إلى أمة رائدة في الحضارة والعلوم. من قبائل مرتبة في ذيل الأمم، إلى أمة متقدمة بكل معايير التقدم، مازالت آثار هذا التقدم شاهدة على عبقرية البناء الحضاري إلى يومنا هذا. 

  • اللغـة العربيـة

سمي العالم العربي بهذا الاسم رغم أن دين الغالبية العظمى من شعوبه هو الإسلام، تمييزا له عن العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية، وهكذا كانت النسبة إلى اللغة وليست إلى الدين.

و ممن تناول دراسة اللغة كظاهرة اجتماعية نجد العلامة ابن خلدون وذلك حين اعتبرها في مقدمته ملكة صناعية يتناقلها الناس جيلا عن جيل ويضرب كمثال لذلك اللغة العربية فيقول: "المتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعده فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال"[13].

وتكمن أهمية اللغة في كونها وسيلة الاتصال الأساسية بين الأفراد، كما أنها وسيلة نقل المعرفة والأفكار، وكل نظام معرفي يفرض أسلوبه اللغوي الذي يتمكن بواسطته من توصيل المعرفة وإشاعتها[14]. كما أن انتشار لغة ما في العالم دليل على قوة حضارة أصحاب تلك اللغة، وهذا ما أراد توضيحه صموئيل هنتنغتون S.Huntington حين قال: "إن توزيع اللغات في العالم عبر التاريخ كان يعكس توزيع القوة في العالم. إن أغلب اللغات انتشارا في العالم (الإنجليزية، الماندرينية، الإسبانية، الفرنسية، العربية، الروسية) هي الآن أو كانت لغات الدول الإمبراطورية والتي طورت بفعالية استخدام لغاتها من قبل شعوب أخرى"[15].

فاللغة بهذا المعنى تصبح إحدى أهم مكونات خصائص شخصية أي أمة، وكثيرا ما تنسب اللغة إلى اسم الوطن كتقديم لخاصية من أهم خصائصه[16]. ومن هنا سعت مختلف البلدان الحريصة على هويتنها إلى جعل لغتها الوطنية تتبوأ المكانة المرموقة في نظامها التعليمي، ولا تلجأ إلى أية لغة أجنبية إلا لغرض نفعي يتجلى في مظهرين:

- إذا كانت اللغة الأجنبية تحتوي على معارف يصعب الوصول إليها باللغة الأم، فتدرس تلك اللغة لهدف علمي وتقني محض، ويحصن المتعلم حينئذ ضد أي تأثر ثقافي بتلك اللغة.

- إذا كان الهدف استطلاعيا وأدائيا يسهل على الأفراد الاتصال ببقية المجتمعات بمختلف اللغات، دون أن تكون لأي منها صفة السيطرة والمنافسة للغة الأم.

تتعدى اللغة العربية في المجتمعات العربية أهميتها من حيث كونها مجرد وسيلة للاتصال إلى كونها الأداة الأساسية في فهم الإسلام، ومن هنا أخذت اللغة العربية بعدا دينيا، رغم أن الإسلام في أصله ليس دينا قوميا بل هو دين للبشرية جمعاء. وقد جعل ابن خلدون علاقة اللغة العربية بالدين الإسلامي سببا لعناية العلماء بلغة مضر، وذلك لكون آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة إنما وردت بها دون غيرها من لغات العرب كالحميرية وغيرها، ومرد ذلك إلى اختلاط اللسان العربي بالعجم بعد الفتوحات الإسلامية وما نجم عنها من احتكاك بين مختلف اللغات[17]. ولعل هذه الصلة الوثيقة بين الإسلام واللغة العربية هي التي جعلت الصراع يشتد في مجال لغة التعليم في بعض الأنظمة التربوية العربية، وما تشهده الجزائر في السنوات الأخيرة من تصورات مختلفة حول مكانة اللغة في المنظومة التربوية خير شاهد على ذلك.

اللغة ومعركة الهوية في الجزائر: لقد أخذنا الجزائر كنموذج لأهمية اللغة في إثبات الهوية وتأكيدها لسببين رئيسيين:

الأول: لأن الجزائر خضعت لاستعمار قاس أراد أن يجردها من كل عناصر هويتها، مستعملا في ذلك كل الأساليب، خاصة ما تعلق منها بالبرامج الدراسية التي كانت تقدم للجزائريين وكأنهم فرنسيون وهذا رغم قلتهم في المدارس الاستعمارية. وفي مقابل ذلك خاض المستعمر حربا لا هوادة فيها على كل الجهود التي بذلها العلماء والمصلحون للمحافظة على الشخصية الحضارية للمجتمع الجزائري.

الثاني : لأن الجزائر لا تخلو من تعددية لغوية نابعة من تاريخها، وقد عبر الدستور الجزائري في صيغته المعدلة سنة 2000 صراحة عن هذه التعددية حين اعتبر اللغة العربية لغة وطنية ورسمية، واعتبر كذلك اللغة الأمازيغية لغة وطنية، وبالتالي يقع على عاتق الدولة الجزائرية الاهتمام بها وترقيتها لتنال المكانة التي تستحقها في المجتمع.

ومن هنا نجد أن الصراع اللغوي في الجزائر أخذ شكلين مختلفين:

الأول : صراع من أجل الهوية خاضه العلماء والمصلحون والمخلصون من أبناء هذا الوطن، وهو صراع بين أصيل منسجم مع التاريخ ومعبر عن الحقيقة اللغوية بجناحيها العربي والأمازيغي، وبين دخيل جلبه المستعمر معه، ليس لغرض لساني بل بهدف محو مكونات الهوية الجزائرية، ويتمثل في لغة المستعمر التي أراد فرضها على الجزائريين بكل الأساليب والطرق.

وما يدل على حدة الصراع أن الجزائر إلى يومنا هذا لم تستقر على وضع لغوي يميزها على أرض الواقع، لأنه باستثناء الدستور الذي يعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد، فإن الواقع يكرس الازدواجية اللغوية بعيدا عن الأغراض العلمية والتواصلية. وما معنى أنه بعد أكثر من عشرين سنة من الشروع في تطبيق المدرسة الأساسية التي جعلت التعريب من أولى أولوياتها، يتم إدراج تعليم اللغة الفرنسية ابتداء من السنة الثانية ابتدائي، ثم تأخيرها للسنة الثالثة تحت ضغط الصعوبات الميدانية، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى قبل تطبيق المدرسة الأساسية. وقد كان بالإمكان استغلال الواقع اللغوي الذي أحدثته المدرسة الأساسية لتتفتح المدرسة الجزائرية على لغات عالمية أخرى وبصفة خاصة اللغة الإنجليزية التي يكون استعمالها في الجزائر دائما لتحقيق أغراض علمية وتواصلية بعيدا عن إحداث صراع بينها وبين اللغة العربية.

إن الصراع اللغوي في الجزائر بين العربية والفرنسية هو صراع من أجل الهوية، ولا يمكنه أن ينتقل إلى تحقيق هدف تنموي أو تكنولوجي أو تواصلي إلا إذا عادت للغة العربية المكانة الجديرة بها واعتبرت الفرنسية لغة أجنبية مثلها باقي اللغات التي لم تخضع الجزائر لاستعمار أصحابها.

الثاني : صراع هامشي ومفتعل بين من يريد فرض اللغة العربية وإلغاء الأمازيغية كواقع لغوي لا يمكن القفز عليه، وبين من ينكر اللغة العربية ويعتبرها لغة دخيلة على المجتمع الجزائري جلبها الفاتحون الأوائل ليغيروا الواقع اللساني في الجزائر. وقد يعجب البعض من هذا الوصف الأخير للغة العربية، ولكن يوجد فعلا من يرى بذلك وبأسلوب يحمل الكثير من الحقد على العرب، واعتبر ما حملوه للجزائر من دين ولغة إنما تم فرضه بقوة السلاح. ومن هؤلاء نجد يحيى موهوب الذي يرى بأن الأمازيغ حافظوا على أصالتهم لمدة 1600 سنة حتى جاء الإسلام الذي اعتبره غزوا: "فقد دخلت هذه الرسالة إلينا بحد السيف وعلى أسنة الرماح والغزاة... هم الفاعلون للغزوات اقتحموا البلاد للقتل باسم الله والله أكبر...". ويذهب الكاتب بعيدا في تطرفه إلى حد مطالبة العرب بالتعويض عما لحق الأمازيغ من انسلاخ وتنكر للذاتية والأصالة التي يعتبرها جرائم لا تقل خطرا وضررا عن جرائم الحرب في هذا العصر[18].

إن ما يمكن استنتاجه من الوضع اللغوي في الجزائر سواء قبل الاستعمار أو أثناءه أو بعده، أن اللغة المؤهلة لتحقيق الانسجام والتقبل الاجتماعي هي اللغة المنبثقة من التاريخ الخاص بالجزائر، وبالتالي فإن ما ينبغي التأكيد عليه هو إعطاء اللغة العربية مكانتها اللائقة بها كلغة رسمية وطنية في كافة المجالات، ونفس الشيء بالنسبة للغة الأمازيغية كلغة معبرة عن العمق التاريخي، والتي لم تندثر رغم كل ما عانته من إهمال وتهميش لعقود طويلة وحتى بعد الاستقلال.

  • التراث

جاء في تعريف التراث بأنه: "كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر"[19].

وجاء في تصنيف التراث، أنه موزع على نوعين بارزين هما التراث الشعبي والتراث الرسمي. فالتراث الشعبي هو: "كل ما يتصل بالتنظيمات والممارسات الشعبية غير المكتوبة وغير المقننة، والتي لا تستمد خاصية الجبر والإلزام من قوة القانون والدستور الرسمي للدولة.. بقدر ما تستمدها مباشرة من خاصية الجبر والإلزام الاجتماعي غير المباشر". أما التراث الرسمي فهو: "كل ما يتعلق بالتنظيمات والممارسات الرسمية المقننة المكتوبة، وما يرافقها من أفكار وأيديولوجيات ومذاهب وأحزاب وتنظيمات والتي تستمد قوتها وفاعلية تنفيذها من السلطة السياسية والتنفيذية للدولة، أكثر مما تستمده من خاصية الإلزام الاجتماعي المباشر"[20].

ومن أمثلة التراث نجد العادات و التقاليد والتراث الأدبي والعلمي والآثار التي تركها الأوائل...

التراث والحداثة

لقد تعددت الآراء حول علاقة التراث بالحداثة، فنجد في هذا المجال تصورين متناقضين في العالم العربي، بين من يرى أنه لا تنمية لهذا العالم ولا خروج من دائرة التخلف إلا بترك التراث جانبا والإقبال على ما هو موجود في العالم الغربي من أسباب الرفاهية وعوامل التطور والازدهار في كافة المجالات. في حين نجد الطرف الآخر يرفض أي تعامل مع الأفكار الجديدة، ويرى بأنه لا أمل في التطور إلا بالتشبث القوي بالتراث وما تركه السلف. و بين هذين الرأيين المتناقضين نجد رأيا ثالثا يقف موقف الوسط، و يرى في كلا الرأيين قفزا عن الواقع وإهمالا للشروط الموضوعية لتحقيق التطور. فعلى قدر ما بالغ الطرف الأول في الذوبان ونكران الخصائص الحضارية، بالغ الطرف الآخر في الانغلاق وتعامل سلبيا مع مختلف التغيرات الحاصلة على كافة الأصعدة. وفي تصورنا أن منشأ هذا الإشكال هو الاحتكاك الذي وقع بين العالمين العربي والغربي، وهو احتكاك غير متكافئ من حيث أن العالم الغربي عمل على تضييق سبل التطور الحقيقي أمام العالم العربي، وما فتحه من أبواب يكرس التبعية التامة ويزيد من حدة الصراع بين مختلف الأطراف.

قدسية التراث

من خلال التعريف الذي قدمناه للتراث، فإنه لا يحمل أي طابع تقديسي، لأن القدسية لا تكون إلا للدين. وبالتالي فإن المعيار الحقيقي والمرجع الرئيسي لأي تقديس لا بد أن يستند للدين، وما دام التراث هو مجموعة العادات والتقاليد والاجتهادات والإبداعات التي تناقلتها الأجيال، فإنه لا وجود لأي حرج من انتقاده والأخذ منه والرد عليه، ما لم يتعارض هذا الانتقاد والأخذ والرد مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وقد سلك هذا المسلك علماء الإسلام الكبار، الذين أخرجوا القاعدة الشهيرة وهي قاعدة لا اجتهاد مع النص. أي ما عدا نصوص الكتاب والسنة، فإن كل المسائل قابلة للاجتهاد فيها، وكل ما قاله العلماء والمجتهدون قابل للأخذ منه أو رده، وقد عبر عن هذا المعنى أحسن تعبير الإمام مالك رحمه الله حين قال: "كل يؤخذ من رأيه ويرد إلا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا هو رأي الإمام مالك وهو يقصد كبار المجتهدين في عصر التابعين وما بعدهم، فإن الأمر يكون أكثر تأكيدا مع غيرهم. إلا أن عدم قدسية التراث لا تقلل من أهميته أو تحط من شأنه في كونه أحد مكونات البعد التاريخي، وبالتالي ضرورة مراعاته في أي عملية إصلاحية. وإن هذا التفسير الذي قدمناه للتراث يجعلنا نميز بين فئتين من الدارسين له، فئة تنكره لذاته لمجرد كونه يحمل دلالة تاريخية ذات صلة بخصائص الأمة العربية ومميزاتها، وهذا الرأي مرفوض لأنه يعبر عن الطرح الإلغائي للبعد التاريخي، وفئة أخرى ترفض بعض ما جاء من التراث، باعتباره لا يرقى إلى مستوى الدين في قدسيته والعمل بأحكامه وتشريعاته، وهو الرأي المقبول لأنه طرح واقعي يخضع في نفس الوقت للشرع ومتطلبات الواقع.

 التفاعل الحضاري التاريخي

يقصد بالتفاعل الحضاري التاريخي ذلك الاحتكاك الذي تم عبر العصور بين العالم العربي ومختلف الحضارات. وإن كانت درجة تأثيره ليست بنفس المستوى الموجود في المكونات السابقة، إلا أن التاريخ الثقافي للمجتمعات العربية يحمل في طياته ذلك التأثر الواضح بالثقافات اليونانية والرومانية والهندية والفارسية، ويكفي للدلالة على ذلك ما جلبه العالم العربي من فوائد علمية حينما عمدت الخلافة العباسية إلى تشجيع ترجمة الكتب الأجنبية لا سيما اليونانية منها والهندية والفارسية وما نتج عن ذلك من تحسين في نوعية البرامج التعليمية في ذلك الوقت [21]. و على سبيل المثال نجد احتكاك العرب بالفلسفة اليونانية، وما جلبوه من فائدة كبيرة لحضارتهم ، وذلك في سياق الحرص على تنقيتها من الشوائب التي تتعارض مع حضارتهم. ولم تخرج استفادة الغرب من الحضارة العربية عن السياق نفسه الذي استفاد من خلاله العرب من اليونان وغيرهم. وينبغي أن يدخل احتكاك العرب بالغرب المسيطر حاليا في نفس السياق. فالغرب استثمر الإبداع العربي وطوره ، كما استثمر العرب الإبداع اليوناني وطوروه، والتفاعل الحضاري نشاط بشري مستمر لا يعرف توقفا.

1- إصلاح مناهج المواد ذات الصلة بالبعد التاريخي

خصصنا هذا العنصر لإصلاح مناهج المواد ذات الصلة بالبعد التاريخي في الجزائر، كتناول منطلق من الواقع التربوي الجزائري، وهذا من أجل معرفة كيف وظف النظام التربوي الجزائري هذا البعد في عملية الإصلاح ، وأهميته في تحقيق الأهداف المسطرة، ومدى استجابة هذا التوظيف لتحقيق التنمية المنشودة. إذ أن استثمار البعد التاريخي يظهر بوضوح في إصلاح المناهج الدراسية من حيث التفاعل الحاصل بين عناصرها من جهة وبين مكونات البعد التاريخي من جهة أخرى.

وسنقتصر في دراسة المناهج الدراسية على ثلاث مواد نراها متضمنة للبعد التاريخي بشكل واضح وهي التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ، على أن تكون دراستنا هذه موجهة للمرحلة الابتدائية، وذلك لأهمية هذه المرحلة في تكوين الشخصية، ولمكانتها في كل نظام تربوي، ولكون النجاح فيها مؤشر على النجاح في بقية المراحل.

وسنركز في دراستنا لكل مادة على المقارنة بين المناهج الحالية (المقاربة بالكفاءات) والمناهج السابقة (المقاربة بالأهداف)، حتى نقف على نتيجة إصلاح مناهج كل مادة، وذلك على محورين رئيسيين هما الأهداف والمحتويات.

1-2 التربية الإسلامية

 من حيث الأهداف:

مراعاة للاختلافات التي تفرضها المقاربة المعتمدة في كلا المنهاجين، فإننا نلاحظ أن الطريقة التي قدمت بها الأهداف متشابهة إلى حد بعيد، بحيث نجد في كلا المنهاجين ذكر الأهداف الخاصة بالمرحلة، ثم ذكر الأهداف الخاصة بكل سنة.

نلاحظ في الإصلاح السابق أن الدين الإسلامي كمكون من مكونات الهوية الجزائرية قد ذكر في خمسة مستويات يتعلق الأول منها بمنطلقات المنظومة التربوية الجزائرية والثاني في المبادئ العامة والثالث في مهمة وأهداف التعليم الأساسي والرابع في أهداف التربية الإسلامية في التعليم الابتدائي والخامس في الأهداف الخاصة بكل سنة. و نقدم فيما يلي ما ذكر حول الدين الإسلامي في المستويات الثلاثة الأولى، باعتبار أنه لم يسبق ذكرها أثناء تقديم أهداف تدريس المادة. ففي منطلقات المنظومة التربوية الجزائرية جاء ما يلي: "الإسلام هو الذي صاغ ملامح الشخصية الوطنية للشعب الجزائري وأعطى لكيانه الدائم أبعاده الأساسية وطابعه المتميز... لقد فهم الشعب الجزائري الإسلام على أنه بالإضافة إلى قيمه الروحية السامية، وتعاليمه السمحة، نظام اجتماعي كامل متكامل يرمي على إقامة مجتمع إنساني تسوده العدالة والحرية والمساواة، ويعمل فيه كل فرد لدنياه كأنه يعيش أبدا، ولآخرته كأنه يموت غدا..."[22]. و ورد في المبادئ العامة كأحد منطلقات النظام التربوي الجزائري وذلك في مستهل المادة الثانية: "رسالة النظام التربوي في نطاق القيم العربية الإسلامية والمبادئ الاشتراكية هي..."[23]. وجاء في مهمة وأهداف التعليم الأساسي في الفقرة الرابعة من المادة 25 ما يلي: "أسس العلوم الاجتماعية ولاسيما المعلومات التاريخية والسياسية والأخلاقية والدينية، ويهدف هذا التعليم إلى توعية التلاميذ بدور ومهمة الأمة الجزائرية والثورة و رسالتهما بالقوانين التي تحكم التطور الاجتماعي كما يهدف إلى إكسابهم السلوك والمواقف المطابقة للقيم الإسلامية والأخلاقية الاشتراكية"[24]. أما في المناهج الجديدة فقد ذكر الإسلام كمكون من مكونات الهوية الجزائرية في خمسة مستويات أيضا، يتعلق الأول منها بالغايات التربوية وملمح التخرج من التعليم القاعدي، والثاني بالكفاءات الأساسية للتعليم القاعدي، والثالث بأهداف تدريس التربية الإسلامية في مرحلة التعليم الابتدائي والرابع بملمح التخرج من التعليم الابتدائي، والخامس بالأهداف الخاصة بكل سنة. و نذكر فيما يلي ما ورد في الغايات وملمح التخرج، وفي الكفاءات الأساسية للتعليم القاعدي، وذلك لعدم ذكرنا لها أثناء تقديم المناهج الخاصة بهذه المادة. فقد ذكر في الغايات وملمح التخرج ما يلي: "تثمين الإرث الحضاري الذي نحمله، خاصة من خلال معرفة تاريخ الوطن وجغرافيته، والارتباط برموزه، والوعي بالهوية، وتعزيز المعالم الجغرافية والتاريخية والروحية والثقافية، التي جاء بها الإسلام وكذا بالنسبة للتراث الثقافي والحضاري للأمة الجزائرية"، وقد ذكر هذا العنصر ضمن قيم الهوية التي ذكرت بعد قيم الجمهورية والديمقراطية. وذكر أيضا؛ الشعور بالانتماء لمجتمعه، الشعور بالهوية الثقافية من خلال كل تركيباتها، الضمير الأخلاقي والمدني والديني. وفي الكفاءات الأساسية ذكر عنصر واحد له علاقة مباشرة بالمادة وهو الاستشهاد ببعض الآيات من القرآن الكريم، وقد ذكر ضمن الكفاءات ذات الطابع الاجتماعي والشخصي. ولا نجد في المناهج الجديدة أية إشارة إلى الاشتراكية، باعتبار أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة بفعل التعددية واقتصاد السوق وشتى التغيرات المرتبطة بهما. ونرى أن إدراج الاشتراكية ضمن منطلقات المنظومة التربوية الجزائرية في المناهج السابقة، لا ينسجم مع مقومات المجتمع الجزائري، لهذا فإن الواقع قد أزاحه من هذه المنظومة بينما المنطلقين الآخرين وهما الإسلام واللغة العربية بقي هذا الواقع يفرضهما ويؤكد أهميتهما مرحلة بعد أخرى. ومع هذا الخطأ الوارد في الإصلاحات السابقة، فإننا نعتبره أكثر تأكيدا على أهمية التربية الإسلامية من المناهج الجديدة، وذلك باعتبار الحجم المخصص لها في المنطلقات والمبادئ والأهداف. فالإسلام في المناهج الجديدة لم تخصص له فقرات باعتباره منطلقا من منطلقات المنظومة التربوية الجزائر، بل ذكر فيما لا يتعدى الفقرة الواحدة ضمن مجموعة من العناصر ذكرت في قيم الهوية، هذه القيم التي جاءت في المرتبة الثانية من الغايات المذكورة بعد قيم الديمقراطية والجمهورية، وهو ما يوحي بأن مكانة التربية الإسلامية قد تزعزعت أهميتها في المناهج الجديدة. وفي ملمح التخرج من التعليم القاعدي لم تذكر التربية الإسلامية بالاسم ولكن ذكرت ضمنيا في العناصر التي سبقت الإشارة إليها. أما في الكفاءات الأساسية فقد ذكر فقط الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم، وكأن بقية المجالات لا يمكن أن تكون كفاءة أساسية. وبهذا فإن التربية الإسلامية باعتبارها أداة تحقيق الهوية الجزائرية في مكونها المتعلق بالإسلام، أكثر تعبيرا عن المفهوم الذي قدمناه للبعد التاريخي في المناهج السابقة منها في المناهج الجديدة، رغم عدم التطابق التام لكلا المنهاجين مع هذا المفهوم.

نلاحظ أن ترجمة الأهداف العامة إلى أهداف خاصة وإجرائية في المناهج السابقة أكثر انسجاما من ترجمة الكفاءة الختامية إلى أهداف خاصة وكفاءات قاعدية في المناهج الجديدة. فحين نقرأ وظائف وأهداف وغايات تدريس التربية الإسلامية في مرحلة التعليم الابتدائي، فإننا نجدها في عمومها تمثل مصدرا حقيقيا لاستخراج الأهداف الخاصة بكل سنة، ومثال ذلك الأهداف الواردة في السنة الأولى فإننا نجدها تعبر عن الوظائف والأهداف والغايات بصفة كاملة، فلا نجد أي هدف منها لا توجد له قاعدة في الأهداف العامة. وإذا ما أخذنا نفس السنة في المناهج الجديدة، فإننا نجد بعض الأهداف الواردة فيها هي التي تحتوي الكفاءة الختامية وليس العكس. مثال ذلك الهدف الأول الذي ينص على: "الإفصاح عن الانتماء للدين الإسلامي والوطن والاعتزاز بهما"، فهذا الهدف في تصورنا أعم وأشمل من الأهداف المعبرة عنه والتي ذكرت في الكفاءة الختامية لمرحلة التعليم الابتدائي، فأصبح هدفا تفصيليا أعم من كفاءة ختامية وهو عكس المطلوب. ويعبر عن نفس المعنى الهدف الأخير المذكور ضمن أهداف السنة الأولى وهو: "التفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي من خلال الاتصال بالآخرين والتعاون معهم وفق القواعد الخلقية والقيم الإسلامية المكتسبة". ويدل على هذا المعنى أيضا هدف آخر ورد ضمن أهداف السنة الثانية ونصه: "التعرف على بعض الآداب الإسلامية و السلوكيات الحميدة وممارستها وترسيخ بعض القيم الإسلامية". وما يمكن استخلاصه من هذه الملاحظة أنه سيكون من الصعب التأكد من تحقيق الكفاءة الختامية للمرحلة الابتدائية، باعتبار أن هذا التحقيق يتم عن طريق إعادة تركيب الأهداف الخاصة بكل سنة والكفاءات القاعدية، التي يشترط فيها أن تكون مفصلة للكفاءة الختامية وليست أعم منها.

فيما يتعلّق بمراعاة متطلبات المقاربة في كلا المنهاجين ، نرى أن الأهداف المتعلقة بالمجال المعرفي قابلة للقياس والتقويم السليم، أما الأهداف المتعلقة بالمجال الوجداني، وهي أهداف لها أهميتها نظرا لخصوصيات المادة، فإن قياسها يتطلب ملاحظة السلوك الذي يعبر عن التفاعل الموجود بينه وبين ما رسخ في وجدان التلميذ من أركان الإيمان وحب الخير لنفسه وغيره، و هي مواضيع واردة في كلا المنهاجين، ويبقى الدور الأكبر للتأكد من تحقيقها ملقى على عاتق المفتشين والمعلمين.

من حيث المحتويات:

نلاحظ أن طريقة التناول مختلفة تماما بين المنهاجين، فبينما نجد المناهج السابقة جاءت بالطريقة التقليدية المعروفة، وهي ذكر المجال ثم المواضيع المدرجة ضمنه، نجد في المناهج الجديدة مجموعة من العناصر مذكورة إلى جانب المجال والمواضيع. كما هو الحال في محتويات السنة الأولى، حيث ذكرت عناصر جديدة غير موجودة في المناهج السابقة وهي؛ الكفاءة القاعدية، وضعيات التعلم، مؤشر الكفاءة وأخيرا عدد الحصص. وكما هو ظاهر من خلال هذه العناصر ما عدا العنصر الأخير، فإن سبب إدراجها يعود إلى متطلبات المقاربة بالكفاءات، بحيث ترتبط الكفاءة القاعدية بالوحدة التعليمية، ووضعيات التعلم باستراتيجية التدريس ومؤشر الكفاءة بالتقويم، ونجد في هذا التكييف أنه مناسب إلى حد بعيد لمتطلبات المقاربة.

نلاحظ أن المجالات بقيت دون تغيير في المناهج الجديدة، ما عدا إدراج مجال السيرة النبوية كمواضيع دون ذكره بالاسم. ونرى في الإبقاء على نفس المجالات مراعاة لمستوى التلاميذ الذين يصعب معهم الخوض في مجالات أخرى مثل التفسير وأصول الفقه وغيرهما، ونرى أن المجالات المذكورة كفيلة بتحقيق الأهداف المسطرة في كلا المنهاجين.

بينما حافظت المناهج السابقة على نفس الطريقة في التناول، نجد المناهج الجديدة قدمت بطريقتين مختلفتين، بحيث الطريقة التي قدمت بها مناهج السنة الأولى تختلف عن تلك التي قدمت بها في السنتين الثانية والثالثة. ففي السنة الأولى ذكر المجال ثم الكفاءة القاعدية ثم الوحدات ثم وضعيات التعلم ثم مؤشر الكفاءة وأخيرا عدد الحصص. بينما في السنتين الثانية والثالثة ذكر المحتوى المعرفي للوحدة ثم الكفاءات المستهدفة ثم النشاطات المقترحة وأخيرا العناصر المفاهيمية للبناء. ونرى في هذا التناول الجديد مجرد تغير شكلي في بعض العناصر، بحيث استبدلت عبارة الوحدات بعبارة المحتوى المعرفي للوحدة ووضعيات التعلم بالنشاطات المقترحة ومؤشر الكفاءة بالعناصر المفاهيمية للبناء، ونرى في التسمية السابقة أكثر دقة ودلالة على متطلبات المقاربة. كما أننا نرى أنه كان من الأفضل الإبقاء على عدد الحصص، لأن في ذلك مساعدة للمعلم على التحكم في الحجم الساعي. أما عنصر المجال فإن عدم ذكره يعتبر إجراء مناسبا، باعتبار أن المقاربة بالكفاءات تؤكد على الإدماج بين العناصر، وهو ما يصعب تحقيقه بالمجال الذي لا يشترط في محتوياته وجود رابط بينها. وهي نفس الملاحظة التي نسجلها على استعمال طريقة المشاريع، وهي بديل للمجال يتلاءم مع المقاربة بالكفاءات، وهذا دليل آخر على أنه كان من الأفضل عدم ذكر المجال في السنة الأولى. ونستنتج من هذه الفروق أن الإبقاء على طريقة واحدة في التناول أفضل من الإكثار منها، وهذا حتى يكون مسار البناء واحدا ومنسجما وحتى لا يقع المفتشون والمعلمون في سوء فهم أثناء تطبيق المناهج.

فيما يخص العلاقة بالأهداف، نجد أنه في كلا المنهاجين يوجد انسجام كبير بين الأهداف المنتظرة وبين المحتويات المخصصة لها. إلا أننا نجد هذا الانسجام في المناهج السابقة هو أحسن منه في المناهج الجديدة، وذلك لورود بعض الأهداف دون وجود ما يقابلها من مواضيع. وكمثال على ذلك نأخذ السنة الثالثة، بحيث نجد كل أهدافها منسجمة مع المواضيع المخصصة لها في المناهج السابقة، بينما في المناهج الجديدة نجد عنصرا رئيسيا ذكر في الأهداف ولم يذكر في المواضيع وهو عنصر أركان الإيمان، الذي ذكر في ملمح التخرج بعبارة: "متمسكا بمبادئ العقيدة الإسلامية من خلال تعداد وشرح أركان الإيمان شرحا إجماليا". وذكر في الكفاءة الختامية بنفس العبارة تقريبا[25]. وعوض أن نجد موضوع أركان الإيمان، فإننا وجدنا موضوع أركان الإسلام، وكما هو واضح فإنه يوجد فرق بيّن بين الموضوعين. ولا نتصور أن الأمر يتعلق بمجرد خطأ مطبعي أو شكلي، بدليل أنه في الملمح والكفاءة الختامية قدم لأركان الإيمان بالتمسك بمبادئ العقيدة الإسلامية. وهذا كله دليل آخر على الطابع الاستعجالي الذي كان طاغيا على تصميم المناهج الجديدة.

الدين الإسلامي هو مكون رئيسي من مكونات البعد التاريخي للمجتمع الجزائري، لم تنل الأهمية اللائقة بها من حيث المحتويات في المناهج الجديدة، والدليل على ذلك أن هذه المحتويات كانت أكثر ثراء في المناهج السابقة، سواء من حيث الكم أو النوع. فمن حيث الكم رأينا كيف أن عدد المواضيع المدرجة في المناهج السابقة يساوي حوالي ضعف المواضيع الموجودة في المناهج الجديدة، ومن حيث النوع فإن المواضيع المقررة في المناهج السابقة أكثر استجابة لحاجة الطفل من التربية الإسلامية، ورأينا ذلك بوضوح من خلال المقارنة بين المواضيع المدرجة في منهاجي السنة الأولى، بحيث كانت في المناهج السابقة أكثر تحقيقا للمستوى المطلوب خاصة في مجالي العقيدة والسلوك.

1-3 اللغة العربية

من حيث الأهداف:

فيما يتعلق بأهداف تدريس اللغة العربية في كلا المنهاجين يمكننا تسجيل ما يلي:

لم تذكر كفاءات خاصة بالطور الأول بالنسبة للغة العربية في المناهج الجديدة، وإنما ذكرت في سياق الكفاءات ذات الطابع الاتصالي لمرحلة التعليم القاعدي ككل، أي إلى غاية السنة الرابعة من التعليم المتوسط. بينما نجد المناهج السابقة قد تناولت هذه الأهداف ليس في السياق العام وإنما في السياق الخاص باللغة العربية في الطور الأول، وذلك على مستويين هما؛ وظائف تعليم اللغة، والأهداف المنتظرة من تعليم اللغة. وما يمكن استنتاجه من هذه الملاحظة، أن تفصيل الأهداف بالنسبة للبرامج السابقة سيكون أسهل وأكثر نجاعة من تفصيل الكفاءات في المناهج الجديدة. لأنه حتى إذا عوضنا مصطلح الأهداف بالكفاءات، فإن التفصيل السليم للكفاءات خلال كل سنة يتطلب تحديد كفاءات خاصة بكل طور بعد تحديد الكفاءات الخاصة بالمرحلة.

نلاحظ في المناهج السابقة أن هناك طريقة واحدة في تقديم الأهداف مطبقة على المرحلة ثم الطور ثم السنة ثم النشاط. فنجد الأهداف المنتظرة من تعليم اللغة في نهاية المرحلة الأولى ثم وظائف تعليم اللغة في الطور الأول ثم الأهداف المنتظرة في نهاية السنة الأولى وأخيرا وظائف وأهداف كل نشاط، وإن لم يرد الترتيب على هذا الشكل، بحيث سبق الطور على المرحلة وقدم النشاط على السنة، فإن سياق التناول يؤكد على الترتيب الذي أوردناه، لأنه الترتيب المنطقي الذي يتطلبه التسلسل من العام إلى الخاص. بينما لا نجد هذا الانسجام في تقديم الأهداف في المناهج الجديدة، بحيث تختلف طريقة التقديم من سنة لأخرى، فلا نجد سنة تشبه الأخرى.

نلاحظ أن عدد الأهداف والكفاءات الواردة في المناهج الجديدة كثير جدا إذا ما قارناه بعدد الأهداف المذكورة في المناهج السابقة، ولإثبات هذا المعنى نأخذ كمثال السنة الأولى في كلا المنهاجين. فقد جاءت الأهداف المنتظر تحقيقها في نهاية السنة في المناهج الجديدة موزعة على محورين هما الأنشطة التعليمية وأهداف التعلم. وقد جاءت الأولى مستقلة وعددها 34 هدفا، بينما جاءت الثانية كتفصيل للكفاءات القاعدية المذكورة في مجالات التعلم وعددها 52 هدفا، أي ما يساوي في المجموع 86 هدفا.

من حيث المحتوى نأخذ كمثال السنة الثانية؛ وأول ما نسجله أن المجالات المتضمنة للأنشطة اللغوية بقيت دون تغيير تقريبا، والتغيير الوحيد الذي حصل هو في عنوان المجال، بحيث تغير التعبير الشفوي في المناهج السابقة إلى التعبير الشفوي والتواصل في المناهج الجديدة، والقراءة إلى القراءة والمطالعة، والكتابة إلى التعبير الكتابي، مع الإشارة إلى أن المجالات المذكورة في الأهداف والكفاءات ليست هي نفسها المذكورة في المحتويات كما سنرى ذلك أثناء المقارنة من حيث المحتويات.

فيما يتعلق بمكانة اللغة العربية في المناهج الدراسية باعتبارها مكون من المكونات الرئيسية للبعد التاريخي، نجد أنها ذكرت في كلا المنهاجين كعنصر رئيسي من عناصر الهوية الوطنية، إلا أننا نلاحظ أن هذه المكانة في المناهج السابقة كانت أكبر. فقد ذكرت اللغة العربية في منطلقات المنظومة التربوية الجزائرية ومبادئ تنظيمها وفي المبادئ العامة وفي مهمة وأهداف التعليم الأساسي وفي أهداف تعليم اللغة العربية باعتبارها مادة من المواد التعليمية. ففي منطلقات المنظومة التربوية الجزائرية جاءت العبارة التالية لتدل على مكانة اللغة العربية وأهميتها: "لقد اهتدى الشعب بثاقب حدسه إلى أن ازدهار قيمه الثقافية والأخلاقية لا يمكن أن يتم إلا باسترجاع لغته الوطنية وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية. ذلك أن اللغة العربية وهي إحدى المقومات الأساسية للشعب الجزائري في استمراريته و عبقريته، إنما تعبر عن مطلب جماهيري دائم يتمثل في ضرورة إيجاد تربية تكون في متناول الجميع لأنها تمنح لكل فرد... وهكذا فإن إزالة الرواسب الاستعمارية، ولاسيما فك القيود المضروبة على اللغة العربية واعتمادها لغة التعليم، والعمل، والتعامل، والثقافة، قد كانت بطبيعة الحال مهمة مستعجلة أسندت إلى المنظومة التربوية بعد الاستقلال..."[26]. وفي المبادئ العامة جاء في المادة الثامنة: "يكون التعليم باللغة العربية في جميع مستويات التربية والتكوين في جميع المواد"[27]. وفي مهمة وأهداف التعليم الأساسي جاء في الفقرة الأولى من المادة 25: "دراسة اللغة العربية بحيث يتقنون التعبير بها مشافهة وتحريرا. وتهدف هذه الدراسة التي تعتبر عاملا من عوامل شخصيتهم القومية إلى تزويدهم بأداة العمل والتبادل وتمكينهم من تلقي المعارف واستيعاب مختلف المواد، كما تتيح لهم التجاوب مع محيطهم"[28]. أما في أهداف تعليم اللغة العربية كمادة من المواد التعليمية، فإننا نجد الكثير من الأهداف التي تدل على تدريس اللغة العربية في سياق ربط التلميذ بمكونات هويته وتمكينه من الانسجام مع قيمه الاجتماعية. من ذلك ما جاء في الوظيفة السادسة من وظائف تدريس اللغة العربية في الطور الأول: "أن تربط الطفل بالمفاهيم والقيم السائدة في مجتمعه"[29]. وجاء في أهداف تعليم القراءة كمحور من محاور اللغة العربية في السنة الثالثة: "تنمية مدارك التلاميذ وتهذيب نفوسهم"[30]. وفي التعبير الشفوي نجد: "مساعدتهم على فهم البيئة المادية والاجتماعية والاتصال بها"[31]. وهكذا نجد الاهتمام باللغة العربية في كل مراحل صياغة المشروع الإصلاحي، من المنطلقات إلى الأهداف الخاصة. بينما لا نجد هذا الاهتمام على نفس المستوى في المناهج الجديدة، إذ لم يرد ذكرها إلا في مواضع محدودة، وبأسلوب لا يدل على نفس الأهمية السابقة. من ذلك أنها ذكرت في الغايات التربوية الكبرى للتعليم القاعدي ضمن قيم الهوية وبعد قيم الجمهورية والديمقراطية بالعبارة التالية: "ضمان التحكم في اللغات الوطنية..."[32]. هكذا بعبارة التحكم وضمن اللغات الوطنية، دون الإشارة إلى مكانتها الدستورية مقارنة مع بقية اللغات، ولم نفهم لماذا وردت اللغات الوطنية بصيغة الجمع، مع أن الدستور في صيغته المعدلة سنة 2002 ينص على لغتين فقط هما اللغة العربية واللغة الأمازيغية. أما بقية الأهداف المتعلقة بهذه المادة فهي في عمومها لم تخرج عن الطابع الإجرائي والأدائي الذي يناسب المقاربة بالكفاءات. وفي هذا ما يدل على أن اللغة العربية كانت في مكانة أحسن في المناهج السابقة، وإن كثرة الإشادة والاهتمام بها في سياق المكونات الحضارية للأمة الجزائرية في المناهج السابقة يتناسب إلى حد بعيد مع المفهوم الذي قدمناه للبعد التاريخي.

إذا كانت الأهداف تدل على مكانة أية مادة في المنهاج، فإنه في مجال اللغة بإمكاننا أن نتناول هدف تدريس اللغة الأجنبية في مرحلة التعليم الابتدائي لنعرف هل تشكل هذه اللغة مادة منافسة للغة العربية، أم أن إدراجها في المنهاج لا يتعدى الجانب التقني والتواصلي البحت. ومن خلال الإطلاع على هدف تدريس اللغة الأجنبية في كلا المنهاجين يمكننا استنتاج أن اللغة العربية في المناهج السابقة كانت في مأمن من أي منافسة تفرضها عليها اللغة الأجنبية في تشكيل شخصية الطفل، ويمكن إثبات هذه النتيجة من خلال ذكر هدف تدريس اللغة الأجنبية في كلا المنهاجين. ففي المناهج السابقة جاء هدف تدريس اللغة الأجنبية على النحو التالي: "تعليم اللغات الأجنبية بحيث يتاح للتلاميذ الاستفادة من الوثائق البسيطة المحررة بهذه اللغات، والتعرف على الحضارات الأجنبية وتنمية التفاهم المشترك بين الشعوب"[33]. بينما جاء هدف تدريس اللغات الأجنبية في المناهج الجديدة كما يلي: "أن يتحكم في استعمال لغة أجنبية أولى، كالإجابة على أسئلة أو طرحها، والتحاور وقراءة وكتابة نصوص بكيفية صحيحة؛ أن يعرف لغة أجنبية ثانية، يعبر بها، ويقرأ ويكتب فيها نصوصا قصيرة". وإلى حد الآن فإن هذه الأهداف منطقية إلى حد بعيد، ولكن يتضح الأمر في التفصيل الذي ورد حول اللغة الأجنبية الأولى، وذلك في العبارة التالية: "يرمي تدريس اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى إلى منح المتعلم في هذه المرحلة أداة تسمح، له بالتواصل والتعبير وتوظيف مكتسباته اللغوية في نشاطاته المدرسية والشخصية والاجتماعية، والوصول المباشر إلى المعلومات والمعرفة العالمية"[34]. فلنلاحظ كيف تحول الأمر من مجرد لغة أجنبية إلى لغة توظف في نشاطات الطفل الشخصية والاجتماعية، وفي هذا التحول إلى الجانب الشخصي والاجتماعي مشاركة واضحة للدور الذي ينبغي أن يكون محصورا في اللغة الوطنية. ومن جهة أخرى نلاحظ أن اللغة الأجنبية في المناهج السابقة جاءت بصيغة العموم، أي هي لغة غير محددة فقد تكون الفرنسية أو الانجليزية حسب ما تتطلبه المصلحة، ولكنها في المناهج الجديدة جاءت محددة ومذكورة باسمها، إنها اللغة الفرنسية دون غيرها، فإذا كان من مبررات إدخال اللغة الأجنبية الوصول المباشر إلى المعلومات والمعرفة العالمية، فإنه كان من الأولى اختيار اللغة التي تمثل أعلى مستوى في هذه المعلومات والمعارف العالمية. ونجد في الأخير أن سنة الشروع في تدريس اللغة الأجنبية في المناهج السابقة هي السنة الرابعة، بينما نجدها في المناهج الجديدة  متمثلة في السنة الثانية، قبل أن تحول إلى السنة الثالثة، وفي هذا التحويل دليل على خطأ التبكير بتدريس هذه اللغة. وفي كل هذا ما يؤكد على أن مكانة اللغة العربية في المناهج السابقة أكثر استجابة لمتطلبات البعد التاريخي، وبالتالي فإنها كانت في مأمن من أي منافسة تهدد تمسك الطفل بلغته الوطنية.

من حيث المحتويات:

نلاحظ أن المجالات المتضمنة للأنشطة اللغوية بقيت على نفس التناول في المناهج السابقة، ولم تتغير في أي سنة، بينما نجدها في المناهج الجديدة متغيرة من سنة لأخرى. ففي المناهج السابقة نجد المجالات في كل السنوات متمثلة في التعبير الشفهي ثم القراءة وأخيرا الكتابة. بينما في المناهج الجديدة نجدها في السنة الأولى متمثلة في تعبير شفوي وتواصلي ثم القراءة ثم الكتابة ثم الإملاء ثم المطالعة المسموعة ثم التعبير الكتابي والتواصلي وأخيرا نشاط الإدماج. وفي السن الثانية نجد الصيغ ثم التراكيب ثم الكتابة ثم المحاور وأخير المشاريع المقترحة. وفي السنة الثالثة نجد الصيغ ثم الكتابة ثم التراكيب ثم المحاور وأخيرا المشاريع المقترحة. ونرى في تصميم المناهج أنه من الأفضل أن تكون مجالات المادة موحدة وهذا حتى يكون التسلسل منطقيا وحتى نتأكد من البناء المتسلسل للمعرفة وبالتالي تحقيق الكفاءات المنتظرة.

نجد المناهج السابقة قد تضمنت ثلاثة مجالات رئيسية وهي المجالات التي ذكرناها في العنصر السابق، وقد تضمن كل مجال مجموعة من الأبواب، فمثلا نجد في مجال التعبير الشفوي في السنة الأولى أربعة أبواب هي؛ المفاهيم العامة، اللغة (أدوات المعاني والصيغ)، التراكيب الأساسية وأخيرا الموضوعات الفرعية.

من حيث العلاقة بالأهداف، نجد أن محتويات المناهج الجديدة جاءت أقل حجما وكثافة من المناهج السابقة، وفي المقابل نجد الأهداف في المناهج السابقة أقل من أهداف وكفاءات المناهج الجديدة، ومن المفروض أن يكون الأمر خلاف ذلك. بحيث كثرة الأهداف والكفاءات ينبغي أن تقابلها مواضيع تسمح بتحقيقها، وقلة الأهداف تسمح بالتقليل من حجم المحتويات.

وحول العلاقة نفسها نجد كثيرا من الأهداف في المناهج الجديدة لا تقابلها المواضيع المناسبة لها. ونأخذ كمثال لتوضيح هذه الملاحظة أهداف التعبير الكتابي في السنة الثالثة، وهي 18 هدفا، يقابلها 15 موضوعا، أي أن عدد الأهداف أكبر من عدد المواضيع باعتبارها وسيلة لتحقيق الأهداف.

نجد فروقا بين المنهاجين في المجالات المدرجة في كل منهما، من ذلك نجد مجالات قد ذكرت في المناهج الجديدة ولا نجدها في المناهج السابقة مثل المطالعة المسموعة وتعبير كتابي وتواصلي ونشاط الإدماج في السنة الأولى والصيغ والمشاريع في السنتين الثانية والثالثة. ونجد من جهة أخرى بعض المجالات التي تختلف في التسمية وتشترك في المواضيع المدرجة ضمنها، وهو ما يظهر بوضوح في مناهج السنة الأولى، حيث نجد مجالين في التعبير الشفوي وهما المفاهيم العامة واللغة (أدوات التصحيح) احتويا على نفس نوعية المواضيع الواردة في مجال التعبير الشفوي والتواصلي في المناهج الجديدة، وهي نفس الملاحظة التي نسجلها في السنتين الثانية والثالثة مع تغيير تسمية المجال في المناهج الجديدة إلى الصيغ، وتغيير في اللغة من أدوات المعاني والتصحيح إلى الألفاظ في المناهج السابقة.

وأخيرا نسجل بأن اللغة العربية، باعتبارها مكون من مكونات البعد التاريخي، وتبعا للأهداف المسطرة في كلا الإصلاحين، وباعتبار أن المحتويات هي وسيلة تحقيق تلك الأهداف، قد جاءت محتوياتها في المناهج الجديدة مؤكدة بصفة واضحة على الجانب الأدائي، بينما جاء الأداء في المناهج السابقة كوسيلة لارتباط أقوى باللغة في معناها المتعلق بالحضارة والهوية. وليس المقصود أن هذا المعنى غير موجود في المناهج الجديدة، ولكن السياق العام الذي وردت فيه ومكانتها في الغايات الكبرى والأهداف المسطرة لها والمحتويات المحققة لها، كلها عناصر تدل على أنها ليست على نفس الدرجة من الأهمية مقارنة بالمناهج السابقة.

1-4 التاريخ

قبل الخوض في التفصيل، نشير إلى أننا اعتمدنا على المناهج كمرجع أساسي في هذه المقارنة، رغم التغيير الذي طرأ بإدخال تدريس مادة التاريخ بداية من السنة الثالثة، وهو ما تضمنه الكتاب المدرسي لهذه السنة، ولم بصدر في المناهج الدراسية المعتمدة.

من حيث الأهداف:

يمكننا تسجيل الملاحظات التالية فيما يتعلق بالهدف من تدريس مادة التاريخ:

نلاحظ في تقديم مادة التاريخ في كلا المنهاجين ورود الهدف من تدريس هذه المادة، فجاء في المناهج السابقة: "يعتبر التاريخ نشاطا تربويا هاما وأساسيا في تكوين المواطن الواعي المخلص لماضيه والمخلص لأمته، الواثق بنفسه وشعبه وأمته، المتفتح على الثقافات الإنسانية، لذا يجب أن لا يكون نشاطا هدفه سرد الحوادث والأسماء والتواريخ وتحفيظها بل يجب أن تكون حصص التاريخ مناسبة لفهم محيط الطفل بأبعاده (الوطني والقومي والإنساني) وذلك بتحليل الأحداث واستخلاص العبر". بينما وردت في تقديمه في المناهج الجديدة أن تدريس مادة التاريخ لا يرمي: "إلى إكساب المتعلم معارف موسوعية أو مفاهيم وأفكار تتطلب تحليل ودراسة معقدة بقدر ما هي نشاط تربوي إيقاظي تحسيسي عملي أكثر مما هو نظري وتلقيني، يرمي بالدرجة الأولى إلى إثارة وتنمية روح الملاحظة وتنظيمها وتدقيقها، وتدريبه على التعلم بالممارسة وبذل الجهد"[35]. وهكذا نلاحظ منذ البداية فرقا جوهريا في المنهاجين؛ فبينما تشكل مادة التاريخ في المناهج السابقة وسيلة هامة لتكوين المواطن الواعي بكل ما يتعلق بهويته، جاءت في المناهج الجديدة كمجرد وسيلة لتنمية روح الملاحظة وتنظيمها وتدقيقها. وبكل تأكيد فإن عبارة "ترمي بالدرجة الأولى" لها مدلولها الكبير في صياغة المناهج، وهذا ما يجعل بقية الأهداف الواردة في تدريس هذه المادة لا ترتقي إلى مستوى الهدف الرئيسي. ومن هنا يمكننا اعتبار هدف تدريس مادة التاريخ المذكور في تقديم المادة أكثر دلالة على الهوية والحضارة في المناهج السابقة منه في المناهج الجديدة.

فيما يخص أهداف تدريس مادة التاريخ في مرحلة التعليم الابتدائي، ذكر في المناهج الجديدة هدفان هما؛ "مجتمع بقيمه وقواعده التي تنظم المعاملات بين أفراده وعلاقاتهم وبمقوماتهم التي تعزز الروابط بينهم وتحافظ على انسجامهم وعلى وحدتهم وتماسكهم"، "ومجتمع بتاريخه المشترك الذي يحافظ على ذاكرته وثقافته وهويته الوطنية وبسيادته على نفسه التي بدونها لا يمكن له العمل بحرية ومسؤولية لتطوير نفسه وتحسين ظروف حياته بالطريقة والوسائل التي يراها أنفع وأنجع". ونجد هذين الهدفين قد ذكرا كهدفين فرعيين لهدف رئيسي هو؛ "تحسيس التلميذ بالعناصر الأساسية التي تكون محيطه والعلاقات التي تربط بعضها ببعض وما ينتج عن تفاعلاتها". أي أن هذا الهدف الرئيسي لم يخرج في صياغته عن الهدف الوارد في تقديم المادة الذي سبق ذكره في العنصر السابق. بينما نجد الأهداف الثلاثة الواردة في المناهج السابقة أكثر تعبيرا عن الجانب المعرفي وخاصة الوجداني للطفل، فنجد معاني الاحترام والافتخار والاعتزاز، ومنها التطلع إلى مستقبل مشرق للمجتمع الجزائري. ونرى أن أهداف تدريس مادة التاريخ في المرحلة الابتدائية الواردة في المناهج السابقة أكثر تأكيدا على ربط الطفل بتاريخه والاعتزاز به والتطلع من خلاله إلى مستقبل زاهر للجزائر.

نجد أن أهداف تدريس مادة التاريخ في السنة الرابعة من النظام الجديد وردت في معظمها بصياغة تؤكد على الطابع الأدائي والمعرفي، دون وجود أي هدف يشير مباشرة إلى التعلق بأمجاد الأمة وصفحاتها الناصعة عبر التاريخ، ماعدا الهدف الأخير الذي ذكرت فيه مساعدة التلميذ على تكوين الاتجاهات والقيم دون ربطها بسياق تاريخي معين. بينما نجد أهداف تدريس التاريخ في السنة الخامسة من التعليم الأساسي تؤكد على أهمية الجانب الوجداني وعلى ربط التلميذ بالأحداث التاريخية التي يدرسها، وهذا الربط يكون بغرس روح الاعتزاز بالانتماء للوطن الجزائري في قلب التلميذ. وهذه الملاحظة تؤكد ما سبق ذكره في العنصر السابق من أن المناهج السابقة أكثر تأكيدا على ربط التلميذ بتاريخ وطنه من المناهج الجديدة.

نلاحظ في أهداف تدريس التاريخ في مرحلة التعليم الابتدائي في كلا المنهاجين أنها كانت مركزة على الماضي القريب للمجتمع الجزائري، وكان من الأفضل أن تتناول إلى جانب ذلك الجذور التاريخية للمجتمع الجزائري، وذلك بالتعرض للمحطات التاريخية الكبرى منذ التاريخ القديم إلى التاريخ الحديث، وهذا بطبيعة الحال بمراعاة مستوى فهم التلاميذ. ونرى أنه من شأن هذا التناول أن يجعل التلاميذ أكثر فهما لمجتمعهم وخصوصياته، خاصة في مرحلة التعليم الابتدائي حيث تكون شخصية التلميذ في طور التشكيل، فيصبح التاريخ أكثر من مجرد مادة معرفية، فيفهم التلميذ أن التاريخ المشترك لأفراد الشعب الجزائري يجعل مصيرهم واحدا، فيكون تطلعه كبيرا في تأكيد المكانة التي احتلتها الجزائر عبر تاريخها الطويل.

نلاحظ في كلا المنهاجين ذكر الأهداف التفصيلية، للأهداف الخاصة بالسنة، بحيث وردت هذه الأهداف على شكل كفاءات قاعدية في المناهج الجديدة، بينما وردت على شكل أهداف إجرائية في المناهج السابقة. وإن الإطلاع على هذه الأهداف يؤكد أن المناهج السابقة كانت أكثر تأكيدا على ربط التلميذ بتاريخ وطنه. بحيث لا نكاد نجد في الكفاءات القاعدية الثلاثة المذكورة في المناهج الجديدة أية إشارة إلى الاعتزاز والافتخار بتاريخ الوطن، بينما نجد الإشارة إلى هذا المعنى في أكثر من موقع، من ذلك نجد الاعتزاز بثورة أول نوفمبر، غرس روح التضحية في سبيل الوطن بالاقتداء بالشهداء، إبراز قوة إرادة الشعب في التحدي والتضحية، التأكيد على استمرارية الثورة بعد الاستقلال وتغير أساليب الكفاح...

من ناحية مراعاة متطلبات المقاربة، نلاحظ أن الكفاءات القاعدية الواردة في المناهج الجديدة أكثر استجابة لمتطلبات المقاربة بالكفاءات من استجابة الأهداف الإجرائية في المناهج السابقة لمتطلبات المقاربة بالأهداف. بحيث جاءت الكفاءات القاعدية أكثر قابلية للقياس والتقويم السليم من الأهداف المذكورة في المناهج السابقة. كما أن الكفاءات القاعدية تصب مباشرة في أداء الطفل، بينما جمعت الأهداف المذكورة في المناهج السابقة بين أداء الطفل وبين أهداف أخرى ليست إجرائية، مثل إبراز قوة إرادة الشعب في التحدي والتضحية، إبراز تضامن ثورتنا مع الشعوب المكافحة...

من حيث علاقة الأهداف بالمحتويات، نلاحظ في المناهج الجديدة بعض الكفاءات لا يوجد ما يحققها في المحتويات، من ذلك ما ورد في الكفاءة القاعدية الأولى حول قدرة المتعلم على تمييز الوقائع الأكثر بروزا في منطقته، فإننا لا نجد ما يقابلها في المحتويات، بل نجد المحتويات المناسبة لها موجودة في الوحدة التعلمية الثالثة، التي خصصت بكاملها لمعرفة خصائص ومميزات المنطقة والولاية. وعلى العكس من ذلك نجد أن كل الأهداف الواردة في المناهج السابقة منسجمة تماما مع المحتويات المخصصة لها. ونستنتج من هذه الملاحظة أن الأهداف المذكورة في المناهج السابقة أكثر انسجاما مع المحتويات من تلك الواردة في المناهج الجديدة.

نلاحظ في الأهداف والكفاءات المذكورة في  المناهج الجديدة أنه يغلب عليها الطابع البيداغوجي، بحيث كان التركيز فيها على مراعاة الأداء ومتطلبات المقاربة بالكفاءات أكثر من الأهداف المتعلقة بتدريس مادة التاريخ نفسها، التي تعتبر مادة لها أهمية كبيرة ضمن المواد التي تربط التلميذ بوطنه ومقومات شخصيته وتاريخ أمته. ونجد هذا التركيز على الجانب البيداغوجي أقل في المناهج السابقة التي يظهر فيها بوضوح ربط التلميذ بتاريخ وطنه وغرس الاعتزاز بالانتماء لهذا الوطن الذي قام أبناؤه البررة بمحاربة الاستعمار واسترجاع السيادة الوطنية. ورغم كون الاهتمام بهذا الجانب هو في المناهج السابقة أكبر منه في المناهج الجديدة، فإننا نلاحظ أنه في كلا المنهاجين لم يتم هذا الربط بالمستوى المطلوب، بحيث أن الأهداف المسطرة لم تكن في مستوى تاريخ هذا الوطن العزيز، وكان من المفروض أن تكون الأهداف مركزة على دراسة الأحداث المخلدة لمجد الوطن من أجل استعادة تلك الأمجاد والرفع من شأن الوطن في عصرنا الحالي، وهو ما يجعل التاريخ بالفعل مادة مؤثرة في سلوك التلميذ على كافة المستويات، وتغرس فيه التطلع إلى استعادة أمجاده بكل ما أوتي من قوة، وخاصة قوة العلم والمعرفة والأخلاق التي تميز بها أسلافه.

من حيث المحتويات:

نسجل في البداية ذلك الاختلاف الموجود في طريقة التناول، بحيث نجد في المناهج السابقة ذكر المحاور ثم المواضيع وأخيرا الأهداف، بينما نجد في المناهج الجديدة الوضعيات التعلمية التي تمت إحالتها على الوثيقة المرافقة ثم المفاهيم الأساسية وأخيرا الأداءات والنشاطات، ولم تذكر الكفاءة المستهدفة لكل موضوع، وهو ما نراه خطأ لأن الكفاءة القاعدية المذكورة شملت كل المواضيع الواردة في الوحدات التعليمية، وذكر الكفاءات المستهدفة من شأنه أن يجعل عملية التقويم أسهل. و السبب الرئيس في هذه الاختلافات بين المنهاجين يعود إلى الاختلاف في المقاربة المعتمدة، وبالتالي فهو اختلاف منطقي ولا يدل على أفضلية إحدى الطريقتين على الأخرى.

نلاحظ في المناهج الجديدة ورود محتويات خاصة بالمنطقة والولاية، كما هو الحال في الوحدة التعليمية الثالثة، بينما نجد الخبرات التاريخية المذكورة في المناهج السابقة ذات طابع وطني. ونرى أنه من الخطأ تخصيص الحديث حول المنطقة والولاية في هذه المرحلة، فالاعتزاز ينبغي أن يكون بالوطن كله وليس بجزء منه، وهذا حتى ينشأ الطفل على حب الوطن منذ نعومة أظفاره.

لا نجد في المناهج الجديدة للسنة الرابعة ابتدائي أية إشارة إلى التفاعل التاريخي الحضاري الذي وقع بين الجزائر ذات الانتماء الحضاري العربي الإسلامي وبين بقية الحضارات، سواء في شكله السلبي أو الإيجابي، بينما نجد المناهج السابقة قد تناولت هذا التفاعل في شكله السلبي من خلال الاستعمار الفرنسي الذي يحمل خصائص حضارية تختلف تماما عن تلك التي يتميز بها المجتمع الجزائري. ونرى أن إدراج مثل هذه المواضيع من شأنه أن يجعل الطفل مدركا أكثر للمكانة التي ينبغي أن يحتلها وطنه ومستوى الرقي الذي يجب عليه بلوغه حتى لا يكون مرة أخرى عرضة لأي مطامع استعمارية من الدول القوية. كما أن تناول الصراع الذي وقع بين الجزائريين والاستعمار الفرنسي يجعل الطفل مدركا لأهمية المحافظة على قيم المجتمع الجزائري التي تعتبر الأداة الأساسية للتحصين من أي ذوبان في حضارة الآخر.

في المناهج السابقة تم تناول الماضي القريب للمجتمع الجزائري المتمثل في ثورة التحرير المجيدة، بينما لا نجد في المناهج الجديدة تفصيلا لهذا الماضي، ما عدا الإشارة إلى الحقب التاريخية الخاصة بمنطقته وليس بالوطن ككل. ونرى أنه كان من الأفضل في كلا المنهاجين تناول المراحل التاريخية الكبرى التي مرت بها الجزائر، حتى يعرف الطفل امتداد تاريخه الوطني، وأن الجزائر بلد ذو ماض عريق وليس حديث النشأة، وكل هذا يجعله يحب أكثر هذا الوطن.

تبعا للأهداف المذكورة في كلا المنهاجين، فإننا نجد أن محتويات مادة التاريخ في المناهج السابقة أكثر تأكيدا على ربط التلميذ بتاريخ وطنه، على اعتبار أن أغلب محتويات المناهج الجديدة ذات طابع تحسيسي وإيقاظي. بينما لا نجد في المناهج السابقة إلا محورا واحدا من المحاور الستة خصصت مواضيعه للمعرفة التاريخية، أما المحاور الخمسة الأخرى فقد خصصت مباشرة لتاريخ الثورة التحريرية بتفاصيل تدل على ربط التلميذ بهذا التاريخ.

من خلال ما ذكرناه في العناصر السابقة، نجد أن محتويات مادة التاريخ في المناهج السابقة أكثر انسجاما مع البعد التاريخي، باعتبار أن المواضيع المقررة تصب في مجملها في ربط التلميذ بوطنه من خلال الصراع مع المستعمر ومحاربته حتى تكون الجزائر ذات سيادة، وهو شرط رئيسي لخوض معركة التنمية والتقدم. وقولنا أكثر انسجاما يعني أنه حتى المناهج السابقة لم تحقق المعنى التام للبعد التاريخي، على اعتبار أن الربط جاء مقتصرا على الماضي القريب، وكان من الأفضل تناول جذور المجتمع الجزائري في هذه المرحلة المبكرة، وبصفة خاصة المراحل التاريخية الحاسمة مثل دخول الإسلام إلى الجزائر، حتى تكون أكثر رسوخا وتأثيرا في شخصية الطفل.

1- قراءة في كتاب التربية الإسلامية في السنتين الأولى والثانية ثانوي

1-2 كتاب التربية الإسلامية للسنة الأولى ثانوي

جاءت المجالات التي تضمنها برنامج التربية الإسلامية لهذه السنة وهي؛ العقيدة والفقه والسنة النبوية والسيرة النبوية والأخلاق وسلوك من أجل ترسيخ جملة من القيم عند التلميذ تتمثل أساسا في القيم الإيمانية والتعبدية والقيم الفكرية والعلمية والقيم الاقتصادية والمالية والقيم الإعلامية والتواصلية والقيم الفنية والجمالية والقيم الصحية والبيئية. وهي قيم كما هو واضح من تسمياتها تمس جوانب مهمة من حياة التلميذ، وتنسجم هذه القيم تماما مع ما ورد في مناهج السنة الأولى من التعليم الثانوي، كما تنسجم مع النصوص التشريعية التي توجه النظام التربوي الجزائري، والأهم من ذلك أنها تنسجم مع الخصائص الحضارية للمجتمع الجزائري، الذي يعتبر الدين الإسلامي أهم عنصر من مكونات البعد التاريخي. ونلاحظ في هذه القيم أن تقديمها جاء بصيغة تضمنت اهتمام الإسلام بالقيم الإنسانية والعالمية التي لا تتعارض مع مبادئه السامية، وهي قيم من شأنها أن تجعل التلميذ أكثر تفتحا على الحضارات الأخرى، كما أنها إن تحققت في وجدانه وسلوكه تجعل هذا التفتح في إطار المحافظة على انتمائه وهويته الحضارية.

1-2 كتاب التربية الإسلامية للسنة الثانية ثانوي

تضمن هذا الكتاب المجالات التالية: القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، العقيدة، الفقه، السيرة النبوية، الأخلاق والسلوك وأخيرا تاريخ التشريع الإسلامي.

وجاء في تقديم الكتاب: "ارتكزت هذه المجالات على منظومة القيم الإسلامية، التي تعتبر الموجه لسلوك المتعلم خاصة وهو في مرحلة المراهقة، فقد أدرج التفسير الموضوعي في دراسة النصوص الشرعية بدلا عن التفسير التحليلي، وأضيفت أحكام تلاوة القرآن حتى يتمكن المتعلم من النطق الصحيح للقرآن الكريم... كما يقوم المتعلم بتحليل بعض الوثائق التنظيمية التي صدرت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته...".

ونلاحظ في محتويات الكتاب، أنها جاءت منسجمة مع المنهاج الدراسي لهذه السنة، كما أنها لم تخرج عن التوجيهات الكبرى للنصوص الرسمية المتعلقة بالنظام التربوي الجزائري.

خلاصة

لقد حاولنا في هذه الورقة أن نركز على عملية الإصلاح التربوي وما تواجهه من تحديات، في عالم يعتبر الصراع أهم مميزاته، وباعتبار العلاقة الوثيقة بين المناهج الدراسية والكتب المدرسية، فإنه بإمكاننا القول أن المنهاج المستجيب لمتطلبات التحدي والمنسجم مع الذات الحضارية والاجتماعية والمتوفر على الشروط البيداغوجية، يعتبر المدخل الرئيسي لإعداد كتب مدرسية تتوفر فيها كل الشروط التي تجعل من التلميذ مهيئاً لتمثل منظومة القيم التي تعتبر التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والتربية المدنية من أهم المواد المحققة لها.

 الهوامش

[1] وزارة التربية الوطنية: مخطط العمل لتنفيذ إصلاح المنظومة التربوية، أكتوبر 2003، ص 9.

[2] نفس المرجع، ص 10.

[3] الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ضمن سلسلة مراجع قانونية رقم 17، منشورات المركز المغربي للإعلام، الطبعة الثانية 2003، ص 23.

[4] Ministère de l’éducation nationale ; Qu’apprend-on à l’école élémentaire ? Les nouveaux programmes, Centre Nationale de Documentation Pédagogique, imprimé en France février 2002, PP 24, 58,154.

[5]  محمد منير مرسي (1996)، مرجع سابق، ص 77.

[6] وزارة التربية الوطنية؛ مديرية التعليم الأساسي:  مناهج السنة الأولى من التعليم الابتدائي، الجزائر 2003، ص 4.

[7] Ministère de l’éducation nationale (février 2002), op. cit.

[8] لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي والإعدادي والتأهيلي: مراجعة المناهج التربوية؛ الكتاب الأبيض، المغرب 2001.

[9] د. وهيب إبراهيم سمعان : دراسات في التربية المقارنة، مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة الأولى 1958،
ص 7-8، وانظر أيضا حول نفس المعنى : محمد منير مرسي : الاتجاهات المعاصرة في التربية المقارنة، عالم الكتب القاهرة، طبعة مزيدة ومنقحة 1993، ص 40 .

[10] عبد الرحمن بن خلدون : المقدمة، ضبط وشرح: محمد الإسكندراني، دار الكتاب العربي، بيروت 2004، ص 148-150.

[11] سورة العلق الآية 1.

[12] W. D. Halls : Education comparée : Questions et tendances contemporaines, étude préparée pour le Bureau International de l’Education. UNESCO 1990 P 295 – 296.

[13]  ابن خلدون، مرجع سابق، ص 508.

[14] ماجد عرسان الكيلاني : فلسفة التربية الإسلامية؛ دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية والفلسفات التربوية المعاصرة، مؤسسة الريان بيروت 1998، ص 303.

[15] صموئيل هنتنغتون : صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، ترجمة: ملك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، مصراته (ليبيا) 1999، ص 138.

[16] مثال ذلك الألمانية نسبة لألمانيا، الفرنسية نسبة لفرنسا.. .

[17] ابن خلدون، مرجع سابق، ص 510.

[18] محمد العربي ولد خليفة: المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 2003، ص 166.

[19] حسن حنفي: التراث والتجديد؛ موقفنا من التراث القديم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة، بيروت 2002، ص 13.

[20] حمود العودي: التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية في البلاد النامية؛ دراسة تطبيقية عن المجتمع اليمني، عالم الكتب، القاهرة 1981، ص 19.

[21]  W.D Halls, op. cit.  P 296.

[22] وزارة التربية الوطنية: تنظيم التربية والتكوين في الجزائر (الأمر رقم 35 المؤرخ في 16 أفريل 1976)، المديرية الفرعية للوثائق، الطبعة الثالثة 1995، ص 10.

[23] نفس المرجع، ص 17.

[24] نفس المرجع، ص 20.

[25] - وزارة التربية الوطنية (يوليو 2004)، مرجع سابق، ص 46.

[26]  وزارة التربية الوطنية (1995)، مرجع سابق، ص 8 – 9.

[27] نفس المرجع، ص 17.

[28] نفس المرجع، ص 19.

[29] وزارة التربية الوطنية؛ مديرية التعليم الأساسي: مناهج التعليم الأساسي للطور الأول، الجزائر 1996، ص30.

[30] نفس المرجع، ص 66.

[31] نفس المرجع، ص 59.

[32] وزارة التربية الوطنية (يوليو 2004)، مرجع سابق، ص 6.

[33] وزارة التربية الوطنية (1995)، مرجع سابق، ص 20.

[34]  وزارة التربية الوطنية (يوليو 2005)، مرجع سابق، ص 19-20.

[35]  وزارة التربية الوطنية (يوليو 2005)، مرجع سابق، ص 78.